أشكالٌ وألوانٌ

(١) العاصفة

قلتها على أثر عاصفة كان لها أثر طيب حين مرت بأرضنا، كسَّرت الفروع الشائخة من الأشجار فجدَّدت شبابها.

هَبَّتِ الريحُ والفضاءُ اكْفَهَرَّا
وَتَوَارَى الهِلَالُ يَنْظُرُ شَزَرا
طَمس النُّور غير بعض سطورٍ
خطَّها الفجر فامَّحتْ ليس تُقْرا
فَانْتَضَى البرق سيف نور ضئيل
شقَّ مسح الدجن شقًّا وَفَرَّا
وَانْبَرَى الرعدُ مُنْذِرًا بالبَلَايَا
وَاسْتَشَاطَ الخضمُّ مَدًّا وَجَزَرا
وَتَنَادَتْ عناصرُ الكونِ للثورة
فانقضَّتِ الصواعقُ جَمْرَا
وَتَبَارَتْ فِي حلبةِ الأُفْقِ الريحُ
فَأَمْسَى الرَّقيع يزأر زأرا
علمونا أنَّ الطبيعةَ أمٌّ
وَيْحَ أُمٍّ مِنَ الشَّوَاعِرِ تَبْرَا
يَا لَأُمٍّ خَرْسَاء إِنْ حَدَّثَتْنَا
فَحَدِيثٌ يفِيضُ خَوْفًا وَذُعْرَا
هَمْسُهَا الرَّعْدُ، وَالصَّوَاعِقُ نَجْوَى
وَالْبَرَاكِينُ زَفرة تُوجَد حرى
وَيْكِ أُمًّا منحتِ أَلْفَ لِسَانٍ
وَتَكَتَّمْتِ لَسْتِ تُفْشِينَ سِرا
أَيُّها الْأُمُّ كَيْفَ تُخْفِينَ عَنَّا
في ثناياكِ جَاعل البَحْرِ بَرا
كَيْفَ تُخْفِينَ وَالِدًا عَنْ بَنِيه
وظهورُ الآباءِ بِالعطفِ أَحْرَى
أَصَحِيحٌ يَا أُمُّ أَنَّ أَبِي مثلي
شَكْلًا، وَيَمْلَأُ الْكَوْنَ بِرَّا!
فَأَجِيبِي فَوَاجِبُ الْأُمِّ تَعْرِيفُ
بَنِيهَا بِوَالِدٍ عَزَّ قَدْرَا
خَبِّرِينِي: أحلَّ في بيتك الله
خفيًّا؟ فصاحب البيت أدرى
آهِ ضيَّعتُهُ فَضَاعَ رَجَائِي
فَأَرْشِدِينِي إِلَيْهِ يكسبك أَجْرَا
فَأَجَابَتْ إِنِّي أُفَتِّشُ عَنْهُ
لَا أَرَاهُ، سُبْحَانَهُ، أَيْنَ قَرَّا
قُلْتُ: هَلَّا، فَقَطَّبَتْ حَاجِبَيْهَا
فَأَرَتْنِي فِي وَجْهِهَا الْجهمِ شَرَّا
وَأَشَارَتْ إِلَى الْعَوَاصِفِ أَنْ سِيرِي
وَهدِّي مِن أَرْضِهِ مَا اشْمَخَرَّا
فَاسْتَجَرْنَا مِنْهَا بِهَا وَهيَ غَضْبَى
وَاعْتَصَمْنَا بِصَخْرَةٍ نَتَذَرَّى
فَرَأَيْنَا الْأَمْوَاجَ تَقْتَحِمُ الشَّطَّ
جُيُوشًا عَمْيَاءَ كَرًّا وَفَرَّا
كَمْ بُيُوتٍ تَهَدَّمَتْ وَقُصُورٍ
صَيَّرَتْهَا الْعَوَاصِفُ الْهوجُ قَبْرا
فمن الدوح أسجدتْ كلَّ عاتٍ
لم يعفِّرْ وجهًا ولم يحنُ صدرا
وإذا بالأشجارِ تمشي الهوينا
ثم تكبو، سيَّان صغرى وكبرى
ثورةٌ في الطبيعة اجتاحتِ الأر
ضَ كما اجتاحَ يعربٌ ملكَ كِسْرى
لمْ أجد منجدًا، فناديت ربًّا
عَبدُوهُ في الأرض عصرًا فعصرا
من تراني دعوتُ لولا سماعي
باسمِهِ في الوجود سرًّا وجهرا

•••

هدأتْ ثورةُ الطبيعةِ والريح
تهادتْ في الجوِّ تمشي السبطرى
فرأينا أنَّ الذي هدمته
كان بالهدم والتجدُّد أحرى
إنَّمَا هذهِ العواصفُ أيدٍ
ما تُهَدِّم يمنى تشيِّدْهُ يسرى
رسلُ النشءِ والتجدُّد بل زند
متى شاءتِ الطبيعةُ يورى
فَهْيَ كفُّ الوجود تهدم ما لا
يستطيع البقاء برًّا وبحرا
ليت من هذه «العواصف» أصنا
فًا تثير الأكوان طيًّا ونشرا
لنرى كلَّ هائرٍ وعقيمٍ
ليس يجدي نفعًا تداعى وخرَّا
من تقاليدِنَا ومن كل عُرْفٍ
صيَّرته الآراءُ دينًا وكفرا
إِنَّما هذهِ العواصفُ فأسٌ
تقصمُ الشامخاتِ ظهرًا فظهرا

•••

من قديمٍ والمرءُ نضوُ افتكارٍ
أشغلتهُ «الأشياءُ» دهرًا فدهرا
ما رآه بالأمسِ علمًا يراهُ
اليومَ جهلًا، وهكذا العمر مرَّا
إنَّ آراءَهُ لأشبَهُ بالموج
توالى، تمحو الجديدةُ أُخرى

•••

أوغلَ الفكر في التأمُّل حتى
لاحَ وجهُ النهار يفترُّ بشرا
فبدا لي أنَّ الطبيعة فرحى
بالذي قلَّبتهُ حتى استقرَّا
إيهِ يَا أُم إن أردتِ صلاحًا
فاكنسي بالعواصف الكون طرَّا

(٢) الأعمدة الستة

زرت قلعة بعلبك مرات، وكنت كل مرة أرى فيها شيئًا جديدًا لم يبدُ لي من قبل فسجلت ذكرياتي في هذه القصيدة.

قلعة بعلبك

خَرْسَاءُ لَا تُبْدِي خطابْ
صَمَّاءُ لَا رَدَّتْ جَوَابْ
هِيَ وَحْيُ فَنٍّ خَالِدٍ
أَحْيَا الْأُلُوهَةَ فِي التراب
قد أُنْزِلَتْ آياتهُ
عَمَدًا هي العَجَبُ العجاب
لم يهدِنَا قُرَّاؤُهَا
فِي فهمها سُبُلَ الصواب
فَهُنَا كتابُ الأوَّلِينَ
وَبعلبك أُمُّ الكتاب
فكَأَنَّهَا أَشْلَاءُ جبار
صريعٍ وسط غاب
من حولها عَمَدٌ قِيَامٌ
للصلاةِ ولا ثواب
جدرانها فيها الجنانُ
تضمُّ مَا احلولى وطاب
قد عُلِّقَتْ فيها الثمار
تُسيل رؤيتها الرضاب
وكأنَّمَا أعنابها
برَّاقَة، في شهر آب
فاعجب لجنَّاتٍ عليها
الأُسْد رابضة غضاب
تبدي نيوبًا دون ما
فتكٍ إذا ما الخطب ناب
أَشباه أُسدٍ نصَّبتْ
رَمْزًا لأشباهِ الشباب
أقعت على ضيمٍ ونمنا
مكرهين على المصاب
يا بعلبك وإن هرمتِ
عليك سيماءُ الشباب
لله حسنك هازئًا
مهما تقادم بالخضاب
بك يلمسُ الفنُّ الحديث
المعجزاتِ بلا حساب
وترين «إيفلَ» كالصبيِّ
وإن تنطَّق بالسحاب
أَعَجيبةَ الدنيا التي
لعبتْ بها أيدي الخراب
إنَّ الشعوب جميعَهَا
مرَّتْ أمامك بالحراب
فكأنَّكِ السلطان يعرِض
جيشه يوم الضراب
يا بنت فونيقي ويا
أُخْتَ الخلود المستطاب
أَشْبهتِ دنيانا فسرْ
رَ كما كبحرٍ ذي عباب
ذُلِّلتِ يا بنتَ الدهور
وكنتِ أمنع من عقاب

