من العجز إلى اليقين. الكميات غير الجذرية
ثبَّت السيد روش مقعده على منصة رافعة – روش، وضغط على الزر وارتفع ببطء في هواء الفناء الداخلي لمنزل شارع رافينيون. كانت الجلسة عن فيثاغورس طويلةً ومتعبة. لقد ندم على أنه اقترح ببلاهة القيام ﺑ «ليلية». إن مكتبة الغابة ليست محلًّا كبيرًا، وهو ليس بائعةً أنيقةً في قسم الملابس الداخلية والبياضات. تصر التروس بشكلٍ مزعج. يجب أن يطلب من ألبير تشحيم الآلات. لقد ذكَّره ضجيج سلسلة أسنان رافعة – روش بضجيج القطار الكبير في ملاهي «سوق العرش»، عندما كانت ترفع عربة القطار إلى أعلى، مباشرةً قبل القفزة الكبرى التي تقطع النَّفَس.
ظل ماكس في مرسم الاجتماعات. لم يلحظ وجود بيرت، في خلفية القاعة. كانت جالسةً في الظل، تفكِّر فيما حدث توًّا. لماذا تكلمت بهذه الطريقة العنيفة مع السيد روش؟ أكثر ما كان يدهشها أنها كانت مدفوعةً إلى التركيز نفسيًّا في قصة تتعلق بموت شخصٍ مجهول، شخص لم ترَه قَط، وقبل ذلك ببضعة أسابيع لم تكن تعرف بوجوده. كانت مضطرةً أن تسجِّل أن جوَّ شارع رافينيون قد تغيَّر منذ أول رسالة لجروسروفر، حتى ذلك الحين، كانوا يشكِّلون … تجمعًا يعيش في مشاركةٍ لينةٍ في السكن خالية من النزاع، تشكَّلَت من العادات، وتسبح في محبةٍ ضمنية، لكن بدون شغفٍ. لا يوجد هدفٌ مشترك، ولا مغامرات، وليس لديهم ولعٌ بشيءٍ مشترك، كما لم يكن لديهم شيءٌ يتقاسمونه حقًّا، فيما عدا الأمور اليومية. إن بيرت التي تحتل مكانًا مركزيًّا في هذا التجمع، لم تفعل شيئًا يُذكر لكي يكون الأمر مختلفًا. لقد تشكل هذا التجمع على يدها، وكان عليها أن تخلق الروابط. أدركَت أنها لم تتحمل مسئوليتها.
وها هي قصة مانوس هذه تسقط فوقهم. المكتبة، الكتب، الرياضيات، والحريق. هل هي هدية أم حادثٌ سيئ؟ ستعرف ذلك بالممارسة. أيًّا كان الأمر، يمكنها حاليًّا أن تؤكد أن ذلك وصل في الموعد المحدد، لكي يمنحهم ما كان ينقصهم. لأول مرة، تشعر أن أهل البيت ينفعلون في تناغمٍ واتفاقٍ. حتى هذا الببغاء شارك بقسمٍ من القطعة الموسيقية.
بينما كان ماكس يطوي الستارة بعنايةٍ ويستعد لوضعها في مكانها، رفرف نوفيوتشر في المرسم وحط على الطاولة؛ حيث كان ماكس يعزف موسيقاه. كان عطشانًا. أدخل منقاره في أحد الأواني، لكنه لم يتمكن من بلوغ الماء، كان الإناء ضيقًا جدًّا والماء منخفضًا جدًّا. جرَّب الإناءَين الآخرَين دون نجاحٍ.
لمح ماكس جهوده فهبَّ إلى نجدته. كانت بيرت تتابع المشهد، مستمتعةً. قامت بالانضمام إليهما. تناول ماكس الإناء المكتوب عليه ١ / ٣، وصبَّه في الإناء المكتوب عليه ١ / ٢. أدخل نوفيوتشر منقاره، كان الماء لا يزال خارج متناوله. تناول ماكس الإناء المكتوب عليه ١ / ٤، واستعدَّ لصبِّ الماء فيه. اندفعَت بيرت، عندما اكتشفَت دفتر السيد روش، مفتوحًا على الطاولة: «توقف، ماكس!» بعد فوات الأوان. كان قد صب الماء. تسرَّب الماء من الإناء الذي فاض به وبلَّل الدفتر. لقد أدرك هتاف بيرت أكثر من أن يكون قد سمعه. سألها وهو يضغط الدفتر على قميصه لكي يجفِّفه: كيف عرفت أنه سيفيض؟
إن بيرت مسئولة عن خزينة المكتبة منذ حوالي عشر سنوات.
