إقليدس، رجل الدقة والصرامة
كان شهر نوفمبر يوشك على الانتهاء. ثلاثة شهورٍ مرت منذ الاقتحام المباغت لجروسروفر عالم شارع رافينيون الصغير، الذي يستطيع، من وراء الموت، أن يفتخر بأنه قلب أوضاعه.
كان ترتيب مكتبة الغابة قد انتهى، لكن منذ الاجتماع الكبير الذي عُقد مباشرةً بعد الرسالة الثانية، لم يتقدَّموا قط في تحقيقهم.
وبتذكر الطريقة التي أداروا بها جماعيًّا هذه القصة التي وقعَت فوق رءوسهم، تعيَّن على السيد روش أن يُقرَّ أن ما كان ينقصهم بشكلٍ خاصٍّ هو الدقة. الدقة والتوليف. وكان لا بد من تدارك ذلك.
اقترح ماكس على السيد روش عقد الجلسات في نهاية السهرة؛ لأنه لاحظ أن نوفيوتشر إذا كان يتكلم بسهولة صباحًا، فإنه يتكلم بسهولةٍ أكبر مساءً.
كانوا على موعدٍ للخروج هذا المساء! لن تُعقد الجلسة اليوم في المكان المعتاد؛ حيث دارت في الأسابيع السابقة حلقات طاليس وفيثاغورس.
توجه جوناثان وليا نحو المرسم الآخر؛ حيث تُوجَد مكتبة الغابة. كانا يرتديان ملابس سهرة. لنقُل إن ملابسهما من المفترض أن تكون ملابس سهرة. استعارت ليا من إحدى صديقاتها ثوبًا طويلًا، ضيقًا ومفتوحًا إلى منتصف الفخذ، ومن بيرت غطاءً للرأس والكتفَين من المخمل البنفسجي تفوح منه رائحة النفتالين. وكان حذاؤها بكعبٍ عالٍ جدًّا؛ بحيث كانت تتأرجح عليه بشكلٍ خطيرٍ. وأعطتها بيرت عِقدًا من اللؤلؤ منحَها جِيدَ أميرةٍ سيدة، يصاحبها فارسُها الذي في خدمتها. كان لدى جوناثان صعوبةٌ أكبر في أن يتبرج. كان لباسه خليطًا، نصف رياضي ونصف متأنق. لقد وجد رابطةَ عنقٍ ذهبيةً أحدثَت أحسن تأثيرٍ على قميصه الأسود. ونجح في ارتداء سترة بصفَّي أزرار لونها رمادي فضي كان ينفجر داخلها، وسروال مبهم، لكن بكسرةٍ مثالية. كان الشيء الصاعق أنه يلبس صندلًا.
عند الباب، استقبلَهما ماكس معجبًا. أخذ منهما تذاكرهما، وقادهما إلى مكانَيهما. صفٌّ من المقاعد المخملية التي اهترأ مخملها جلسا عليها. وغمر الظلام التام الغرفة.
انبعثَت حزمة ضوء من وسط الغرفة وبدأَت تدور ببطء، منيرة الحيز مثل الفانوس الدوار على سطح سيارة دورية الشرطة. ماسحةً الأرفف التي كان الشعاع ينيرها الواحد تلو الآخر، كانت الكتب، المضاءة للحظة بصف أنوار، تضيع من جديد في الظلمة والنسيان، ثم عندما وصل الشعاع إلى الكوة الزجاجية، ولم يعُد يوقفه شيءٌ، ضاع في لانهائية الفناء. كان يصاحب الجولة الضوئية صوتُ أمواجٍ خفيٌّ، ثم سرعان ما فرض نفسه على آذان جوناثان وليا الكسالى. الإجازات! كانت بعيدةً. لم يكن ينقص سوى روائح الينسون والزعتر، وصوت صرار الليل، لكي يعتقد المرء أنه في بلاد المغرب أو في الأسترل. لقد تسبَّب جوناثان في قطع أزرار سترته الضيقة. بدأَت شدة الشعاع في التناقص. وفي الظلمة التي عادت، دوَّى صوتُ مكبر الصوت.
– انتباه! انتباه! إنكم تدخلون الآن إلى المكتبة الكبرى لمتحف الإسكندرية. ممنوع استخدام فلاش التصوير والسجائر واللبان منعًا باتًّا!
خلعَت ليا حذاءها، ودسَّته بطرف القدم تحت مقعدها.
صاح السيد روش: إذا كان كلٌّ من طاليس وفيثاغورس لم يرسيا في الإسكندرية عندما بلغا أرض مصر، فذلك ببساطة لأن المدينة لم تكن موجودةً بعدُ، لقد وُلدَت بعد ذلك بقرون في عام ٣٣١ قبل الميلاد، بأمرٍ من الإسكندر الأكبر، الذي كان قد غزا مصر. محصورةً بين مياهَين، بين البحر وبحيرة مريوط، تمتد مدينة الإسكندرية على رقعة أرضٍ يختلط فيها الرمل مع المستنقعات في مركزٍ متقدم، تنتصب جزيرة صغيرة؛ فاروس! تدافع عن المدينة ضد هجوم الأمواج المتكرر.
إن الإسكندرية مدينةٌ جديدةٌ. تم بناؤها في بضع سنواتٍ، صُممَت بالكامل طبقًا لمخطط. وتكريمًا للإسكندر، منح المهندس المعماري المدينة شكل الكلاميد، وهي معاطفُ ثقيلةٌ أرجوانية اللون كان يرتديها الفرسان المقدونيون الذين صاحبوا القائد في غزواته. مستطيلٌ تامٌّ تقريبًا تتخلله طرقٌ رئيسيةٌ تتقاطع بزوايا قائمة. مدينةٌ هندسية.
كان المسافرون يكتشفون عند نزولهم من السفينة مدينةً ذات أبعادٍ مهولة، وتتمتع برفاهية لا تُصدَّق. تتخلَّلُها القنوات، ومرصوفة بالحصى الأملس، مقسَّمة بواسطة طرقٍ عريضة جدًّا لدرجة أن أربع مركبات تستطيع أن تتقدم معًا في وقتٍ واحد.
بين السماء والأرض، ترتفع صفوفٌ من الأعمدة الرخامية إلى ارتفاعاتٍ مدهشة، وترتكز عليها بلاطاتٌ شديدة الضخامة من الرخام هي أيضًا، ولا يمكن نقل بلاطةٍ واحدةٍ منها إلا بواسطة مئات الرجال. مدينة ضخمة مزينة بشكلٍ رائعٍ بأحجارٍ متعددة الألوان، مدينة من الرخام والأحجار في منجًى من الحرائق التي تترصد المدن الكبرى.
يسود نشاطٌ كبيرٌ في كل مكانٍ في المدينة وفي الميناء. في الموانئ؛ فالإسكندرية لديها ميناءان؛ أحدهما في الشرق، والآخر في الغرب، ومن أي مكان تهبُّ الريح تستطيع السفن أن ترسو بدون خطورة، لقد بُنيَت المدينة هناك من أجل هذا التصور. في كل ساعة من النهار تدخل السفن وتخرج، قادمة من كل موانئ البحر المتوسط، وسواحل آسيا الصغرى، ومن ميليه، وبلوبونيز واليونان الكبرى، ومن سراقوصة وشمال إيطاليا، ومن ليبيا أيضًا. إن الإسكندرية أكبر متجر في العالم. تمتد بلا نهايةٍ محلاتٌ ضخمةٌ تطفح بالسلع الغذائية الأكثر تنوعًا على امتداد كيلومترات أرصفة الميناء، خاصة الحبوب، ومصانع لكل أنواع المنتجات. إن زجاج الإسكندرية مشهور لجودته المتناهية، التي ترجع إلى نقاء رمل الصحراء الذي يدخل في صنعه. وفي الترسانات البحرية تُصنع كل أنواع السفن، سفن لأعالي البحار، وأخرى ستبحر على امتداد النيل حتى الشلال الأول، وسفن ذات قعرٍ مسطحٍ للمستنقعات المحيطة بالمدينة. إن الإسكندرية صلة وصل بين أوروبا وأفريقيا، وبين اليونان ومصر، وبين مجمع الأرباب الإغريقية والآلهة المصرية، وستكون متحف العالم الإغريقي طوال سبعة قرون؛ أي أكثر من ضعف الزمن الذي يفصل إقليدس عن طاليس.
