الفصل السابع

فيثاغورس الرجل الذي كان يرى أعدادًا في كل مكان

لدرايته بجروسروفر الذي يعرفه، كان السيد روش مقتنعًا بأن رسالة صديقه، علاوة على ما كانت تعلنه بوضوح، لا بد أنها تحتوي على معلوماتٍ خفية، سيتعين عليه، ماذا يُقال؟ فك شفرتها، كانت هذه هي الكلمة. هناك بكل تأكيد مستويان من القراءة. كل شيء كان يدور حول فيثاغورس. لماذا اختار جروسروفر فيثاغورس وما الذي يدور بخصوصه؟

كانت المهمة الأولى للسيد روش إذن هي الغوص في أعمال المفكر الإغريقي القديم وحياته، وكذلك في أعمال علماء مدرسته وحياتهم، وما هي بالتحديد تلك الأكوسماتا١   akousmata التي أشار إليها، ولماذا هذا الالتزام بالسرية؟ ومم يتكون «الاكتشاف العجيب» للأعداد غير الجذرية؟ ولماذا هي مهمة لدرجة أنها سبَّبَت وفاة هيباسوس الميتابنتمي Hippase de Métaponte، المحطم السرية؟ وما الذي سمح للفيثاغورسيين أن يقوموا بهذا الاكتشاف؟ وهل نظرية فيثاغورس الشهيرة كان لها دورٌ ما في هذه القضية؟

كان السيد روش في شبابه، قد غازل بعض هذه القضايا، لكن الحق يُقال، لم يحتفظ إلا بذكرياتٍ مبهمةٍ عن تلك الفترة. لقد تذكَّر، كما ذكر جروسروفر في رسالته، أنه لم يحمل محبةً خاصةً للعقائد الفيثاغورسية، التي بالنسبة إلى ذوقه هي مُفرِطة في النزعة الروحانية والدينية.

دخل السيد روش مكتبة الغابة. حرك مقعده حتى أرفف قسم الرياضيات الإغريقية، عند المستوى الثاني من قطعة الأثاث. أمسك السيد روش بملقاط الكتب الخاص به، وأعاد عدة أعمال تتعلق بعلماء ما قبل السقراطية، ثم أرسل أداته مرة أخرى ووضع فكَّاها كتابَ حياة فيثاغورس لجامبليك Jamblique على مكتبه، وهو كتابٌ من القرن الثاني من عصرنا.

دفَع مقعده حتى المكتب الصغير الذي وضعه في ركنٍ من المرسم. مكتبٌ رائعٌ بأرجلٍ مجدولةٍ ومغطًّى بالجلد. ألقى السيد روش بنفسه في حياة فيثاغورس. لقد قرأَها، رواية! كانت الحالة المُزرِية للغلاف تدُل على أن جروسروفر كان يطالعها كثيرًا. كانت بعض الصفحات مجعدةً بشكلٍ خاصٍّ، لقد أولاها السيد روش اهتمامًا خاصًّا.

أخرج من حقيبته ريشته المورانو.

الكتابة بالزجاج! ستبدو له الكلمات بهذا الشكل أكثر هشاشةً، وبالتالي أكثر قيمةً. فتح السيد روش الدفتر ذا الغلاف المقوَّى، قلَّب الأوراق حتى أول صفحة بيضاء، غمس الريشة في محبرة صغيرة وكتبت الريشة البلُّورية:

لقد اخترع فيثاغورس كلمة فلسفة.

كان يمكنه التوقف هنا، كان ذلك كافيًا، لكن كان لديه تحقيقٌ عليه أن يقوم به ولم يكن إلا في بدايته تمامًا.

لا نمتلك أي عملٍ كتبه فيثاغورس، وهو في ذلك مثل طاليس، ولا نعرف له تاريخ ميلادٍ أو تاريخ وفاةٍ دقيقًا. يعرف فقط أنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وأنه وُلد في جزيرة ساموس، في وسط بحر إيجة، وأنه مات في كروتونا، في جنوب إيطاليا.

كان فيثاغورس في الثامنة عشرة من عمره عندما شارك في الألعاب الأوليمبية. وفاز بكل مباريات الملاكمة.

بعد فوزه، قرر السفر إلى إيونيا القريبة؛ حيث أمضى بضع سنوات إلى جوار طاليس وأناكسيمندر، تلميذه، ثم سافر إلى سوريا؛ حيث أقام إلى جوار الحكماء الفينيقيين الذين أطلعوه على أسرار بيبلوس، ثم انتقل إلى جبل الكرمل، في لبنان الحالية. ومن هناك، أبحر إلى مصر؛ حيث ظل عشرين عامًا. وفي معابد ضفاف النيل، كان لديه كل الوقت ليكتسبَ معرفة الكهنة المصريين.

فإذا بالفرس يجتاحون البلاد، وإذا به يجد نفسه أسيرًا ويتم اقتياده إلى بابل. ولا يضيع وقته هناك، فطوال الاثني عشر عامًا التي قضاها في عاصمة بلاد ما بين النهرين، اكتسب معرفة الناسخين الضخمة ومعرفة مجوس بابل، وعاد ممتلئًا بالخبرة والحكمة إلى ساموس التي غادرها قبل ذلك بأربعين عامًا.

لكن كان يحكم ساموس الطاغية بوليكراتيز، وكان فيثاغورس يكره الطغاة؛ وبالتالي رحل من جديد. هذه المرة نحو الغرب، نحو سواحل اليونان الكبرى ورسا في سيباريس، في جنوب إيطاليا. كانت سيباريس مدينة كل الملذات، وكانت مشهورةً في كل العصور القديمة! لكن فيثاغورس استقر في المدينة المجاورة، كروتونا؛ حيث أسَّس «مدرسته».

من فيثاغورس، الذي كان تلميذًا لطاليس لعدة سنوات، إلى أرخيتاس التاراسي، وهو صديقٌ مخلصٌ لأفلاطون، استمرت المدرسة الفيثاغورسية حوالي ١٥٠ عامًا، وضمت ٢١٨ فيثاغورسيًّا، لا أحد أكثر ولا أحد أقل. لم يكونوا كلهم من علماء الرياضيات، على النقيض. لم يهتم السيد روش، المتعصب، إلا بهؤلاء الآخرين، وكانت لهم أسماء أبقراط الطشيوزي، وتيودور القوريني، وفيلولوس الكروتوني، وأرخيتاس التاراسي، وهيباسوس بالطبع.

أغلق السيد روش كتاب حياة فيثاغورس، وفتح كتبًا أخرى تتناول الأعمال الرياضية لفيثاغورس وأفراد مدرسته.

كان هيباسوس من أوائل الفيثاغورسيين، كان المسئول عن المرشَّحين للتدريب، بينما كان فيثاغورس يقود «الرياضيين»، المدرَّبين.

كما كان هيباسوس أحد مخترعي ثالث المتوسطات، وهي أعداد تشير إلى مختلف أنواع الروابط التي يمكن لثلاثة أعدادٍ أن تكوِّنها فيما بينها.

قبل هيباسوس، كان هناك متوسطان؛ الوسط الحسابي أو العددي والوسط الهندسي. وبعد أن أصبح هناك ثلاثة متوسطات سُمي الوسط الجديد بالتوافقي.

