الفصل السادس

رسالة جروسروفر الثانية

طائرٌ طنان١ بريشٍ متعدد الألوانِ على خلفية غابة شديدة الكثافة، كان طابع البريد الضخم يشغل حوالي ربع المظروف ذي النوعية الرديئة، الذي ناولَته بيرت للسيد روش عبْر الستائر المغلقة. أمسك بالرسالة.

– جروسروفر! صاح من وراء الستائر.

ظهر رأسُه من بين شقَّتَي الستارة المخملية.

«لقد قلتُ لك يا بيرت إنه سوف يوالينا بأخباره.»

وغامزًا بعينه: «إنه سوف يوالينا بها دومًا.»

ابتسمَت بيرت لأنها تذكَّرت غضبها المفاجئ مؤخرًا على تعبير «فورًا، عمَّا قليلٍ». وأزاحت الستائر.

بالنظر إلى المظروف من قربٍ لمح أن الرسالة تحمل عنوانًا: شرطة مانوس. ولاية أمازوناس. إنه ليس جروسروفر. فتح السيد روش المظروف، وهو مغمومٌ، متوخيًا الحذر — هذه المرة — ألا يمزق طابع البريد. فتحَت بيرت النوافذ المُطِلة على الفناء.

– زفت، زفت وزفت!

استدارت مندهشة، لم يكن من عادة السيد روش أن يقول ألفاظًا بذيئةً، مدَّ لها الرسالة، شاحب الوجه.

بلغةٍ إنجليزيةٍ تقريبية، أعلن المفوض الرئيسي لشرطة مانوس — اسمه، من الصعب قراءته، كان يشبه شيئًا مثل «جرينديروس» — أعلن المفوَّض جرينديروس أن السيد الجار جروسروفر مات في حريقٍ شبَّ في منزله في ضواحي المدينة. لقد وُجد جسمه متفحمًا تمامًا. إن مستخدمًا هنديًّا لدى جروسروفر، اكتشف في الأنقاض رسالةً سلَّمها بعد الحادث ببضعة أيام إلى الشرطة. كانت الرسالة مرفقة.

إن المظروف الذي تغير لونُه من اللهب، كان مطابقًا لمظروف رسالة جروسروفر الأولى، كان يحمل اسم السيد روش وعنوانه. كان خط جروسروفر بلا شكٍّ.

ثبَّت السيد روش الوسائد وراء ظهره، وجلسَت بيرت على طرف السرير.

– إن ذلك يشبهه تمامًا! يموت في اللحظة نفسها التي وجد أحدنا الآخر!

فتح السيد روش المظروف، ووجهُه شاحبٌ، قرَّب الصفحات منه. كان منفعلًا جدًّا. سحبَت بيرت الأوراق بلطفٍ من يدَيه وبدأَت تقرأ.

مانوس، سبتمبر ١٩٩٢م
عزيزي π R،

ليس لديَّ سوى بضع ساعاتٍ أمامي، إنها فقط الوقت لأعطيك بعض التفسيرات. أنا أَدين لك بذلك. أولًا أفسِّر لك لماذا الأمازون. أراك من هنا لكن ما الذي ذهب يفعله هناك؟ كنتُ أختنق في أوروبا، إنك تعرف احتياجي النهم إلى التنفس: «ستة لترات على مقياس التنفس»، «جذع مثل خزانة نورماندية»، كان ذلك تعبيرك. إلى أين الذهاب؟ إلى «رئة العالم». «أكبر خزان أكسجين على كوكب الأرض» بالطبع! الغابة الأمازونية. هنا، صدقني تنفستُ ملء رئتي، غير أن الأمور تتغير منذ بضع سنوات، هؤلاء الأوغاد يحرقون الغابة، تندلع حرائق في كل مكانٍ، إنها حسرةٌ أن يرى المرء مساحاتٍ كبيرةً بحجم مقاطعاتٍ كاملةٍ تختفي وتتحول إلى دخانٍ، مَن سيوقفهم؟

وأنا أغادرُ باريس، كان حاضرًا في ذهني هذا المَثل البرتغالي من القرن السادس عشر. «بعد تجاوز خط الاستواء، لا توجد هناك خطيئة». أفحص الخريطة، تقع مانوس بعد خط الاستواء بدرجتَين أو ثلاث درجات على الأكثر. بإقامتي في هذه المدينة، غيَّرتُ في آنٍ واحدٍ البلد والقارة ونصف الكرة الأرضية.

وكانت مدينة حياتها خلفها، مثلي. إن الوقت يمُر، لنذهب إلى ما هو جوهري. في المقام الأول، يجب عليَّ أن أقول لك ما كان ولَع عمري، على أية حال ولَع العقود الأربعة الأخيرة. وإلا فبدون ذلك لن تفهم شيئًا مما سيتَتَابع. بعد بضع سنوات من العمل الشاق، كنتُ أُمضي أسابيعَ كاملةً في قلب الغابة دون أن أرى أحدًا، استقرَّت داخلي فكرةٌ ولم تغادرني قط، وحدها أتاحت لي البقاء على قيد الحياة وسط أخطارٍ لا تُصَدَّق. لقد قررتُ أن أحلَّ بعض الحدسيات٢ الأكثر شهرةً في مجال الرياضيات! إن ذلك لن يقول لك شيئًا بلا شك. كان عملًا ضخمًا وجبَّارًا.