إن صوت السيد روش قد استولى على جوناثان وليا؛ بحيث لم يكن لديهما أية صعوبة في تخيُّل المدينة، أقل ما يمكن أن يُقال إنهما كانا مستعدَّين أن يدفعا غاليًا للوجود في الإسكندرية البيضاء، بدلًا من التعفُّن في رطوبة باريس، بسمائها الغائمة وصقيعها، لكن كان في ذهنَيهما، رحلةٌ أخرى للصيف ستقودهما أبعدَ من ذلك. صَهٍ! كان ذلك سرًّا، لا يتكلمان عنه إلا بصوتٍ منخفضٍ في المساء تحت الزجاج البانورامي.
لقد أفلتَت منهما بعض جمل السيد روش، لكنهما أبحرا ثانيةً في السرد في اللحظة التي كان يعلن: بعد ثماني سنوات من تشييد الإسكندرية، مات الإسكندر. وكان عمره ثلاثين عامًا بالكاد. تفكَّكَت الإمبراطورية الشاسعة التي أسَّسها، وتم خلع أثينا عن عرشها. لم تعُد مركز العالم الإغريقي، ولن تكون أبدًا ما كانت عليه.
كان صوت السيد روش ينمُّ عن حزنٍ عميقٍ. صمت. بالنسبة إليه كانت أثينا هي المدينة، مدينة الفلسفة.
– تدافعَت كل العواصم مَن ستكون أثينا الجديدة؟ برجموم، أنطاكية في سوريا، بلا في مقدونيا، الإسكندرية؟ فازت أحدث تلك المدن: لقد خلفَت الإسكندرية أثينا. كان لديها وسيلة نجاحٍ جوهرية؛ قبر الإسكندر! لقد تدبر الملك البطلمي أمره لاسترداد جثمان القائد ودفنه في المدينة، وطوال سبعة قرون، ستصبح الإسكندرية منارة النشاط الفكري لهذا الركن من العالم.
على بُعد آلاف الكيلومترات من هناك، في باريس، في نهاية هذه الأمسية الشتوية، في مرسم مكتبة الغابة، الجيد التدفئة لحسن الحظ، تم إضاءة الشعاع الضوئي، وأُطفئ على الفور، وانبثق من جديدٍ، لكن في اتجاهٍ آخر، منيرًا أركان الغرفة الأربعة على التوالي. كانت تلك هي الإشارة. ارتفع صوت نوفيوتشر: إلى كل ملوك العالم وحُكَّامه، أطلب أن يرسلوا إلى مدينتنا الإسكندرية أعمال الشعراء وكُتَّاب النثر، والخطباء، وأهل البلاغة والسفسطائيين، والأطباء والعرافين والمؤرخين والفلاسفة، وأعمال كل الآخرين أيضًا …
– مَن يُطلق هذا النداء؟ سأل ماكس، ممثلًا بشكلٍ رائعٍ دور الشريك المتواطئ.
– الملك بطليموس الأول، المسمى سوتر؛ أي «المنقذ»، مؤسس أسرة لاجيوس المالكة، رفيق الإسكندر القديم الذي اعتلى عرش مصر بعد موت القائد، أجاب السيد روش. عقب هذا النداء، أطلَق عشرات الرسل عبْر إمبراطورية الإسكندر الشاسعة، الممزقة حاليًّا إلى عددٍ من الدول بقَدْر ما يوجد طامعون في خلافته.
لقد صاغ هذا النداء شخصٌ منفيٌّ، فيلسوفٌ كان يعمل في السياسة. كان قادمًا من أثينا التي كان يشغل فيها منصب والٍ قديرٍ لمدة عشر سنوات؛ دمتريوس الفالرومي. أُجبر على الهروب عقب انقلابٍ سياسي، ووجد ملجأً في الإسكندرية؛ حيث بادر بطليموس لاستقباله.
كان لدمتريوس مشروعات.
قرَّر دمتريوس تنفيذ مشروع أرسطو الخاص بالمعرفة الشاملة؛ بحيث يحقق في الإسكندرية ما لم يتمكن من تحقيقه في أثينا. وسيكون ذلك هو انتقامه. إن مَن طردوه سيُمتقَع لونهم حسدًا أمام المؤسستَين اللتَين كان دمتريوس هو مؤسسهما، واللتين كانا فخر الإسكندرية؛ متحف الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية الكبرى.
تجميع كل معرفة العالم في مكانٍ واحد! كان ذلك هو طموح دمتريوس الفالرومي. وعلى الفور تقاسم معه الملك بطليموس المشروع.
لم يسبق أن تم تنفيذ مشروع مماثل. نجاح تام. تدفق الرجال والكتب. تجمع البشر في المتحف، والكتب في المكتبة، مما جعل منها أجمل مكتبة وُجدَت على الإطلاق، لكن كان يوجد في المدينة صرحٌ آخر ينازعهما الشهرة، ويجذب إليه كل الأنظار؛ المنارة! إحدى «عجائب العالم» السبع.
إنكم تعرفون العجيبة الأولى. لقد بدأنا جلساتنا بها، أهرام خوفو. هناك عجيبةٌ أخرى تعرفونها أيضًا، تمثال رودس الضخم، المصنوع بالكامل من البرونز. إن الإسكندرية ورودس يقعان تقريبًا على خط الزوال نفسه. بالنسبة إلى القدماء، كان هذا الخط يمثل «محور العالم» الذي اعتمدَت عليه، ابتداءً من تلك الفترة، كل الخرائط الجغرافية. لقد قاس هذا الخطَّ إيراتوستينيز القوريني، مدير المكتبة الكبرى والمتحف، بعد ذلك ببضع سنوات. وكان أول قياسٍ للأرض.
إن السيد روش كمخرجٍ جيد، قام بتشغيل صوت الأمواج والرياح المسجَّل على أسطوانةٍ صوتية للسينما. متأرجحًا بالأمواج، ومجروفًا بالرياح، اندفع مرسم مكتبة الغابة نحو الإسكندرية.
إنها ترتكز على قاعدة ذات صلابةٍ فائقةٍ تجعلها في مأمنٍ من هياج البحر. تتكون من ثلاثة أجزاء على الأرض، برج مربع ارتفاعه سبعون مترًا، مصنوع من كتل ضخمة، يرتكز عليه برجٌ ثانٍ، مثمن الأضلاع، ارتفاعه نصف البرج الأول تقريبًا، يحمل برجًا ثالثًا، أرفع بكثير، أسطواني، ارتفاعه حوالي عشرة أمتار، المنارة بالكامل مصنوعة من الرخام الأبيض. وفي الأعلى عند القمة، تنفتح قبة محمولة على ثمانية أعمدة. وتحت القبة تشتعل نارٌ رهيبة، يتم مضاعفة ضوئها بمجموعةٍ مدهشة من المرايا.
سترسل فاروس أنوارها في الليل السكندري طوال ستة عشر قرنًا، قبل أن تتحطم المنارة في … (ألقى السيد روش نظرةً خاطفة على ملحوظاته) … في عام ١٣٠٢م، نتيجةً زلزالٍ رهيب، بعثر كتل الرخام في البحر حولها.
– كلاب حراسة شيطانيون! يتساءل المرء كيف تمكَّنوا في تلك الحقبة من تشييد هذه المنارة، تساءل جوناثان.
ومع ذلك فهي خصوصيةٌ مصرية، كل ما هو جبَّار، أليس كذلك؟ تدخلَت ليا. أنا أتساءل مَن هو فلاح تلك المنارة؟ وهل تكلف ذلك القَدْر نفسه من الموتى مثل هرم خوفو؟ ماذا تفضِّل أنت، الموت مسحوقًا عند خوفو أم غارقًا في الإسكندرية؟
– الاثنَين! مسحوقًا في الجيزة بكتلة حجر تجرُّني في قاع المياه إلى الإسكندرية! أجاب جوناثان جاذبًا رابطة عنقه الذهبية فوق رأسه، ليقول إنه من الممكن أن يُشنق أيضًا.
– بعد ذلك، كيف تريدون مني أن أستمر؟ قال السيد روش شاكيًا.
