ضيافة

عف ابن تاشفين هو وجيشه عن اقتسام الغنائم، وفاء بعهده للمعتمد، وظهورًا بأنه إنما حارب للجهاد والمثوبة، وأنه لا يريد عرض الحياة الدنيا. ثم دعاه المعتمد إلى الضيافة بإشبيلية، فقبل الدعوة، ورحلا وأعلام النصر تخفق فوق رأسيهما، وكلما مرَّا ببلدة أو مدينة، هرع إليهما الناس يحيون فيهما البطولة، والعزيمة الصادقة، والصبر عند اليأس، حتى إذا بلغا إشبيلية أقبل المهنئون والشعراء وكان ابن وهبون قد أعد للموقف قصيدة طويلة، فلما هم بإلقائها سمع قارئًا في صدر المجلس يقرأ: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا، فلما سمع الآية قال: بعدًا لي ولشعري! والله ما أبقت لي هذه الآية شيئًا.

نزل ابن تاشفين في ضيافة المعتمد، فرأى من البذخ والترف والنعيم، ومن عظمة القصور وكثرة الحشم والجواري، وجمال الفراش والأثاث، والإسراف في الإنفاق — ما أذهله وذهب بلبه.

ثم نظر حول القصر، فرأى نهرًا عظيمًا تتكسر أمواجه كأنها قطع البلور، والسفن مقبلة فيه مدبرة، تلعب الرياح بشرعها البيض كأنها الحمائم تحوم على مشرع، ورأى إلى ناحية الغرب شرف إشبيلية وقد كثرت فيه الضياع، وحجبت الكروم وأشجار التين والزيتون عن أرضه الشمس.

وكان سير ابن أبي بكر بجانبه، فالتفت إليه وقال: يا سير! أترى ما نحن فيه من النعيم؟! … إن هذه البلاد قطعة من الفردوس، وهذا القصر الذي نحن فيه أحد قصور الجنة. يا سير … إن هذه الأموال التي تبعثر بجنون على هذه القصور، وفي هذا الترف الذي تجاوز الحد، لابد أن تكون مأخوذة من الرعية قسرًا واغتصابًا.

– إن ابن عباد يا مولاي لا يهتم إلا بنفسه وإشباع شهواته.

– أتحبه رعيته يا ابن أبي بكر؟؟

– إن الرعيّة تبغضه، وتود لو تستريح من حكمه، وها هي ذي الفرصة سانحة يا مولاي، فمرني أنقض بجيشي على هذا الخليع؛ فلن يأخذ مني ثل عرشه المتداعي ساعة من نهار.

– ليس الآن يا ابن أبي بكر … إن ملوك الأندلس لا يزالون أقوياء بعد هذه النصرة، وبعد أن استرحوا من الأذفنوش، والأمور مرهونة بأوقاتها.

– إنني قابلت بالأمس ابن أدهم، قاضي الجماعة بقرطبة، وأبا القاسم الهوزنيّ وهما صديقان وفيان لمولاي أمير المسلمين. فأخذا يحثانني على الوثوب على ابن عباد، واستئصال ملكه.

– نعم إنهما صديقان، ولكن الوقت لم يحن بعد، فاترك لي يا ابن أبي بكر. ثم غلبه النوم، فتركه سير يغط غطيطًا.

وكان المعتمد في هذه اللحظة في قصره، بين وزرائه وقواده، والسرور يملأ جوانب نفسه، وليس له حديث إلا الفتح والنصر، وما أفاء الله على المسلمين من غنائم، وبينما هو في الحديث إذ استأذن عليه شيخ مجهول الاسم، رث الهيئة. فلما مثل بين يديه قال: أصلحك الله أيها الملك … إن من واجب شكر النعمة لله، إسداء النصح لك: لقد وقع في أذني من بعض أصحاب ضيفك ابن تاشفين، خبر يدل على أنهم يرون أنفسهم ويرون ملكهم أحق بهذا الملك منك، أو قد بدا لي رأي، فإن آثرت الإصغاء إليه قتلته. فقال المعتمد: قله ولا تخف، فقال الشيخ: إن هذا الملك الذي أطلعته على سر دولتك، طماح مستأثر، وقد حطم ملوك زناته ببرّ العدوة واغتصب ملكهم، وهو فاعل بك ما فعل بهم، بعدما رأى من عظم الأندلس وخصبها، وبعد أن فتك بجيوش الأذفونش، فأعدمك بإضعافه أقوى ناصر لك عليه، فاتخذ الحزم فيما هو ممكن اليوم.

– وما الذي هو ممكن اليوم؟؟

– أن تجمع أمرك على القبض على ابن تاشفين واعتقاله، ثم تصارحه بأنك لا تطلقه حتى يأمر كل من بالجزيرة من عسكره أن يرجع من حيث جاء. ثم تتعاهد مع ملوك الجزيرة على حراسة هذا البحر، والقضاء على كل سفينة له تجرى فيه، ثم تأخذ منه رهائن عزيزة على نفسه، وتستحلفه بأغلظ الإيمان ألا يضمر عودًا إلى هذه الجزيرة … حينئذٍ تنظر في ملكك بعين اليقظة والحزم، ويعظم قدرك وتهابك الملوك. فأطرق المعتمد طويلًا وقد استسحسن رأي الرجل، وراق في نفسه، وحينئذٍ أسرع الهوزنيّ وقال: يا شيخ، ما كان المعتمد على الله — وهو الكريم العنصر، والملك الذي اجتمعت فيه كل مكارم العرب ممن يغدر بضيفه. فقال الشيخ: الغدر أن تغتصب حقًّا ليس لك، لا أن تدفع عن نفسك ضرًّا وضيمًا.

فقال الهوزنيّ: ضيم مع وفاء، خير من حزم مع جفاء.

ووافق المعتمد على هذه الحكمة الغريبة، التي تأنق الهوزنيّ في سجعها، فخرج الهوزني وهو يقول:

إحدى لياليك فهيسي هيسي
لا تنعمي الليلة بالتعريس!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