الأعمدة الستة

لله درُّكِ ستةً
قد شاهدتْ ألف انقلاب
قامتْ على أقدامها
مستهزئاتٍ بالصعاب
كالعاشقاتِ وقفنَ في
الشرفاتِ يرقبْنَ الصحاب
أو بُسلٍ من يعرب
بينَ الشوامخ والهضاب
وقفوا كمنْ ضلُّوا السبيل
فأنشدوا حسنَ المآب
أو أَنها جنيَّةٌ
من عبقرٍ ليست تصاب
قد سرَّحت أبصارها
ما بين هاتيك الهضاب
كم فاتحين رأتْ ولم
يفتح لهم للعود باب
يا بعلبَكَّ تصبَّري
فالملتقى يوم الحساب
فكأنما لبنان قربك
حاجب الملك المهاب
وكلاكما نُصِّبتما
هدفًا لفتحٍ واغتصاب
فالملك رهن الفاتحين
يذل وانشقَّ الحجاب

الهياكل المقدسة

يا هيكل الحب القديم
وقدسَ أقداس الحقاب
الحبُّ ربٌّ دائم
وله الدعاءُ المستجاب
وعبيده كثرٌ ومهبط
وحيهِ مُقَلُ الكعاب
وبكلِّ أرضٍ هيكلٌ
لعبيدِهِ رحب الرحاب
يا ليتَ من خلقَ الورى
أودى به غض الإهاب
فالموتُ في شيخوخةٍ
مكروهةٍ شرُّ العذاب
يَا لَيْتَ نَشْئِي وَارْتِقَائِي
كَالْفَرَاشَةِ وَالْحَباب
حتى أموت بلا تمنٍّ
واكتئاب واضطراب
فالعيشُ من بعدِ الشبابِ
مناحةٌ تبكي الشباب

•••

دع لو وليتَ كليهما
فَمؤمِّلُ الثنتينِ خاب
فالناس تفنى كالهشيم
وتستحيل إلى تراب
يا كونُ لا تُفنِ الورى
فغدًا تصيرُ إلى يباب
إنَّ المكوَّن من ضبابٍ
يمَّحي مثلَ الضباب

•••

لا تبكِ كونَ مطامع
أقوامُهُ مثل الذئاب
تعدو وتفتك بالذي
أمسى وليس لهُ كلاب
١٩٢٩

(٣) الكاهن الجندي

كنا في كاتدرائية مار يوحنا جبيل الأثرية على أثر نهاية حرب ١٩١٤، فإذا بجندي من صف الضباط يدخل الكنيسة ويتوجه توًّا إلى «الخوروس»، ثم يلج «السكرستيا» ويخرج منها كاهنًا عليه ثياب التقديس، وشهدت قداسه فخلقت ذكرى المشهد هذا الموضوع.

دخلَ الكنيسةَ عارضًا بَتَّارا
أتظنُّهُ حسبَ الكنيسة غارا
أم خالها حصنًا، على سَرَوَاتِهِ
رَصدٌ، وآوى صحنها ثوَّارا
ومشى يقدُّ المؤمنين كأنَّه
السبَّاح يضربُ يَمنةً ويسارا
بطلٌ إلى «الخوروس» شدَّ مشمِّرًا
وهناك صلَّى لمحةً وتوارى

•••

أُنْظُرْ إليه فقد تحوَّلَ كاهنًا
تخضلُّ لحيتهُ تقًى ووقارا
قد غاب صقرًا ثم آب فراشةً
فأصارَ جلجلة الفداء مطارا
وأنام في ظلِّ الصليبِ مهندًا
سكرانَ، يحلم بالرقاب عقارا
صلَّى، فضجُّوا، ثم خرَّ فهمهموا
وتناظروا متعجبين، حيارى
شكُّوا، فلاحت: اسمعوا أقوالهم
وتجنَّبوا الأعمال والأوزارا
فتماسكَ «الإيمانُ» وابتسم «الرجا»
وإذا «المحبة» تسدل الأستارا
ومضى يمثِّلُ ماهرًا مأساتَهُ
للمؤمنين وتمَّمَ الأسرارا

•••

بسط اليدين وما استحى من ربِّهِ
حتى يباركَ فتيةً وعذارى
وتلا من الإنجيلِ غرَّةَ آيهِ
أحبب عدوَّك وارحم الأشرارا
عجبًا أينطقُ بالسلام لسانه
ويداه توقِد في الصدور النارا
إِنْ يُرغموهُ على الوغى فصليبُهُ
ينبيهِ كيفَ يقاوم القهَّارا
قد خطَّ للأجيالِ خمسةَ أسطرٍ
لا غير، شرد وحيها الأسفارا

•••

يا كاهنَ ابن الله، مالك جامحًا
قُدْ للنعيمِ الجحفلَ الجرَّارَا
الراحة الحمراء كيف مددتها
نحو الصليب أما خشيت العارا!
أتكونُ كاهنهُ، وتجهل قوله:
ويلَ المشكِّكِ صبيةً وصغارا
أنسيت آيتهُ لدن همُّوا به:
أغمدْ حسامك تأمنِ الأقدارا
أدَمُ البريء يحلُّ في لاهوتكم
والناصريُّ يحرِّم الإِضرارا
ماذا جنى القومُ الذين قتلتهم
أتكونُ يا راعي، لنا جزَّارا
أمُيتِّمَ الأطفال، ويحك، ما تقو
ل غدًا لربك، إن بلغت الدارا
ورأيتَ ديَّانًا رهيبًا مثلما
حدَّثتَ عنه المؤمنين مرارا
يا قَائِدَ العميانِ، كيلا يهبطوا
في حفرةٍ، سَهْ، لا تكُنْ حَفَّارا
ما جوَّزَ الإِنجيلُ حملَكُمُ العصا
أفتشهرون الصارمَ البتَّارا
أُرسلتُمُ مِثْلَ النِّعَاجِ فحَقِّقُوا
ظَنَّ الشهيد، وسامحوا معشارا
ويلاهُ من حملٍ تحوَّل قُنْفُذًا
يُدْمِيكَ مَلْمَسُهُ، وَيُقصي الجارا
ظنَّ المسيح محاربًا في قولِهِ:
ما جئت كي ألقي السلام فثارا

•••

وأَجَلْتُ طرفي في «الحنيَّةِ» كي أرى
الحملَ الوديعَ، الغالبَ الأدهارا
فرأيتُ وجهًا كالحياةِ عزيمةً
تبني وتهدمُ لا تملُّ ثِوَارَا
ولمحتُ تكليحًا يبينُ ويختفي
كالظلِّ شارفَ منقعًا موَّارا
فإذا المساميرُ الثلاثةُ فُكِّكَتْ
ومشى الصليب كمن يرومُ فرارا
وَتَحَوَّلَتْ تلك الجهومةُ بسمةً
حمراء، يرعب هولُهَا الجبَّارا
وأجال في «الخوروس» نظرةَ يائسٍ
فتذكَّرَ الماضي، وصاح جهارا:
غفرانَكَ اللهُمَّ، ثانيةً، لهم
ضاعت دمائي، والبناءُ انهارا
يا خيبتي بمعاشرٍ تلمذتُهم
سفكوا الدماء، وألَّهُوا الدينارا
١٩٢٥

(٤) أطروفة الخلود

موضوع أجهل الأسباب التي دعت إلى معالجته.