وكانت قد اعتادت حساب مجموع الفواتير في رأسها في الوقت الذي تضرب فيه المبالغ على لوحة مفاتيح الخزينة المسجلة. كانت تتسلى بالقيام بسباقاتِ سرعةٍ مع الآلة، مَن سيعطي النتيجة أولًا، هي أم الخزينة؟ المرأة مقابل الآلة، نسخةٌ خفيفة للمعارك البطولية، التي كان يقودها أبطال الشطرنج ضد الحاسوب.
– أجريتُ الحساب وعرفتُ أنه لا بد أن يفيض.
– كيف؟
– بصبك الأواني الثلاثة أضفت محتواهم: ١ / ٢ + ١ / ٣ + ١ / ٤. إن ذلك يعطي ١٣ / ١٢.
و١٣ / ١٢ أكبر من ١؛ أي أكبر من سعة أحد أوانيك، إذن كان لا بد أن يفيض!
لم يُخفِ ماكس إعجابه.
– لقد أجريت الحساب من المُخيِّلة. ذلك قويٌّ، يا ماما!
كان ذلك غير معتادٍ على الإطلاق بالنسبة إلى بيرت، حتى إنها تخلصَت من الموقف بمزحة:
الحساب يوضِّح لي أن هناك نصف لتر من الماء على دفتر السيد روش، الذي لن يكون مسرورًا.
كان الماء قد أحدث هالات على الصفحات. قدَّرَت بيرت الخسائر بنظرةٍ واحدةٍ. الصفحة الأكثر تلفًا كانت الصفحة التي وصف فيها السيد روش حياة فيثاغورس، ورحلاته، ووصوله إلى سيباريس، وإقامته في كروتونا. غير أن النص كان لا يزال مقروءًا.
– أنت خارقةٌ يا ماما!
استخلص ماكس من هذه الواقعة، فيما عدا إنجاز بيرت الباهر، أن الحساب يمكن أن يفيد في منع «الفيض.»
كان القِدر الممتلئ بالقهوة يسخن ببطءٍ على الشعلة. عندما بدأ السائل يختلج، قطع ألبير الغاز وصبَّ لنفسه قدحًا كبيرًا. كان الأمر يجري بهذا الشكل دائمًا عندما يعمل ليلًا؛ ففي اليوم التالي يحتاج إلى لتر من القهوة لكيلا ينعس كما حدث منذ قليلٍ أثناء الجلسة. لقد شرب، على التوالي، قدحًا ثانيًا، ليكون لديه بعض الفرص ليبقى يقظًا أثناء النوبة الليلية، على حد قوله.
– لماذا تقوم بنوبات ليلية، إذا كان ذلك يُنهِكك لهذه الدرجة؟ لكسب مزيد من النقود؟ سأله جوناثان.
– في بعض الأحيان، نعم، لكن هذه الليلة، كان ذلك لأنني كنتُ أرغب في الذهاب إلى ريو.
– الذهاب إلى ريو!
حكَّ سكين جوناثان، وخدَش نصله اللوح الذي كان يقطع عليه شرائح فخذ الخنزير الجبلي المدخن. شرائح أرق ما يمكن، وإلا فإن ذلك، طبقًا لذوق جوناثان، يكون شحم خنزيرٍ.
– عندما أضجر من باريس، ويكون الجو حزينًا جدًّا، وكئيبًا جدًّا، أو عندما، لا أعرف، تنتابني ببساطة رغبةٌ في السفر، أرحل، أذهب إلى أورلي أو رواسي. أمسِ، عندما استيقظتُ، قلتُ لنفسي: «ريو، أريد أن أذهب إلى ريو». راجعتُ المواعيد، عندي المواعيد دائمًا في المنزل. ريو، مطار رواسي، الساعة الخامسة صباحًا. سجَّلتُ نفسي في المطار من أجل وصول الطائرة، وحملت زوجين برازيليين يسكنان ريو وسألتهما: «إذن، ألم تتغير ريو؟» وطرحت عليهما عددًا كبيرًا من الأسئلة عن تحولات كانت تجري في المدينة، كان مسافر قد حدثني عنها قبل ذلك ببضعة أسابيع، قالت لي المرأة: إنك تعرف ريو جيدًا! متى كنتَ هناك؟ قلتُ لها: «لم أذهب إليها قط، سيدتي». نظرت إليَّ بعينَين كبيرتَين مثل كريتَين، ولم تنطق بكلمةٍ بعد ذلك.