إن الوسط الحسابي لعددَين ا وﺟ يُعرف باسم الوسط فقط، وهو نصف مجموعهما. وهو يستخدم عملية الجمع والطرح. وتصف العبارة التالية ما هو عليه: «زيادة العدد الأول بالنسبة إلى العدد الثاني هي نفسها زيادة العدد الثاني بالنسبة إلى العدد الثالث.» كتب السيد روش المعادلة ووضعها داخل إطار.

أ − ب = ب − ﺟ

ب هي الوسط الحسابي ﻟ «أ»، و«ج»

يستخدم الوسط الهندسي لعددَين ا وﺟ عملية الضرب والقسمة. وتصف العبارة التالية ما هو عليه: «علاقة العدد الأول بالعدد الثاني هي نفسها علاقة العدد الثاني بالعدد الثالث.»

بالنسبة إلى الإغريق، يمثل الوسط الهندسي صورة التماثل. كتب السيد روش المعادلة ووضعها داخل إطار.

ب هو الوسط الهندسي ﻟ ا وﺟ

ب٢ = ا ﺟ

وأخيرًا، القادم الجديد، الوسط التوافقي. إن تعريفه أكثر تعقيدًا: «يزيد العدد الأول عن العدد الثاني بكسر من العدد الأول نفسه، بينما يزيد العدد الثاني عن الثالث بالكسر ذاته من العدد الثالث.»

ورغم أن الجملة واضحةٌ تمامًا، فإن السيد روش لم يفهم ما كانت تعنيه. النص الذي كان يستقي منه هذه المعلومات طرح مثالًا بالأعداد ٦، ٤، ٣. طبَّق السيد روش التعريف عليها: ٤ هو الوسط التوافقي ﻟ ٦ و٣، لأن ٦ تزيد عن ٤ باثنين الذي هو ثلث ٦، و٤ تزيد عن ٣ بواحد، الذي هو ثلث ٣. في النهاية، كان الأمر سهلًا!

٤ هي الوسط التوافقي ﻟ ٦، و٣

٦ = ٤ + ٢، حيث ٢ = من ٦
٤ = ٣ + ١، حيث ١ = من ٣

يا له من مجهود! وفي سني!

إن صرير الزجاج على الورق كان متعةً. والحبر المنساب في ثنايا الالتواءات الدقيقة يغذي الريشة بما تحتاجه من سائل ليتيح خطًّا مصقولًا ودقيقًا. كان السيد روش يشعر بمتعةٍ جسديةٍ وهو يصوغ الحروف ويسمع صوت الريشة الزجاجية على ورق دفتره ذي الغِلاف المقوَّى. ماذا كان يكتب؟

قبل إقليدس بمائة وخمسين عامًا، كتب أبقراط الطشيوزي العناصر الأولى في تاريخ الرياضيات. يجب عدم الخلط بين هذا الأبقراط وأبو الطب، صاحب القَسم. لقد عاش الاثنان في القرن الخامس قبل الميلاد، لكن العالم الرياضي وُلد في جزيرة طشيوز، أما الطبيب ففي جزيرة كوس.

طبقًا لأرسطو، كان أبقراط أحد أبرز علماء الهندسة الذين وُجدوا، لكنه أضاف أنه كان أحمق وأبلة بالنسبة إلى باقي الأمور، ولصقَت المزحة به. كان قد بدأ حياته كتاجرٍ في التجارة البحرية الكبيرة. وأثناء رحلةٍ له في البحر، احتال عليه جُباة من بيزنطة واستولَوا على كل المال الذي كان يملكه، ولاحظ السيد روش أن طاليس أيضًا اهتم بالتجارة البحرية. لكن مثل هذه الحادثة المزعجة ما كانت لتحدث له أبدًا، لقد كان ماكرًا جدًّا. ولم يجد أبقراط، بعد أن أفلَس، شيئًا يعمله سوى أن يصبح رياضيًّا. لو أن كل مفلسي العالم فعلوا مثله، لكان في مونمارتر وحدها عددٌ كافٍ لإنشاء أكاديمية!

وكما أن ما يُنسب إلى المرء لا يصدر بالضرورة عن سُمعته، يؤكد الجميع أن أبقراط كان مخترع استدلال الخلف، شيءٌ بسيط! إن استدلال الخلف هو أحد أسلحة المنطق الأكثر خطورةً؛ فهو يسمح بإثبات حقيقة قضية بالبرهنة على أن القضية العكسية تؤدي إلى شيءٍ منافٍ للعقل، مِثل على سبيل المثال: «عدد يكون زوجيًّا وفرديًّا في آنٍ واحد»، «أو متوازيان يتقاطعان»، أو «مثلث متساوي الساقين كل زواياه مختلفةٌ» … إلخ.

لقد كان السيد روش يحمل محبةً خاصةً لهذا النوع من الاستدلال؛ لأن ذلك ينطلق من فرضية خاطئة … ليصل إلى قضيةٍ صحيحة! إن ذلك يذكِّره دائمًا بهذا القول المأثور: «بشِّر بالخطأ لتعرفَ الصحيح.»

«إذا كنتَ تريد إثبات أن قضيةً ما صحيحة، فخذْ نقيضها واعتبر أنه صحيح. واستخلص منه النتائج. وإذا كانت منافيةً للعقل، فإن «الخطأ» يرجع إلى فرضيتك؛ فبما أنها خاطئة، ستقود بالطبع، إلى نتائج منافية للعقل، وبما أنها خاطئة، فإن نقيضها يكون صحيحًا. وهو بالضبط ما كنتَ تريد إثباته! لا بد أن التوءم سيُحبان ذلك كثيرًا. لكنهما بكل تأكيد قد سمعا به في المدرسة. لنرَ ذلك.»

على ورقة بيضاء، اجتهد السيد روش في رسم ما يلي:

كان طاليس يتفحص السماء، أما أبقراط فكان يطارد أهلَّة القمر، وهي تُسمَّى في الرياضيات الهلاليات.٢ لقد أثبت أبقراط تربيع الهلاليات، وكان أول تربيعٍ لشكل منحنى، وسجل السيد روش في الهامش:
يرجع فيما بعدُ إلى القضايا الثلاث الكبرى للرياضيات الإغريقية؛ تربيع الدائرة، وتضعيف المكعب، وإثلاث الزاوية.٣

لقد أفلس أبقراط شابًّا، وطُرد وهو شيخٌ من المدرسة الفيثاغورسية؛ لأنه «تقاضى مالًا مقابل تعليمه الهندسة»! أليس ذلك بالضبط ما رفضه جروسروفر؟ أن يتقاضى مالًا مقابل الكشف عن براهينه لهذه العصابة من الأشخاص الذين كانوا يضايقونه. لو كان قبِل، لكان حيًّا الآن، فكر السيد روش. لقد رفض جروسروفر الكشف عن اكتشافاته، على عكس ما فعل هيباسوس، أو بيعها، كما فعل أبقراط.