في برية الأزل

بِلَيْلٍ يَتِيمٍ خَافقِ القلبِ، إِنْ مَشَى
بِهِ الْقَدَرُ الأعمى تخوَّنهُ الجهدُ
رأيتُ كأَنِّي هَائِمٌ في تنُوفَةٍ
يضلُّ بِهَا الموتُ السبيلَ إِذَا يعدو
وقفتُ وأشباحي، ولي من أناملي
عيونٌ، ولكنْ لا اهتداءَ ولا رشدُ
فَيَا لَكَ لَيْلًا كالمعرِّي ضرارةً
تلمَّسْتُ فِيكَ النهجَ فالتبسَ القصدُ
وأمسيتُ ضيفَ الوهم غيرَ مكرَّمٍ
فقلت لنفسي: أجملي فهنا اللحدُ

المؤتمر العزرائيلي

وَصَوَّتَ عِزْرَائِيلُ فالتفَّ رهطُهُ
عَلَيْهِ، وَفيهِ الشيبُ والغِلِمَةُ المُرْدُ
خفافًا أَتَوا من كلِّ فجٍّ كأنَّهُمْ
عَبَادِيدُ جِنٍّ نَحْوَ حلبتِهِمْ شذوا
وأُرهفتِ الآذانُ سَمْعًا وَطَاعَةً
وَحفُّوا بمولاهم كأَنَّهُمُ الجندُ
فساورني همٌّ عنيفٌ إذا استوى
على جبلٍ نهدٍ هوى الجبل النهدُ
ومدَّدَ عزرائيلُ كفًّا ظننْتُهَا
وَرَبِّكَ، أُمَّ الأرزِ فامتثلَ الحشدُ
وأبدى لهم عن ناجذيهِ مقطِّبًا
جبينًا كوجهِ البحر خَضْخَضَهُ الرعدُ
وصاحَ بصوتٍ جَهْوَرِيٍّ كأنَّهُ
الصواعقُ منها أَلْسُنُ النارِ تَمْتَدُّ
حذارِ نفوسَ الناسِ، لا تفتكوا بهم
سنتركهم أحياءَ في الأرضِ ما ودُّوا
يسبُّوننا إِنْ ميِّتٌ مَاتَ منهمُ
ولولا المنايا لم يَزُرْ دارَهم رغدُ
وكم من نفوسٍ نتْنَةٍ لا تمسُّها
يدايَ، ولكن ليس من قبضها بدُّ
فجاوبَهُ من قومهِ ذو مكانةٍ
عجوزٌ عليهِ من تجاربِهِ بردُ
وماذا يقولُ اللهُ عنَّا إذا درى
بفعلتِنَا الشنعاءِ، والبَشَرُ امتدُّوا؟
حنانيكَ واسمع قولتي في عصابةٍ
إذا ارتفعَ الكابوسُ دأبهم الجحدُ
تصاممتَ آهاتِ المشايخِ منهمُ
وقد كادتِ الآفاقُ منهنَّ تنسدُّ
إذا شئتَ إِمضاءَ الذي أنتَ قائلٌ
فَشَاوِرْ به الباري، فنحنُ له جندُ
أَبَى الطبعُ منَّا أن نكونَ كخلقِهِ
الألَى زعَمُوا أنَّ الوجودَ لهم عبدُ
فمنهمُ قالوا إنَّهم مثلُ ربِّهم
ومنهم قالوا إنَّ جَدَّهم القردُ
وقد ناصبوا الكونَ العِداء كأنَّهم
يريدون تسخيرَ الوجود ولا حمدُ
أعَنْ مثلهم، يا شيخُ، تعفو تكرمًا
ولو قدروا صَالُوا عليك وما ارتدُّوا!
فجاوبَ عزرائيلُ: إني مفوَّضٌ
وأعمارُهُم في قبضتي، ومعي عهد
عليَّ بربِّي، اتركوهم ليسأموا
ألا فاستريحوا برهةً يذهبِ الحقدُ
فصاحوا جميعًا: قد أَطَعْنَا وعوَّلُوا
على رأيهِ في الأمر، وانفرط العقدُ
فناديتُ: وَابشراهُ، قد صرتُ خالدًا
وزال ابتسامي وانقضى الزمن النكدُ

دهر لا موت فيه

تَصَرَّمَ ذاكَ الجيلُ إلَّا أقلَّهُ
فضاقت على الناسِ الأباطحُ والنجدُ
فأصبحَ يأوي منهمُ كلُّ فرسخٍ
أُلوفَ الورى، فاستُئْصِلَ الحُبُّ وَالودُّ
وَمَاتَ حنانُ الناسِ، والرحمةُ امَّحتْ
ولم يبقَ في الدنيا جمالٌ ولا وجد
فهذا نظيرُ القوسِ هاوٍ مفركحٌ
وهذاكَ أعمى، أو أصمُّ به سهد
وأصبحَ هَمُّ النشءِ عولَ جدودهم
بعهدٍ قليلٍ رزقُهُ ما بهِ رفدُ

شكوى

تشكَّى بنو الدنيا وودُّوا فناءهم
وقد باتَ ذاكَ الأمرُ طوقَهم يعدو
إذا انتحروا لم يُدركوا بانتحارِهِم
سوى أَلَمٍ مُضْنٍ يحرِّشهُ العَمد
وباءٌ وأمراضٌ، وخورُ عزائمٍ
سلاسلُ بؤسٍ ضاقَ عن حصرها العدُّ

ثورة الأبالسة

وضجَّتْ شياطينُ الجحيم، وأوشكت
جهنَّمهم تُطْفَا، وأدركها الخمد
فَيَا مَنْ لعزرائيلَ حينَ تجمَّعوا
إذا حلَّ وفدٌ جاء من خلفِهِ وفدُ
زبانيةٌ سحمُ الوجوهِ، ولسنهم
بنائقُ نارٍ تستطيلُ وترتدُّ
وأذنابهم مثلُ السياطِ كأنَّها
نيازكُ من جلدِ السماواتِ تنقدُّ
موارجُ فوقَ الأرض تمشي كأنها
بُنَيَّاتُ بركانٍ بها الوجدُ يشتدُّ
أشاروا إليه بالأَكُفِّ فخلتُها
كلاليبَ، نارُ الكِيرِ في قلبها تبدو
وصاحوا بعزرائيل: أينَ وقودنا
بنو الناس، فالأتون أَعْوَزَهُ الوقد

حيرة الله

وقال إِلهُ الأُفق: أين بنو الورى؟
فمن سنواتٍ لم يجئ منهم فرد
فشمَّرَ عزرائيلُ للفتكِ داعيًا
ذويهِ، فهبَّتْ من مرابِضِهَا الأُسْدُ
فنظَّفَ وجهَ الأرضِ من معشرِ الونى
فلم ينجُ إلا الأروعُ الأمثلُ الإد

بعد آلاف السنين

وخبَّرَ موسى شعبَهُ أَنَّ رهطهم
مئاتٍ من الأعوام عاشوا وما كدُّوا
وأثبت في توراتِهِ أنَّ جدهم
مَتُوشَالِحًا قد عاش ألفًا بها الجد
وما زال إيليَّا يعيش منعَّمًا
وأحنوخ موفور الهنا لم يمتْ بعدُ
فساءتهم هذي الحياةُ قصيرةً
فقالوا بعمرٍ بعدَها ما له حدُّ
وصاغوا نعيمًا أعجزَ العقلَ وصفُهُ
فيالَنَعيمٍ كلُّ أيامِهِ سعد
فجاءتْ سماهم صورة عن خيالِهِم
فإن سألوا قلْ هكذا اختُرِعَ الخلد
ولا تخشَ من نُطَّارِهم يرفعونهُ
لِيُحْتَكَرَ القَثَّاءُ للبعضِ والقتد
ودع عنك ما صاغَ الخيال فَإِنَّمَا
هو البَوُّ يُسْتَمْرى به الضرعُ والنهدُ
هَبِ الخلدَ يا هذا، كما صوَّروا لنا
فآفتُه أنِّي به أبدًا عبدُ
فلا خيرَ في خلدٍ بدونِ متاعبٍ
وما في يدي من أمرِهِ الحلُّ والعقدُ
١٩٣٠

(٥) اللقيط

كنت مارًّا صباح يوم، فإذا بي أشاهد طفلًا مقمطًا ملقى على جانب الطريق فقلت في هذا.

قد حطمنا الأكوازَ حول الغدير
وتركنا للشَرْبِ بُقيَا خمورِ
لم ندعها تفضُّلًا وسخاءً
إنما تلك عادةُ السكِّير
قد مججنا الشراب مجًّا ولولا
ذاك لم نُبْقِ حسوةً لِمُدير
وكذا زهدُ كل واهنِ عظمٍ
فهو تقوًى وتوبةٌ عن قصور
خير ما في الحياة عهد شباب
يمَّحي كالوميض في الديجور
إن تولى الشباب فالعيش ذكرى
ليس إلا والحزن ملءُ الصدور
أيُّهَا الجاهل المرجِّي اغتباطًا
بعد طور الشباب عِشْ في غرورِ
هفوات الشباب أَشْهَى وأحلى
في اعتقادي من طهر شيخٍ حَصور
وأَرى هذهِ الشرائعَ طرًّا
كالحاتِ الوجوهِ سُودَ الثغور
خلق الناس شرعهم كشراعٍ
سيَّروه مع الهوى في البحور
كيف ترجو الإِناثُ منه المساواة
وشرع الدنيا نسيج الذكور؟
أفسدوها — إن كان ذاك فسادًا —
ورموها وما استحوا بالفجور
نفضوا طوقهم وقالوا: براءٌ
نحن منها، فيا لَهُ من زور
أيُّ ذنبٍ على الإِناء إذا ما
ملأوه من منتناتِ القبور
أيُّ ذنب على الثرى إِنْ طَرحنا
فيه، فصل الشتاء، شرَّ بذور
أسقطوها، وبالخنا عيَّروها
همُ أولى بذلك التعيير
وعلى أَمرها همُ غلبوها
أيردُّ الحمامُ كيدَ الصقور

