أفول

رحل ابن تاشفين إلى مراكش وترك بالأندلس جنوده وقواده، وعاد المعتمد إلى ما كان فيه من اللهو والعبث، وقضى أكثر من سنتين في بلهنية عيش وانغماس في النعيم.

وعادت أرماندا إلى ما كان لها من الحظوة، وعادت الرميكية إلى بذخها وإسرافها، وتمدد ذات صباح على كرسيه في حديقة قصره، وجاريته لونا (قمر) تحجب عنه الشمس، وهو يقرأ في شعر ابن أبي ربيعة، والمغنية تنشده من شعره:

قامت لتحجب قرص الشمس قامتها
عن ناظري — حجبت عن ناظر الغِيَر
علمًا لعمرك منها أنها قمر
هل تحجب الشمس إلا غرة القمر؟!

ودخل الهوزنيّ، فملأ الجو أنسًا بحسن حديثه، والأمير مغرور بأساليب ملقه وكثرة إطرائه، وقبله في أثناء ذلك يتحرّق سخطًا على المعتمد، ويتلهَّب شوقًا إلى زوال دولته.

ثم رأى عنقودًا يتدلى من كرم، فذهب لقطفه، فلحقت به أرماندا لأخذه، متكلفة شدة الرغبة في اختطافه منه، فهمس في أذنها: ما هذا يا أرماندا؟ ماذا فعلت بابن عباد؟ فقالت: تركته كما تراه في حلم دائم من النعيم والنسيان، لا يستطيع أن يدفع عدوًّا، أو يصطنع صديقًا. فقال الهوزنيّ: كيف فعلت هذا؟ قالت: لا أدري غير أنهم يقولون في قشتالة: إن المرأة شرك الشيطان.

وعندئذِ دخل على المعتمد أخوه ذخر الدولة، وهو مكفهر الوجه متشائم، فقال: يا مولاي. إني رأيت في منامي بالأمس: كأن رجلًا صعد فوق منبر قرطبة، واستقبل الناس، وأخذ ينشدهم:

ربّ ركب قد أناخوا عيسهم
في ذرا مجدهم حين بَسَق
سكت الدهر زمانًا عنهم
ثم أبكاهم دمًا حين نطق

فصاح الهوزنيّ مقهقهًا: أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.

ثم استأذن وانصرف، فلقي في الطريق سير بن أبي بكر، فمال به إلى ناحية، وأخذ يلح عليه، ويحثه على الوثوب على المعتمد، ويذلل له كل صعب، ويسد عليه كل باب. فقال له سير: وماذا أصنع وأمير المسلمين ينصح بالانتظار؟

– اكتب إليه ما أمليه عليك.

– اكتب أنت، فما أنا بكاتب.

فكتب الهوزنيّ كتابًا عن لسانه لابن تاشفين، يشكو منه من ملوك الأندلس جميعًا، ويقول: إنهم منصرفون إلى لذاتهم، وقد تركوه يقاسي الشدائد هو وجنده من غير أن يمدوه بمال أو رجال، وإنه يخشى أن ينقلب هؤلاء الملوك عليهم بالاستعانة بالإسبان. بعث سيرٌ الرسالة إلى ابن تاشفين، فأمره ابن تاشفين أن يحارب ملوك الأندلس واحدًا واحدًا، وأن يجعل آخر غزوه لابن عباد.

فأسرع ابن أبي بكر إلى إنفاذ أمر سيده، واستولى على ولايات ملوك الطوائف. ثم حاصر إشبيلية، ووصل خبر حصارها إلى المعتمد وهو بين جواريه وندمائه فذعر من بالقصر، وولول النساء والجواري، وخرج المعتمد وعليه غلالة شفّافة، فامتطى صهوة جواده، واستل سيفه في يده، وصاح في حرس قصره: اقتلوا البربر الغادرين.

وكان البربر قد دخلوا المدينة من باب الفرج، فصال فيهم بسيفه فتقهقروا، حتى إذا ذهبوا بعيدًا عاد المعتمد، فرأى ابنه ملكًا مقتولًا عند باب الصبّاغين، فحمله بعض الحراس وهو ينتحب خلفه.

وكان الناس قد شملهم الذعر وخامرهم الجزع، فكانوا يثبون في النهر، ويقذفون بأنفسهم من شرفات الأسوار.

فلما كان العشرون من رجب، سنة أربع وثمانين وأربعمائة، اقتحم جند «سَيْرٍ» القصر، وقبضوا بالأيدي على المعتمد، فطلب الأمان لنفسه وأهله فأمن، وكان يبكي وينشد:

إن يسلب القوم العدا
ملكي وتسلمني الجموع
فالقلب بين ضلوعه
لم تسلم القلب الضلوعُ
لم أستلب شرف الطبا
ع. أيلسب الشرف الرفيع؟
شيم الألى أنا منهم
والأصل تتبعه الفروع

ثم قيده أعداؤه بالأغلال، وأعدوا له ولأولاده وأهله السفن للرحيل إلى طنجة.

فاجتازت السفن شاطئ إشبيلية، والجموع المتراكمة عليه من الرجال والنساء والأطفال، تبكي وتنوح.

وكان في مكان بعيد من الشاطئ رجلان، ينظران إلى السفن في شماته وجذل، هما: عبد الله بن أدهم، وأبو القاسم الهوزنيّ.

وكان أبو القاسم يردد:

أين ابن معن وعبّاد ومعتصم
وأين باديس، بل أين ابن ذي النون؟!
كانت لهم في هضاب العز أبنية
فأصبحوا بين مقبور ومسجون!!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