تابع السيد روش مطالعته. استقرت المدرسة في مدينة كروتونا، في أسفل الحذاء الإيطالي ذي الرقبة الطويلة. كان في المدينة أحد السكان الأغنياء والأقوياء اسمه سيلون. وأبى سيلون إلا أن يتم قبوله في صفوف الفيثاغورسيين. ورُفض طلبه مرةً بعد مرةٍ. لم يحتمل سيلون، الذي كان عنيفًا ومتسلطًا أن يجرؤ أحدٌ على رفض طلبه.

توقَّف السيد روش عن القراءة، كان ذلك يشبه جملةً سبق أن سمعها. لم ينجح في التذكُّر.

ياه، الذاكرة! مع السنوات … فجأة، تذكَّر. هذه الجملة لم يسمعها. لقد قرأَها. في رسالة جروسروفر: أشخاص لا نستطيع الاستمرار طويلًا في أن نرفض لهم ما يقع اختيارهم عليه.

قرَّر سيلون الانتقام. كان أفراد المدرسة يجتمعون بانتظامٍ في أحد المنازل لمناقشة أحوال المدينة. اقترب سيلون وأنصاره من المنزل وأشعلوا فيه النار. مات كل مَن كان هناك محترقًا، فيما عدا واحدًا.

ارتعد السيد روش. إن مثل هذا التطابق لا يمكن أن يكون صدفةً. هل رفضُ طلب هؤلاء الناس الذين كانوا يريدون الحصول على البراهين جعلهم يتصرفون مثل أنصار سيلون منذ أكثر من ٢٥٠٠ عامٍ، بحرق منزل جروسروفر؟ غضب السيد روش، ولم يستطع الاستمرار في القراءة. إن فرضية الحريق الجنائي، التي دافعَت عنها بيرت، والتي لم يعتقد بها عندما عرضَتها، يمكن أن يتضح أنها صحيحةٌ. جريمةٌ! إذا كانت الجريمة هي الحقيقة، فسيكون لزامًا، وبشكل مُلحٍّ، تحديد هوية سيلون هذه العصابة الذي أعطى الأمر إلى رجاله ليغتالوا جروسروفر. لم يكن ذلك سوى فرضية.

ترك السيد روش كروتونا والأمواج الزرقاء للبحر الأيوني من أجل مانوس والغابة الأمازونية الخضراء.

ومن هناك عاد بعد بُرهةٍ طويلةٍ، أكثر اقتناعًا أيضًا. كان يتعين عليه مواصلة تحقيقه الرياضي، إن هذا التحقيق هو الذي سيوفر الإجابات عن تساؤلاته. عن طريقه سيعرف أخيرًا ما الذي حدث في مانوس، وما آلت إليه براهين جروسروفر.

أين وصل؟ آه، نعم إلى الناجي، الذي خرج سالمًا من الحريق، يُحكى أن اسمه فيلولوس.

كان يهتم بالفلك ونظرية نشأة الكون، مثل العديد من مفكري تلك الحقبة. لقد تخيل نظامًا مدهشًا للعالم. ليس فقط أن الأرض تدور، لكنها فضلًا عن ذلك لا تشغل مركز الكون! لقد تخيَّل ذلك قبل كوبرنيك وجاليليو بألفَي عامٍ.

مَن إذن، كان يشغل مركز الكون؟ ما كان أحدٌ ليصدق ذلك. نار مركزية! وضع فيلولوس في مركز الكون نارًا، تدور حولها الأرض، وكذلك الكواكب الأخرى والشمس. ومرَّ بذهن السيد روش سؤالٌ: هل فيلولوس شيد هذا البناء المذهل قبل الحريق الذي خرج منه سالمًا بمعجزة، أم بعده؟ أيًّا كانت الإجابة، لقد حيَّا أول مفكر يجرؤ أن يطرد الأرض من مركز الكون.

لو أن السيد روش لم يكن مشلولًا، لأكد أن لديه نملًا في الساقَين. في الواقع، كان النمل في كل الجزء العلوي من جسمه. إن حالة الجمود التي ظل عليها أثناء هذا العمل الطويل ضغطَت على ظهره. كان يتعين عليه أن يتحرك، نفض نفسه، وخرج إلى الفناء، قام بعدة لفات، وشرب من الفسقية وعاد. كان لديه عددٌ كبيرٌ من الفيثاغورسيين ليتعرَّف عليهم.

في الجهة المقابلة تمامًا لكروتونا، في اللسان البحري للحذاء الإيطالي ذي الرقبة الطويلة، تقع تاراس، ثم وقع على هذه الجملة: «أرخيتاس التاراسي هو مخترع العدد ١.»

مخترع؟ توقف السيد روش مؤقتًا. ألم يكن الواحد موجودًا دائمًا؟ إيه، حسنًا، لا! بالنسبة إلى أغلب المفكرين الإغريق كانت الأعداد تبدأ ﺑ «اثنين». بالنسبة إليهم كان يوجد الواحد … والآخرون.

كان الإغريق يؤكدون أن الواحد يتكلم عن الوجود، وليس عن الكمية. إن التعددية من اختصاص الأعداد: «إن واحدًا هو ما هو عليه». إن ذلك فلسفة! كان السيد روش في قمة سعادته، لقد عثر على ضالته. والقول بأنه عرف كل ذلك! بتجريد الواحد من تفرُّده وغيريته، جعل أرخيتاس منه عددًا مثل الآخرين! الأول، بالطبع، لكنه نمط بين أنماطٍ أخرى للكمية.

استمر السيد روش في تدوين الملاحظات. كانت هناك مادةٌ وفيرةٌ! أضاف أرخيتاس إلى لقب «والد الواحد»، سبقًا ثانيًا، كان هو «أول مهندس». لقد تمكَّن بتطبيق عددٍ كبيرٍ من المبادئ الرياضية للهندسة على دراسة أجهزةٍ مادية، من خلق الفن الميكانيكي. لم يكتفِ برسم آلاته على ورق البردي، وإنما كان يبنيها بالفعل. لقد صنع طائرًا آليًّا! ها هو ما كان سيُسعد نوفيوتشر.

حمامة خشبية تطير وحدها! فقط بالطاقة التي تمنحها لها الآلية المثبتة داخل بطنها، وكانت ترفرف بجناحَيها! لكن عندما تحطُّ كانت لا تستطيع الطيران من جديد.

كانت تطير لكنها لا تقلع. وبالإضافة إلى ذلك، كانت لا تتكلم! لا يوجد إذن ما يُقلق ببغاء شارع رافينيون.

وآهٍ! كان أرخيتاس أول كاتب مخربشات على الجدران في التاريخ، كيف تم ذلك؟ لم يكن يحتمل التفوه بكلماتٍ نابية. وذات يوم وجد نفسه مضطرًّا أن يفعل ذلك، فأدار ظهره إلى متحدثيه وأسرع نحو الجدار الذي كان يقع وراءه، وهناك، كتب بحروفٍ كبيرةٍ الكلمة التي كان يرفض التفوه بها. لقد ذكَّر ذلك السيد روش بشخصٍ يعرفه. ماكس! نعم، كان لا يقول أبدًا ألفاظًا نابية. لقد أدرك السيد روش ذلك بهذه المناسبة. إنه سلوكٌ غريبٌ جدًّا بالنسبة إلى صبيٍّ في سنِّه. كما لو كانت الكلمات مهمة جدًّا بحيث لا يستخدمها في ذلك.