•••

لا تلمني إذا اهتززت فهذي
كهرباءُ العيون ملء الأثير
فهي «كالراديو» يحدِّثُ نفسي
بحديث المنى ونجوى الضمير
وتريني «كالسينماء» خيالاتِ
الأماني محيطةً بسريري
وإذا ما سكرتُ حبًّا، فعذرًا
فالمدام الرحاق رهن الثغور
صاحِ لولا الهوى اضمحل كيان
النَّاس واندكَّ أسُّ ذا المعمور
إنما الحبُّ يحفظ النوع حتى
يتنامى على توالي العصور
فإذا زال فالحياةُ هباءٌ
طيَّرَتْهُ الرياح شرَّ مطير
وأَرى في تفاعل الكون حبًّا
وأرى الحب ناميًا في الصخور
أَجهل الناس من يعنِّف أُنثى
إن أَحَبَّتْ، فالحبُّ روح الشعور
لا تَلُمْهَا على اختيارِ جميل
وجهه دونَهُ محيَّا النور
لا تلمها على انتقاء جميلٍ
فانتقاء الجميل صنع خبير
لا تعنف أُنثى إذا لم تبالي
باشتراع يسنُّ شيخٌ وخوري
أَن تدع بعلَهَا لتختار خيرًا
منه فالجرم قابل التكفير
فهي منقادةٌ لناموسِ خلقِ
الأنسب الكفءِ في صراع الدهور

•••

أيُّهذا المنبوذ ما أَنصف النا
س ولا الشرعُ فيك يا ابن السرور
أيُّ ذنبٍ قد اقترفتَ لتشقى
وتربَّى كالأجربِ المهجورِ
فالجبانانِ أَدْرجاكَ حياءً
بقماطِ الظلامِ والديجور
ليتَ شعري ما الفرق بينك
والأنبياء طرًّا من سيِّد وحقير
حَرَّم الناس ما أَرادوا فكم في
الشرع من ضلَّةٍ ومن تحيير
من لنا بالجسورِ يقضي عليها
باتباع الإصلاح والتحوير
إيهِ يا نفسُ في قَرارتِك الحقُّ
فلبِّي نداءَه تستنيري
لكَ في الكونِ أَلفُ قيدٍ وقيدٍ
فاكسري هذهِ القيودَ وسيري
١٩٢٥

(٦) اذكريه

قصيدة قلتها حين زرت فلسطين أول مرة، سنة ١٩٢٨، ومشيت على درب الصليب، فكنت أشد تأثرًا في مكانين: علية صهيون حيث تعشى السيد مع تلاميذه، ثم حين وقفت عند ما يسميه النصارى «الأبواب الدهرية»، وهو الذي يسميه اليهود المبكى.

كان يا نفسُ ههنا، وتوارى
عن بني الناس، في ثنايا الوجود
قد تغنَّى لهم، فلم يعرفوه
فرمى «نايَهُ» بوجه العبيد
شاعر كان عن ذويهِ غريبًا
ليس يأسى، كالطائر الغريد
شاعر الحب والمنى، خالع الإيمان
طريفًا على رجاء الخلود
فاسمعيه يعيدُ عهدًا جديدًا
لسليمانَ، عهدَ ذاك النشيد
اسمعيه على التلال يغنِّي
فوقَ أطلال جَدِّهِ داود
شاعر ناسك تبرَّد في الحب
عفيفًا، نصير كُلِّ طريد
جاء يستعرضُ الدهورَ ويملي
خيرَ درسٍ على الزمانِ العتيد
فأرانا العهد العتيقَ صريعًا
تحت أقدام فجر عصر جديد
انظري واسمعي، فها شبح الشاعر
يلقي الحنينَ في الجلمود
وانظريني من بعدِ عشرينَ جيلًا
اتملَّا من لطفه المعهود

•••

غمَّهُ أن يرى إِلهًا أكولًا
مستبدًّا بالناس رب جنود
فأراهم ربًّا غفورًا رحيمًا
يطلب القلبَ دونَ شقِّ الجلود
انظريه فإنه يتعشَّى
واسألي ما لخصرهِ المشدود
ذاك درس سما اتضاعًا وحبًّا
فخذي من دروسِهِ واستفيدي
أفلا تنظرينهُ يكسر الخبزَ
ويعطي بكل حبٍّ وجود
رافعًا كأسَهُ تفيض بروقًا
باهراتٍ وقاصفاتِ رعود
انظريهِ فالخوفُ يغشى محيَّاهُ
وقد كانَ أمسِ كالصنديد
اسمعيه ينبِّئ الرسلَ بالتلميحِ
فالرسلُ في اضطرابٍ شديد
وانظريهِ يواكل الغر يوضاسَ
ويوضاس عابث بالعهود
وانظريني من بعد عشرينَ جيلًا
اتملَّا من لطفه المعهود

•••

أيها السيد البهيُّ المحيا
يا عروسَ الآلام والتجديد
قد تمنيت أكلةَ الفصح حتى
كنت فصحًا للغاشمين السود
أيها المنقذُ المخلَّد لم يفدوك
باللصِّ يوم ذاك العيد
إن هذي الدنيا كما كانتِ الأمسِ
تلاقي الجديدَ بالتهديد
فالذي يبتغي جديدَ المبادي
فليَخِطْ قبل ذاك ثوبَ الشهيد
إنَّ مأساتك العظيمةَ ما زالت
تسيل الدموع فوقَ الخدود
راقصاتٍ على خدودِ العذارى
هارباتٍ إلى اللحن في الجدود
إِنَّمَا «النادبات» غيَّرهنَّ الدهر
فالقلب قطعةٌ من حديد
سيِّدَ المنتهى حنانيكَ وانظرْ
كيف يحنى بالذلِّ رأسُ المسود
كيف تمشي مواكب المجدِ فينا
ونحيِّي أشباحها بالسجودِ
يَا نزيل العلية أمهلْ، فعيني
تشتهي أن تراك بعد الصدود
قل لعيني من بعد عشرين جيلًا
تتملَّا من لطفك المعهود
١٩٢٨

(٧) الشاعر

إن موت الصديق الوفي الشاعر وديع عقل أوحى إلي هذه القصيدة فقلتها فيه.

هجرة الشاعر

حلَّق النسرُ في فضاء الزمان
مولع القلب بالنجومِ الحصان
وتعالى إلى ذرى الأُفُقِ الأعلى
يراعي مسيرَهُ القمَرَان
أَيُّهَا «الساروفيم» رحِّب، فهذا
شاعرُ الأرض عائدٌ للجنان
شاعرٌ، تنطق الربابة سحرًا
إن تغنَّى، وينصتُ الثَّقَلان
أزَّرته إِلهةُ الشعر بالنور
فأزرى بالخزِّ والأرجوان
ملكه الكونُ، يطلق الرأي فيه
رُبَّ رأيٍ أطاحَ بالصولجان

الشعراء

أيها الغائصونَ في لجج الأفق
على اللؤلؤ العظيم الشان
أيَّ تاج ترصِّعون، فحتَّام
تهيمون في دجى الوجدان
تشربون الأثير في أكؤس النور
وتستعذبون صاب الأماني
تستقون الدموع من أعين البؤس
كأنَّ الدموع خمر الدنان
فتهبون ثائرين سكارى
تنذرون الوجود بالطوفان
أنتمُ كالنيرانِ، تُفني وتفنى
ثم تحيا بألف ألف لسان
يحسب «البله» أَنهم أطفئوها
وهي منهم في الكم والأردان
تحرقونَ الأنامَ للبعث والتطهير
شأن «الفينيق»١ في الأزمان
أنتم شعلة يقدِّرها السارون
بعد انطفائها بثوان
تلجون الدنيا كطيف ملمٍّ
يتوارى كقبسة العجلان
أنتم السرج زيّنت هيكل الدهر
فضاءت بصائر العميان
إن ظهرتم كالنور في الكهف ليلًا
خوَّفونا بالجنِّ والغيلان
أو عرضتم مثلَ «المذنَّب» في الأُفق
أجابوا: يوم القيامة دان
قد سلكتم «درب الصليب» وإن سرتم
على غير سكَّة الكهَّان
عيشكم كله كليلةِ يسوعَ
اكتئابًا في وحشة البستان
أو كموسى ما بين فرعون والتيهِ
يعاني من قومه ما يعاني
أو كطهَ إِذ هابَ بأس قريش
فابتلي بالرعاع والصبيان
أنتم الأنقياء من كل رجس
والطهارى من لوثة الأوثان
وإذا ما مررتمُ بوحولٍ
فَلِتَطْهِيرِهَا من الأدران