ومع ذلك استمر: إن المنارة تضيء للبحارة، أما المتحف فينير العقول. هذا ما كان يُقال في الإسكندرية. في مثلث فوق مدخل أكاديمية أفلاطون كان يوجد نقشٌ يقول: «لا أحد يدخل هنا إلا إذا كان مهندسًا.» في المتحف لا شيء من ذلك، المكان مكرس لربات الفن، كل ربات الفن. وبينما كانت الأكاديمية والمدرسة مؤسساتٍ خاصة، لا تحيا إلا بأموال أعضائها، كان المتحف مؤسسةً عامة، يعيش بإعاناتٍ مالية يقدِّمها له الملك بسخاء.
بالإضافة إلى الفخر بأن يكون المرء عضوًا في المتحف، فإنه كان يُمنح مزايا ماديةً ضخمة. كان عدد الأعضاء قليلًا ويتم تسميتهم من قِبل الملك شخصيًّا، وكان الطلاب الداخليون يتم إعاشتهم وتسكينهم ودفْع أجرٍ لهم. كما كانوا يُعفَون من الضرائب.
لكن الثراء الذي لا يضاهى، والذي يستمتعون به، كان يقع في مكانٍ آخر، في المكتبة الكبرى التي كانت مبانيها الفسيحة تمتد في حرم المتحف. كانت تحت تصرفهم نهارًا وليلًا.
إن إنشاء مكتبة من الصفر يمثل مشروعًا ضخمًا؛ فالانطلاق من أرفف فارغة والقيام بملئها تدريجيًّا بالأعمال والكتب القيِّمة هو عملٌ جبارٌ.
توقف السيد روش عن الكلام للحظة، فكر في شيء، وبرقَت عيناه: «أليس ذلك بالتحديد ما أنجزه جروسروفر بإنشائه مكتبة الغابة؟» لكن لم يكن لديه دعم الملك بطليموس ولا الموارد الضخمة التي وضعها تحت تصرف المكتبة، سرعان ما أصبحت مكتبة الإسكندرية الكبرى تضم ٤٠٠ ألف لفافة!
كم يوجد في مكتبة الغابة؟ رفض السيد روش أن يطرح على نفسه السؤال، وقرَّر ألا يحاول أن يعرف. كان ينفر من النظر إلى مكتبة صديقه نظرةً حاسبة.
ثم عاد إلى حديثه: كان لا بد من إحضار هذه الأعمال. أطلقَت السلطات السكندرية عملية بحثٍ لا تُصدَّق. وبدأ صيادو الكتب يجوبون الأسواق الرئيسية لعالم البحر المتوسط، ويشترون لقاء مبالغ كبيرة كل المخطوطات التي يعثرون عليها، وعندما كانوا يعجزون عن اقتنائها كانوا يحصلون عليها بوسائل أخرى؛ سرقةٍ، ابتزازٍ، سلبٍ.
– هل في رأيك يا سيد روش أن جروسروفر استخدم هذه الوسائل بالنسبة إلى مكتبة الغابة؟ سأل ماكس.
– كيف يمكن معرفة ذلك؟
في ضميره، لم يكن السيد روش ليراهن كثيرًا على نزاهة صديقه. ومفضلًا تغيير الموضوع، صاح: «ها هي سفينةٌ تدخل ميناء الإسكندرية. وقبل أن تلامس الرصيف، يصعد الجنود على متنها ويبدَءون في تفتيش أمتعة الركاب. إنهم لا يهتمون بالذهب أو الأقمشة ولا حتى الأحجار الكريمة، ما الذي يبحثون عنه؟ الكتب!» كان أمر الملك صريحًا: «كل المخطوطات التي يتم العثور عليها على متن السفينة يتم أخذها ونقلها إلى ورش المكتبة الكبرى.»
وبعد أن تُدرَس بعنايةٍ ويتم نسخها بواسطة الكتبة، تُعاد إلى أصحابها، بينما تذهب النسخة لتثري أرفف المكتبة، لكن عندما يتعلق الأمر بمخطوطٍ نادرٍ، فإن النسخة فقط هي التي تُرَد إلى صاحبها، أما الأصل، فتحفظه السلطات ليثري مجموعةً خاصة سُميت بذوقٍ سليم «قاع السفن».
– إن ذلك احتيال، صاح جوناثان ثائرًا، وقد حلَّ عقدة رابطة عنقه، أصل الإسكندرية ومعي كتابٌ ممتاز من مجموعةٍ نادرة، وأرحل بصورةٍ سوقيةٍ منسوخة. فضلًا عن ذلك، أتوقع أنني إذا فتحتُها، أجد نفسي في السجن، إنهم قذرون حقًّا، هؤلاء البطالمة.
– كُتبٌ أصليةٌ أو نسخٌ لا بد من ورق بردي لإعدادها، تدخَّل السيد روش. وينمو نبات البردي في باقاتٍ كثيفة في مستنقعات الدلتا، على مقربة من الإسكندرية. أتعرفون؟ سأل، ما الاسم اليوناني للبردي؟ إنه بيبلوس؛ ولذلك — أشار إلى الأرفف التي تحيط به — هذه تسمَّى بيبلوتك؛ أي مكتبة.
كان السيد روش يستطيع أن يروي تفصيلًا، كصاحب مكتبة مغرم بكل ما له علاقة بالكتب، صناعة ورق البردي.
«من أجل تجهيز الأوراق المخصصة للمخطوطات، من الضروري معالجة السيقان مباشرة بعد قطعها، يكون النبات مشبعًا بالماء. ومنذ أن يتم قطعه، يبدأ سباق مع الزمن؛ فالنبات يفقد على الفور كميةً كبيرة من الماء الذي يرويه. بعد ثمانٍ وأربعين ساعةً يكون الوقت قد تأخر جدًّا، وتكون الساق قد أصبحت داكنةً وجافةً، وتنكمش، وتكون قد فقدَت نصف عرضها. إن صناعة الورق لا يمكن إذن أن تتم إلا على مقربة من مكان نمو النبات؛ ولهذا السبب كانت مصر المورد الحصري لورق البردي لكل العالم الإغريقي.»
كان هناك منافسٌ لمكتبة الإسكندرية، هو برجموم، مكان النشر الكبير الآخر. كان بطليموس في وضْع احتكارٍ، واستفاد من ذلك لمنع تصدير ورق البردي، وهو ما سبَّب نقصًا قاسيًا لأمناء مكتبات برجموم.
كان السيد روش يشعر برضًى تامٍّ، كما لم يحدث له قط منذ بدء انطلاق الجلسات.
كيف كان شكل هذه الأعمال؟ إن ورق البردي لا ينثني إنما يتم لفُّه! كانت الكتب الأولى تظهر على شكل لفائف، فلومن باللاتينية.
– أتساءل ماذا كنت ستفعل بدون علم اشتقاق الكلمات، همست ليا.
– كنت سأحب الكلمات بدرجة أقل.
تدفقت الإجابة. وكانت إجابة صادقة.
واستأنف «إذن كل مجلد (فلوم) — مشددًا على الكلمة، وموجهًا حديثه إلى ليا — كان يتكون من أوراق بردي ملصقة بعضها إلى بعض لتكوين شريط يتم لفه حول عصًا. وكانت النصوص تقدَّم في أعمدةٍ مكتوبة باليونانية أو الديموطيقية التي كانت كتابةً مصريةً شعبية لتلك الفترة، بحبرٍ أصفر مخفَّف بماء الصبر! كان الكتبة لا يستخدمون سوى جانبٍ واحدٍ من الورقة، وكانوا يستعملون قطعة بوصٍ صغيرة مدبَّبة، القلم. ولقراءة تلك النصوص كان لا بد من استعمال اليدَين، تمسك يدٌ بطرف الورقة هكذا، واليد الأخرى تبسط وتمد شريط البردي.»
وقرن الحركة بالكلام.
ويتم ترتيب اللفائف المعنونة في أدراج، داخل خزاناتٍ جدارية؛ حيث تُصنَّف تبعًا لفروع العلم؛ نصوص أدبية، وفلسفية، وعلمية، وتقنية. ثم تبعًا للترتيب الأبجدي لأسماء المؤلفين. إجمالًا، طبقًا للمبدأ نفسه الذي استخدمناه لترتيب مكتبة الغابة.
