معاهدة

تمرُّ ستُّ سنوات يموت في أثنائها المأمون بن ذي النون، فيتجهز المعتمد للإغارة على قرطبة، وها نحن أولاء نراه يقطع الطريق إليها عدوًا، في جيش كثير العدد، وحوله قواده ومشيروه وفيهم ابن عمار والهوزني، ثم يدركهم الليل، فينزل المعتمد وحاشيته في خيمة وهو حزين كاسف البال.

ذكر اغتصاب جيش ابن ذي النون لقرطبة درة ملكه … وذكر والألم يحز في نفسه هجوم حريز بن عكاشة بثلة من رجاله على قصر ابنه الظافر بقرطبة في جنح الليل، ثم خروج ابنه إليهم في لبسه المفضَّل يقاتل دون حوزة القصر فريدًا بعد أن فر عسكره. ثم ذكر كيف أن حريزًا قتله وتركه ملقًى بالعراء، حتى جاء أحد المارّة في الغلس فرآه، فغطاه بثوبه … فأخذ المعتمد يردد:

ولم أدر من ألقى عليه رداءه
على أنه قد سُلَّ عن ماجد محض

ثم يقبل الجيش على قرطبة وقد خلت من جيوش القار بن ذي النون، فينزل بها جيش إشبيلية، ويفر حريز بن عكاشة في فصيلة من جنده، فيتعقبه المعتمد بنفسه حتى إذا ظفر به أغمد سيفه في صدره وصاح: نم هنيئًا يا ولدي فقد أخذ أبوك بثأرك!

يدخل المعتمد بحاشيته قصر قرطبة، ويقبل عليه الناس والشعراء يهنئونه، ويبتهج أهل قرطبة جميعًا بالمعتمد، بعد أن طال عليهم حكم بني ذي النون؛ لأن القرطبيين قوم ذوو ملل، لا يصبرون على حكم والٍ طويلًا، وحينما وقف النحلي الشاعر، قال له المعتمد مازحًا: يا نحلي، أينا ينشد أولًا؟

فقال النحلي: الملك الشاعر يا مولاي أولى بالتقدم.

فأنشد المعتمد:

من للمملوك بشأو الأصيْدَ البطل
هيهات جاءتكم مهدية الدُّولِ
خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت
من جاء يخطبها — بالبيض والأسل
وكم غدت عاطلًا حتى عرضت لها
فأصبحت في سَرًى الحلى والحلل
فراقبوا عن قريب لا أبا لكم
هجوم لبث بدرع البأس مشتمل

فالتفت الشعراء بعضهم إلى بعض، وقال النحلي — وكان أعرقهم في الملق وطرق الاستجداء: «والله لن يستطيع شاعر أن يقول شعرًا بعد هذا، أكسدت علينا بضاعتنا يا مولاي، وتشبث الشعراء برأي النحلي، بعد أن وثق كلًّا منهم من الجائزة، ففرّق عليهم المعتمد الجوائز في إغداق وإسراف، وأمر أن تنصب الموائد وتمد الأسمطة لأهل قرطبة ثلاثة أيام.

ثم اجتمع المعتمد بابن عمار والهوزنيّ وقال: إن دولة بني ذي النون ضعفت بموت المأمون، والفرصة اليوم سانحة للإغارة على بلاده، وضمها إلى ملكنا. فقال الهوزنيّ: نعم يا مولاي. إن القادر بن المأمون حدث غرّ، ليس فيه شيء من صفات الملوك، غير أن الأذفونش (ألفونسو) يحالفه ويناصره، ويذود عنه، حتى ليقال: إن المأمون قبل موته، أوصى الأذفونش بحماية ابنه. فقال المعتمد: الأذفونش صديقنا، ونحن نمنحه مالًا وهدايا في كل عام. فقال ابن عمار: الأذفونش تاجر، يتجّر بقوته وجنوده وهو يمنحهما من يعطيه أغلى ثمن، وقال الهوزنيّ: ثم إن مولاي وقد أصبح أقوى ملك بالأندلس، يحسن به ألا يقتصر على فتح بلاد بني ذي النون؛ بل أرى أن تتوجه همة مولاي إلى بني الأفطس ببطليوس، وبني صمادح بألمرّية. فقال ابن عمار: هذه الأماني لا تتحقق إلا بوسيلتين: كثرة عدد الجيوش المقاتلة، وعدد مقاتلينا لا يكفي، ثم باتقاء شر الأذفونش واجتذابه إلى جانبنا. فقال الهوزنيّ: هذا سهل هيِّن … نعقد معه معاهدة على أن يمدنا بجنود من قشتالة وعلى ألا يساعد علينا عدوًّا، ولو كان ابن صديقه المأمون. فقال ابن عمار: إن الأذفونش سيغالي في الثمن. فقال المعتمد: ليغال ما يشاء … لابد أن أملك الأندلس كلها. فقال الهوزنيّ: هذا يوم يا مولاي سيكون أغرّ محجلًا في التاريخ، وأود أن أعيش لأسمع ما يقول شعراؤنا فيه، وأنت جالس على عرشك تحكم الشرق والغرب. ثم قال المعتمد: قم أبا بكر واذهب إلى الأذفونش، واستعمل معه أساليب مكرك ومحالك، ولا ترجع إلا والمعاهدة في يدك. فقال ابن عمار: على أن تكون بلنسية في يدي الأخرى.

