ثورة

كان القاضي عبد الله بن أدهم من أشد الساخطين على المعتمد؛ لتهاونه بشئون الدين والملك معًا، ولانغماسه في اللهو، وتحالفه مع الإسبان.

وكان عبد الله شيخًا جليل القدر، وقور السمت، له نفوذ روحي قوي التأثير في العامة، فكان يوجههم بإشارة من يده كيف شاء، ومتى شاء، وقد سمع من القادمين من برّ العدوة ما عليه ابن تاشفين، ملك مراكش، من الزهد والصراحة في الحق، والتمسك بالدين، والتأدب بآداب الصحابة، والميل إلى الغزو في سبيل الله، فكان يود لو أن زمام الأندلس أسلم إلى يده بعد أن كبا بها الزمان، واصطلحت عليها النوائب؛ ليملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا، وليعيد إليها ما كان لها من العزّ الشامخ والملك العظيم.

كان عبد الله جالسًا في دارة مطرقًا مفكرًا، وإذا أبو القاسم الهوزنيّ يطرق بابه، ويسلم في أدب ويجلس، فيلتفت إليه ابن أدهم ويقول: كيف حال المعتمد اليوم؟ ألا يزال سادرًا في لذاته، أم أيقظه قرع الحوادث؟؟

– لا يزال سادرًا في لذاته، وهو الآن أشبه بالقنديل في آخر الليل، تخفق ذبالته حتى إذا لم تجد زيتًا انطفأت.

– ليته كان ينطفئ وحده! إنه ليس قنديلًا أبا القاسم. إنه راعٍ ترك شياهه للسباع … إن الأمة لا تصلح إلا بابن خطاب جديد.

– وأين نجد عمر بن الخطاب الآن؟؟

– هو على مرمى سهم منك … هو في برِّ العدوة … هو في مراكش … هو يوسف بن تاشفين.

– فهمت. هذا حسن، وهو خير من يعيد إلى الأندلس مجدها.

– ولكن كيف الوصول إليه؟؟ … إن وفدًا من رجال الأندلس لا يكفي لدعوته؛ لأنه قد يرتاب في أن البلد ممهد لدخوله، فيخشى أن يقع بين شقي رحا، وأن تطبق عليه جيوش المسلمين وجيوش الإسبان.

– دع هذا الأمر لي يا سيدي، ويكفيك أنك أوحيت بالفكرة … إني سأحتال حتى يدعوه المعتمد نفسه.

ثم ينطلق إلى القصر فيلتقي بأحمد العامري صاحب الخزائن، فيقول له: عم صباحًا أبا محمد، من مثلك اليوم يمشي في إعجاب وزهو، كمشية بنت المستكفي التي تقول:

أنا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيه تيهًا

– ولا عجب، فإنك حارس خزائن الملك، تعطي من تشاء وتمنع من تشاء.

– لا تمزح أبا القاسم فإن الوقت وقت جد، إن النفقات الكثيرة تكاد تلتهم ما في الخزائن: جوائز للشعراء لا تنتهي عند حد في كل يوم، وجواهر وحلي وملابس للجواري، ولأرماندا، ولسيدتي الرميكية — تزيد أثمانها على ما يتوهمه العقل، ثم نفقات قصر الملك، ثم ما ينفق على القصور الأخرى: وهي الزهراء، والمبارك، والوحيد، والزاهي، والمؤيد. ثم ما يدفع من الإتاوات للأذفونش. ماذا يبقى يا أبا القاسم؟؟

– يبقى ما يدفع للجيش.

– أنت لا تزال تمزح. عم صباحًا.

وتركه الهوزنيّ، فرأى المعتمد جالسًا بين حاشيته، ووجهه مربدّ، وهو يتكلف الكلام والابتسام، حتى إذا أخذ مجلسه، جاء سيف الخادم وقال بصوت مرتعد: إن ابن شاليب اليهودي قَدم يا مولاي، وقد ترك بربض إشبيلية نحو ثلاثمائة جندي، قدموا معه. فالتفت المعتمد إلى من حوله وقال. ليدخل.