لكن دمتريوس الفالرومي لم يكن هناك لمشاهدة انتصار مكتبته، كان الملك المنقذ بطليموس قد رُزق بعدة أبناء، وكان دمتريوس قد ناضل لكي يجلس واحدٌ منهم — كان يقدِّره كثيرًا — على العرش، لكن الملك اختار ابنًا آخر. ولأنه أساء الاختيار، حكم الملك الجديد على دمتريوس بالموت، وفضَّل هذا الرجل المتيم بالكتب الانتحار. ألم يكتب قبل ذلك بعدة سنواتٍ: «إن للكتب شجاعةً في قول الحقيقة للملوك أكبر من جُلَساء الأمراء؟» لقد كان آخر أثيني عظيم.
خلف بطليموس الثاني أباه تحت اسم فلدلفس؛ أي المحب لأخته. كان قد تزوج أخته أرسينويه، طبقًا للتقاليد المصرية، وكان مغرمًا بها. يُحكى أن أرسينويه كانت ذات جمالٍ باهرٍ.
صفَّرت ليا صفيرًا خفيفًا.
كان فلدلفس جميلًا جدًّا أيضًا، يُقال إن شَعره كان أشقر جميلًا.
صفَّر جوناثان صفيرًا خفيفًا.
«لكن، تابع السيد روش، كان لديه ميلٌ قوي للسمنة.»
صفَّرت ليا مجددًا، لكن بنغمةٍ مختلفةٍ. أشار إليهما بإصبعه بالتناوب مبدلًا فجأة نبرته:
«أتذكران أنكما طلبتُما مني ذات يومٍ، أنتِ يا ليا، إذا كان هناك طريق أسرع في الرياضيات، وكان ذلك بصدد نظرية طاليس … والفلاح، وأنتَ يا جوناثان سألتَ ما فائدة الرياضيات؟» سأل السيد روش.
نهض التوءم في تناسقٍ جميلٍ. رضي السيد روش عن تأثيره وبظرفٍ قال:
«حسن، لقد اكتشفتُ أن إقليدس أعد لكما إجاباتٍ ستبهركما.»
وبدأ يروي:
«ذات يومٍ، كان الملك بطليموس يزور المكتبة، مستعرضًا الأعمال. توقف طويلًا أمام الأرفف؛ حيث توجد اللفائف العديدة للعناصر مرتَّبة في أغلفتها. ومستديرًا فجأة نحو إقليدس، سأله: «أليس هناك طريقة أقصر من تلك للدخول إلى الموضوعات الرياضية؟» أجابه إقليدس: «في الهندسة، لا يوجد طريقٌ مباشر مخصص للملوك». كان لا بد أن يتحلى المرء بشجاعةٍ شيطانيةٍ للرد هكذا.»
– لقد فهمتُك يا سيد روش، خمسة على خمسة، قال جوناثان وهو ينحني.
ثم متوجهًا إلى ليا:
«ما يعلنه لنا السيد روش العزيز بصوت إقليدس، هو: «إذا تعاملتَ مع الرياضيات، يجب ألا تكون متعجلًا ولا طامعًا، سواء كنت ملكًا أو ملكةً».»
مندهشًا من هذا الاستخدام غير المتوقع، والمبرر، لصيغة نصب الفعل للتمني، هزَّ السيد روش وليا رأسَيهما معًا، بإعجاب.
– لقد فهمتَني جيدًا يا جوناثان، أكَّد السيد روش. هذه … النظرية التي أعلنتُها صحيحة، ليس فقط بالنسبة إلى علماء الرياضيات، وإنما للمعرفة بشكلٍ عامٍّ، وكذلك بالنسبة إلى الفنون أيضًا.
– وللحب أيضًا. أضافت ليا.
– بدون شكٍّ، بدون شكٍّ. إن ذلك يذكِّرني بالرد الذي قاله جروسروفر لإحدى عشيقاته. حدث ذلك في تاباك السوربون، وهي حانة كنا نلتقي فيها. كان جروسروفر قد وصل متأخرًا جدًّا، والفتاة تنتظره بنفاد صبرٍ: «ماذا كنت تفعل يا حبيبي؟» «كنتُ أنهي سؤالًا رياضيًّا.» حرَّكَت الفتاة رأسها علامة عدم فهمٍ: «لا أفهم كيف يمكنك قضاء كل هذا الوقت في القيام بهذه الأشياء، في النهاية ما فائدتُها، رياضياتك تلك؟» نظر الجار إليها مباشرةً في عينَيها، ارتبكَت. وهمس لها: «والحب يا حلوتي ما فائدته؟» لم نرَ الفتاة مجددًا.
– لكن السؤال أفاد بأن تخلى صديقك عن … لا أحب كلمة عشيقة، تخلى عن البلهاء التي كان يخرج معها. الفتاة التي تسمي صديقها «الحلوى الخفيفة» تكون فطيرة؛ أي بلهاء، أعلنت ليا بنبرةٍ قاطعة. وصديقك، على ما يبدو، لم يدرك ذلك قبلًا. لقد كان نبيهًا في الرياضيات أكثر منه في علم النفس النسائي!
– إننا نبتعد، إذن، سجَّل جوناثان، تُريد منا أن ندرسَ الرياضيات دون أن يفيدنا ذلك في شيءٍ.
– بالإضافة إلى ذلك نسلك الطريق الأطول! انتقدَت ليا.
أمام كل هذا القدْرِ من سوء النية، كاد السيد روش أن يختنق، مهددًا بقبضة يده، أن يضربهما، لكنه في داخله كان مبتهجًا وأعلن: شباب، شباب، يجب أن تتعلموا مجددًا من أرسطو المنطق السليم، ومن إقليدس الدقة الصارمة.
كان مبتهجًا لأنه أخيرًا تمكَّن من صياغة الجملة التي كان يجب أن يبدأ بها الجلسة. تم إطفاء كل الأنوار، وساد القاعة ظلامٌ تامٌّ. تحرك جوناثان وليا على مقعدَيهما المخمليَّين، كان مقعد ليا به ياي معقوف يضايق عجيزتها منذ بعض الوقت. استغلت ذلك لكي تغيِّر مقعدها.
– صهٍ! صاح جوناثان بطريقةٍ مُلحةٍ لإثارة غضبها. مثل المسارح الحديثة، تم تغيير الديكور دون الحاجة إلى إسدال الستارة، كانوا يعملون بحميةٍ في الظلام. كان يسمع صوت خطواتٍ مسرعةٍ وقطع أثاثٍ تتحرك، ثم عمَّ الصمت، هبَّ جوناثان واقفًا. وتمَّت إضاءة المشهد.
كل شيءٍ تغيَّر.
كان السيد روش يتصدر منصة وُضعَت في وسط الحيز الممتد بين أرفف مكتبة الغابة. على بُعد بضعة أمتارٍ أمامه، مجموعة من الحوامل مثل حوامل نوتة الأوركسترا مصفوفة على هيئة نصف دائرة، وعلى كل واحدة منها وُضع نصٌّ مكتوبٌ بخط اليد. انتصب السيد روش على مقعده، وأعلن بصوتٍ حاويٍّ: العناصر لإقليدس! ثلاثة عشر كتابًا! (أشار بحركة دائرية، من اليسار إلى اليمين إلى الحوامل الثلاثة عشر). إن المؤلف قد رقمها من ١ إلى ١٣ ليؤكد أنها تشكل كلًّا واحدًا، وأن كل شيءٍ يُعرض طبقًا لنظامٍ دقيقٍ. نظام داخلي لكل مجلدٍ ونظام بين المجلدات. هذا النظام المتسلسل بين الأعمال المختلفة يمثل معمار صرح إقليدس.
هذا العمل، بعد التوراة، له أكبر عددٍ من الطبعات، أكثر من ٨٠٠ حتى الآن! والطبعة الخاصة بمكتبة الغابة هي إحدى أقدم الطبعات. ترجمة إيطالية قام بها نيكولو تارتاجليا، نُشرَت في البندقية عام ١٥٤٣م. الله وحده يعلم كيف استطاع جروسروفر الحصول عليها! لا بد أنها كلَّفَتْه مبلغًا ضخمًا.