كان لوالد الواحد أنشطةٌ متعددة؛ فبالإضافة إلى الحمائم الخشبية، والرياضيات والموسيقى، كان أرخيتاس يمارس السياسة، كان مهتمًّا، كفيثاغورسيٍّ صالح، بحياة المدينة. وكانت تاراس تتمتع بدستورٍ ديمقراطيٍّ، لقد تم انتخاب أرخيتاس قاضيًا أول سبع مراتٍ، وهو رقمٌ قياسيٌّ.

كما أنقذ أرخيتاس حياة أفلاطون. في نظر السيد روش كان ذلك مفخرتَه الكبرى. كان ديونيشيوس طاغية سراقوصة، قد انتوى قتل الفيلسوف، وعندما علم أرخيتاس بذلك، أرسل سفينةً محملةً بالجنود إلى سراقوصة، وعلى متْنها رسول. لقد حذَّر الرسول ديونيشيوس: إن أرخيتاس يطلب منه أن يترك على الفور أفلاطون يرحل. ووافق ديونيشيوس على رغبة القاضي، خوفًا من حربٍ مع تاراس القوية. وغادر أفلاطون سراقوصة سالمًا معافًى.

أعاد السيد روش قراءة الملاحظات التي دوَّنها. غمس الريشة الزجاجية في المحبرة، وكتب:

مع الفيثاغورسيين اتَّسع عالَم الرياضيات لقد أدخلوا الموسيقى والميكانيكا. إن رؤيتهم الصوفية للأعداد لم تمنعهم من تأسيس الحساب كعِلم الأعداد. إننا ندين لهم بأول براهينَ حقيقية في التاريخ؛ ففضلًا عن برهانهم لعدم جذرية جذر العدد ٢، برهنوا، مثلًا، أن كل المثلثات تشترك في أن مجموع زواياها يساوي ١٨٠ درجة.

كان السيد روش راضيًا. كان لديه ما يغذي الجلسة التالية عن فيثاغورس ومدرسته. رتَّب دفتره، مسح ريشته، وحرك مقعده نحو باب المرسم.

وعند نهاية النهار، دخل جوناثان وليا من الباب الجانبي إلى قاعة الاجتماعات. كانت الغرفة غارقةً في ظلٍّ خفيف. بضع مقاعد ولا شيء آخر، كما في قاعة كنيسة رعوية فقيرة. بعد أن أغلقا الباب، لاحظ جوناثان وليا أنهما ليسا وحدهما. كان هناك شخصٌ جالسٌ قرب الجدار، ويرتدي كسكيت على رأسه. ألبير! كان الصمت تامًّا. وقرَّرا ألا يحطِّماه.

كلما تعودت ليا على العتمة، كانت تندهش من أنها لا تتبين خلفية المرسم. واكتشفَت في النهاية السبب، كانت هناك ستارة تقسم الغرفة إلى نصفَين باتجاه العرض، مما منعها من رؤية ما كان يدور في باقي الحيز. وكانت المقاعد موضوعةً في مواجهة الستارة. وانتظرَت أن ترفع هذه الستارة، لكنها لم تُرفع قط. وانتظرَت أن تعرض عليها صورة، مثل أثناء الجلسة الخاصة بطاليس. لم تُعرض أية صورة. من الناحية الأخرى للستارة، أضاء مصباح. ميَّزت ليا الضوء بشكلٍ ضعيف جدًّا. وبالتزامن ارتفعَت مجموعة من الأصوات يمكن سماعها بالكاد. مثل رنينٍ له سماتٌ موسيقية.

من الناحية الأخرى من الستارة، كان ماكس، غير مرئيٍّ، يحتفل بالقداس. كانت هناك أربعة أوانٍ متماثلةٍ على شكل أسطواناتٍ موضوعة على طاولةٍ منخفضة. كان الإناء الأول فارغًا، والثاني مملوءًا حتى نصفه، ويحمل بطاقةً مسجلًا عليها «١ / ٢»، والإناء الثالث مسجل عليه «١ / ٤»، والإناء الرابع مسجل عليه «١ / ٣». جلس ماكس متربعًا وهو يمسك بمطرقة صائغٍ صغيرةٍ في كل يدٍ. وكان يستعد لإعادة إذاعة مجموعة الأصوات التي افتُتحَت بها الجلسة. ضربة مطرقةً خفيفة على الإناء الفارغ، ثم ضربة أخرى على الممتلئ إلى نصفه، وأعطى ذلك صوتَين، ثم ضرب ماكس على كل الأواني في آنٍ. وأعطى ذلك صوتًا واحدًا أكثر تناغمًا من الصوتَين السابقَين.

– ائتلاف فاصلة ثمانية!٤ صاح نوفيوتشر.

تبع ذلك لحظة صمتٍ. وبالطريقة نفسها، ضرب ماكس بمطرقتَيْه، في آنٍ. الإناء الفارغ والإناء الممتلئ حتى ثلثه. أصدرا رنينًا.

– ائتلاف فاصلة خماسية! صاح نوفيوتشر. لحظة صمتٍ جديدة، ثم ضرب ماكس الإناء الفارغ والإناء الممتلئ حتى رُبعه.

– ائتلاف فاصلة رباعية! صاح نوفيوتشر.

الحق يُقال، لم يدرك ماكس تقريبًا الأصوات المنبعثة من الأواني. لقد حرص أن يُجري التجربة بنفسه. هو يقوم باختبارٍ عن الأصوات!

من الناحية الأخرى من الستارة كان جوناثان وليا يستمعان دون أن يفهما تمامًا معنى كل ذلك. أما ألبير، فكان يستمع دون أن يطرح على نفسه أسئلةً. وعند سماع النتيجة، ندم السيد روش على أنه لم يطلب من ماكس أن يستخدم حبلًا مشدودًا بين وتدَين بحيث يقرص في أماكنَ مختلفة، بدلًا من هذه الأواني. كانت النتيجة ستكون مقنعةً أكثر. كان ساخطًا على نفسه لأنه فضَّل المسرحي على العملي. وا أسفاه!

– كان فيثاغورس يرى أعدادًا في كل مكان! … صاح نوفيوتشر.

تعطَّل صوته فجأة، وسمع حفيف أجنحة، ثم نحنحة حلق. استأنف نوفيوتشر بنبرة أضعف: … في كل مكان! بالنسبة إلى فيثاغورس كل ما هو موجود يكون عددًا. لقد اكتشف ذلك لأول مرة في الموسيقى.

تحشرج صوت نوفيوتشر مجددًا.

حل السيد روش محلَّه.

– بواسطة هذا الجهاز البسيط، قام فيثاغورس باكتشافٍ مذهلٍ: إن الفاصلة الموسيقية هي نسبة بين رقمَين! الفاصلة الثمانية، التي يصدرها الإناء الفارغ والإناء الممتلئ لنصفه، يعبَّر عنها بالنسبة ١ /  ٢، والفاصلة الخماسية بالنسبة ٢ /  ٣، والفاصلة الرباعية بالنسبة ٣ /  ٤، هل تعرفون نِسبًا عدديةً أبسط من هذه النِّسب الثلاث؟ سأل السيد روش.