لماذا هذه الفكرة التي طرأَت لعديدين قبلي؟ لكي أقارن نفسي بعمالقة الرياضيات في الماضي، والتفوق عليهم؟ لا، لم يكن لديَّ قط ميلٌ للمنافسة. بلا شك لأن الآخرين لا أهمية لهم بالنسبة إليَّ. أن أصبح مشهورًا وأحصل على حق الاحتفال بالقداس في المعابد الحديثة للعلم؟ لا يعنيني ذلك أيضًا وبدرجة أكبر. أتُراني أُمضي أيامي في مركز أبحاث محاطًا ﺑ «زملاء»؟ لا، يا بيير. لقد انطلقتُ في هذا التحدي ببساطة لكي أبقى على قيد الحياة. لا يمكنك تخيُّل ما هي الطبيعة في هذا البلد. إن حيويتها بها شيءٌ ما مخيفٌ، هل تُصدِّقني إذا قلتُ لك إنني رأيتُ أشجارًا تنبت وتنمو؟ إذا كان هناك ركن في العالم حيث الطبيعة تكره الفراغ، فإن هذا المكان هنا، تغادر مكانًا قمت بتقطيع أشجاره مثيرًا لديك إحساسًا سيئًا. تعود بعد بضعة أيام، يكون المكان ممتلئًا تمامًا؛ إن الطبيعة تفيض من كل مكان! ماذا يمكن أن يواجه طبيعةً نهمة تبتلع كل شيءٍ في لحظة، ولا يستطيع أي شيءٍ ماديٍّ مقاومتها؟

في هذا المناخ حيث اللحم يتفسَّخ والأجسام الرطبة ترشح، وحيث كل شيء يفسد في هذا المناخ الذي، بإفراط في الحياة، يعجل الموت، تشبثت بكائناتٍ لا مادية، بمثاليات لا تستطيع الحرارة الخانقة ولا الرطوبة الخارقة أن تتلفها. في مواجهة الحيوية المُفرِطة التي لا شكل لها، والتي لا يمكن للمرء أن يفعل شيئًا تجاهها، أردتُ معارضتها بالدقة والصرامة المسيطَر عليها. لمقاومة هذا الهذيان من المواد القابلة للتلف، غمرتُ نفسي في النقاء الجامد للبلُّور.

هل رأى أحدٌ تعريفاتٍ رياضية تتلف وهي واقفةٌ؟ أو نظرياتٍ تسيل ببطء؟ أو براهين تتعفَّن ومسلَّمات تأكلها الديدان؟ لقد اخترتُ الرياضيات، ليس فقط لأنها كانت تكويني الأصلي. ستضحك، لكن هذا الظرف الذي كان يهدد سلامتي هو الذي جعلني أدرك أن الرياضيات غير قابلة للتلف والتعفن. للهروب من هذا الواقع الكثيف الحضور، والفارض نفسه الذي كان يخنقني، كان عليَّ أن ألجأ إلى نشاطٍ ذهني خالص.

وفي الرياضيات، إلى ماذا أوجِّه اهتمامي؟

إنك لا تستطيع أن تعرف ما يعنيه أن تشُقَّ طريقًا في الغابة. تتقدم داخل نفق تنحتُه بضربات ساطور قطعًا في مشبكاتٍ نباتيةٍ مجدولةٍ مستمرة، حيث لا يبرز أي شكل.

على النقيض من ذلك، أية صورة يقترحها عليك ذهنك؟ ذهني، على أية حال، يقترح صحراء ناعمة؛ حيث على بُعدٍ تنتصب صخرة. لا يقترح سرابًا. إنما صخرة حقيقية تمامًا، لا يستطيع أحدٌ إنكار وجودها. وهذه الصخرة، لا تستطيع بلوغها. لا تظن أن هذه الصورة مجرد صورة من صور الأدب البلاغية، لقد كانت بلسمًا لي سمح لي بالهروب، أو بالتحرر من البيئة المحيطة بي. في مواجهة حيوية الطبيعة المُفرِطة والمثيرة للقلق، بحثتُ عن النقاء الأقصى والبساطة في أكثر صورها جذريةً. أين يمكن العثور عليهما؟ في إحدى أجمل الحدْسيات الرياضية، تلك التي قاومَت طوال قرونٍ جهود أكبر علماء الرياضيات، حدْسية فيرما الشهيرة وحدْسية جولدباخ، وحدسية أويلر، وحدسية كاتالان وآخرين أيضًا.

تخيَّل قارةً تكون الإنسانية كلها متأكدةً من وجودها ولا يعثر على أية وسيلة للوصول إليها. هذا هو ما تعنيه الحدْسية الرياضية لكنك تعرف ذلك. لكن بالمقابل، ما لا تستطيع معرفته أنها أحد الأشياء، الأكثر إثارة التي يمكن أن توجد؛ قول ذو بساطةٍ مطلقة، يستطيع طالبٌ متوسط في المدرسة الثانوية أن يفهمه دون صعوبة. قول يعتبره الجميع صحيحًا، لكن لم يتمكن أحدٌ من البرهنة على صحته. هذا بالضبط ما كنتُ أحتاج إليه عظْمة أقتاتُ بها!

لقد انكببتُ على اثنَين من هذه الحدْسيات لا يستطيع المرء القيام بكل شيء. وأمضيتُ فيهما كل وقتي، الليل مثل النهار، والليل أكثر من النهار. ولقد قمتُ بحلهما، لم يكن لديَّ خيار. كان الأمر بالنسبة إليَّ مسألة حياة أو … لا، مسألة حياة فقط. لقد «سقطَتا»! أجملهن وأقدمهن جميعًا، الحدْسية الجدة، حدسية فيرما وحدسية جولدباخ أيضًا. الاثنتان يا زعيمي! كما كنا نقول عندما كنا جنودًا.

مم تتكونان؟ إن نصَّهما بسيطٌ بساطةً محيرة. حتى أنت يا بيير، سيُمكِنك فهمهما.