ورحل المعتمد مع الهوزنيّ إلى إشبيلية، بعد أن ترك ابنه المأمون أميرًا على قرطبة، وبعد أن ودّع ابن عمار ورَجَا لَهُ التوفيق في سفارته. جدّ ابن عمار في السير إلى مدينة قورية بعد أن علم أن ألفونسو مقيم بها، حتى إذا وصل إلى القصر، رأى ملك الإسبان في بهوه الملكيّ، ورأى زوجته أجنيس بنت دوق جويانة، جالسة بجانبه، وكانت رائعة الطلعة فائقة الجمال، وكان العرب يلقبون زوجة ملك الإسبان بالقمجيطة، فسلم عليهما ابن عمار، ثم أخذ مجلسه بعد أن أحسن ألفونسو تحيته، وقال: أي ريح سعيدة بعثت بك إلينا؟!

– دعني أولًا يا سيدي أملأ عيني من جمال القمجيطة، فقد بهرني حسنها، وأذهل عقلي، وأضاع تفكيري … هكذا تكون زوجات عظماء الملوك!!

فقالت أجنيس: ماذا يقول العربيّ؟؟

– يقول: إنه فتن بحسنك وسحر بجمالك، حتى فقد عقله.

فضحكت في سرور وإدلال، وقالت: قل له: أليس عند ابن عباد من هن في جمالي؟ فلما نقل ألفونسو سؤالها إليه قال: في قصر ابن عباد أمثالها؟، … ولا في جنة الخلد.

ثم التفت إلى صورة للعذراء معلقة بالحائط، وقال: في هذه الصورة الجميلة شبه قليل منها.

سرّ ألفونسو لإطراء زوجته، وترجم لها ما قاله ابن عمار، فقالت لزوجها: سله أي شيء في وجهي كان أكثر تأثيرًا في نفسه، فترجم له ألفونسو فقال: لقد أوقعتني هذه الدرة الإسبانية المتلألئة في حيرة أخرى … عيناها أجمل ما في وجهها … إنهما مغناطيستان تجتذبان العقول … لا. بل خداها ثم ثغرها الفاتن وهو عقيق يغطي عقدين من لآلئ الجنة، نظمتها يد الرحمن … لا يا سيدي، قل لها: إن كل شيء فيها حسن، وإنها فتنة للناظرين.

فلما بلّغها ألفونسو ما قاله، زادت زهوًا ودلالًا، وقالت: سله أهو شاعر؟؟

فقال ابن عمار: قل لها يا سيدي: إن محاسنها لا تحتاج إلى شعر شاعر، إنها وحدها قصيدة نظمها الزمان، لتكون آية الزمان.

اهتزّت أجنيس طربًا وقالت: يا ألفونسو، هذا عربيّ لطيف عذب الكلام، فبحقي عليك إلا أحسنت مجاملته وسهّلت له حاجته.

ثم تركت المجلس. فقال ألفونسو: نعود إلى سؤالك عن سبب زيارتنا.

فقال: جئت يا سيدي من قِبَل المعتمد، وهو يرجو أن يكون لك صديقًا ثابت الود، دائم الإخلاص. فما قولك؟؟

– هذا حسن، لولا أن مطامع ابن عباد دائمًا تتعارض مع مطامعي، وتقف في طريقها، ثم إني لا أحب فيه تلك النزعة الجشعة، التي تدفعه إلى الرغبة في امتلاك الأندلس، واغتصاب صغار الولاة بلادهم.

– الأذفونش ملك عظيم، فلم لا يحب أن يكون حليفًا وصديقًا لملك عظيم؟

– نحن الملوك لا نحالف إلا من نخاف شرّه، وأنا لا أخاف ابن عباد.

– إنك تشكو منه الآن؛ لأن مطامعه تصطدم بمطامعك، فلم لا تحالفه إذًا حتى يسير كل منكما في طريقه من غير اصطدام … يترك لك ما تريد، وتترك له ما يريد.

– لا يا ابن عمار، إن الذي يترك الأسد طليقًا يغتاله الأسد.

– إننا سنفرض يا سيدي أسدين قويين، وهما فوق ذلك صديقان.

– لا يا عربي. إنك ربما تعرف ما في نفسي، وتحاول أن تخدعني.

– هلمّ إلى المصارحة إذًا. أنت تخشى أنك إذا حالفته قوّيت ملكًا مسلمًا، وأنتم لا تريدون أن تعيدوا في الجزيرة أيام عبد الرحمن الناصر، أو أيام المنصور بن أبي عامر.

– ليس كذلك تمامًا.

– هو كذلك تمامًا … دعني أخبرك أن تلك الأيام لن تعود، وأنك إذا حالفت المعتمد كنت الرابح من غير أن يعود عليك خطر.

– أنا حليف القادر بن المأمون.

– ولكننا سندفع ثمنًا أغلى.