وديع عقل

أيها السابح الملج، هناء
هو ذا الثغر، فاسترح بأمان
إنما الموت مطلع العمر
والعيش مجاز للنابغ الفنَّان
إنما النعش قاربٌ تعتليهِ
ساعة في طلاب عبر الزمان
فُلكَ الخالدينَ، يا أيُّهَا التابوت
إن الشراعَ كالأكفان

نفسه

أنواحًا على أديبٍ عذاراه
خلودًا كالحور والولدان
أنواحًا وشعره «عربي»
مستجيرٌ بعصمة الفرقان
أنواحًا ونفسه كان فيها
أنف الشمِّ من ربى لبنان
لا يبالي أأنزل الدهر فيه
كارثاتٍ أم جاء بالإحسان
عربيٌّ روحًا وجسمًا وهزءًا
بصروف الزمان والحدثان
فكأنِّي به السحابة تمشي
لا تبالي بأمَّهات القنان
عاش حرًّا ولم يكن يتمنَّى
العيش إلا لخدمة الأوطان
كان في كوخه عظيمًا وكان الكوخ
يزهى به على غمدان
يحسب القوت ثروةً ليس تفنى
إن تناءت عن منَّة الإنسان
ثروة الشاعر المطهّر بؤس
فهو نبع الإلهام للروحاني
فاسقه الدمع من عيون العذارى
واقص عنه مخدّرات الزواني

خلقه

كادت الأرض لا تحسُّ اتضاعًا
بخطى الشاعر الذكيِّ الجنان
صامت ناطق، تعالى عن الدعوى
كمثل اليراع بين البنان
فهو كالزهر، لا المباخر، يُهدي
عطره لا يشوبه بالدخان
ما سمعناه يضربُ الطبلَ والزمرَ
ابتهارًا بصفقة استحسان
أو أرانا «الحرباءَ» إن سمع المدح
على «الغير» كالحسود الأناني
حبذا أنت يا وديعًا تحلَّى
بمزايا الأديب في كلِّ آن
يا لك الله شاعرًا «عبقريًّا»
لم يجئنا إلا بسحر البيان
فإذا أسمع الندامى نشيدًا
حيَّر الدمع في عيون القيان
أو علا منبرًا ترنَّحت الأعواد
واهتزَّ هزَّة المرَّان
أدب الضاد بالرصانة عزَّزت
وجافيت خفَّة البهلوان

داؤه

ويح يوم رأيتُ هيكله المضني
تداعى مصدَّع الأركان
كل يومٍ يهوى جدارٌ، فأعظمْ
به هولًا تساقط الجدران
فرأيت الحياة تنسلُّ والموت
عبوسًا يفحُّ كالثعبان
يا لَعينِ المنون، إن قصر العمر
وأبدى النواجذَ والملوان

الحياة والموت

إن بين الحياة والموت حربًا
هي أضرى من كل حرب عوان
فهما عنصرا الوجود فلولا
الموت كانت أُلْعوبةَ الغلمان
يا دعاةَ العتيق من يكرهُ الموتَ
وفيه رقيُّنا الإنساني
لك بالموت راحة، لو تأمَّلتَ
ولولا مخاوف الأديان
خوفك الموت في حياتك موتٌ
وانتظار المنون شأن الجبان

اللغة

هالني أن رأيت أعمدة الفصحى
تهاوت من شاهق الإيوان
قد تتالت شيوخها للمنايا
فإذا ارفضَّ مأتم قام ثانِ
كدت أخشى أن يستبيح حماها
الدهرُ، لولا قدسيَّة القرآن

زفرة حرى

أيها الشاعر المخلَّد، حلِّق
مع جبريل في حمى رضوان
وإذا ما اجتمعت بالمتنبي
فاشكُ — لا آسفًا — ذوي السلطان
قل له، ضائع هو الشعر والنثر
ضياع المنزِّهين الرصان
ليس يرعى عهد الأديب فإن يُطوَ
أديب فكلُّ شيء فان
يا أخي، يا وديع، خبِّر «سعيدًا»
عن دم ضاع في تراب الهوان
قد رجونا «غارًا»، فأقبل «بالليف»
«ووردًا» فجاء «بالزعفران»
لم نزل أمَّة تودع بالسبِّ
وتلقى بالمدح والمهرجان
كلّ ما في أقطارنا طائفيُّ
الشكل، حتى الهواء والبلدان

•••

وا حبيباهُ، ربَّة الشعر ناحت
إذ تنادى الإخوانُ للأحزان
تندب الشاعر المحدِّق كالنسر
طويلًا، إلى شموس المعاني
ملكه ما يقولُهُ، ما غزا قطُّ
ولم يلتجئ إلى ديوان

دموع الوداع

يا حبيبي، إليك إكليل عهدي
حببًا ناصعًا كعقد الجمان
يأنف الصدق أن أقول: دموعي
صرنَ حزنًا عليك كالمرجان
لم أغيِّضْ عليك نهرًا ولم أهبطْ
شماريخَ طودِنا الفتَّان
ليس موتُ الأجسادِ يخترم الأطوادَ
بل موت أنفس السكَّان
لست أرثيك بل رثائي لشعبٍ
نائمٍ طرفُه عن الذؤبان
فهنيئًا لك الخلودُ، أيا من
مات حيَّ «الرجاء والإيمان»
فسأرعى لك «المحبَّةَ» حتَّى
يومَ تأتي سماؤنا بدخان
وسأكفيك شرَّ شانئك الأبتر
من يدَّعي بلا برهان
من يرى نفسه الحصانَ المجلِّي
وإذا ما خلا، فربُّ السنان
من يبيع الزجاجَ درًّا وماسًا
ويبزُّ التجَّار في «الإعلان»
آب ١٩٣٣

(٨) يهوذا الإسخريوطي

أمطروني اللعناتِ عشرينَ جيلًا
ليتهم فكَّروا بأمري قليلا
إن أكُنْ مذنبًا فقد تبت يا نا
س، إلى الله بكرة وأصيلا
تاب قبلي «داودُ» عمَّا جناهُ
مالئًا مسمعَ الدهور عويلا
بلَّ بالمدمعِ السخينِ فراشًا
باسطًا فوقَهُ الدمَ المطلولا٢
فجعلتم منه نبيًّا عظيمًا
وتلوتم «زبورَهُ» ترتيلا
وأنا التائب المسجِّل حقًّا
بدمي صكَّ توبتي تسجيلا
ضاعَ حقِّي من الخلودِ كما ضا
عت دمائي، وما وجدت مقيلا
أفمن يذرف الدموعَ كمن ضَحْـ
ـحَى بأيَّامِهِ، وأودى قتيلا

•••

أيُّها التينة٣ اصبري، فكلانا
من بني آدمٍ، يُضامُ طويلا
يأكلُ الناس من ثمارك ما طا
ب، ويحكون لعنة لا تزولا
إنَّ «سرَّ الفداء» لولاي، ما تمَّ
ولم يعرفِ الورى الإنجيلا
وأبو الناس ظلَّ في وحشة «اليمـ
ـبس» يأوي ظلامها المسدولا
وبنوه «الآباء» ما دخلوا الجنْـ
ـنَة طرًّا، وهلَّلوا تهليلا
أنا أنقذتُهم بتسليميَ «الفا
دي» وتحميله الصليب الثقيلا
أَمُسِيئًا أُعَدُّ إن كنتُ تمَّمـ
ـتُ الَّذي شاء فاتركوا التضليلا
إن يك الصلب فدية للبرايا
فاشكروا لي هذا الصنيع الجميلا
«بطرس» عقَّه ثلاثًا وما كنـ
ـتُ عليه للقوم إلَّا دليلا
أفيخفى عن العيونِ إلهٌ
ملأ الأرض عرضها والطولا
أفمُحيي الموتى يخافُ «قيافا»
وبحكم «البنطي» يروح قتيلا
خلتُهُ ثائرًا يحاول تهديمًا
ونقضًا لدين إسرائيلا
فتندَّمتُ حين أيقنتُ أنِّي
للأعادي سلَّمت ربًّا نبيلًا
قد كفاني نخسُ الضمير عذابًا
فاتركوا «السب» واعذروا المخذولا
يا ابنَ داودَ، رحمةً، وأجرني
من أناسٍ تعوَّدوا التهويلا
أنت قد قلتَ «باركوا لاعنيكم»
كيف يَنسى مَنْ تَابَعُوكَ المقولا
بيتُ يسوعَ لا يكون للعنٍ
كيف تنسون سوطَهُ المفتولا٤
يا رفاقي، «حنَّا ومتَّى ولوقا»
قد أطلتم بي قالكم والقيلا
فاذكروا «الخبز» كيف تنسون خبزًا
كان للعهد في «العشاء» رسولا٥