ودخل ابن شاليب، وكان رجلًا في الستين، أشيب اللحية، كبير الأنف، يسيل ماء عينيه لرمد ملازم، فهو لا يفتأ يمسح دموعهما بيده بحركة عصبية؛ وكان وسخ الوجه واليدين، له خصلتان طويلتان تتدليان على عارضيه، يلبس فوق صداره وسراويله جبة طويلة ممزقة الذيل وسخة.

سلم ابن شاليب وقال: إن مولاي الأذفونش يصدر إليكم أمرين: الأول: أن تقيم زوجه كونستانس بمدينة الزهراء حتى تلد، وأن تلد بالجانب الغربي من جامع قرطبة، وهو مكان الكنيسة القديمة، والثاني: أن تضاعف الإتاوة هذا العام.

فقال المعتمد: اسمع يا رجل. نحن لا نتلقَّى من أحد أمرًا، وولادة القمجيطة بجامع قرطبة أبعد من المحال، وهو طلب نرده في وجه مولاك بأنفة وازدراء؛ وأما المال فخذوه إن كان يسد ذلك جشع الأذفونش. ثم أمر أحمد العامري بإعطائه الإتاوة.

وبعد ساعة عاد ابن شاليب وهو يصيح في غضب: لا آخذ هذه الدنانير … إنها زائفة … إنها مغشوشة … إن الأذفونش سئم هذه الألاعيب، وإننا في العام القابل لن نأخذ دنانير بل نأخذ مدنًا وحصونًا.

فقال الهوزنيُّ: أطبق فمك يا فاجر، إنك أمام الأمير.

فقال ابن شاليب: إن أراد الأمير أن يحترم نفسه فلينقدني الدنانير صحيحة غير زائفة، وقد كان الغضب قد أطبق على المعتمد فلم يستطع صبرًا، وكانت أمامه دواة ضخمة، فقبض على رقبة ابن شاليب، ودق رأسه بالدواة حتى تناثر مخه، ثم أمر سيفًا خادمه — وعيناه تكادان تثبان من محجريهما — أن يرسل جنودًا في جنح الليل على فرسان الأذفونش ليقتلوهم.

طار خبر مقتل اليهودي في إشبيلية، وتنقل من لسان إلى لسان، وكان الناس قد سئموا حكم المعتمد، ولكنهم كانوا يكتمون غيظًا تغلي في نفوسهم مراجله، وأسرع من نجا من فرسان الأذفونش إليه، يقصُّون عليه ما كان من المعتمد ويزيدون ويهولون، فأذهله وقع الخبر، وأقسم برأس أبيه أن يرسل عليه جيوشًا لا قبل له بها، وألا يقل عددها عن شعر رأسه، وقد أنجز وعيده فأرسل جيشًا لهامًا لا يبلغ الطرف مدى آخره، وكان يقوده بنفسه، حتى وصل إلى شاطئ النهر الكبير، فعسكر قبالة قصر المعتمد بإشبيلية، وربض متنمرًا كالليث الغاضب.

فلما وقعت الواقعة، ذهب الهوزنيّ إلى دار عبد الله بن أدهم وقال له: لقد نضجت الثمرة اليوم يا سيدي، وأصبح قدوم ابن تاشفين قريبًا، بعد أن نزل الأذفونش بطريانة.

– كيف ذلك؟

– لقد أرسلا في هذا الصباح حمادًا المريني ليخطب في العامة، ويثير كوامن غيظهم على المعتمد، وهو شاب ذرب اللسان، يعرف كيف يلهب النفوس، ويلعب بالعقول.

– ماذا نفيد من هذه الثورة؟ إنها قد تقوي الأذفونش.