قطع جوناثان خيطًا رفيعًا من الدهن وقدمه لألبير الذي كان مولعًا به. كاد رماد سيجارته أن يقع في طبق الطماطم بالبقدونس الذي حضَّره جوناثان بفنٍّ كما يعتقد. وقع في الملاحة. شرح ألبير، وهو يفرغ الملاحة في صندوق القمامة، لجوناثان كيف كان كل زبون، فيما بين المطار والضواحي، يحكي له عن مدينته، والأماكن التي يفضِّلها. والحانات التي يتردَّد عليها، والميادين التي يُحب عبورها، والحدائق الذي اعتاد الجلوس فيها، والأحياء التي يكرهها، وكيف كان هو، رحلة بعد رحلة، يكوِّن فكرةً عن هذه المدينة التي لم يضع قدميه فيها قط، وكيف كان يتخيل الأماكن التي كان كل مسافرٍ يصفها له بطريقته. نيويورك، طوكيو، بوجوتا، سنغافورة. بهذه الطريقة، كان يعرف حوالي عشرين مدينةً على امتداد العالم. بالطبع، لم يفتح دليلًا قط، سيكون ذلك بمثابة خيانة. باستثناء سراقوصة، المدينة الوحيدة التي عرفها من خلال الدليل؛ لأنه كان يريد الذهاب إليها بشدةٍ ولا توجد رحلةٌ مباشرة إليها؛ وبالتالي لا يوجد ركَّابٌ قادمون من هناك لكي يتمكَّن من سؤالهم.
– مدن، قال محددًا، ليس بلدانًا. إن البلدان، بلاهة، لا توجد إلا على الخرائط. أما المدن فهي توجد فعلًا …
أسرَّ له ألبير أنه أخذ عادة المطارات عقب الرحلة الوحيدة إلى الخارج التي قام بها إلى روما، كان ذلك منذ وقتٍ طويلٍ، وهناك، فقدَ أوراقه وتذكرة السفر، وأُصيب بحمَّى حبسَتْه في غرفة فندقٍ طوال إقامته.
– أتعرف مانوس؟ سال جوناثان فجأة.
– أين تقع؟
– في البرازيل، في الأمازون.
– في البرازيل، كما قلتُ لك، لا أعرف سوى ريو وبرازيليا، إن مانوس ليست على جدول مواعيد خطوط طيران الرحلات الطويلة.
وأثناء ما كان يتكلم، انتهى ألبير من تحضير المائدة. دخلَت بيرت يتبعها ماكس ونوفيوتشر إلى قاعة الطعام في الوقت الذي نزلت فيه ليا من غرفتها. جلس الجميع إلى المائدة.
رفع جوناثان ذراعه نحو أعلى رفٍّ في قطعة أثاث المطبخ ليصل إلى طبقٍ طويلٍ معدنيٍّ كان ينوي أن يفرد عليه شرائح لحم الخنزير. نهرَتْه بيرت: «لا ترفع ذراعك عاليًا لهذه الدرجة، إنك ترهقني!» من المفاجأة، ترك الطبق يفلتُ ووقع على الأرض. انفجار! حتى ماكس انتفض. وهرب نوفيوتشر بأقصى سرعة، وفي رد فعلٍ تلقائيٍّ ذهب ليجثم على إفريز المدفأة، مثل أول مرةٍ عندما نزل في منزل شارع رافينيون. لم تتمكَّن بيرت من أن تنطق بكلمةٍ من فرط ما كانت تضحك. وانتهت بأن قالت: لقد تكلمت توًّا عن سيباريس يا سيد روش. عندما رأيت جوناثان في هذا الوضع، ذكَّرني ذلك بقصةٍ كانت تُحكى في المدرسة.