ثم انتقل إلى المساومة والمماسكة، واتفقا على معاهدة من نصوصها: أن يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد بالجند في حروبه مع جميع أعدائه المسلمين؛ وأن يتعهد المعتمد بمضاعفة الإتاوة التي يؤديها إلى ملك قشتالة في كل سنة، وألا يعترض خطته في افتتاح طليطلة، وهي معاهدة مشئومة، ضحّى فيها المعتمد بإسبانيا كلها؛ لكي يبسط سيادته على بضع إمارات.

عاد ابن عمار إلى إشبيلية، وأطلع المعتمد على المعاهدة، فسرَّ بها، وبدأ إنفاذها بإرسال ابن عمار على جيش لأخذ مرسية وبلنسية، على أن يكون أميرًا لبلنسية.

وبعد سبع سنوات من هذه المعاهدة، سقطت طليطلة قاعدة القوط القدية ومعقل النصرانية في يد ألفونسو، بعد أن حكمها المسلمون اثنين وسبعين وثلاثمائة عام، فشمل الحزن عليها جميع بلاد الإسلام، وذعر ملوك الولايات وأحسوا بالخطر الداهم، وبغي ألفونسو وتكبر، ولقب نفسه بالإمبراطور حامي الملتين، ثم أقسم ألا يبقي أحدًا من ملوك الأندلس فوق عرشه، إلا إذا خضع لسلطانه، وعدَّ نفسه من عماله، ووصل الخبر إلى إشبيلية في ليلة سوداء، فهاج الشعب وهدد بثورة جامحة، واجتمع الناس في الخانات وعند أفواه الطرق، يتحدثون في حزن وسخط على ملوكهم الذي أدّى بهم تخاذلهم وإسرافهم، والانهماك في شهواتهم إلى هذه الفاجعة، التي تهدد بزوال ملك العرب من الجزيرة.

وجلس المعتمد في قصره حزينًا، تتناهبه الأفكار، وتتقاذفه الأوهام، ودخل عليه الهوزني، فسأله المعتمد في ذهول وشتات فكر: كيف الحال؟؟ فقال الهوزني: الحال حسنة يا مولاي، لولا فضول أهل إشبيلية، فإن المصيبة فيهم أنهم يزجون أنفسهم فيما لا شأن لهم به من سياسة الملك وشئون الدولة.

لقد مررت في الطريق وأنا قادم، بسوق القصابين، وكان أحد الجنود يشتري لحمًا، فابتدره القصّاب قائلًا: حرام أن تأكلوا وتشربوا أيها الجنود المترفون.

وكاد الشر يتافقم، لولا تدخل الناس.

– إن استيلاء الأذفونش على طليطلة له ما بعده.

– وقد بلغني يا مولاي أنه فتك بأهل المدينة، وسامهم كل أصناف العذاب … تعسًا لهذه المعاهدة الظالمة، فإنها الجذوة التي طارت منها كل هذه الشرور. فأطرق المعتمد وقال: حقًّا يا أبا القاسم، لقد فارق التوفيق ابن عمار عند عقدها.

– إن ابن عمار يا مولاي رجل لا يوثق به، وهو أول من يبيع نفسه وذمته لمن يلوّح له بالذهب النضار، فقد سمعت أن الأذفونش أهدى إليه خاتمين من نفيس الجواهر، وأنه خدعه بصنوف من الإطراء، حتى لقد دعاه أذكى رجل بالأندلس، وأنه خُلق ملكًا، وأظهر له أسفه أنه لم يكن في مكان ابن عباد.

– وظن الخائن المفلوك ذلك صحيحًا؟!

– إنه أول من يخدع، على الرغم مما يظهر من الحصافة والذكاء، ثم لقد بلغني أن زوجة الأذفونش — وهي من يعلم مولاي قوة سحر جمالها — فتنتة وأطمعته، حتى وقع في الشرك فوقّع المعاهدة.

– ويل للأبله المخدوع!!

– إنه رجل كبير الآمال … وقد وصل إلى علمي أنه أظهر العصيان ببلنسية، بعد النعم التي واليتها عليه، ثم إن كارثة الكوارث، أنه أرسل شعرًا في هجاء مولاي وزوجه اعتماد، يردده أهل الأندلس جميعها، يقول فيه:

تخيرتها من بنات الهجان
رُميكية لا تساوي عقالًا
فجاءت بكل قصير العذار
لئيم النجارين عمًّا وخالًا

فالتهب المعتمد غضبًا، وصاح بعبد الجليل بن وهبون، وأمره أن يكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، وزيره ببلنسية: أن يرسل إليه ابن عمار مصفودًا، وبعد أيام وصل ابن عمار، ولم يبق وسيلة من وسائل الاستعطاف إلا بذلها، ولكن الغضب لم يترك في نفس المعتمد مكانًا لرحمة، فوثب عليه وقتله بيده، وخرج الهوزنيّ وهو يقول في نفسه: هذه بداية الخاتمة، ومرّ ابن وهبون بجثّة ابن عمار فقال:

عجبًا لمن أرثيه ملء مدامعي
وأقول: لا شلّت يمين القاتل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