إذا تم إذاعة هذا الخبر، صدقني فستجعل منه كل صحف الكرة الأرضية عنوان الصفحة الأولى، لكن لن يعلموه، لقد قرَّرتُ كتْم الخبر والاحتفاظ ببراهيني سرية، وأطلب منك أن تحافظ بدورك على السر. على أية حال، لو أنك أذعتَ الخبر على الملأ، فلا أحد سيصدقك، وسيصيحون على العجوز المجنون!

لن أقوم إذن بأي نشر لعملي. إن ذلك يثير حنقك؟ لم يعد لديَّ الكثير من الوقت، لكن سأحاول أن أشرح لك لماذا قمتُ بهذا الاختيار. رغم اختلافنا الكبير، فإنك ستفهمني. أعلم أولًا أنها ليست المرة الأولى في تاريخ الرياضيات التي يحدث فيها ممارسة السرية. على النقيض، إنها عادةٌ قديمةٌ لعلماء الرياضيات. إلا أنها ممارسة لم تعُد بالطبع مقبولةً في أيامنا. الآن، سيكون العكس هو الأحرى؛ حيث يتم الإعلان عن نتيجةٍ ما قبل أن يتم البرهنة عليها تمامًا. أنا، أبرهن عليها ولا أعلنها، لن تكون أنت مَن يُطالبني بأن أكون «حديثًا»، لنعُد تحديدًا إلينا.

لم نكن نتفق على شيء، لا يمكنك أن تكون قد نسيتَ ذلك. ومن ذلك الحين اعتقدت أن هذا هو أفضل رباط لصداقتنا. كنتُ أحب أرسطو، الذي ترك وراءه عددًا كبيرًا من الأعمال، وكنتَ مفتونًا بسقراط، الذي لم يعثروا له على أي عملٍ مكتوب. كنتُ أحب دانتون؛ لأنه عرف أن يضعف، وكنت أنت تُحب روبسبيير؛ لأنه تمكَّن من ألا يترك نفسه يفسد. كنتَ تحب رامبو ولم تغادر باريس، وكنتُ أحب فرلين، وأنا الذي رحلتُ إلى نهاية العالم، لكن معًا أحببنا العديد من الأشياء.

إن للفلسفة مصدَرَين، أنت مَن كان يقول ذلك، طاليس وفيثاغورس، بينما كنتَ متحمسًا لطاليس، أنا كنتُ شغوفًا بفيثاغورس. وقام الاثنان برحلة إلى مصر، وعاد طاليس صديقك، من ضفاف النيل، بقصة ظل — كنت مغرمًا بأن ترويها لنا — وعاد فيثاغورس صديقي بقصة أعداد أتذكَّر أنني تحدثتُ معك كثيرًا عنها.

كان فيثاغورس يتكلم مع كل أنواع الحيوانات. تصوَّر أنه أقنع دبًّا كان يثير رعب قُطرٍ كاملٍ بألا يهاجم البشر، وأقنع ثورًا بالَّا يأكل الفول الذي كان يجعله مريضًا. الحيوانات، لقد تبنَّيتُ العشرات منهم هنا. إن القول بأنه كان لنا أحاديثُ طويلة معًا أقلُّ من الحقيقة.

إنك تعرف بلا شك أن فيثاغورس أسَّس نوعًا من … الطائفة، إنها الكلمة. وكان أحد القوانين هو حظر نشر المعارف المكتسبة. ولتفادي أن تقع أسرارهم تحت عيونٍ غريبة عن طائفتهم كان الفيثاغورسيون يكتبون أقل ما يمكن، ويتناقلون معرفتهم شفاهةً فيما بينهم. إن المكتوب يبقى، أما الكلمات فهي تختفي، ولكيلا تختفي كلماتهم وضعوا عددًا كبيرًا من التمارين التي تهدف إلى تنمية الذاكرة.

لكن أحد أعضاء الطائفة، وهو هيباس الميتابونتي Hippase de Métaponte الذي كان عالمًا رياضيًّا قويًّا. يُقال إنه كشف إلى الخارج الاكتشاف الذي لا يصدَّق، اكتشاف الأرقام غير الجذرية الذي كان قد شارك فيه. وللتكفير عن هذا النشر، مات غريقًا بعد ذلك ببعض الوقت.

فيما يتعلق بي فإن بعض الأشخاص، معارفُ قدامى، كنتُ على صلةٍ بهم، علموا باكتشافاتي المتعلقة بالحدْسيات الرياضية. ولا يتميز هؤلاء الأشخاص بأنهم مسالمون، وهو أقل ما يمكن أن يُقال. كما لا يتصفون بالحلم. لقد عرضوا عليَّ مبالغ ضخمة لكي أتنازل لهم عن البراهين التي قمتُ بها! لكني رفضت، وسيعودون عند هبوط الليل. تستطيع أن تصدقني، يا بيير، لن يحصلوا على تلك البراهين! سأحرقها بمجرد أن أُنهي هذه الرسالة. وإذا كان لا بد أن تحدث لي مصيبة ولكيلا تضيع هذه البراهين إلى الأبد، عهدتُ بها شفويًّا لرفيقٍ مخلصٍ سيتمكن من تذكُّرها، مستلهمًا في ذلك تراث الفيثاغورسيين.

أيًّا كان الأمر، وإذا استندت إلى شبابنا، ففي كل مرةٍ كنتُ أخفي عنك شيئًا ما كنت تتدبر أمرك لكي تكتشفه. وفضلًا عن ذلك، لقد قلتُ لك ما يكفي عن الموضوع.