كان أحد سكان سيباريس يتنزَّه في الريف. وعند مروره إلى جوار فلاحٍ يعزق حقله بالمِعْول، توقف فجأة وصاح: «لا ترفع ذراعك عاليًا لهذه الدرجة، إنك ترهقني!»
لمَّ جوناثان الطبق.
واصلت بيرت بعزمٍ وفي حماسٍ: هناك أيضًا مواطن من سيباريس، عند رؤيته لعبدٍ يشق الخشب، بدأ يتفصَّد عرقًا، قطرات كبيرة من العرق، وآخر كان قد استأجر مركبًا للذهاب إلى كروتونا، في مدينة فيثاغورس تحديدًا. وقبل الرحيل، ألزم البحارة بألا تصدر المجاديف، أثناء الرحلة البحرية، أي صوت، وأن تضرب البحر دون أن تجعل أية نقطة ماء تتناثر، وإلا فلن يدفع لهم أجرهم … ومما يجعل الكيل يطفح، أن هذا المواطن اشتكى، عندما استيقظ ذات صباحٍ، من أنه لم يتمكن من النوم ليلًا؛ لأن في سريره المغطى بأوراق الورد أزعجَتْه إحدى تلك الأوراق؛ لأنها طُويَت إلى نصفَين. لا يمكنكم تصوُّر كم كان ذلك يجعلنا نضحك، خاصةً القصة الأخيرة، ورقة الورد المطوية.
كان لحم الخنزير ممتازًا.
في اللحظة التي وقف فيها الجميع، أطلقَت بيرت: إن قوات كروتونا دمرت سيباريس. بناءً على طلب الفيثاغورسيين، أعتقد أنني أتذكَّر ذلك، ولكيلا يتبقى منها أي أثرٍ، غيَّروا مجرى نهرٍ قام بدفن المدينة، ولقد تم ذلك بشكلٍ جيد لدرجة أنه لم يتم العثور قط على حجرٍ واحدٍ من مدينة كل الملذات.
انتهت الاستراحة، وبدأت الجلسة الليلية. كان السيد روش متعبًا. اقترحَت بيرت تأجيل الجلسة إلى اليوم التالي. رفض السيد روش. ساعدَته بيرت على أن يصعد إلى المنصة، جلس ألبير في الصف الأول. مقعد الأوركسترا! عازمًا على أن يظل يقظًا حتى الفجر إذا تطلَّب الأمر ذلك، وبقي نوفيوتشر قابعًا على مجثمه في غرفة الطعام والاستقبال، كانت جلسة ما بعد الظهر قد أنهكَتْه.
– البعض، هنا، لم يستطع الانتظار ٢٤ ساعة لمعرفة ما هي أزمة الأعداد غير الجذرية، التي وقعَت منذ ٢٥٠٠ عام تقريبًا؛ لذلك أجد نفسي مطالبًا بأن أرسم لوحةً لهذه الأعداد في جلسةٍ ليلية. أعلن السيد روش بصوتٍ واضح.
إننا في القرن الخامس قبل عصرنا، في مكانٍ ما من اليونان الكبرى، وعلى الأرجح على سواحل إيطاليا الجنوبية قرب كروتونا. إنها مسرحيةٌ من ثلاثة فصول.
- الفصل الأول: كل شيءٍ عددٌ!
- الفصل الثاني: إذا كان عدد يمثل ضلعَ مربَّع، لا يستطيع أي عدد تمثيل قطره. إن القطر والضلع غير قابلَين للقياس بالوحدة نفسها.
- الفصل الثالث: توجد إذن كمياتٌ لا يستطيع أي عدد أن يعبِّر عنها؟
إن إثبات الحالة هذا، الذي برهن عليه الفيثاغورسيون أنفسهم، قد عرَّض للخطر رؤيتهم نفسها للعالم. كان لا بد حتميًّا أن يظل سرًّا. لنكرر.