•••

يا يهوذا، وكم لنا من يهوذا
منحوه التطويب والتبجيلا
أنت قبَّلتهُ، فصار إلى الصلب
وقد كنت بالمصير جهولا
يعلم الله، ما نقولُ برهطٍ
يجمع الصلب فيهِ والتقبيلا
من يهوذا إِلى يهوذا، ولكن
أنت تشقى، وذا يجرُّ الذيولا
أنت تَبِعْ واحدًا بفلسٍ، ففينا
من يبيعون كلَّ يومٍ قبيلا
كم جناةٍ، قد قتَّلوا «باسمِهِ» النَّا
سَ أُلُوفًا، وبرَّروا التقتيلا
يا يهوذا، قنطتَ من رحمةِ الله
فأمسيت يائسًا مخبولا
غرَّك «المال» فانتقضتَ عهودًا
يوم «بعتَ» المعلِّم المجهولا
ما ترى عذر بائعيه بغبن
كيفَ أمسى بيعُ الإلهِ حليلا!

•••

يا يهوذا، أقصر فإن تطلبِ الفهـ
ـم من الناس تطلبِ المستحيلا
هو ذا الشمسُ، والبرايا نيامٌ
في كهوفِ، ظلالُها لن تحولا
لعنتك «الأجدادُ» لا ترج إلَّا
لَعَناتِ «الأحفاد» جيلا فجيلا

(٩) الوظيفة

إن ورم أنوف أكثر الموظفين في البلاد أوحى إلي موضوعي هذا، فوصفتهم كما رأيت معظمهم عام ١٩٣٢.

تعشَّقَها فتيَّمَهُ هواها
وأضناهُ فجنَّ بها وَتَاها
إذا ما الحلمُ جسَّمَها خيالًا
تمثِّل حينَ رؤيتِها الإِلها
كأنَّ المغنطيسَ بوجنتيها
وعن هاروتَ نمَّت مقلتاها
أرى شهداءَها في كل عصرٍ
وقد صبغت دماؤهم لماها
تنازعها بنو وطني فهاجوا
وماجوا، والفتاةُ لمن سباها
فتاة زانها حسَبٌ ودينٌ
فعزَّ لقاؤها فاهجرْ حماها
فإن تكُ طائفيًّا أو نبيلًا
تَفُزْ بوصالِهَا وَتَنَلْ رِضَاهَا
وَإِنْ كُنْتَ الْفَقِيرَ وَلَوْ نَبِيًّا
فلَا تَحْلمْ بِهَا واحذر أذَاهَا
فكم كانتْ على الأوطان حربًا
وغيرَ الشعب ما التهمتْ لظاها
ألا فاقرأ أحاديثَ الليالي
ففيها عبرةٌ لمن ابتغاها
فلولاها لكنَّا في نعيمٍ
وشمسُ الشرقِ لم تبرح ضحاها
أجل، لولا الوظائف ما اضمحلَّتْ
«أميَّة» وانطوى يومًا لواها
وما عفَّى بني «العبَّاس» إلَّا
تنازُعها فبادوا في وغاها
أما أغوى «البشيرَ» بها هيامٌ
فازرى بالعمومةِ والتقاها
فسل «تيرونَ» عن «فخر بنِ معنٍ»
فكم عانى هنالكَ من جفاها
فَكَمْ ضَحَّوا لها بدمٍ بريءٍ
ولم تبلغ نفوسهمُ مناها
فويحٌ للوظيفةِ من فتاةٍ
كأني بابنِ داود عناها
فغنَّاها «أناشيد» الأماني
فأطربَ مسمع الدنيا صداها
لقد أصبت بني وطني قديمًا
وما انفكُّوا حيارى في دجاها

•••

يقول لكَ الموظف وهو راضٍ
بلادي جنَّةٌ وبها تباهى
وإن عزلوه صارت شرَّ أرضٍ
وبالظَّلام حافلةً رآها
رأوه قبلَ منصبِهِ ذليلًا
فلمَّا وظَّفوه عزَّ جاها
وصعَّرَ خدَّهُ صلفًا وتيهًا
وكالخفَّاشِ حيَّرهُ ضياها
تعنفصَ واشمخرَّ على أخِيهِ
فإِنْ حيَّاهُ ما استرعى انتباها
وحلَّق في سما الطغيان حتَّى
توهَّم أنَّهُ أمسى إلها
أتسكِرُهُ التحيَّةُ من حقيرٍ
وبالزلفى لسادتِهِ اشتراها
إذا قرعوا له بالذلِّ بابًا
فكم من بابِهم مرغَ الجباها
وأبطرهُ الظهور فراحَ ينسى
ظهورًا نحوَ طيَّتِهِ امتطاها
إذا كلَّفته أمرًا تبدَّى
على قسَمَاتِهِ لطفٌ تَنَاهى
فيبسم عن مواعد كاذباتٍ
أرى عرقوبَ قَصَّرَ عن مداها

•••

أيَا قِرْدَانَ أمَّتِنا رويدًا
ألا تبقون شيئًا من دماها
فقد سقطتْ بيوتُ بني أبيكم
وباتَ البومُ يندبُ مَنْ بَنَاها
على من تحكمونَ غَدًا إذا ما
تقلَّصَ ظلُّنا فدعوا السفاها
أيزهيكم تبايُعكم جزافًا
وسلطتكم مقدَّرة خطاها
أأنتم غير أشباح نراها
على «الشاشات» ينطقها سواها
أجل لولا الضرائب ما رفعتم
عقيرَتكم وحرَّكتم شفاها
فأهلًا بالجباة يحدِّثونا
بأمرِ حكومةٍ لسنا نراها

•••

بني أُمِّي أفيقوا من سبات
وظائفكم ستطحنكم رحاها
فلستُ أرى الوظائف صالحاتٍ
لغيرِ مهذَّبٍ يُعلي ذراها
همامٍ لا يُمَالِئ أو يحابي
ويفرحُ بالعدالةِ إن أتاها
إذا كلَّفَتْهُ أمرًا فريًّا
تمرَّدَ أو بمظلمةٍ أباها
بني وطني دعوا زيفَ افتخارٍ
وخلُّوا الترَّهاتِ لمن بغاها
فلم أر في الوظائف غير شُمْسٍ
ستمنعُ ظهرَهَا يومًا فتاها

(١٠) الجابي

اشتدت الضائقة في لبنان، فاتحد العسر والجباة على الفلاح اللبناني فقلت هذه القصيدة في ذلك.

١

أمَّاهُ يا أمَّاهُ جاءَ الجابي
فبدارِ واعتصمي وراءَ الباب

•••

قد كان مثلَ الضيفِ ينزل بالقرى
حيثُ القرى وحلاوةُ الترحاب
واليومَ تُنْكرهُ الديار وكم نرى
عندَ الشقاء تنكُّرَ الأصحاب
القرش عزَّ، وأصبح الدينار
كالنجم الملثَّم بالضباب الهابي
إنْ تبغِهِ، والمستحيلُ بلوغه
فالجأ إلى زيجٍ وأسطرلاب
يتنافسون بحشدهِ وبنو الثرى
باتوا بلا خبزٍ ولا أثواب
لله هذا الدهر في أحكامِهِ
كيفَ الرعاةُ استُنْسِخَتْ بذئاب
لا رسل بينَهم وبين قطيعهم
إلَّا الجباة، ألا افتحي للجابي

٢

الزوج ليس هنا وماذا تطلبون
اليومَ منا من جديدِ حساب
يا ناسُ غابَ الخبزُ عن أبصارنا
ومشتْ صبايانا بلا أثواب
لا أفتح الأبوابَ للقومِ الأُلَى
وقفوا ببابِ الرزقِ كالحجَّاب
إن تفتحي ندخل وإلا فاتَّقي
قَدَمًا تحطِّم أصلب الأخشاب
وإذا بمختارِ القريةِ مقبلٌ
كالديكِ في زهوٍ وفي إعجاب
يقضي ويمضي ما يشاءُ وأمرُهُ
كالآي هابطة من المحراب
لا تستحي يا هندُ بالفقر، افتحي
أيرى سوى الفقراء وجهُ الجابي