– إنه يتعمد ذلك! همسَت ليا، متمالكةً نفسها بصعوبة. ما هي هذه الأواني؟! إنه يعرف جيدًا أننا لا نراها.

– في رأيي أنه يفعل ذلك لكي يجعلنا نتفاعل، هدَّأها جوناثان: لنترك الأمر يمُر.

وواصل السيد روش: وبالتالي نكتشف أن النسب العددية قادرة على إدراك تآلف الأنغام، بل أكثر من ذلك، فإن تآلف الأنغام نفسه هو إخراج النسب العددية في شكل أصوات. إن سلم الأنغام هو عبارة عن عدد، والموسيقى، رياضيات!

ارتفع صوتُ سوبرانو في المرسم يشدو لحن غنائية٥ لباخ، وكان ذلك جميلًا، لكن كان في الصوت حكة بعض الشيء. إن الأسطوانة التي وضعها السيد روش على جهاز تشغيل أسطواناتٍ قديم، كانت جزءًا من سلسلة. وفي إحلالٍ مثالي لنغمة مكان أخرى تتلاشى تدريجيًّا، انخفض صوت السوبرانو بالتدريج بينما ارتفع صوت السيد روش: لكن كان هناك ما هو أكثر من الموسيقى بالنسبة إلى الفيثاغورسيين. كان تآلف الأنغام يمتد إلى الكون كله، إن نظام السموات نفسها يعبِّر عن نفسه في سُلم أنغام موسيقى. موسيقى الأفلاك! ولقول ذلك، كان لا بد من كلمة، فيثاغورس اخترعها: كلمة كوزموس؛ أي كون بوصفه نظامًا متناغمًا. النظام الجيد والجمال. وتم رواية تاريخ العالم كصراع بين النظام الجيد أو الكوزموس وبين الفوضى.

ألقى السيد روش نظرة على تكملة النص الذي أعدَّه.

إن هذه الأصوات الثلاثة الصغيرة دقت ميلاد أول قانونٍ رياضيٍّ للطبيعة، لقد انطلق فيثاغورس للبحث عن الأعداد في الأشياء! كان قد كتب ذلك. إن مشروع الفيثاغورسيين هو إعطاء أساسٍ عدديٍّ للمعرفة بالطبيعة. ولبلوغ ذلك كان عليهم دراسة الأعداد في حد ذاتها، وهو ما شكَّل أساس علم الحساب، علم الأعداد الذي حرصوا على تمييزه عن المنطق الرياضي أو الرمزي، فن الحساب الصِّرف. بهذا الفصل، كانوا يرفعون علم الحساب فوق احتياجات التجار.

قرَّر السيد روش ألا يقرأ هذا المقطع، مفضلًا أن يُعطي الكلمة لمكبر الصوت. الذي دوَّى صوته في الحال: «انتباه، انتباه، مسموح للمستمعين أن يعبروا إلى الجانب الآخر من الستارة.»

مستمعون؟ نحن المقصودون، مستمعون وليس مشاهدون، لاحظا جوناثان وليا وهما يقومان. رفَعا القماش، ومرَّا إلى الجانب الآخر من الستارة.

كان الجو مختلفًا تمامًا. ثلاثة مصابيح شكَّلَت مساحاتٍ صغيرةً من الضوء في الظلام، واحدة كانت تضيء ماكس، أمام طاولة منخفضة وضعَت عليها كل أنواع الأشياء. من بينها، الأواني الأربعة الموسيقية.

كان المصباح الثاني يضيء نوفيوتشر، الذي كان متشبثًا بمجثمه أمام نوعٍ من المقرأ، وضع عليه ما يمكن الاعتقاد بأنه أقسامُ قطعةٍ موسيقية. من المقرأ، وضع عليه ما يمكن الاعتقاد بأنه أقسامُ قطعةٍ موسيقية. والمصباح الثالث الأقوى، في خدمة السيد روش. كان مستقرًّا على منصة، وقد أحاط نفسه بمعدَّات صوتياتٍ ومرئياتٍ كاملة، فيما يتعلق بالسمعيات كانت هناك أسطواناتٌ وأشرطة تسجيلٍ وأجهزة صوتياتٍ متقدمة. وعلى طاولةٍ أخرى، معدَّات عرض الصور التي سبق استخدامها في جلسة طاليس، مستعدة للعمل، ووُضع أمام مقعد السيد روش المتحرك صندوقُ مكبراتِ صوتٍ كبيرة. كان السيد روش يتصدَّر المكان، يقظًا ونشيطًا.

وعلى مكتبه كان يوجد دفتره ذو الغلاف المقوَّى وعدةُ أوراقٍ منفصلة. أمسك السيد روش بواحدة منها وأعلن: بدأ فيثاغورس بوضع تصنيف أوَّليٍّ للأعداد. إن هذا التصنيف يبدو لنا الآن طبيعيًّا جدًّا؛ بحيث يظهر وكأنه كان موجودًا دائمًا، لكنه كان سابقةً أولى. لقد قسَّم الأعداد الصحيحة إلى نوعَين؛ الأعداد الزوجية والأعداد الفردية؛ أي الأعداد التي تقبل القسمة على اثنَين، والأعداد التي لا تقبل هذه القسمة.

في الصمت الذي تلى ذلك سُمع صوت ممثلةٍ تراجيدية يخطب: مَن يؤمنون بعدد اثنين ومَن لا يؤمنون!

كانت ليا. لقد خرجَت الجملة من فمها تلقائيًّا.

«ياه، تلك الفتاة! فكَّر السيد روش. موهبةٌ شيطانية فيما يتعلق بالعثور على صيغ صادمة، أرجو ألا تعمل في المستقبل في مجال الدعاية.» ثم فجأة استأنف: وضع فيثاغورس قواعد الحساب الخاصة بشفعية الأعداد.

واصل نوفيوتشر: عددٌ زوجيٌّ زائد عددٍ زوجيٍّ يساوي عددًا زوجيًّا. عددٌ فرديٌّ زائد عددٍ فرديٍّ يساوي عددًا زوجيًّا. عدد زوجي زائد عدد فردي يساوي عددًا فرديًّا.

وقال السيد روش: وبالنسبة إلى عملية الضرب.

نوفيوتشر: ضرْبُ عددٍ زوجيٍّ في عدد زوجي يعطي عددًا زوجيًّا. وضربُ عدد فردي في عدد فردي يعطي عددًا فرديًّا، وضرب عدد زوجي في عدد فردي يعطي عددًا زوجيًّا.

من الناحية الأخرى للستارة، فُتح الباب الجانبي. واجتاح المرسم نفحة هواءٍ منعش. تسلَّلَت بيرت دون صوتٍ إلى الغرفة في اللحظة التي كان ينتهي فيها صفير إعجاب جوناثان وليا. أرادت اللحاق بهما، لكنها عندما لمحَت ألبير، غيَّرت رأيها وجلسَت.