الفصل الأول. كل شيء عددٌ. ما هي هذه الأعداد المسئولة عن التعبير عن العالم وعن التناغم؟ ما هي هذه الأعداد المسئولة عن التعبير عن الكون بوصفه نظامًا متناغمًا؟ الأعداد الصحيحة. والكسور، أيضًا، التي هي ليست سوى نِسَبٍ بين أعدادٍ صحيحة. فقط الأعداد الموجبة (أعداد أكبر من الصفر). لسببٍ وجيه، أنه لم تكن توجد أعدادٌ سالبة في الحضارات القديمة.
مفاجأة بين الحضور. «لم يكن لديهم ناقص واحد!»، «لم يكن لديهم ناقص اثنَين!»، «كيف كانوا يحسبون إذن؟» …
انتظر السيد روش، كخطيبٍ جيد، أن تتوقف ردود الفعل قبل أن يستأنف: بالمقابل، لقد استخدم الإغريق كسور أعدادٍ صحيحة متنوعة. في حين لم يكن في مصر، مثلًا سوى كسورٍ معينة، الأنصاف وبعض الكسور الخاصة الأخرى. لا يوجد ٢٢ / ٧ مثلًا. وكانت وظيفة هذه الأعداد التي سُميت بعد ذلك أعدادًا جذريةً، هي التعبير العددي عن الكميات الهندسية؛ أي قياسها.
كاد ألبير أن يبتلع سيجارته. نظر إلى السيد روش بإعجابٍ شديد. كيف يمكن أن يكون كل ذلك في الرأس!
أعلن السيد روش:
الفصل الثاني. وصول قُطر المربع الذي ضلعه يساوي ١.
كان الوقت متأخرًا جدًّا لتجهيز أوراقٍ شفافة. على ورقة، رسم السيد روش مربعًا وأحد أقطاره. ورافعًا الورقة فوق رأسه لكي يستطيع الجميع رؤيتها، أعلن … لكنه التقط ابتسامة بيرت، فتوقف.
– نعم أعرف: «لا ترفع ذراعك عاليًا لهذه الدرجة»، إنني أتعبك، ربما؟
– لا بالمرة! صرخ ألبير. إن ذلك ممتاز، استمر، يا سيد روش! (مستديرًا نحو الحضور): يستطيع المتعَبون أن يذهبوا ليناموا!
استقبل هذا التدخل بالصغير والمزاح الماجن.
السيد روش رافعًا الورقة مجددًا فوق رأسه أعاد الصمت. وأعلن: الضلع والقُطر، القطعتان المستقيمتان المميزتان للمربع!
ما العلاقة بينهما؟ لنأخذ المربع الأبسط، الذي ضلعه ١ ما هو طول قطره؟ لنقطعه إلى نصفَين، نحصل على مثلثَين متساويَين وقائمَي الزاوية ومتساويَي الساقَين. وتر المثلث المشترك للمثلثَين هو قطر المربع.
ما الذي تُقرُّه نظرية فيثاغورس؟
لم يكن ذلك سؤالًا وإنما تعبيرًا بلاغيًّا، وعلى الرغم من ذلك، أجابوا في صوتٍ واحد: مربع وتر المثلث قائم الزاوية يساوي مجموع مربعَي الضلعَين الآخرين.
– إذا كنا نتذكَّر أن مربع ١ يساوي ١، استأنف السيد روش، فإن الصيغة الرياضية تقول:
«ها هي المعلومة الرئيسية: طول القطر هو عدد مربعه يساوي ٢!»
حرك السيد روش مقعده أسفل المنصة، واقترب من الحضور، وسار بمحاذاة الصفوف الأولى لكي يجعل السؤال الذي سيطرحه أكثر إثارةً: «ما هو هذا العدد؟ بحث الإغريق عنه بحثًا مضنيًا، لم يكن هناك عددٌ ملائمٌ! لا عدد صحيح ولا كسر! عندئذٍ برز السؤال: هل يوجد مثل هذا العدد؟ وإذا كان غير موجودٍ فكيف التأكد من ذلك؟»
للتأكد من أن شيئًا موجود، يكفي إظهاره، لكن عندما لا يكون موجودًا، إيه؟ … من الصعب عرض عدم الوجود أو إظهاره! إذن؟ إن الطريقة الوحيدة لإقرار أن شيئًا غير موجود هي إثبات إنه لا يمكن أن يكون موجودًا؛ أي أنه يتعين الانتقال من العجز عن العثور على الشيء المعنيِّ إلى اليقين بأن هذا الشيء غير موجودٍ. إن ثمن هذا الانتقال غالٍ جدًّا؛ فهو يتطلب برهانًا. برهان استحالة!