٣

دخلوا العرين فأجفلت أشباله
وتراجعوا من مشهد الإرهاب
وتكدَّسوا فوق الحصير وقهقهوا
جزعًا كأنهم قرود الغاب
هزلى عراة قد تبدَّل حسنهم
ببشاعة الشمطاء بعد خضاب
وأتى أبوهم، وهو كالنطَّارِ لم
ينشر عليه سوى رقيق إهاب
فاغرورقت عيناه لمَّا أبصر الجابي
وفاض بسرِّهِ الوثَّاب
أو تطلبون من العديم إتاوةً
ما أُنْزِلَتْ في سُنَّة وكتاب
لم يبقَ غيرُ النيرِ والمحراثِ والفدَّان
هيَّا اذهبْ بها يا جابي

٤

البيت مرهون وأبنائي كما
أبصرتهم فانظر رثيث ثيابي
فتِّش زوايا البيت، خذْ منهُ الذي
تبغي ودعني في أليمِ عذابي
خبِّر حكومتَنا الجليلةَ أنَّنا
في عهدِها ذقنَا أمرَّ الصاب
أنَّا «اشتهينا الملح» وا أسفاه!
والبحر السخيُّ على مسافة قاب
فتكشَّر الجابي وأشهد رهطه
زورًا عليه، ولم يَفُهْ بسباب
ورأى «طبنجتَهُ»معلَّقَةً على
خدِّ الجدار لصدِّ ذات الناب
فمضى بها لمَّا تحَّول عنهم
وتباشروا طرًّا بِرَاح الجابي

٥

عمَّ الشقاء بني المدائن والقرى
فبكلِّ بيتٍ مأتمٌ لمصاب
والسادةُ الحكَّامُ في حفلاتِهم
ما بينَ رقصٍ أو كئوسِ شراب
يلهون والشعب المعبَّد جائعٌ
هاوٍ يقيم على شفير خراب
وبكلِّ يوم يخلقون ضريبةً
تدعو إلى العصيان والإِضراب
فكأَنَّهم وجدوا لإِرهاقِ الورى
واللهو بالتفريق والأحزاب
عجبًا لهذا الشعب يغفل شأنهُ
ولديه رحمةُ مجلس النوَّاب
يا معشر الفقراء بيعوا المقتنى
وتجهَّزوا فغدًا يعود الجابي

٦

من مبلغ «بونسو» رسالةَ أمَّة
مكتوفةَ الأيدي إلى الأصلاب
إن كان الاستقلال يورث قلَّةً
فالعبد ميسورًا عزيز جناب
«الضفدع» الحمقاء جُنَّتْ قبلنا
فتمزَّقت، فانهض بشعب كاب
أنعيش في هذا الزمان مسخَّرين
كأنَّنا في عهد حمورابي
أفتى محررَّةِ الشعوبِ ألا ترى
الإرهاق باسم المظهر الخلَّاب
فصِّل لنا الثوبَ الملائمَ قدَّنا
واقطع من الأذيال والهدَّاب
إن كنت تجهل ما بنا من ضيقةٍ
فاسأل، فما يدريك غير الجابي

(١١) شهيد العلم

برغونياه عالم فرنسي ذهب ضحية تجاربه الطبية، كان يعالج بعض الأمراض بالراديوم، فأكل الراديوم يديه الثنتين وقضى عليه.

وهب هذا العالم ما يملك للحكومة لتنفقه على مؤاساة البشرية ثم وصى بجثته للمعهد الطبي.

أثر بي خبره هذا ولا سيما حين وقعت عيني على رسمه فنظمت ما خطر لي إذ ذاك.

أمجاهدًا في العلم والعرفانِ
أنتَ الشهيدُ فنم عن الحدثانِ
عزُّوا المريضَ مع الفقيرِ كليهما
فهما بفادح خطبهِ سيَّان
قد ظلَّ في ساح الدروس مجليًا
حتى كبا في حومة الميدان
كمروِّض الآسادِ ماتَ مهشمًا
بنيوبها ويَدَاهُ داميتان
الموتُ هاجَمَهُ وظلَّ مناضلًا
بالراديومِ فماتَ كالشجعان
يا راديومُ لقد فتكت براحةٍ
بُسِطَتْ لفعل الخير والإحسان
أتعفُّ عن أيدٍ تمدُّ لخلسةٍ
وتشلُّ يمنى العلم والعرفان
فاليسر في يسراهُ معقودٌ وفي
يمناهُ للعلم الصحيح يماني
قد قدَّروهُ فقلدوهُ وسامَهم
والجرحُ للأبطالِ خيرُ «نشان»
وجراحُ أبطالِ الحياةِ مباسمٌ
تروي الحديثَ عن الجهادِ القاني

•••

هذا شهيد العلم مَنْ كُتِبَ اسمُهُ
في جبهة التاريخ بالنيران
إن يذكروا فيه لذي فضلٍ يدٌ
ذُكِرتْ له في المكرماتِ يدان

•••

يا ناسكًا والنسك أحرى أن يُرى
بمعاهدٍ نفعت بني الإنسان
ليس النسوك تقشُّف الأبدان بل
عمل يحارب علَّةَ الأبدان
سيشعُّ في التاريخِ ذكرُك خالدًا
كالراديومِ ألا استرحْ بأمان
ودع الأُلَى اختلسوا الفقير ففي غدٍ
يقتصُّ من ذَاك الأثيمِ الجاني
سرقوا وجدتَ، فأيُّ بونٍ شاسعٍ
ما بينَ نهَّابٍ وذي إِحسان
أَمَّا الوجود فعدله ظلم ولا
يرعى عهودَ الفاضل المحسان

•••

نطسَ البلاد تشبَّهوا بمخلَّدٍ
نفح الورى بالمال والجثمان
وبه اقتدوا حتى نرى في شرقِنا
جودَ الطبيبِ ولو ببعض ثوانِ
أيموتُ بينكم المريضُ معذَّبًا
إِن تخلُ راحتُهُ من الرنَّان؟
والغرب قد ألِفَ الحنان وعلَّم
الإنسان حبَّ الرفق بالحيوان

•••

أمعالجَ السرطانِ هل من عالمٍ
فينا يعالج مشية السرطان
برغونياه، أَرى بمنظرِك الكئيب
مهيِّجًا لقريحتي وبياني
وبكفِّك الجماءِ ألقى داعيًا
للشعر لا بأنامل المرجان
والشعر ينشده على حدٍّ سوا
رجلان؛ ذو حب وذو أشجان

(١٢) مارون محمد

أسميت ابني محمدًا فجاراني في ذلك مهاجر كريم — والمهاجرون سباقون إلى كل كريمة — هو السيد محمد الحلبي فأسمى ابنه مارون، فجبر خاطري، فقلت هذه الأبيات في مارون محمد، كما قلت قبلًا في محمد مارون.

يا ابنَ التساهل من بني معروف
اسلَمْ رسولَ الحبِّ والتأليف
عش يا سميِّي فالمسمَّى واحدٌ
والفرقُ في تركيب بعضِ حروف
أسماؤُنا — والطائفيَّةُ همُّنَا —
تغني المخاطِبَ عن ألِ التعريف
عجبًا لأجمل بقعةٍ قد قَسَّمت
أبناءَهَا الأديانُ شرَّ صفوف
والدينُ يرمي للسلامةِ وحدها
فغدا لدينا آيةَ التصنيف
فالعيسويُّ يرى السما مشتًى له
والأحمديُّ يقولُ تلك مصيفي
ما جاء في الإِنجيل والقرآن
نصُّ الملك لكن جاء بالتحريف
عجبًا لمن يتفلسونَ فشوَّهوا
الأديان بالتأويل والتصحيف
ما فرَّقَ الإخوانَ إلا طغمةٌ
عاشت على الأديانِ عيش الليف
آراؤُنا في الدين مثل نحاتنا
هذاك بصريٌّ وهذا كوفي
فأجِبْ فتًى حسب الضلال بصنعنا
ما ضلَّ من خَرجوا عن المألوف
باللهِ قُلْ لي: أَي فرقٍ قد غدا
ما بين مارونٍ وذاك الصوفي

•••

يا أيُّهَا القدِّيسُ مَارونُ اغتبِطْ
هذا سميُّكَ من بني معروف

(١٣) النبي محمد

نشرتها «جريدة» الأحرار أولًا ثم تناقلتها صحف شتى، وأخيرًا أذاعها على حدة السيد الحاج إبراهيم زين صاحب مكتبة العرفان.