طاليس، هل تذكُر؟ كان تاجرًا ماهرًا خلال الجزء الأول من حياته، لم يهتم بالرياضيات إلا متأخرًا. أنا متأكد أن مكتبتك تعمل بشكلٍ جيد. لقد كنتَ دائمًا تعرف جيدًا «بيع» ما تحبه، لكن ربما يكون من الصعب، في مكتبة، أن نبيع فقط الأعمال التي نحبها.

إذن، لقد استلمتَ كتبي! أنا لم أكذب عليك، إنها كتبٌ رائعةٌ، أليس كذلك؟ ياه، لقد أدركتُ توًّا أنني نسيتُ أن أرسل لك طريقة التصنيف التي استخدمتُها لترتيبها في مكتبتي لكن بلا شك، لم تعُد في حاجة إليها طالما أنك بكل تأكيدٍ قد قمتَ بترتيبها على طريقتك.

عما قليلٍ سيهبط الليل. يجب أن أستعدَّ لذلك.

بالمناسبة، هل قلتُ لك ما الذي جعلَني «أتعلق» بفيثاغورس؟ لقد اخترع كلمة صداقة، أكُنتَ تعرف ذلك؟ عندما سألوه ما هو الصديق، أجاب: «إنه الآخر الذي هو نفسي، مثل ما يكونان ٢٢٠ و٢٨٤.» يكون عددان «صديقَين»، أو «متحابَّين»، إذا كان كلٌّ منهما مجموعَ كلِّ ما يقيس الآخر. إن العددَين الصديقَين الأكثر شهرةً في المعبد الفيثاغورسي هما ٢٢٠ و٢٨٤. إنهما يكوِّنان زوجًا جميلًا. تأكد من ذلك، لو لديك متسعٌ من الوقت. ونحن الاثنان، هل نحن «صديقان»؟ ما الذي يقيسك، يا بيير؟ وأنا؟ لقد حان الوقت، ربما لأن نحسب مجموع ما يمثله قياسنا.

أُقبِّلك
صديقك الجار

وبينما كان فمها جافًّا؛ لأنها تكلمَت كل هذا القَدْر، وضعَت بيرت الرسالة على طاولة سرير السيد روش الذي استمع، ممددًا على سريره، وعيناه مثبتتان على مخمل الستارة. غادرَت الغرفة-الجراج دون أن تقول كلمة. ولم يُسمع الباب وهو يُغلق خلفها.

هكذا هو جروسروفر، يتركني بدون أنباء عنه طوال نصف قرن، وفي اللحظة التي يبلغني فيها أنه حي … يكون ذلك لكي يُعلمَني على الفور أنه لم يعُد كذلك! كنتُ قد سلَّمتُ أن أُحرمَ منه منذ عقود، لكنه بلا داعٍ نكأ جرحًا كنتُ أعتقد أنه اندمل.

غادرَت بيرت لتفتح المكتبة. أصدر سياج المدخل صريرًا. استغرق السيد روش وقتًا أطول من المعتاد لكي يرتدي ملابسه. في خزانة الأحذية، اختار باهتمام زوج موكاسان من الجلد اللامع، من تلك الأحذية التي يلبسها المرء في أيام الحِداد. وجعله يلمع بإصرارٍ.

إن الغضب لم يتمكن من منع الحزن.

أدرك السيد روش أن جروسروفر كان صديقَه الحقيقيَّ الوحيد. لقد فقده للمرة الثانية. وهذه المرة كان الأمر نهائيًّا.

وبينما كان منحنيًا إلى نصفَين وهو يربط حذاءه، انتصب السيد روش، شاحبًا. لو أن جروسروفر لم يرسل له مكتبته، لكانت اختفت في الحريق! إن وضوح هذه الحقيقة هزَّه. كل الكتب محروقة! هذه الأعمال، الذي أمضى أيامًا في ترتيبها في مكتبة الغابة، والتي تمكَّن من تقدير قيمتها النفيسة جدًّا، تختفي! إنها خسارةٌ لا تُعوَّض. ابتسم السيد روش. في غضون بضعة أسابيع، أفلتَت المكتبة مرتَين من التدمير. في المرة الأولى، إذا صدَّقنا ما قاله الذي قام بنقلها في أمواج الأطلنطي، والمرة الثانية في أتون الأمازون. لقد أفلتَت من الماء والنار!

معجزة! إلا إذا … كان هناك ارتباطٌ بين إرسال المكتبة والحريق من نوع: أن جروسروفر أرسل لي المكتبة لكيلا تضيع في الحريق، لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يعني … أن الحريق كان متوقعًا، إذن كان جروسروفر يعلم، قبل الحادثة بعدة أسابيع، أن منزله سيختفي في الحريق. هل كان يعرف الأمر؟ أو كان يشُك في حدوثه؟ أو كان يخشاه؟ في كلمة هل كان الحريق متوقعًا أو كان مقدرًا؟ وإذا كان مقدرًا فإنه يكون مبرمجًا. وإذا كان مبرمجًا، فمَن الذي قام بذلك؟ لقد تراجع السيد روش أمام العواقب الضخمة لهذه الافتراضات. من الأفضل اختيار الصدفة. صدفة معجزة جعلَته يرسل المكتبة دون أي ارتباطٍ بالحريق.

مرَّ أمام الكنيسة، عبْر ميدان أبيس، وتوقف عند شُرفة المطعم. كانت فترة العصر هادئة. أمهات مع عربات أطفالهن، وثلاثي المشرَّدين الجالسين على مقعدهم الذين لا يمكن تجنُّبهم، وسائح وسائحة شقراوان مفتونان أمام طراز مدخل المترو الذي يرجع إلى نهاية القرن التاسع عشر. حيَّاه بعض الرواد، ورد عليهم التحية. لقد صدَّت هيئتُه المنطوية أيَّ طيف حوار.