هذا هو ما فعله الفيثاغورسيون. لقد برهنوا على أنه لا يمكن أن يوجد عددٌ جذري مربَّعه ٢. إذا كان هناك عددٌ يمثل ضلعَ مربع، فلا يوجد عدد يستطيع أن يمثل قطره. إن القطر والضلع غير قابلَين للقياس بالوحدة نفسها!
كيف كان يمكنهم أن يتصرفوا خلاف الإذعان لبرهان؟ انظروا إلى الشكل.
رفَع الورقة مجددًا. على ارتفاع أقل مما كان منذ لحظة. لقد كان متعبًا جدًّا. كانت بيرت تجد ذلك حمقًا، لكنها تعرف أنه لن يقبل أبدًا إيقاف الجلسة. كرر: انظروا إلى الشكل. هل نرى أن القطر والضلع غير قابلَين للقياس بالوحدة نفسها؟ لا! لا نكتشف أية دلالة يمكنها أن تثير ريبتنا. لا يتضح شيءٌ من هذه الاستحالة. إن عدم القابلية للقياس بالوحدة نفسها ليست ظاهرةً للعين! الشكل أبكم، إن عمل الفكر وحده هو القادر على أن يكشفها.
الفصل الثالث. كيف كان ردُّ فعل المجتمع اليوناني على هذه الرؤى؟ إن هذا المربع البسيط المرسوم على هذه الورقة يُخفي هاوية سقطَت فيها أمورٌ يقينية. إن الارتباط الجوهري بين الأعداد والكميات، الذي أسَّس الترابط المنطقي لعالم الفيثاغورسيين تحطَّم فجأة، وحدث ذلك في قلب المربع، الذي يمثل بالنسبة إلى العالم القديم، أحد الشكلَين اللذين يمثلان المنارة، ومما يزيد الطين بلة، أن الضربة نتجَت من تطبيق أحد أشهر إبداعَيْن للفيثاغورسيين، نظرية فيثاغورس نفسه (أشار السيد روش إلى جوناثان). وفصل الأعداد الصحيحة إلى أعداد زوجية وفردية. أتتذكَّرون؟ كان ذلك قبل العشاء.
غير قابل للقياس بالوحدة نفسها، ماذا يعني ذلك تحديدًا؟ يعني أن ضلع المربع نفسه وقطره لا يقبلان أي قياسٍ مشتركٍ! إذا كان هناك عدد يقيس أحدهما، فلا يوجد عدد يقيس الآخر! وهو ما يعني أننا لا نستطيع بدقةٍ معرفةَ الاثنين معًا … (توقَّف عن الكلام) … ومع ذلك، فإن كلًّا منهما يظهر أمام أعيننا، بدرجة … (يبحث عن الكلمة) … الواقعية نفسها. إن تشارك هاتَين الكميتَين في الوجود يبرهن على أن الواقع أكثر ثراءً من الأعداد.
هذا القطر، لقد رسموه ولا يستطيعون قياسه! كان الوضع حتى ذلك الحين أن ما يمكن رسمه يمكن قياسه. لقد انتهى بذلك الترابط بين الرسم والقياس.
ويرتكز الكشف على ما يلي: إن بعض الكميات لا يوجد أعداد للتعبير عنها! ولذلك وُصفَت بأنها متعذرة التعبير عنها.
كان السيد روش منهكًا، لكن كانوا يشعرون بأنه يُحس بفرحةٍ غامرة، كان ذلك فلسفة حقًّا! لم يحدث له ذلك منذ أربعين عامًا. كان وجهه الهزيل تعبره طاقة في الوقت نفسه الذي أذبلَه التعب. كانت بيرت مفتونةً وقلقة. عسى ألا يحدث له شيءٌ.
تابع السيد روش: هذه هي «الزلة المنطقية» التي أفشاها هيباسوس الميتابنتمي خارج دائرة الفيثاغورسيين، ولأنه فعل ذلك، مات غرقًا. وكان هذا الغرق يمثِّل، في الوقت نفسه، غرق فكرٍ ما يرتكز على الانسجام بين أشياء العالم وجبروت العلاقات المنطقية بينها. ولقد تسبَّب في كل ذلك برهان. إن التاريخ سوف يتذكَّر أن أول برهانٍ رياضيٍّ كان برهان استحالة!