وعندئذٍ ارتفع الصوت الحاسم لمكبر الصوت: انتباه، انتباه، هذا إعلان! هذا إﻋﻠ…

فصل السيد روش الكهرباء عن مكبر الصوت وأعلن: هنا روش، لديَّ إعلان أقوله لكم. إن نظرية فيثاغورس ليست لفيثاغورس.

استُقبل النبأ المثير بتصفيقٍ جماعيٍّ، لماذا أثار ذلك كل هذا السرور لدى ليا؟ لم تعرف كيف تفسِّر ذلك. أما جوناثان فلقد ظلَّ بارد الأعصاب.

– يجب، استكمل السيد روش، ردُّ ما لقيصر إلى قيصر … واسترداد ما ليس لفيثاغورس من فيثاغورس. لقد اكتشف المصريون وبخاصة البابليون، قبله بوقتٍ طويلٍ، علاقةً ما تربط الأضعاف الثلاثية للأعداد الصحيحة، وهي بالتحديد العلاقة التي ذكرتها النظرية الشهيرة.

ولكيلا يطيل مداخلته، امتنع السيد روش عن أن يقول إن على لوحة بابلية، هي لوحة بليمبتون ٣٢٢، نسبةً إلى عالم الآثار البريطاني الذي اكتشفها، دوَّن ناسخٌ حوالي خمسين من الأعداد الصحيحة الثلاثية العناصر،٦ التي تعود في النهاية إلى أن مجموع مربَّع عددَين منهم يساوي مربَّع العدد الثالث. لقد نُقشَت اللوحة منذ أكثر من ألف عام قبل ميلاد فيثاغورس، وإحدى هذه المجموعات الثلاثية كانت ٤٥، ٦٠، ٧٥، التي تكافئ مجموعتنا الثلاثية الشهيرة ٣، ٤، ٥.

أشار السيد روش لنوفيوتشر الذي انتصب فوق مجثمه، بينما وقف ماكس. «ثلاث قِطَع من الخشب!» أعلَن نوفيوتشر. تناول ماكس القطع الخشبية الثلاث الموضوعة على الطاولة وعرضَها.

نوفيوتشر: «طول القطعة الأولى هو ٣ والثانية ٤ والثالثة ٥». نقل ماكس طول يده مفتوحًا ثلاث مرات على أصغر قطعة خشبية، وأربع مراتٍ على القطعة المتوسطة. وخمس مرات على القطعة الأخيرة.

– والآن يقومون بعرضٍ حيٍّ! قالت ليا متذمرةً.

– لقد تدرَّبوا على ذلك، بشرفي! غمغم جوناثان غاضبًا. متى استطاعوا تحضير هذا المشهد الخاص بمضيفة الطيران؟

كان ماكس في الحقيقة قد لصق على وجهه ابتسامةً مسطَّحة، وكانت حركاتُه الآلية هي حركات مضيفة الطيران وهي تشرح للركاب طريقة استعمال قناع وصدرية الإنقاذ.

تابع نوفيوتشر: بما أن مربع ٣، الذي هو ٩، زائد مربع ٤، الذي هو ١٦، يساوي مربع ٥، الذي هو ٢٥، فإن المثلث الذي تكون قطع الخشب تلك أضلاعه يكون مثلثًا قائم الزاوية!

كلما تكلم، كان ماكس يكتب في الهواء بطرف السبابة ما كان نوفيوتشر يقوله:

٣٢ + ٤٢ = ٥٢

ثم وصل القِطع الثلاث بحيث تكون أطرافها متلامسة. لقد شكلَت مثلثًا يصنع زاويةً قائمةً مثالية

– ماذا تقول النظرية؟ سأل السيد روش، تقول لنا إنه يوجد ارتباط بين طول الأضلاع وطبيعة المثلث. وهذا الارتباط يمكن التعبير عنه بالطريقة التالية: إذا كان مجموع مربَّعات ضلعَي مثلث مساويًا لمربَّع الضلع الثالث:

ا٢ + ب٢ = ﺟ٢

إذن يكون هذا المثلث قائم الزاوية. إنه ارتباطٌ قويٌّ جدًّا بين طول الأضلاع وطبيعة إحدى زوايا المثلث.

صبَّ السيد روش لنفسه كوب ماءٍ، وشرب ببطءٍ. وماكس الذي عاد إلى طاولته، ضرب أحد الآنية الرنانة: اتفاق السيد روش! أعلن بصوت نوفيوتشر الأجش، الذي كان يقلده بصورة أفضل تدريجيًّا.

كاد السيد روش أن يختنق.

كانت بيرت قد خلعَت حذاءها ومدَّدَت ساقَيها. إن نهارها في المكتبة أتعبها. في مواجهة الستارة الكاذبة، كانت تسمع لكن لا ترى شيئًا، لكن ما لم تكن تراه، بشكلٍ خاص، هو علاقة كل ذلك برسالة جروسروفر وبالأسئلة التي أثارتها.

كان جوناثان يغلي وسأل السيد روش: ليس ذلك للدفاع عن فيثاغورس …

في الواقع كان ذلك للدفاع عنه. إن الشَّعر الطويل ومظهر فيثاغورس أقام على الفور تواطؤًا بينه وبين ذلك الهائم على وجهه من العصور القديمة، الذي أكثر من الأسفار متنقلًا من ضفاف النيل إلى ضفاف الفرات، ومن طيبة إلى بابل، ومن سواحل آسيا الصغرى إلى سواحل سوريا، ومن جزر بحر إيجة إلى شواطئ البحر الأيوني.

ليس ذلك للدفاع عن فيثاغورس، لكنك قلت لنا بما فيه الكفاية إنه يتعين التمييز بين نتيجةٍ ما وبرهانها؛ ومن ثم فإن البابليين والمصريين كانوا يملكون النتيجة، بكل تأكيد، لكن هل برهنوا عليها؟ سأله جوناثان.

– حسب الظاهر، لا. أجاب السيد روش.

– إذن، يمكن القول: «نتيجة البابليين» و«نظرية فيثاغورس»، يجب ردُّ ما لفيثاغورس لفيثاغورس.

انتصر جوناثان.

وفي هذه اللحظة سألت ليا السيد روش: لماذا هذه الستارة؟ لماذا تركتنا ننتظر طويلًا وراءها؟

– كنت أنتظر السؤال. بل لقد فوجئتُ أنه وصل متأخرًا لهذه الدرجة، هل أصبحتم في طريقكم لأن تكونوا صبورين؟ سأل السيد روش بسخريةٍ. أردتُ أن أضعكم — أوه، لبضع لحظات فقط — في موقف مَن كانوا يرغبون في أن يصبحوا تلاميذ لفيثاغورس.

هكذا كانت الكيفية التي يختار بها المرشَّحين.

كان فيثاغورس يبدأ بملاحظة إذا كان الطالب قادرًا على «إمساك لسانه»، إنه التعبير الذي استخدمه. هل يستطيع أن يصمت ويحتفظ لنفسه بما سمعه أثناء جلسات الدرس. في البداية كان صمتُ الطالب يهمه أكثر من كلامه، كما تلاحظون ذلك.