سمع نفسه يطلب عرقيًّا ممزوجًا بالماء، لم يعرف لماذا، عندما وضع النادل الكوب الصغير المنتفخ، عرف السبب. كان ذلك مشروبهما المفضل. كان هو وجروسروفر يدخران هذا المشروب للمناسبات الكبيرة. اليوم هو بالنسبة إلى السيد روش، كان يمثل مشروب الحِداد. شرب في جرعاتٍ صغيرة. ألهبَت زوره، وتدافعَت طائفة من الأسئلة. كان بعضها يتعلق بظروف وفاة صديقه، والبعض الآخر بمقاطعَ رياضيةٍ مذكورةٍ في الرسالة.

لقد كان مدركًا أنها لم تُذكر بالصدفة. عليه أن يتفحَّصها عن قُرب، وأن يغوص في فيثاغورس كما فعل بالنسبة إلى طاليس، لكن في هذه الحالة، كان الرهان مختلفًا.

كان المكان يعيش فترة ما بعد الظهر بنعومة. الناس قليلون، والعربات قليلة، والشمس لطيفة. بيئة مناسبة للذكريات.

في الحقيقة، لم يكن جروسروفر وروش يتفقان على شيء، وكأنهما قرَّرا قطع العالم إلى نصفَين. لك هذا، ولي ذاك. يتذكر السيد روش كيف تسلطَت عليهما فكرة المغالاة في اختلافهما. كان جروسروفر يقول: «إذا أحببنا الشيء نفسه، فكأننا نكرِّر أنفسنا»، لا، لم يكن هو بل كنتُ أنا مَن يقول ذلك. هو كان يقول عند الحديث عني: «هو، إنه هو، وأنا، هو أنا. ونحن، لسنا الآخرين! دائمًا هذه الصيغ، وبصراحة لم يقربنا ذلك من زملاء الدراسة. ولم يكن ذلك يعنينا على الإطلاق.»

لقد أثارت القوة البدنية لجروسروفر دائمًا إعجاب السيد روش. حدث ذلك في الجيش، قبل إعلان الحرب ببضعة أسابيع، في عام ١٩٣٩م، كانا قد التحقا توًّا بالجيش. كانت تُجرى الاختبارات. وعندما جاء دور الجار لينفخ في جهاز قياس التنفس، بدأَت الإبرة ترتفع، وترتفع، وترتفع. اقترب الجميع، وعندما توقفَت الإبرة، كانت قد تجاوزَت رقم ٦. وأطلق المساعد صفير إعجابٍ: «ستة لترات على مقياس التنفس!» وفجأة بدأ يصيح: «جروسروفر، الدوران حول الغابة مع عدة الجندي كاملة! فورًا!» عشرون كيلومترًا. عاد الجار في منتصف الليل، منتعشًا وفي كامل لياقته، دون نقطة عرقٍ واحدة. تقدَّم المساعد نحوه ساخرًا، كان يريد أن يجعله يقوم بدورةٍ ثانية، وفتح فمه. في عينَي الجار، كان هناك شيءٌ مخيف. توقَّف المساعد على الفور. كل الغرفة سمعَت أنفاسَ جروسروفر، مصهر حديد. كانوا يخافون على المساعد.

«جذعٌ كبيرٌ مثل خزانة نورماندية»، كان ذلك تعبيري في الحقيقة، قال السيد روش لنفسه: «عندما كان جروسروفر، يرقص، نادرًا ما كانت توجد فتاة لا تسند جبهتها على صدره، وهو واضعٌ رأسه على شَعر الفتاة، وبدون أي انفعال على وجهه، يخترق مثل مقدمة سفينة زحام الراقصين الذين يتحركون على حلبة الرقص الصغيرة. اللعنة على هذه الذكريات!»

طلب السيد روش من النادل أن يُحضِر له ما يكتب به وبدأ العمل، منحنيًا على الورقة، كان يكتب باجتهاد. وبرؤية قسمات وجهه مشدودة، يمكن أن ندرك أن الأمر لم يكن سهلًا.

كان سريع الغضب، يشطب ويستأنف، وبعد بعض الوقت، وبمعاونة من الشطب والمحو والتصحيحات، توصَّل إلى ذلك:

قواسم ٢٢٠: ١، ٢، ٤، ٥، ١٠، ١١، ٢٠، ٢٢، ٤٤، ٥٥، ١١٠.

قواسم ٢٨٤: ١، ٢، ٤، ٧١، ١٤٢.

مجموع قواسم ٢٢٠؟ بدأ القيام بعملية جمعٍ، أخطأ، شطب أعاد الكرَّة. انتهى الأمر بأن كانت النتيجة: ٢٨٤: ابتسم السيد روش، لقد أنجز نصف الطريق! مجموع قواسم ٢٨٤؟ قام بعملية جمعٍ دون أي خطأ. وكتب ٢٢٠! أضاءت ابتسامةٌ عريضةٌ وجهه. «هكذا، لقد تحققت … إنهما صديقان حقًّا!»

وصلَت بيرت.

جلسَت على مائدة السيد روش، ولاحظَت الكوب المنتفخ الخاص بالكحوليات القوية. طلبَت كنكينا فراولة، رغم أن ذلك ليس موعدها.

– سيد روش، لم نتكلم كثيرًا قَط نحن الاثنان.

نظر إليها السيد روش طويلًا. لم تتغير تقريبًا منذ ذلك اليوم الذي هبطَت فيه فجأة على ألف ورقة وورقة. كان شَعرها المجعد أقصر وأكثر سوادًا من أي وقتٍ مضى، وكأنها بطَّنَت جُمجمتَها بموكيت أسود، سواد الفحم النباتي، شابة بجسمٍ لين. مَن كان يعطيها أربعين عامًا؟

– هذا حقيقي، أعترف.