انفجر كلٌّ من جوناثان وليا ضاحكَين، وتمالك السيد روش نفسه بصعوبة.
وقف العازفان المنفردان أمام الحوامل الواقعة عند الطرف الأيسر من نصف الدائرة، وكان نوفيوتشر جاثمًا على كتف ماكس. وقفا ثابتَين في انتظار اللحظة التي سيأمرهما فيه التقسيم بأداء قطعتَيهما.
– ١٣٠ تعريفًا، ٤٦٥ شرحًا! أعلن السيد روش. إن المنهج واضحٌ، أولًا الهندسة المستوية، ثم نظرية الأعداد، وأخيرًا الهندسة الفراغية. إن إقليدس كإغريقيٍّ جيدٍ من العصور القديمة منَح الهندسةَ شرفَ أن تفتتح العمل؛ الكتب الأربعة الأولى مكرَّسة لها. إن قائمة الشروط التي ألزم نفسه بها واضحة؛ تحديد هوية الأشكال، حساب مساحتها، فيما عدا مساحة الدائرة، والقيام برسمها.
مشيرًا إلى الحوامل الأربعة التي يقف أمامها ماكس ونوفيوتشر: «في السطور الأولى من نصه، كما في مسرحيةٍ ما، يقدِّم إقليدس «الممثلين» المشاركين في الملحمة الهندسية التي سيعرضها في ثلاثة عشر فصلًا. هذا دور التعريفات.»
أشار إلى العازفَين المنفردَين. بدأ ثنائيٌّ طويل بين ماكس ونوفيوتشر.
– النقطة هي ما ليس فيه أي جزءٍ. ترنَّم نوفيوتشر.
– الخط هو طول دون عرض. غنَّى ماكس.
– المساحة هي مسألة طول وعرض فقط. غرَّد نوفيوتشر.
– الزاوية، في مستوًى، هي ميل خطَّين على بعضهما البعض، بحيث يتلامسان ولا يقعان على خطٍّ مستقيمٍ واحد، ترنَّم ماكس بصعوبة، لفرط ما كانت الجملة منمقةً (مستريحًا قليلًا) من بين الخطوط، هناك خطٌّ مميزٌ، الخط المستقيم.
كرر نوفيوتشر خاطفًا آخر كلمةٍ في الرد: المستقيم هو الذي، من بين كل الخطوط، يكون موضوعًا بطريقةٍ متساويةٍ بالنسبة إلى النقاط التي عليه.
تدخل السيد روش لشرح أنه لا توجد على الخط المستقيم نقطة تكون في وضع يسمح بالاستدلال عليها: بمعنى أن الخط المستقيم يعامل كل النقاط الواقعة عليه بشكلٍ متساوٍ.
أشار إلى العازفَين المنفردَين اللذَين استأنفا غناءهما.
– بين المساحات، توجد واحدة مميزة، المساحة المستوية. ترنَّم نوفيوتشر.
– تكون مستويةً تلك المساحة، من بين كل المساحات الموضوعة بطريقةٍ متساويةٍ بالنسبة إلى الخطوط المستقيمة الواقعة عليها. استطرد ماكس.
ومن تلقاء نفسه، منتزعًا من السيد روش المبادرة (!) أضاف:
إن المستوى يعامل بشكلٍ متساوٍ كل الخطوط المستقيمة الواقعة فوقه. صمت للحظتين، ثم استأنف السيد روش: الزاوية!
مادًّا ذراعه — ليس نحو الأعلى هذه المرة، لكن أمامه — وثناه، محركًا مفصل المرفق.
ثم أوقف المفصل في منتصف الطريق.
– من بين الزوايا، هناك زاويةٌ مميزة. الزاوية القائمة.
وضع ماكس ذراعَيه على شكلٍ متصالب، وبضربات منقاره قام نوفيوتشر بنقر الفراغات الأربعة التي تكوَّنَت بهذا الشكل، الواحدة تلو الأخرى:
– إذا تقاطع مستقيمان فإنهما يكوِّنان أربع زوايا، وإن كانت الزوايا متساوية يكون لدينا أربع زوايا قائمة. قال ماكس.
استأنف السيد روش: تمثيل الأشكال المختلفة. أولًا الدائرة، ليس لها سوى شكلٍ واحد، ثم كل أنواع الأشكال المحددة بخطوطٍ مستقيمة. أولًا المثلث (مبدلًا نبرته) من الأفضل معرفة ما يلي على الفور، إذا كنتم تعتزمون أن تمنحوا أنفسكم مكانًا صغيرًا ولا تملكون إلا خطَّين مستقيمَين، يستحسن ألا تتمسكوا بذلك، فلن تتمكَّنوا. فأنتم تحتاجون إلى ثلاثة خطوط لتحديد حيزٍ ذي خطوطٍ مستقيمة. إن المثلث هو أبسط الأشكال المقفلة ذات الخطوط المستقيمة.
تُوجد مثلثاتٌ متسعة، المنفرجة الزاوية، التي لديها زاويةٌ منفرجة، وباقي الزوايا حادة، المثلثات الحادة الزوايا التي زواياها كلها حادة. ثم هناك المثلث العادي، والمثلث المتساوي الساقين، والمثلث المتساوي الأضلاع، والمثلث قائم الزاوية، ثم الأشكال الرباعية الأضلاع، التي يحتل المربع مركزًا ممتازًا بينها، والذي هو أيضًا ليس له سوى شكلٍ واحد. تكفي معلومةٌ واحدة، ضلعه، لمعرفته بالكامل. ثم المستطيل، الذي يحتاج تعريفه إلى معلومتَين والمعيَّن، ومتوازي الأضلاع، وشبه المنحرف. وكنت سأنساهم، بينما هم الأكثر عددًا بدرجةٍ كبيرةٍ، الأشكال العادية! أي التي ليس لديها ما يميزها.
– في الواقع، تدخل جوناثان، إنها الأشكال التي لا نتعامل معها أبدًا في الرياضيات.
– هذا حقيقيٌّ، أقر السيد روش. وهو أمرٌ لا يثير الدهشة، ما الذي يمكن قوله عن شكلٍ رباعي الأضلاع عادي؟
– أن لديه أربعة أضلاع، وأربع زوايا، وقطرَين. قال جوناثان.
– وأن مجموع زواياه يساوي ٣٦٠ درجةً، مع ذلك! ذكرت بذلك ليا مع دعم تأثير غطاء رأسها وكتفَيها.
حرَّك ماكس ذراعه. كان السيد روش قد بدأ ينسى شيئًا ما، أعلن ماكس: خطان مستقيمان من مستوًى واحد. إذا قمتَ بمدِّهما لا نهائيًّا من الجهتَين — وهو أمرٌ صعبٌ للغاية ويستغرق بعض الوقت … (انفجر السيد روش ضاحكًا رغمًا عنه؛ فتعليقاتُ ماكس لم تكن متوقَّعة) … إيه حسن، إذا لم يتلاقَ هذان المستقيمان لا من ناحية ولا من الأخرى، فإنهما متوازيان!
استطرد السيد روش وهو لا يزال يضحك: وكان لا يمكن أن ينتهي الكتاب الأول إلا «بما يلزم ذِكره»؛ نجد معروضًا بشكلٍ متواضع تحت هيئة القضية المنفصلة رقم ٤٧. نظرية فيثاغورس نفسه!
بعد أن عرَّف الممثلين، سيبدأ إقليدس الآن في القيام معهم بعملياتٍ حسابية. قطع زاوية إلى نصفَين متساويَين، مما يؤدي إلى رسومات المنصفات، والقيام بالشيء نفسه مع قطعةٍ مستقيمة، مما يؤدي إلى المستقيمات المنصِّفة العمودية. حساب المساحات. إثبات في ظل أية ظروف يكون شكلان من النوع نفسه متساويَين بالنسبة إلى المثلثات، مثلًا، فإنها «حالات التساوي» الشهيرة، العزيزة على التلميذ الذي كنته.
وعرضًا، ليس ممنوعًا ملاحظة أن الكتابَين الأولَين يتناولان هندسة المسطرة، بينما يهتم الكتاب الثالث بهندسة الفرجار.