كانت قاعة الدرس مقسَّمة إلى نصفَين بستارة. كان فيثاغورس يوجد في ناحية والطلاب في الناحية الأخرى؛ حيث كان مدخلهم إلى تعليمه من خلال السمع فقط. كانوا يسمعونه لكن لا يرونه. وكانت التجربة تدوم خمس سنواتٍ!

– ألا يرون شيئًا؟ يستمعون ويصمتون، كان ذلك هو البرنامج! طوال خمس سنوات! انفجرت ليا. إن ذلك بمثابة طائفة حقًّا!

كاد ماكس أن ينفجر. والصُّم، ألم يكن من حقهم التعلم؟ كيف كانوا يتصرفون من أجل إدراك أي شيء إذا كانوا وراء الستارة! إن ذلك لا يعجبني إطلاقًا. هذا ما كان سيقوله لو قُدر له أن يقول شيئًا، لكن مثل هذا التعبير عما يثيره لم يكن من عاداته، احتفظ بأفكاره لنفسه، متوقعًا ما يثير ماكس، أشار إليه السيد روش بما معناه: «إيه نعم، كان الأمر كذلك، يا ماكس. لا أستطيع أن أفعل فيه شيئًا.» ثم استأنف: كان للستارة أهمية قصوى في حياة المدرسة الفيثاغورسية؛ فإن عبورها كان يعني النجاح في التجارب. كان أعضاء المدرسة موزَّعين إلى فئتَين تبعًا لجانب الستارة الذي يكونون موجودين فيه. خارج الحيز الذي يقف فيه فيثاغورس كان الخارجيون … وداخل هذا الحيز، ولما تبقى من حياتهم، كان الباطنيون. هم وحدهم كانوا يستطيعون سماع فيثاغورس ورؤيته!

– هل بجعلنا نمرُّ إلى جانبك من الستارة، حكمتَ بأننا جديرون بأن نكون باطنيين، هل الأمر كذلك؟ سأل جوناثان وليا معًا.

– فعلًا. أجاب السيد روش.

– هل يمكن أن نعرف لماذا؟

– لماذا؟ لأنكما، وعذرًا للتعبير، التزمتما الصمت طوال الوقت الذي كنتما فيه في الناحية الأخرى من الستارة. لم أكن أصدِّق أذني، لقد تمكَّنتما من إمساك لسانيكما.

– كان ذلك فخًّا إذن. سجلَت ليا ذلك موجهةً إشارة تواطؤ إلى جوناثان.

– لا، اختبار. أوضح السيد روش.

– وإذا لم نصمت؟

– كنتما ستبقيان في الناحية الأخرى. لقد قرَّرنا ذلك أنا وماكس. ووافق نوفيوتشر أيضًا.

عند سماع نوفيوتشر اسمه، وقد ضايقه سكونه الطويل الذي فرضَته عليه مشاركته في الجلسة، اعتقدَ أنه تحرَّر وبدأ يطير في الغرفة. لامس الستارة. اهتزت القماشة، وأراد ماكس الإمساك بها، لكن على النقيض، أدت حركتُه إلى اختلال توازنها. وتهالكَت محدثة صوتًا قويًّا مكتومًا، مواريةً ماكس الذي اختفَى تحت القماش الثقيل. أدخل جوناثان يده في الثنيات، وبهزة أخرج ماكس مشعث الشَّعر.

لمح بيرت الجالسة برصانة من الناحية الأخرى من خط الفصل الذي لم يعُد موجودًا: ماما، منذ متى كنتِ هناك؟

– منذ نظرية فيثاغورس. أجابت مبتسمةً.

لم يسمعها أحدٌ تدخل. تحرك ألبير على مقعده. لقد نسُوه، كان نائمًا. وانفجار الضحك الذي أعقب ذلك لم يتمكن من إيقاظه.

مثل الممثلين الموهوبين الذين يواصلون المسرحية، رغم الكوارث، استمر السيد روش رائعًا: إن نصوص الفيثاغورسيين أيضًا كانت خاضعةً للسرية. مصاغة في لغةٍ ذات معنَيين، كانت تتعامل مع الكلمات بمستويَين من التفسير؛ مستوًى يفهمه الجميع، ومستوًى آخر مقصورًا على المطَّلعين فقط. كان الفيثاغورسيون يتكلمون بالرموز والألغاز.

عند قوله هذه الكلمات فكر السيد روش في رسالة جروسروفر. لقد كانت دون أدنى شكٍّ، نصًّا فيثاغورسيًّا حقيقيًّا مستحقةً لقراءةٍ مزدوجة؛ فهي مليئةٌ بالرموز والألغاز.

– كانت أغلب المعارف تنتقل سرًّا وبشكلٍ شفويٍّ، ولقد أدت هذه الطريقة في انتقال المعرفة إلى نوعٍ ثانٍ من الفصل. كان هناك الأكوسمات acousmatiques الذين تُنقل لهم النتائج، لكن بدون براهين التوصُّل إليها، وكان هناك الرياضيون الذين تُنقل لهم النتائج والبراهين.
أما فيما يتعلق بالأكوسماتا akousmata، التي تكلم عنها جروسروفر في رسالته، فإنها ألفاظٌ، وهي لا تُنقل إذن إلا شفاهة، ولا يوجد لها أية آثارٍ مكتوبة. عندما تكلم جروسروفر عن الأكوسماتا، ما الذي كان يريد أن يقوله لنا؟ وبما أنه أحرق ما دونه هل الأكوسماتا تمثِّل البراهين التي نقلها شفويًّا إلى الذي يسمِّيه رفيقي المخلص؟

كما كان يفعل مريدو فيثاغورس، لا بد على الرفيق المخلص أن يحفظ غيبًا ما نقله له جروسروفر شفاهةً، لكنه لم يكن في حاجة إلى فهْم كل ما سجَّله في ذاكرته. إلا أن ذلك كان مستحيلًا، لاحظ السيد روش. باختصار، لم يكن ضروريًّا أن يكون رياضيًّا. كان يكفيه أن يكون بالتحديد ما كان يسمِّيه الفيثاغورسيون أكوسمات. بالمناسبة، ما طول هذه البراهين؟ لا أحد لديه أدنى فكرة عن ذلك. صفحتان، عشر صفحات، ربما أكثر؟

بمساعدة مكتبة الغابة، كان السيد روش يُجري تحقيقه بنشاط، لا بد أن يُقرُّوا بذلك. وقال في الختام: مَن هو رفيق جروسروفر المخلص المتمتع بذاكرة مدرَّبة؟

ساد الصمت وابتسمت ليا: البحث عن أكوسمات الغابة الاستوائية الكثيفة! عنوانٌ جميلٌ لصحيفةٍ مسائية!

– ونحن في أية مجموعة تضعنا؟ أكوسمات أم رياضيون؟ سأل جوناثان.

– سيتوقف ذلك على استعدادكم لفهْم البراهين، وأن تتذكروها. المستقبل وحده سيسمح لنا بتقرير ذلك.

تبادل جوناثان وليا نظرةً خاطفة.

– كان على كل أعضاء المدرسة تمرين ذاكرتهم، استأنف السيد روش، الذي أفلَت منه التبادل الذي حدث بين جوناثان وليا في الصباح، لم يكن أي فيثاغورسي ينهض قَط قبل أن يستعيد في ذاكرته الأحداثَ التي عاشها في اليوم السابق. ويحاول بدقةٍ تذكُّر ما الذي رآه، والذي قاله، والذي فعله، ومن الذي قابله.