– إن الأذفونش ستطول إقامته بطريانة قبل أن يهجم؛ لأنه سينظر جيشًا آخر قادمًا من طليطلة لم يغادرها بعد، ثم إن هذه الثورة ستدفع المعتمد إلى الاستعانة بابن تاشفين على الرغم منه؛ لأنه سيصبح بغيضًا إلى العامة فلا يتقدمون لنصرته.

– وما كاد يفرغ الهوزنيّ من كلامه، حتى دخل حماد المريني وآثار الإجهاد والتعب بادية عليه، فقال: إن إشبيلية الآن ثائرة كلها، يستوي فيها الرجل والمرأة، والطفل والشيخ.

فقال الهوزني: كيف ذلك؟ فقال المريني: لقد خطبت في الميدان الكبير وكان الجمع حاشدًا يموج كالبحر الزاخر، وما فرغت من خطبتي حتى وقف الناس يخبطون، وصار كل واحد منهم حمادًا المريني.

– ماذا قلت لهم؟

– عدّدت مثالب ابن عباد: فذكرت إسرافه في اللهو والمجون، وجنونه بحب النساء والجواري الإسبانيات، وفتنته بأرماندا وبزوجه الرّميكية التي كانت نكبة على الأندلس جميعها، ثم تبديده أموال الدولة على المتعطلين من الشعراء والمضحكين والمجّان، ومعاقرته الخمر حتى لا يكاد يفيق من سكر، وتبذيره في بناء القصور، ثم تحقيره الفقهاء والعلماء، وإهمال شهود الجمع ومعاهدته مع الأذفونش التي جرّت الخراب على البلاد، ثم ترك الجيش حتى فقد قوته، والأسطول حتى تعطّن في الماء، ثم طرح شئون الدولة وراء ظهره، وترك زمامها في يد ابنه الغرّ الجاهل الذي سماه بالرشيد.

– مرحى مرحى أبا هاشم!!

ثم ودعهما الهوزنيّ وانصرف إلى القصر، فرأى من فيه يموج بعضهم في بعض، ورأى المعتمد جالسًا مع ابنه الرشيد، ومعهما أبو بكر بن زيدون، فقال له المعتمد: اجلس أبا القاسم … إنما تُعرف الرجال في الشدّة … هل لك في هذه النازلة رأي؟

فقال الهوزني: يا مولاي. رأيي أننا نحتاج إلى حليف قوي في هذه الشدة.

وقال ابن زيدون: يجب أن نكتب إلى جميع ملوك الطوائف؛ ليشاركونا بجيوشهم في دفع هذا البلاء فإن خطره يشملنا ويشملهم.

عندئذٍ قال الهوزنيّ: إن ملوك الطوائف جميعًا أضعف من الثمام، وهم يخافون الأذفونش ويتقون غضبه، حتى لقد بلغني أنهم أرسلوا إليه التهنئات والهدايا حينما ملكت جيوشه طليطلة … إن ملوك الطوائف لا يصلحون.

فقال المعتمد: من يصلح إذًا؟ فقال الهوزني: سمعت أن يوسف بن تاشفين رجل ليس له أطماع ألبتة، وأنه مجنون بشيء يسميه الغزو في سبيل الله، فإذا خدعناه بهذه الفكرة، جاء بجيش من البربر، فتمتع بالغزو الذي يحبه وتتوق إليه نفسه، ثم عاد من حيث أتى، وأعتقد أن ملوك الطوائف إذا وثقوا من انتصاره على الأذفونش — وهو أمر محقق — تدفقوا على مولاي ملحين في أن تشترك جيوشهم في الجهاد.

ثم إني واثق أن العامة إذا عرفوا أن مولاي يبذل أقصى جهد في استئصال شأفة الأذفونش — تقدموا لنصرته ملبين.