وهذا ما يعطيه ذلك بالنسبة إلى المثلث المتساوي الأضلاع، وهو أول مضلعٍ منتظمٍ.
وظهر على الشاشة:
أغلق ماكس الحوامل الأربعة الأولى ووضعها على الأرض.
كانت تلك هي إشارة الاستراحة.
أضيئت الأنوار. وعانت ليا معاناة الكلاب لكي تلبس حذاءها من جديد، أما جوناثان فارتدى مجددًا وبصعوبةٍ سترته الضيقة، التي لا بد أنها صغُرَت أثناء الجلسة، خرجوا وتحركوا بحرية في الفناء، تحرك السيد روش في مقعده. وشرب نوفيوتشر بجرعاتٍ كبيرةٍ الماءَ الذي صبَّه له ماكس في قدح. رنين جرس. انتهت الاستراحة. عادوا إلى أماكنهم. وأطفئت الأنوار. ساد الصمت. ثم أُضيئت الأنوار على المسرح فقط.
واقفًا أمام الحامل الخامس، أعلن ماكس فجأة: الكتاب الخامس، أشهر الكتب الثلاثة عشر. «كتاب النِّسَب.»
السيد روش: أراد إقليدس أن يوضح ما هي النسبة بين كميتَين، سواء كانت هذه الكميات هندسية؛ خطوط، مساحات أو أحجام، أو حسابية؛ أعداد.
ماكس: هناك نسبة بين كميتَين في كل مرةٍ تتجاوز مضاعفات كمية الكمية الأخرى.
واقفًا أمام الحامل السادس، أعلن ماكس: «كتاب التماثل».
السيد روش: لا يستطيع المرء حقًّا «تعريف» ما هو شكل شيءٍ ما. حاولوا، سترون! لكن يمكن القول متى يكون للأشياء الشكل نفسه.
ماكس: يكون لهم الشكل نفسه عندما يكونون هم أنفسهم … لكن ليس بالضرورة أن يكون لهم الحجم نفسه.
– نعم، أكَّد السيد روش، أنفسهم باستثناء الأبعاد. إنها قضية التماثل الكبرى التي تتجاوز مجال الرياضيات أن يكون متماثلًا. هنا، يتم تناولها في عالم الهندسة. متى يكون شكلان متماثلَين؟ سأل السيد روش.
لقد سأل ماكس كما كان ذلك متوقَّعًا، لكن نوفيوتشر هو الذي أجاب: عندما يكونان متناسبَين.
– ومتى، إذن يكونان متناسبَين؟
صاح نوفيوتشر: عندما تكون زواياهما المتناظرة … متناسبة وأن تكون … أضلاعهما … لكل واحدٍ كل …
لقد ارتبك نوفيوتشر بشكلٍ واضحٍ وتعرقل.
تدخَّل ماكس: إنها ليست غلطة نوفيوتشر النص معقد جدًّا.
استأنف السيد روش الكلام: الجملة كانت: «عندما تكون أضلاعهما المتناظرة متناسبة، وتكون زواياهما المتناظرة متساوية.»
كنا نعتقد أن الحادثة انتهت، لكن كان ذلك يعني عدم معرفة نوفيوتشر حق المعرفة. لقد سمعه الجميع بذهولٍ يعلن كمحترفٍ دقيقٍ عندما تكون أضلاعهما المتناظرة متناسبة، وتكون زواياهما المتناظرة متساوية.
دون أي خطأ، هذه المرة.
صفَّقوا له. مَن يستطيع أن يؤكد أنه لا يبالي؟
لا يزال هناك سبعة كتبٍ، عجل السيد روش: تكريمًا للأسلاف. نجد في القضية رقم ٢. نظرية طاليس.
أقفل ماكس الحاملَين، ووضعهما على الأرض. ومنتقلًا نحو اليمين، أعلن: كُتب الحساب الثلاثة.
السيد روش: إن إقليدس يعيد هنا جزءًا كبيرًا من أعمال الفيثاغورسيين عن الأعداد الصحيحة، وأساسًا، أعمال أرخيتاس لقد قلنا سابقًا، إن أحد الأنشطة الأساسية العلماء الرياضيات هي التصنيف. أول تصنيف: زوجي/فردي، أتذكرين يا ليا، الصيغة الجميلة التي قلتها؟ «مَن يعتقدون في اثنين ومَن لا يعتقدون!» وتنقسم الأعداد الزوجية إلى جزأَين متساويَين، أما الأعداد الفردية، فلا. ثم، هناك أعداد لا تقبل القسمة لا على اثنين ولا على ثلاثة ولا على أي عدد: إنها الأعداد الأولية، سُميَت بهذا الاسم لأنه لا يوجد عددٌ آخر يستطيع قياسها.
توقف السيد روش، تذكَّر جملة من خطاب جروسروفر: «ما الذي يقيسك ويحدِّد مقدارك يا بيير؟ لقد حان الوقت، ربما لإجراء مجموع ما حدَّد قياسنا.» تطلَّب الأمر بضع لحظات للعودة إلى الحاضر. لاحظ ماكس ذلك، واسترجع: التصنيف الثاني.
استأنف السيد روش: التصنيف الثاني: الأعداد القابلة للقسمة/الأعداد الأولية. ستصبح الأعداد الأولية الجزء الرئيسي لعلم الحساب. يوجد منها عددٌ لانهائي (ثم، بنبرة الاعتراف) شيء أدهشَني كثيرًا، إقليدس لا يهتم بعملية الجمع! ما يهمه، هي عملية القسمة.
ثم هناك عملية التحليل إلى عوامل أولية: لا يمكن الحصول على عددٍ صحيحٍ إلا بطريقةٍ واحدة (باستثناء حالة العوامل)، بعملية ضرب الأعداد الأولية.
البحث عن قواسم عددٍ ما، إيجاد القواسم المشتركة لعددَين أ، ب. وإيجاد القاسم الأعظم بين هذه القواسم القاسم، المشترك الأعظم الشهير، وهو أكبر عددٍ صحيحٍ يقسم بالضبط أ، ب والأقل شهرةً المضاعف المشترك الأصغر!
وشغل بنفسه آلة الصور الشفافة، وظهر على الشاشة رسمٌ غريبٌ:
– ممتازٌ، ممتازٌ، استحسن السيد روش، مكتشفًا الشكل الذي كوَّنه ماكس خلال فترة ما بعد الظهر. ها هو واحدٌ يستفيد من الجلسات!
أغلق ماكس الحوامل الثلاثة التي تم «التعامل معها» ووضعها على الأرض، ووقف أمام الحامل التالي وأعلن: الكتاب العاشر، «كتاب الأعداد غير الجذرية».
السيد روش:
يستأنف إقليدس هنا أعمال تيودور، مؤسس نظرية الأعداد اللاقياسية؛ أي غير القابلة للقياس بالوحدة نفسها، كما يتناول الكتاب أيضًا الخطوط المستقيمة المتناظرة، بمعنى المشتركة المقياس، والخطوط المستقيمة اللاقياسية، وكذلك المساحات المربعة والمستطيلة المقابلة لها. وبينما كان الفيثاغورسيون البؤساء لا يملكون سوى عددٍ واحدٍ غير جذريٍّ، الجذر التربيعي للعدد ٢، فإن تيودور جعل الأعداد غير الجذرية تزدهر. لقد برهن على عدم جذرية الجذور التربيعية لكل الأعداد الصحيحة حتى العدد ١٧، فيما عدا بالطبع، ١، ٤، ٩، ١٦، التي هي مربعاتٌ تامةٌ. لماذا توقف عند ١٧؟ لا أحد يعرف. أما تيتياتوس فيواصل، ويبرهن على عدم جذرية الأعداد التالية. وبالمناسبة، لا بد أن نذكر أن هذا الكتاب هو الأصعب بكثيرٍ من بين الكتب الثلاثة عشر.
ماكس: ولذلك سُمي «محنة عالم الرياضيات».
تصور السيد روش أنه سمع جوناثان يُبرطِم:
وهي أيضًا محنة جوناثان.
ولم يمنعه ذلك من المواصلة:
في هذا الكتاب، نرى كيف توصَّل إقليدس إلى «استئناس» هذه الأعداد التي أقلقت الفيثاغورسيين كثيرًا.