– والذين يتم رفضهم، ما الذي يحدث لهم؟ سألَت فجأة ليا.

– عند التقدم إلى المدرسة كان على كل متقدِّمٍ أن يستودع الطائفة كل أمواله، أعلن السيد روش.

– تمامًا مثل الطوائف الآن. قالت ليا مبتهجةً.

– باستثناء، أوضح السيد روش، أن مَن يتم طرده يحصل قبل رحيله على ضعف الأموال التي أودعها.

– إذن كان يغادر أكثر ثراءً مما دخل، لاحظ جوناثان، وهو ما يمثل اختلافًا محترمًا عن طوائف اليوم، التي تمتص الناس حتى النخاع.

– إنهم يعطونه مالًا بدلًا من المعرفة التي لم يتمكن من الحصول عليها، أعلن السيد روش لكن … (ترك جملته معلقةً) … لكن بمجرد أن يتقرر طرده، يُحفر له قبر.

– حتى لو لم يكن ميتًا! صاح ماكس.

– إنه موتٌ رمزيٌّ يا ماكس. قالت ليا ساخرةً.

نهضَت بيرت فجأة، وعيناها تلمعان: كان الموت رمزيًّا، لكن القبر حقيقيٌّ تمامًا. عندما يكتشف أحدٌ هذا القبر يمكنه بحسن نية أن يعتقد أن الشخص صاحب القبر قد مات، ويمكن بالتالي الاعتقاد بأن لدينا أدلة موت شخصٍ ما بينما يكون حيًّا.

«إلى ماذا تهدف؟» تساءلت ليا.

اقترب ماكس. كان الجميع مشدودين نحو كلمات بيرت.

– أنت تتكلمين عن جروسروفر، أليس كذلك؟ سأل السيد روش. أذكِّرك بأنهم عثروا على … لم يتمكن من قول «جثة» … جسد جروسروفر. أعتقد أنكِ تخلطين بين الحاوي والمحتوى. إن الجسد ليس القبر …

– أنا لا أخلط بينهما، لكني أقول إنه إذا كان هناك موتى بدون قبورٍ، فإنك أعلمتنا توًّا أنه توجد قبورٌ بدون موتى.

– إذن؟ سأل السيد روش بشكلٍ يكاد يكون تهجميًّا.

تجاسرت: مَن يقول لنا إن الجسد المحترق الذي عُثر عليه في أنقاض منزل مانوس هو جسد صديقك؟

لم يعبِّر أحدٌ حتى ذلك الحين عن أدنى شك حول هذا الموضوع، بل لقد كان هذا الموضوع هو النقطة الوحيدة المقررة — حتى هذه اللحظة! إنهم ظلوا مذهولين. كان السيد روش أول مَن انتفض: باختصارٍ يا بيرت، اعذريني أن أقول لك بفظاظة، إنك تتلفظين بحماقاتٍ! لقد كتب ذلك مفوض الشرطة في الرسالة.

– أنا لا أفهمك يا سيد روش، ما الذي تريده؟ أن يكون صديقك ميتًا أو لا يكون؟

– ما أريده؟ ما أريده؟ وكأن ذلك يمكن أن يكون له أية أهمية، كما لو كان يكفي أن أريد أن يكون حيًّا لكي يصبح حيًّا.

– ليس ذلك مبررًا لقتله، بينما أنت لست متأكدًا من أنه ميت. انفجرَت بيرت.

– كيف، قتله؟ إنك تبالغين، احتج السيد روش. أتقولين إنني أقتل جروسروفر؟

– لنهدأ. إني أقول ببساطةٍ إننا لا نملك دليلًا على أنه مات.

– لا دليل؟! كان السيد روش منهكًا. الجسم المحترق الذي عُثر عليه في المنزل ليس دليلًا؟

– لا، إن الشيء الوحيد الذي يثبته جسدٌ محترقٌ، هو أن الشخص صاحب الجسد مات. إن ذلك لا يقول مَن هو، ولا حتى إذا كان قد مات حرقًا. بالمناسبة (غيَّرت نبرة صوتها)، هل تعرَّف أحدٌ على الجسد؟ هل تم إجراء تشريحٍ؟

– لكن الأمر سواءٌ! انفجرت ليا.

– أذكِّرك، قال السيد روش إلى بيرت، إنك أنت نفسك التي تحدَّثت عن مقتل جروسروفر. وإذا كانت هناك جريمة قتلٍ فمعنى ذلك أن شخصًا ما قد مات.

– وأين التناقض في ذلك؟ إن الأمر يتعلق بفرضيات وأريد أن نتأملها كلها. يسمَّى ذلك في الرياضيات، أعتقد أنني أتذكَّر، حالات الشكل المختلفة، ولا بد ألا نهمل أيًّا منها.

– ألا تشعرون بالجوع؟ سألَت ليا.

– إذا لم يكن هذا الجسد لجروسروفر، فلمَن يكون؟ سأل السيد روش.

– لنحاول أولًا معرفة هل هو جسد جروسروفر؟ أجابت بيرت.

– إذا كنتم غير جائعين، فأنا جائعة. ألحت ليا.

– حسنٌ. لنتوقف، سلم السيد روش، لكن يمكننا أن نواصل بعد الطعام. يمكن أن نفعل مثل … كيف يُقال بالنسبة إلى المحلات الكبرى؟

– ليلية.

– هو ذلك، فلنقُم بليلية.

أيقظَت الكلمة ألبير، أدار عينَين دهشتَين وراء نظارته البيضاء من البخار، وكانت قبعته مائلةً، وسيجارته ما زالت ملتصقةً بشفتَيه.

– أعتقد أنني نعستُ قليلًا. لقد عملتُ طوال الليل. كنتُ في مطار رواسي. إن المطارات مربحةٌ، لكنها منهِكةٌ.

– ألبير، هو أيضًا لم يقلْ كلمةً، لاحظ ماكس. يجب أن تكون القاعدة واحدة للجميع. يجب أن تقبل به كأحد الباطنيين، يا سيد روش.

– ألبير، أعلن السيد روش، لقد قُبِلتَ في مجموعة الباطنيين. أنت الآن واحدٌ من الفيثاغورسيين.

– هذا غير واردٍ! أنا لا أنتمي إلى شيءٍ ولا إلى شخصٍ، أنا مستقلٌّ. حزب، نقابة جمعية، فريق كرة، رابطة، إنَّها ليست لي!

١  من اليونانية akousma؛ أي «شيء يسمع»، وهو يتعلق بالتعليم المقصور على فئة معينة. (المترجم)
٢  رسمٌ هندسيٌّ بشكل هلالين (المترجم)
٣  أي تقسيمها إلى ثلاثة أقسامٍ متساوية. (المترجم)
٤  مجموعة من ثماني وحداتٍ (المترجم)
٥  مشهد ينشد فيه على أنغام الموسيقى بلا تمثيل. (المترجم)
٦  نظامٌ من ثلاثة عناصرٍ لمجموعٍ معينٍ (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