لا بد أنه لم يكن سهلًا البرهنة على ذلك، فكَّرَت بيرت بصوتٍ عالٍ.
– لا تنخدعي يا بيرت، نظرًا إلى أهمية العواقب التي كانت لهذا البرهان، فإنه كان بالأحرى سهلًا.
صمت السيد روش، كان منهكًا.
كان ذلك أجمل مشهد له، في رأي الجميع. عرضٌ منفرد، بدون مساعدة ماكس، ولا نوفيوتشر، ولا مكبر الصوت. عملٌ رائع!
نكش ألبير قبعته وهو يزقزق! سأعود، سأعود!
كان ماء الصنبور يسيل متدفقًا. «الانتقال من عجزٍ إلى يقينٍ!» لم تتوقف جملة السيد روش عن القفز في ذهن جوناثان مثل كرة بلياردو مصطدمة بجوانب الطاولة الخضراء، خرجَت ليا من الحمام، وشَعرها الذي لا يزال مبللًا، أطول من المعتاد. جلسَت على سريرها، وثبَّتَت مرآة بين طيات الملاءة، وأخرجَت مجموعتها من الصبغات، وبدأَت تصبغ الخصلات الأمامية باللون الأزرق. لقد قال السيد روش: «إن عدم القابلية للقياس بالوحدة نفسها لا تُرى على الشكل!» تفحَّص جوناثان أخته طويلًا. كان ذلك حقيقيًّا، إن ذلك لا يُرى.
– يجب أن ننطلق لإيجاد البرهان، قال جوناثان بهدوء، وهو يراقبها من غرفته. أوقفَت حركتها: لقد قهرتَني!
– أريد أن نقومَ بالبرهان الذي لم يقُم به السيد روش.
– لقد دهاك فجأة! هل يمكن معرفة لماذا؟
– أنتِ مُصرَّة حقًّا على معرفة لماذا؟ حسنًا، أريد أن نمرَّ معًا من عجزٍ إلى يقين، أتفهمينني. حتى وإن كان ذلك في الرياضيات فقط.
أفلتَت الفرشاة من أصابعها، وأصبحَت الملاءة زرقاء مثل خُصلات شَعرها.
اندفعا إلى الكتب كما لم يفعلا أبدًا من قبلُ. كان السيد روش قد قال لبيرت إن البرهان ليس صعبًا جدًّا، لكن مع ذلك استغرقا وقتًا لفهم أن كل شيءٍ يرتكز على حقيقة أن فيثاغورس قد قسَّم عالم الأعداد إلى نصفَين؛ الأعداد الزوجية والأعداد الفردية. وبذلك كان يمكنه إطلاق آلته الإثباتية، مسلحًا بفكرةٍ واحدة؛ تقديم عدد يكون زوجيًّا وفرديًّا في آنٍ: مسخ! وبتقديمه هذا العدد يستنتج أن الفرضيات التي سمحَت بهذه الاستحالة خاطئة.
إيمان التوءم، لقد توصَّلا إلى البرهان. أكان لا بد من السهر طوال الليل؟ قبل الفجر كان كافيًا. ناما راضيَيْن قبل الفجر، ومعهما البرهان، واستيقظا بعد بداية اليوم الدراسي بوقتٍ طويل. تخلَّفا عن المدرسة طوال الصباح.
فيما بين نقع السيد روش للكمَّثْرى في كوب نبيذه، وتقطيع بيرت للجبن، جبن ماعز كانت تقطِّعه إلى شرائحَ رقيقة، أخذ جوناثان الكلمة: لقد تجاوز السيد روش، مساء أمس، برهان عدم جذرية جذر ٢، متذرعًا بأن البرهان بسيط.
– لم أتجاوز شيئًا بتاتًا، كاد السيد روش أن يختنق. لقد قلتُ إنه يحكي أن البرهان بسيط.
لوَّنَت بقعتا نبيذ جميلتان قميصه الأبيض الأنيق باللون البنفسجي.