أغلق ماكس الحامل العاشر ووضعه على الأرض. «باقٍ ثلاثة!» فكَّر جوناثان وهو يعُد الحوامل التي ما زالت واقفةً. كان طريق العذاب على وشك الانتهاء.
– هندسة فراغية، أعلن ماكس.
السيد روش:
كما فعل مع الهندسة المستوية، سيحدد إقليدس هوية الكائنات الرياضية الفراغية المختلفة الجوامد، هرم، منشور، مخروط، أسطوانة، وبالطبع الكرة، ويضيف إليها الأجسام المتعددة السطوح المنتظمة. وحسب مساحة بعضها وحجمها، كما حدد النِّسَب بين أحجام البعض الآخر.
لقد استخدم إقليدس طريقةً فعالةً بشكلٍ خطيرٍ اخترعها أودكوس، والتي ستسمَّى بعد ذلك طريقة التحليل الاستنفادي. الاستنفاد يعني «استنفاد بالتفكير». أليس معنى قائمة مستنفدة أنها قائمةٌ تستنفد الأشياء المطلوب تسجيلها؟ وتعتمد هذه الطريقة على أن نبرهن أن كميتَين متساويتان بإثبات أن الفرق بينهما أصغر من أية كمية معلومة. ولا يتم التوصل إلى ذلك في مرحلةٍ واحدةٍ، ولا مرحلتَين، ولا عشر مراحل، لكن بتطبيق عمليةٍ بلا نهايةٍ «تستنفد بالتفكير» المراحل المتتالية.
أنزل ماكس حاملَين، وفي الحيز الكبير في وسط مرسم الجلسات لم يتبقَّ سوى حاملٍ واحد.
ماكس:
الكتاب الثالثَ عشَر، تتويج العمل بالكامل.
السيد روش:
يقدِّم إقليدس في هذا المجلد ما كانت تنزع إليه المجلدات الاثنا عشر السابقة، رسم متعددات الأسطح المنتظمة الخمسة القابلة لأن تُرسم داخل كرة؛ الهرم المثلث الأسطح؛ هرم قاعدتُه مثلثة، وله أربعة أوجه على شكل مثلث متساوي الأضلاع. والمكعب، ذو الأوجه الستة المربعة، والثماني الأوجه؛ أي عبارة عن هرمَين متساويَين ملتصقَين بقاعدتهما المربعة، له ثمانية أوجه على شكل مثلثٍ متساوي الأضلاع. وذو الاثني عشر سطحًا، الذي له اثنا عشر وجهًا على شكل مخمس زوايا منتظمٍ، وذو العشرين سطحًا، وله عشرون وجهًا على شكل مثلث متساوي الأضلاع.
– لماذا خمسة وليس أربعة أو ستة؟ صاح جوناثان وليا معًا في صوتٍ واحدٍ بشكلٍ مؤثِّر.
– لقد اكتشفتما! إن ذلك هو الغريب في هذه القضية. في العدد اللانهائي من متعددات الأسطح في الفراغ، يوجد خمسة منهما فقط منتظمة! عندما نبحث في مجموعة من الموضوعات الرياضية من نوعٍ واحدٍ، عن تلك التي تتطابق مع خاصيةٍ معينةٍ، فإننا لا نجد بشكلٍ عامٍّ، أية حالة أو قد توجد حالةٌ واحدة من التطابق، أو قد يُوجَد عددٌ لانهائي من الحالات. في المستوى، مثلًا، يوجد عدد لانهائي من المضلعات المنتظمة المحوطة في دائرةٍ وهناك في الفراغ، خمسة! لنعمل على معرفة السبب. لقد شغل ذلك المفكرين الإغريق طويلًا. وكان رد أفلاطون كما يلي: يوجد خمسة لأنه يوجد خمسة عناصر رئيسية في الكون. إن كل متعدد أسطح موجود هنا، في كماله، ليرمز إلى أحد هذه العناصر. وبوجود الخمسة معًا داخل الكرة الهندسية، التي هي كرة الكون، فإنهم من نوع خلق العالم بتمثيلهم للانسجام المطلق فيه؛ ولذلك اشتهرت في العصور القديمة بمجسمات أفلاطون.
وفي الختام، النتيجة التي كان يسعى إليها الصرح الكامل للعناصر:
لا توجد متعددات أسطح منتظمة غير تلك الخمسة المذكورة هنا!
وأصبح الحامل الأخير على الأرض، منضمًّا إلى الاثنَي عشر الأخرى. وقال ماكس مستديرًا نحو المقاعد المخملية: إن كتب العناصر الثلاثة عشر تشكِّل ما كان يتعيَّن على أي عالم رياضيات إغريقي شاب أن يعرفه وهو يدخل هذا المجال في العام ٣٠٠ قبل الميلاد.
– هل قرأتَهم بالكامل؟ سألَت ليا بإعجاب. الثلاثة عشر؟
كان السيد روش يرغب في الإجابة بنعم. إن النجاح، في سنِّه، في إثارة إعجاب اثنَين من الشباب، كان متعة ميئوسًا منها جدًّا؛ بحيث سيكون من الإثم ألا يمنحها لنفسه. لقد كذب: نعم، نعم.
وأعلن: عناصر، تابع ونهاية!
بعد أن قدَّم مضمون العمل، كان السيد روش يستعد للكشف عن مشروع مغامرة إقليدس.
كان مكبر الصوت هو الذي بدأ: انتباه، انتباه، لا يجب إقرار أية قضية أو فرضية دون برهانٍ، دون برهان!
هذا هو القانون الذي فرضه علماء الرياضيات الإغريق على أنفسهم. وهو قانونٌ مستحدثٌ، لكن كيف نبرهن قضية؟ باستنباطها من قضية أخرى سبق إقرارها كقضيةٍ صحيحة.
– دائرةٌ مفرغة؟ صاح ماكس. هل حُكِم على الرياضيات أن تعضَّ ذيلها؟ وإلا فكيف يمكن كسر هذه الدائرة؟
– إنه سؤال البداية! أجاب السيد روش، وهو دائمًا سؤالٌ دقيقٌ.
وهو يقول هذه الكلمات، لاحظ، متأخرًا جدًّا التأثير الذي يمكن أن تُحدثه في التوءم. كان رد الفعل فوريًّا.
– لكي يكون دقيقًا، فهو دقيق. لا بد من البداية بشيءٍ ما، أكدَت ليا. أليس كذلك، يا سيد روش؟ بالمناسبة، لقد وجدتُ هذه الجملة لشخصٍ يُدعى بوليب: «البداية هي نصف الكل»؛ أي إذا بدأ الأمر خطأ، فإنه يمضي كذلك لمدةٍ طويلة.
– وإذا بدأ بشكلٍ جيدٍ أيضًا، أضاف جوناثان. بأية حالٍ، بدون بدايةٍ، لا توجد قصة!
– ولا بناء. أضافت ليا: إنها الحجر الأول. يجب وضعه لكي يرتكز عليه باقي الصرح.
– بالضبط! قال السيد روش بنبرةٍ فعالةٍ: «لا بد من «وضع أساس» للحقائق. وسيكون ذلك هو الثمن المطلوب دفعه لبدء عمل آلة إنتاج الحقائق، وبعد ذلك يجب أن يعمل الجهاز بطاقته الذاتية. إذن، لا يمكن الخروج من الدائرة المفرغة إلا بإقرار بعض حقائق الانطلاق، يتم إقرارها أوليًّا ومرةً واحدةً فقط. ووضع أسس لا يمكن تعديلها طبقا للاحتياجات: «إجمالًا، لا نغير الأسس في كل آنٍ»!»
ماذا يوضع في البداية؟ التعريفات. إنها هنا لإعلان وجود كائناتٍ رياضية أساسية، الكائنات المؤسسة التي يمكن انطلاقًا منها بناء كائناتٍ أخرى، وهكذا سيتم إعمار العالم الرياضي بكائناتٍ جديدة.
قل لي، يا سيد روش، ألا يجعلنا ذلك نفكر في التوراة؟ في البداية، يوجد … لا، قبل البداية يوجد الله، ثم قرر الله أن يوجد آدم. لقد أكد شيئًا مثل: «يوجد آدم، آدم إنسان». ثم صنع آدم حواء من أحد ضلوعه، أعتقد ذلك، ثم آدم وحواء معًا … إلخ. وكان لهما أطفال كثيرون، هابيل وقابيل والآخرون.