ثم بعد لحظة: هل يمكنك أن تناديني بيير؟»

– أوه، لا! صاحت.

احمرَّ وجهها من نزق إجابتها: لو ناديتُك باسمك الشخصي أو لو رفعتُ الكُلفة، أعتقد أن ذلك سوف يبعدنا بعضنا عن بعض. إن هذه المسافة قرَّبَتْنا. أعتقد أنك لا تحب الألفة كثيرًا.

– لم يقلْ لي أحد ذلك قَط، لا بد أن ذلك صحيح.

– منذ بعض الوقت، تحدث أشياء كثيرة في شارع رافينيون! أعتقد أننا عند منعطفٍ من … (لم تتمكن من العثور على الكلمة) … من مشاركة السكن، لا، أريد أن أقول من حياتنا المشتركة. سيتعين أن نحترس لأنفسنا.

كان السيد روش يستمع. لم يكن قد سمعها تتكلم بهذا الشكل من قبلُ.

استأنفَت قائلةً: «إن هذه القصة معقدة جدًّا، ولن تتخلص منها وحدك. أنا أعرف، إنك لا تطلب شيئًا من أحد. كما هو الحال دائمًا. إن جروسروفر صديقك، وبغَضِّ النظر عن ذلك، كنتُ أحب كثيرًا أن أعرفه. أتعلم بمَن يذكِّرني؟ بالعم الذي في أمريكا! ذلك الذي غادر شابًّا، وغامر طوال حياته، ولا تصل منه أية أخبار لسنواتٍ طويلة، وذات يوم يأتيك القدَر: كاتب عدل يعلن لك أنه أوصى لك بثروة، لكن هنا، دار كل شيء بالترتيب المعكوس. لقد تلقيتُ الثروة قبل الوصية. هذه المكتبة! … (ولمعَت عيناها) إنها أكثر من ثروة، إنها لا تُقدر بمال. والخطاب هذا الصباح، ما هو إذن إن لم يكن وصية؟ وصية مكتوبة أثناء الأزمة …»

رفع السيد روش رأسه فجأة، كانت عيناها ماكرتَين، وهزة أكتاف خفيفة: «ماذا يُقال أكثر من ذلك؟»

كان يريد أن يشكرها.

– وصيةٌ مسمومة، يجب الاعتراف بذلك، أبدَت بيرت رأيها. سيعرف الشباب كيف يتدبَّرون أمرهم سترى. إنهم ماكرون بفظاعة، وأنا كذلك لا بأس بي.

وقرَّرا الدعوة إلى اجتماعٍ عامٍّ بعد العشاء في غرفة الطعام والاستقبال. وضعَت يدها على يده.

في الواقع، لم تكُن بيرت تعرف شيئًا عن السيد روش. كان كلٌّ منهما أكثر تكتمًا من الآخر منذ بضعة أيام، انفتحَت الأبوابُ قليلًا، بالنسبة إلى كلٍّ منهما. قليلًا فقط.

سألَته فجأة: لماذا أنت متمسك لهذه الدرجة بصديقك جروسروفر؟

– لماذا؟

تغيَّر وجهُه في لحظة. بدا وكأنه انتقل بعيدًا، بعيدًا … في الزمن.

«هاجم الألمان، وأُخذنا على حين غرة، وتم أَسْر أغلبنا. نجح جروسروفر في الهرب، أنا لم أتمكن.»

ذات يوم رأيتُه يصل إلى المعسكر، كان يعرج بشكلٍ بشع. لقد كُسرَت ساقه أثناء هجوم، ثم أقبل الشتاء. كان البرد قارسًا وأُصبتُ بالتهابٍ رئوي. لم تكن هناك أدوية، ولم أكن أساوي كثيرًا بالنسبة إليهم. قال جروسروفر إن الأمر لن يستمر بهذه الطريقة. وعثر على خردل، لستُ أعرف كيف، وعمل لي لصقات خردل، كان يضعه في سراويله الداخلية المصنوعة من الكتان كانت اللصقات تلسع. كنتُ أرتعش من البرد. خلع عباءته المبطَّنة بالفرو ووضعها عليَّ. لقد سهر إلى جوار سريري لأيامٍ وليالٍ. كنتُ أهذي. وعندما أُشفَى من هذياني، كنتُ أراه جالسًا على مقعد بدون ظهر أو مساند، يسهَر عليَّ، ولم يكن يضع شيئًا على ظهره، كان يقول لي: «إن الفلسفة خالدةٌ، إذن لا تتصرف ببلاهة، إنهم يعتمدون عليك.» وكان يردِّد أسماء الفلاسفة الذين كنتُ أحبهم.

وعندما كنتُ في فترة النقاهة، نحيفًا مثل سلكٍ من الحديد، قال: «حسنٌ، لن نعثر دائمًا على الخردل؛ وبالتالي إذا حدث لنا شيءٌ آخر، سنموت هنا. الآن أستطيع المشي، أقترح أن نودِّع الصحبة ونرحل.»

ووجدنا وسيلةً للهروب، واضطُررنا أن نفترق لكيلا يتم رصدنا. توجَّهَت إلى أحد المروج، واختفَى هو في إحدى الغابات، وكانت تلك هي آخر مرةٍ نرى بعضنا بعضًا.

جلس ماكس أمام أمِّه تمامًا لكي يقرأ شفتيها بشكلٍ جيد، وكان نوفيوتشر ينعس على مجثمه متخمًا بأعواد العسل. كان جوناثان وليا يشغلان الأريكة. أما مقعد السيد روش، فكان في الظل على انفرادٍ قليلًا بعد كل هذه الساعات التي أمضاها في الخارج، كان حذاؤه اللامع قد فقد بريقه.