– برهان الخلف لعدم جذرية جذر ٢. أعلنَت ليا بصوتٍ جَهْوريٍّ جاذبةً السبورة الصغيرة التي كان ماكس يستخدمها في المدرسة الابتدائية.
كان لون خُصلاتها الأزرق، الموزَّع بشكل سيئ، يبدو عشوائيًّا تمامًا.
– لنفترض أنه يوجد كسر أ/ب مربَّعه يساوي ٢، همس جوناثان وهو ينحني نحو الحضور بمظهر متآمر.
– لنأخذ أصغر كسر له هذا الشكل، الكسر الذي لا يختزل. حدوده، أ، وب، أعداد أولية فيما بينها؛ أي إنه لا يوجد عدد يقسمهما الاثنَين معًا.
– لا يمكن، إذن، أن يكون كلٌّ من أ، وب أعدادًا زوجية، أؤكد، أعلنَت ليا.
ماذا بهما؟ كانت بيرت تنظر إليهما مفزوعةً.
– لأن، فقط، مربَّع العدد الزوجي يكون زوجيًّا، أخبر جوناثان، موجهًا نظرةً خاطفةً إلى أمه.
– إذن ا عددٌ زوجيٌّ، أؤكد! أعلنَت ليا.
– إذن ا هو ضعف. ضعف لعدد ﺟ مثلًا:
أ = ٢ﺟ. كتب جوناثان ذلك على السبورة.
– ليس بهذه السرعة، صاح السيد روش الذي كان يمثل أنه يريد أن يتابع.
– إنكما تكتبان مثل الخنازير، ومع ذلك فنظري جيد. قال السيد روش متذمرًا.
– لنسترجع المرات الثلاث التي قيل فيها «أؤكد»؛ فهي تمثل برهان الخلف من ناحية أ، وب لا يمكن أن يكونا أعدادًا زوجية في آنٍ، ومن ناحية أخرى، أ، وب هما الاثنان أعدادٌ زوجية! مستحيل! مَن السبب في هذه الاستحالة؟ سال جوناثان وهو يوجه للحضور نظرةً فاحصة.
إن رؤيتهما يتحمسان لبرهانٍ رياضي! معجزة! تبادل السيد روش وبيرت النظرات، وكل واحد يسأل الآخر: أترى ما أراه؟ أتسمع ما أسمعه؟
كان اندهاش السيد روش وبيرت يُشعر ماكس بالنشوة. كان فخورًا بالتوءم.
– مَن السبب في هذه الاستحالة؟ سأل جوناثان مجددًا.
– فرضيتي. اعترفَت ليا، خافضةً رأسها.
– كرريها، هذه الفرضية الخاطئ! أمر جوناثان.
– يوجد كسر مربعه يساوي ٢. قالت ليا متلعثمة.
– فلنقضِ عليها! زأر جوناثان.
معًا أمسكا بشوكتَيهما وبدأ يدقَّان على أكوابهما. كما فعل ماكس، في الأمس، على الأواني الفيثاغورسية. وعلى نغمة موسيقى زنوج جامايكا، أنشدا:
رعد من التصفيق استقبل هذا المشهد المستحدث؛ الاستنتاج المُغنَّى بالموسيقى لبُرهان الخُلف!
– نحن أيضًا، لقد تدرَّبنا!
أحاطا بالسيد روش، وطرحا عليه السؤال الحاسم: إذن يا سيد روش، هل نحن أكوسمات أم رياضيون؟
حاكى السيد روش هيئة ممتحنٍ فيثاغورسي وغمغم: الذاكرة جيدة. فهم البراهين جيد. كل شيءٍ موجود (دقدق على الطاولة). رياضيون بالطبع!
لقد تم تكريسهما كرياضيَّين بفضل هذا البرهان البارع، لقد فازا بمكانهما من الناحية الأخرى من الستارة؛ حيث سيتمكَّنان، عندما يحلو لهما، من التجرؤ على تحدِّي المعادلات والنظريات والافتراضات والاستدلالات.
وجد السيد روش نفسه محاصرًا بين التوءم، دون أن يدرك مقصدهما؛ حيث همس كل واحدٍ منهما، كلٌّ من ناحيته، في أذنه بجملةٍ غامضة: لا يوجد دخانٌ بدون نارٍ!