فظهر الاقتناع على وجه المعتمد، وحينئذٍ خرج الرشيد من صمته وقال: يا مولاي: إن هؤلاء البربر قوم جياع، جاءوا من الصحراء وفيهم الجشع والوحشية، وأخشى أنهم إذا نزلوا بلادنا، ورأوا ما فيها من أسباب الحضارة والنعيم، صعب عليهم مبارحتها؛ فنكون كمن يفر من الذئب، فيقع بين أنياب الأسد.

وأرى أن نصانع الأذفونش، وأن نبذل له من الأموال فوق ما يتخيل، حتى يعدل عن عزمه، ويذهب إلى طليطلة، ثم نتخذ من هذه الحادثة عبرة، فنفرغ لتقوية جيوشنا، وننفق كل درهم من أموال الدولة فيما يقوّي أركانها، ويصد عنها أعداءها.

فغضب المعتمد وقال: والله لن أصانع هذا الأذفونش بعد أن أهان أرضي، وأهانني رجاله الأدنياء، والله لن يقول قائل بعدي: إن ابن عباد أضاع ملك الأندلس … ولأن أرعى الجمال عند ابن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند الأذفونش.

ثم إني من أمري على حالين: حال شك، وحال يقين، ولا بد من إحداهما … لأنني إذا استندت إلى ابن تاشفين، أو إلى الأذفونش، فمن الجائز أن يفي لي كل منهما بعهده، ومن الجائز ألا يفي … فهذه حالة شك.

ولكني إذا استندت إلى ابن تاشفين، أرضيت الله، وإذا استندت إلى الأذفونش، أسخطت الله، فهذه حالة يقين.

ولأن يغدر بي ابن تاشفين مع رضا الله، خير من أن يفي لي الأذفونش مع سخطه. أتعلم أبا القاسم أن الطاغية أرسل إليّ بالأمس رسالة كلها تهكم وسخرية وصلف: أرسل يقول: إنه طال مقامه بشاطئ النهر، فاشتد عليه الحر وكثر الذباب، وطلب الصفيق مراوح تطرد الذباب عنه وعن جنده؟!

فقال الهوزني: يا للداهية!! بم أجبته يا مولاي؟؟

– أجبته بأني سأرسل إليه مراوح من نوع جديد … مراوح من الدرق اللمطية تروِّح منه، ولا تروِّح عليه.

ثم هب واقفًا وقال: أنا ذاهب الآن إلى ابن تاشفين. يا ابن زيدون … اكتب إلى ملوك الولايات ليكونوا على استعداد.

ركب المعتمد سفينته، وكان لا يصحبه إلا خادمه سيف، حتى وصل إلى مراكش فطرقها ليلًا، وذهب إلى قصر أمير المسلمين ابن تاشفين وطلب مقابلته، فذعر ابن تاشفين وخاف أن يكون قادمًا بجيشه، وقد بسط إليه المعتمد — ودموعه تتناثر فوق خديه — حال الأندلس، وما أصابَ الإسلام، وأن الأمر يدعو إلى الجهاد وبذل النفوس في سبيل الله، وأن الله الذي نصر أمير المسلمين في جميع غزواته، قد أعد له في الأندلس النصر المبين، واختاره لحفظ دينه، وإعلاء كلمته.

وافق ابن تاشفين على إرسال جيس للأندلس، وعاد المعتمد إلى إشبيلية فرحًا مسرورًا، فاستبشر الناس وهنأ بعضهم بعضًا، وهمس الهوزنيّ في أذن عبد الله بن أدهم: ألم أنبئك أني سأعمل على أن يدعو المعتمد ابن تاشفين لدخول الأندلس؟؟

– إن لك سحرًا لا تنفع فيه الرقى!! ولكن ابن تاشفين وعد أن يعود إلى بلاده بعد أن يقهر الأذفونش.

– إن وعود السياسة كوعود الحسان … قاتل الله المتنبي حين يقول:

ومن يجعل الضرغام بازًا لصيده
تصيّده الضرغام فيما تصيدا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