جلسَت بيرت منتصبةً تمامًا، ظهرها إلى المدفأة، وقد ألقت بعباءة على قميصها الأبيض، وقرأَت الرسالة كانت تقرأ ببطء، مراعيةً أوقات صمت؛ بحيث يستطيع كلُّ واحدٍ منهم أن يزن كلمات جروسروفر.

عندما قرأَت بيرت الجملة الأخيرة: «لقد حان الوقت، ربما لأن نحسب مجموع ما يمثله قياسنا»، بدأ الجميع يتكلم في الوقت نفسه. الحريق وفيثاغورس، حدْسيات جروسروفر وأنشطته الغامضة، واختفاء البراهين … مدَّت بيرت الخطاب للسيد روش الذي أخذه آليًّا. في وسط الهَرْج والمَرْج، سمع ماكس يعلن: إن هؤلاء الأشخاص قذرون.

من فمه، كان ذلك يمثل إدانةً حقًّا. مستديرًا نحو السيد روش: «إذا كان صديقك لا يريد أن يبيعهم …»

– … براهينه. ساعدَتْه بيرت.

– هذا من حقِّه. إنها ملكه، هو الذي استنتجها. لا أحد كان يستطيع إجباره. إنهم مسئولون عن الحادث.

– لماذا تقول حادث؟ سأل جوناثان.

– إنه حادث، أكَّد السيد روش. لقد فكَّرتُ كثيرًا في ذلك منذ الصباح. أعتقد أنني مسئولٌ جزئيًّا عن ذلك.

– ما الذي تقوله؟ قالت بيرت بغضبٍ، أنت هنا، مسئولٌ عن حادثٍ على بُعد ١٠ آلاف كيلومتر؟

يا بيرت لا يتعلق الأمر بالمسافة. ما الذي يمكن أن يكون قد جرى؟ متخذًا قراره بأن يجعل الأوراق التي سجَّل فيها براهينه تختفي، بدأ يكتب الخطاب، ثماني صفحاتٍ! لم يشعر بالوقت يمرُّ. عندما انتهى من الخطاب، كان الليل قد هبط تقريبًا. لم يتبقَّ له سوى بضع دقائق، كان الآخرون على وشك الوصول، ووضع أيديهم على براهينه. لقد اندفع وبدأ في رش البنزين على أوراقه وهو في عَجَلة من أمره، قام بحركةٍ خاطئةٍ فانتشَرَت النيران في المنزل، ولم يتمكن من الهرب؛ حيث لم يكن … لم يكن في ريعان شبابه. أتتصورون؟ كل أعماله، أربعون عامًا من العمل، دفاتره، مفكِّراته، ملاحظاته تحترق أمام عينَيه! لا بد أن ذلك كان رهيبًا. أو بالأحرى … أنا لا أعرف، نعم، من الممكن أنه شعَر بوعكةٍ وقلَب البنزين الذي انتشر و…

كان السيد روش يعيش المشاهد المختلفة، فريسةً لانفعالٍ شديد.

– حسنٌ، أنا لا أعتقد أن ذلك حدث كما قلت. قاطع جوناثان بلطفٍ، أنت لست مسئولًا عن شيءٍ بالمرَّة.

هزَّ السيد روش رأسه بحزن.

– لقد رتَّب صديقك كل شيء. تابع جوناثان. الرسالة التي وجَّهها لك هي وصيتُه. كان يتوقع موته وقام بإخراجه.

– أتريد أن تقول، صاح السيد روش، إنه …

– إنه انتحر، نعم هذا ما أعتقده. أكد جوناثان.

– إن جروسروفر ليس من النوع الذي ينتحر. قال السيد روش معترضًا.

– يا سيد روش أصغِ، لقد قرَّر جروسروفر رفض العرض، ودمَّر كل ما كان يريد هؤلاء الأشخاص الاستيلاء عليه. كان يعرفهم جيدًا، وكان يعرف ما يستطيعون القيام به.

تخيَّلَهم، وقد هبطوا فجأة على جروسروفر الذي يعلن لهم: «لقد أحرقتُ ما جئتم تبحثون عنه، والذي لن تحصلوا عليه أبدًا!» في رأيك، ما سيكون رد فعلهم؟ سوف ينقضُّون عليه، وقد تملَّكَهم غضبٌ شديد، وسيبدءون في ضربه ضربًا مبرحًا ليجعلوه يتكلم؛ لأنهم سيعتقدون أن لديه نُسخًا مخبأةً في مكانٍ ما، إن جروسروفر يعلم أن ذلك بالضبط ما سيحدث، ومن ثم، يتأهَّب، يكتب لك، ثم يحرق أوراقه، وبعد ذلك يشعل النار في البيت وينتحر. كيف؟ لا بد أن يكون هناك وسائلُ عديدة، في تلك البلدان ألا يأتي الكورار٣ مَن هناك؟

– لكن لماذا لم يهرب، بدلًا من أن يقتل نفسه؟ سألَت بيرت.

– لأنه كان يعرفهم. كان يعلم أنهم سيعثرون عليه أينما ذهب. إنها عصابة جيدة التنظيم.

– إنه فيلم هذا الذي تمثله لنا! قالت ليا ساخرةً، وهي لم تقل كلمة حتى تلك اللحظة. عصابة مجرمين أم لا، هل الأمر مهمٌّ لهذه الدرجة أن تعرفوا ما حدث؟

متجاهلًا تدخُّل ليا، وقف جوناثان وهو يهزُّ شَعره الطويل: لأنه كان يعلم أنه سيُضرِم النار في بيته، أرسل لك المكتبة. ما كان يمكنه قط أن يحرقها، كان ذلك مستحيلًا. كان يستطيع حرقَ براهينه؛ لأنه هو الذي خلقها، لكن الكتب … لأني لكي أكون صريحًا معك، كنتُ أجد من غير المألوف أن يستغني مَن يملك مثل هذه المكتبة عنها بدون مبرر ويرسلها آلاف الأميال بعيدًا عنه، كان الأمر ينمُّ عن استعجال.