كان السيد روش يستمع مذهولًا إلى هذه التوراة كما يراها أو يصححها جوناثان. توراة بديهية: أنا لست متدينًا جدًّا، أنت تعرف.
– ولا نحن أيضًا، لكننا نعرف تراثنا التقليدي.
– تراثكم التقليدي؟ لأنكم قرأتموه فعلًا؟
– ليس أكثر مما قرأت العناصر، ومع ذلك، فإنهما أكثر عملَين تم ترجمتهما في العالم …
لنعُد إلى …
كاد السيد روش أن يقول: «إلى الله، لفرط ما أربكَه التقارب بين سِفر التكوين وكتاب العناصر.»
لذلك، وبكل طمأنينةٍ، وضع إقليدس هذه المجموعة من البديهيات التي يمتد مجالها لما وراء الرياضيات بالمعنى المحدود.
شغَّل ماكس الآلة، وفي هديرٍ قوي، ظهرَت أول شفافةٍ على الشاشة:
طقطقة. اختفاء. وظهور ﻟ:
طقطقة. اختفاء وظهور ﻟ:
طقطقة. اختفاء وظهور ﻟ:
طقطقة. اختفاء وظهور ﻟ:
طقطقة. اختفاء طقطقة. تتابعَت الصورتان التاليتان على التوالي.
تصوَّروا نصفَين مختلفَين! سيكون لدينا كل أعرج، أخمعي تمامًا! لأنهما متساويان يمكن أن نقول اﻟ «نصف». أضاف إقليدس بديهيةً أخيرة تؤكد «أن الجزء أصغر من الكل». هذا بالنسبة إلى البديهيات. وفيمَ تفيد؟ في المقارنة.
الأنصاف فيما بينها، الجزء والكل، أشياء متساوية يضاف إليها أو يُطرح منها أشياءُ متساويةٌ … إلخ. بدونها، لما وجدت مقارنة ممكنة.
نأتي إلى المسلَّمات! أول استغرابٍ لي كان عندما اكتشفتُ أنه لا توجد مسلَّمات إلا في الهندسة. لا توجد مسلَّمات في علم الحساب. اعترف السيد روش.
لأن الحساب لا يحتاج إلى مسلَّمات! قالت ليا. بدون ذلك، لن يتحرج من إطالة مجموعة منها بأسلوب: «من عددَين يمكن المرور إلى عددٍ ثالث»، أو «تُوجَد أعداد في كل مكانٍ»، أو: «إطالة عددٍ ما سيبقى دائمًا منه شيءٌ ما»، أو «عدد واحد، هذا جيدٌ، عددان، هذا أفضل، ثلاثة أعداد، صباح الخير يا أضرار!» أو أيضًا …
كان من المستحيل بالنسبة إلى ليا أن تستمرَّ وسط الضحكات، إن استمرار القهقهة كلَّ هذا الوقت الطويل يعود إلى التعب أكثر منه إلى فكاهة ليا.
لقد ابتعدوا تدريجيًّا عن منارة الإسكندرية البيضاء، والشوارع التي كانت تسير فيها أربع مركباتٍ معًا، وحدائق المتحف. باختصار، كانوا قد بدءوا يضيقون ذرعًا. كانت الجلسة طويلة جدًّا، وكان يتعين التوقف هنا.
– مسلَّمات الهندسة. اختار إقليدس خمس مسلَّماتٍ.
– مثل متعددات الأسطح؟ سأل جوناثان.
– لا علاقة لها بمتعددات الأسطح، ولا من ناحيةٍ أخرى، بحقيقة أن إقليدس له خمسة أصابع مثل كل زملائه في المتحف. أول مسلَّمة، تعرفونها جميعًا.
طق. صورة شفافة:
ماذا كان يريد إقليدس بوضعه هذه المُسلَّمة؟ يريد إقليدس (١) أن يتمكن من ربط أي مكانَين في الفراغ. (٢) دون أن يكون عليه أن يلتف حول أي شيءٍ كان؛ ومن ثَم فهو يطالب بذلك.
طقطقة المسلَّمة الثانية:
– ماذا يريد إقليدس بوضعه هذه المسلَّمة؟ إن أية قطعة مستقيمة تعيِّن اتجاهًا. يريد إقليدس أن يتمكن من مدها بقَدْر ما يرغب، ولا بد من وجود مكان لإمكانية القيام بذلك. في الواقع يريد إقليدس أن يكون الحيز بدون حدودٍ في جميع الاتجاهات؛ ومن ثَم فهو يطالب بذلك.
– بعد المستقيمات، الدوائر. المسلَّمة الثالثة:
– ماذا يريد إقليدس بوضعه هذه المسلَّمة؟ يريد أن يكون ممكنًا وجود الدوائر في كل مكان وليس فقط في هذا الركن المفضَّل من الفراغ أو ذاك. وبالإضافة إلى ذلك، تستطيع هذه الدوائر أن تكون كبيرةً أو صغيرة، قدْر ما نشاء؛ ومن ثَم فهو يطالب بذلك.
– بعد المستقيمات والدوائر، الزوايا، المسلمة الرابعة:
– ماذا يريد إقليدس بوضعه هذه المسلَّمة؟ يريد ألا تتغير قيمة الزوايا القائمة تبعًا للمكان الذي توجد فيه.
– ماذا كان يمكن أن يحدث غير ذلك؟ أن تكبر، أن تصغر؟ سأل جوناثان.
– بالضبط. يريد إقليدس ألا يحدث أي شيءٍ آخر؛ ومن ثَم فهو يطالب بذلك.
كان ماكس «خارج الخدمة» منذ وقتٍ طويلٍ، واضطُر السيد روش أن يقوم بالعمل وحده: ثم بعد، هناك أَشهر المسلَّمات، مسلَّمة المتوازيات التي تعادل ما يلي:
و«بقول ذلك … ذلك يعني»، أضاف السيد روش.
– تريد بالأحرى أن تقول: هذا يعني ماذا يقول ذلك؟ صحَّح جوناثان.
– اسمع جوناثان، أريد أن أقول ما أقوله، أو بالأحرى أقول ما أريد قوله. تمكن بالكاد السيد روش أن ينطق.
وانطلق الضحك مجددًا. من المستحيل الاحتفاظ بجديته، ووصلَت بيرت وسط هذا الإعصار من الضحك. وفي هذه الحالة، يبدو المرء غبيًّا حقًّا. يريد الضاحكون بأي ثمنٍ أن يشرحوا لك لماذا يضحكون ولا يتمكَّنون بالطبع، مما يضاعف الضحك، ويقصيك أكثر عن مجموعة المرحين أصحاب المكان، وأنت الغريب الكئيب. وغنيٌّ عن البيان أن ليا عندما تمكَّنَت أخيرًا من أن تشرح لبيرت أنهم كانوا يضحكون بخصوص موضوع المسلَّمة الخامسة لإقليدس، نظرت إليهم كما يُنظر إلى جمْع من المخبولين. والشيء الوحيد الذي لم تجد غيره لتقوله كان: ويجعلكم ذلك تضحكون؟
وعندئذٍ، كان الانفجار! السيد روش الذي لم يكبح مقعده، كان يتمايل على آلته المهتاجة التي لم يخطر على بال أحد أن يكبحها، ولا حتى ماكس الذي كان شَعره الأحمر يتحرك بجنون. كانت عيناه المتقدتان، اللتان تحيط بهما ألف خُصْلة شَعر مشتعلة، تلمعان على وجهه الذي كان يميز بالكاد، وكأنه يبرز على خلفية غروب شمس. وليا، الطويلة الأطراف؟ كلها منفوخة من القهقهة، كان لها استدارة الدجاجة السمينة وهي تحجل على قدمٍ واحدةٍ وسط فناء الدواجن، وحتى نوفيوتشر شارك في الحبور العام. مرفرفًا بمستوى الأرض، كان يطلق صرخاتٍ جشَّاء. هل الببغاوات تضحك؟ كان السؤال الوحيد الذي جرُؤَت بيرت على أن تطرحه على نفسها.