نهضَت ليا، وبدون أن تقول كلمةً لأحدٍ، صعدَت لتنام.

– إلا إذا كان قد أرسلها لك ليضعها في منجًى من هؤلاء الأشخاص، الذين كان يمكن أن يستخدموها لابتزازه. تبيع لنا براهينك، وإلا نحرق كُتبك واحدًا تلو الآخر. اقترح ماكس.

– في الواقع فكَّر السيد روش، إن إرسال المكتبة لا يثبت شيئًا.

– عندما يموت شخصٌ ما، يكون هناك أربعة احتمالات. وفاةٌ طبيعية، حادث انتحار، جريمة قتْل. إن الأمر لا يتعلق بالطبع بوفاةٍ طبيعية. لقد فكَّرتم في الحادث والانتحار، لكنكم نسيتم جريمة القتل، أعلنَت بيرت بنبرةٍ حازمة.

نظروا إليها، مشدوهين. لم يفكِّر أحدٌ في جريمة قتل. وساد الصمت، لقد أصبح الأمر خطيرًا. انتصب السيد روش.

– لم تكن لديهم أية مصلحةٍ في قتله، صاح جوناثان. على العكس. بعد حرق الأوراق، لم يتبقَّ لهم سوى جروسروفر. لن يخدمهم في شيء أن يكون ميتًا.

كان السيد روش يستمع، وكانت الطريقة الفظة التي يتحدثون بها عن موت جروسروفر تؤلمه.

– هذا صحيح؛ ولذلك، إذا كان الأمر يتعلق بجريمة قتل، فإنها جريمة قتلٍ غير مقصودة، لكنها جريمة قتلٍ في كل الأحوال. لقد حاولوا أن يجعلوه يتكلم، كما وصف جوناثان ذلك، لكن جروسروفر رفض فهددوه. لم يستسلم، وانطلقَت الرصاصة. إلا إذا كان قلبه هو الذي توقف.

كان يمكن في الواقع أن تكون الأمور حدثَت كما وصفَتها بيرت، غير أن جوناثان ألحَّ:

– لكن لماذا حريق المنزل إذن؟

– لتمويه هذه الجريمة غير المقصودة لتصبح حادثًا فقط، وأيضًا لمحو أية آثارٍ للجُرم. استنتجت بيرت.

حادث انتحارٍ، جريمة قتلٍ؟

كان الوقت قد تأخر، وكان نوفيوتشر ينام على مجثمه، كان باقي أهل البيت صامتين، كل واحد منهم يقيِّم لنفسه احتمال حدوث الاحتمالات المختلفة. كان السيد روش يعتقد أن الأمر حادث. كان جوناثان يميل إلى احتمال الانتحار، أما بيرت فالاحتمال لديها هو جريمة قتل، في حين كان من الواضح أن الأمر لا يعني ليا. كان ماكس يريد ألا يكون له رأيٌّ بالموضوع، كان متأكدًا من شيءٍ واحد؛ حادث أو جريمة قتل أو انتحار، فإن هؤلاء الأشخاص كانوا مسئولين عن موت صديق السيد روش؛ لذلك كان من المهم معرفة مَن هم؟ ولماذا اهتموا ببراهين جروسروفر لهذه الدرجة؟

وما الذي كان يمكن أن يستفيدوه من امتلاك براهينَ رياضية لم يسبق نشرها؟

كانت هناك أسئلةٌ أخرى.

إن هؤلاء الأشخاص المسئولين عن موت جروسروفر كانت تربطهم به علاقة عملٍ. بأي نوع من الأعمال يتعلق الأمر؟ تذكَّر السيد روش أن جروسروفر، في رسالته الأولى، قال له إنه كسب أموالًا كثيرةً وإنه حصل على بعض الكتب بطرقٍ لم تكن دائمًا مستقيمةً، هل كانوا مهربين؟ مخدرات، ماس، أم أسلحة؟ ربما يكون جوناثان على حقٍّ عندما تكلم عن مافيا.

كيف يمكن حل هذه الأسئلة انطلاقًا من شارع رافينيون؟ أي انطلاقًا من بلدٍ آخر، ومن قارةٍ أخرى، ونصف كرةٍ آخر؟

مَن يكون هذا الرفيق المخلص الذي عهد له ببراهينه؟ وخلصوا في النهاية إلى أنه، على أية حال، شخص يتمتع بذاكرةٍ شيطانية.

جالسةً على سريرها في حجرة السُّلم، كانت ليا ساخطةً بشدة، إنهم يقضون سهرةً كاملةً لمعرفة كيف مات هذا الشخص العجوز في مانوس، ولا يهتمون بمعرفة كيف ولدنا، نحن هنا! وجوناثان الذي يشارك في الخدعة، لماذا تكون معرفة كيف مات هو في حفرةٍ بعيدةٍ في الأمازون أكثر أهمية من معرفة كيف وُلِدنا، نحن، في حفرة في وسط باريس!

١  عصفورٌ صغيرٌ زاهي الريش طويل المنقار يتغذَّى على الحشرات ورحيق الأزهار. (المترجم)
٢  مقولة رياضية يُظَن أنها صحيحة ولم تُبرهَن بعد. (المترجم)
٣  مادة تُستخرج من بعض النباتات استعملها هنود أمريكا لتسميم السهام. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