ثم جاءني وفد من كبار أئمة المسلمين وشيوخهم يحملون إلي عباءة السيد السنوسي، هدية منه إلى ابني محمد مارون فقبلتها بكل فخر واحتفظت بها كأثمن أثر تذكاري.

وأخيرًا نشرت هذه القصيدة مجلة «الرضوان» التي تصدر في الهند، وقد قدمتها إلى قرائها الكرام بهذه الكلمة، معبرة عن رأيها، قالت:

بما أن رجل الحقيقة نابغة العربية الفذ (مارون بك عبود) المسيحي (مدير الجامعة الوطنية في عالية لبنان) قد أعطى النصفة حقها في الأصحار بفضل البطل المفدى نبينا المحبوب — صلى الله عليه وآله — غير مكترث بما يكتنفه من النعرات الطائفية الممقوتة لزامًا على أبناء الحنيفة المقدسة تقدير مسعاه وشكره على ما أسدى إلى الأمة المرحومة من يد واجبة وصنيع مبرر، فقد اندفع إلى ذلك بدافع الصراحة وحرية الضمير ونزاهة النفس يوم عرف من حق النبي العربي وفضله ما عرف منه كثيرون أو صدفت عنه الأهواء والنزعات، ولكن عبقري (لبنان) مصيخ إلى هتاف الحق بأذن واعية مزدلف إلى ما يحس منه نكتًا في قلبه أو همسًا في سمعه غير آبه بما هنالك من هلجات المتهوسين. فمرحبًا بنفسيته الشاعرة وزه بعواطفه الحية. ويزيدنا سرورًا ما بلغنا عنه من وعده الأكيد بأنه سوف يزف إلى الملأ لدة هذه القصيدة العصماء في سيد الوصيين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع) ونحن نشكره على ذلك سلفًا، ونستميح قريحته الفياضة في الإسراع بنضد تلك العقود الذهبية، ومن تقديرنا جهوده وصراحته ما نرغب إلى فضيلة صاحب (الرضوان) الأغر من نشر هذه القصيدة التي هي نسيج وحدها وآية من آيات العربية ناصعة على صفحاتها البيضاء.

لمحرره

محمد رسول الله

طبعتْكَ كفُّ الله سيفَ أمان
كمن الردى في حدِّهِ للجاني
العدل قائمهُ، وفي إِفرندهِ
سُورُ الهدى، نزلن سحرَ بيان
وعليك أملى الله من آياته
شهبًا هتكن مدارع البهتان
لولا «كتابك» ما رأينا معجزًا
في أُمة مرصوصة البنيان
حملت إلى الأقطار من صحرائها
قبسَ الهدى، ومطارف العمران
هادٍ يُصوِّر لي كأن قوامه
متجسدٌ من عنصر الإِيمان
وأراه يغضب للإِله موحدًا
من نخلة في عرقها صنوان
لم يزهه «بدرٌ» ولا «أُحدٌ» ثنى
عزماتِهِ، عن خطة العرفان
فهو اليقينُ يصارعُ الدنيا، ومن
جارى اليقينَ يعودُ بالخذلان
وكذا النبُّوة، حكمةٌ، وتمردٌ
وتقًى، وإلهامٌ، وفرط حنان
هي ذلك الروح الذي يتقمَّصُ الأ
بطال، للحدثِ العظيمِ الشان
تُلْقَى على الأبطال شكتها فتد
فعهم، فينفجرونَ كالبركان

وقعة أحد

أُحُدٌ سبيلُ الله سيناءُ النبيِّ
الهاشميِّ ومصرع الأَوثان
أَلواحه هبطت سطورًا من دمٍ
لما تناضلَ عندَهُ الحزبان
يمشي برايةِ «أحمدٍ» حزبُ الهدى
والشرك يُزجيهِ أبو سفيانِ
فَعَلا فحيح المشركينَ كأن في
تلك الصدورِ جهنَّمَ الأضغان
والنيقُ ساهمةٌ تخبُّ هوادرًا
يحدو الحنينُ بها إلى الأَعطان
والصاهلاتُ تلوك ألجمةَ الوغى
وتشبُّ عند الكفِّ كالثعبان
يمشونَ، والرمضاءُ ترقصُ في الفلا
رقصَ السرابِ على بساطِ جمان
هزَجٌ هو الرعدُ الأجشُ، وزحفة
كالموجِ فوق نواهدِ الكثبان
قد غضَّنت أحقادهم جَبَهاتهم
فجباهُهم ودروعهم سيَّانِ
نار الضغائن قد أَطَلَّتْ من كوى
دعجِ العيون، ذكية اللهبان
فكأنما في كلِّ عين فحمةٌ
دكناءُ صابرة على النيران
تلكم قريش جمَّعت أَحلافها
واستنجدتْ، للعارِ، بالحبشان
من كل موشومٍ قليلِ تسربلٍ
رحبِ الرداء، مشمِّر الأردان
بلحى مهدَّبةِ الحواشي أُطْلِقتْ
مخضوبة السبلات بالحنَّان
وذوائب معقوصة ملتفة
مثل الأفاعي حولَ كلِّ جران
متذامرين إلى اللقاء قوافلًا
من كل ذي هلبٍ له خفان
يتنفَّشون قنافذًا مذعورة
وإِذا عدوا عُصُبًا فكالذؤبان
ونساؤهم بين الصفوف عوارمًا
بدفوفهنَّ، وزغرداتِ هجان
سقنَ الرجال إلى الضلالِ فهملجوا
ويح الرجال تقادُ بالنسوان
هدَّدنهم بتفارقٍ إن ينثنوا
فاستقتلوا وهم ذوو نَزَوان
عربٌ إِذا ما الجاهلية نفَّختْ
أوداجها كرُّوا خيولَ رهان
يتسابقون إلى حياض الموت كالأ
طيارِ نافرةً إلى الغدران

•••

دهموا الرسول فما ألانَ جناحَهُ
للكاثرين وقامَ كالصفوان
متماسكٌ إيمانه، مستوثقٌ
وجدانه، من ربِّه الحنَّان
سر يا محمدُ لا تخف غمراتِها
فستنجلي عن قدرة الربَّان
وأمامك الميناءُ بسَّام اللمى
فاضربْ بجؤجؤها العباب القاني
«والريح» بين يديك يُرسلها الذي
يطوي الوجودَ بأمرهِ الملَوَان

فوز الأبد

دارت رحى الهيجا على لهواتها
مجنونةً، وتلاحم الجمعان
فكأن عاصفةً تحرِّك غابةً
من مشرفياتٍ، ومن مرَّان
فصليل أسيفهم زيئر مآسدٍ
ورنين أنبلِهم عزيف الجان
وكأنما في كل لأمةِ باسل
عزريل، فالصرعى بكلِّ مكان
ما أرخص الأرواح عند العرب إن
جهلوا، وكم تُمسي بلا أثمان
وقضى المهيمن أن يمهَّرَ عبدُهُ
بدم بلاغ الوحي للأكوان
فثنيتاهُ مبسمُ الدين ازدهى
بهما ونال الحق خير ضمان
وكذا الرسالة لا يُؤَيدُ وحيها
إلا إذا كُتِبَتْ بأحمرَ قان

أم عمارة

لله «أمُّ عمارةٍ» من باسلٍ
أُنثى تُطَاعن أفحل الشجعان
للهِ درُّ أبيك أنصاريَّةً
مضتِ الدهورُ وأنت نصب عياني
هي مجدليَّةُ أَحْمَدٍ، وسلاحُها
غير الطيوب، ومدمع هتان
سلكتْ سبيلَ اللهِ تحملُ قربةً
تروي ظماءَ مجاهدٍ حرَّان
حتَّى إِذا ما المسلمونَ تضعضعوا
ومحمدٌ أمسى بلا أعوان
طَرَحَتْ بقربتها، وسلَّتْ صارمًا
نفحتْ بهِ عن سيِّد الفرسان
مهتاجةً كلبوءةٍ في فجوةٍ
منقضةً ككواسر العقبان
أُنثى تذود يشدُّها إيمانها
بالمصطفى، بالله، بالقرآن

أبو دجانة

«وأبو دجانة» في حسامِ محمَّدٍ
يختالُ، كالجنيِّ في الميدان
بطلُ الجلاد إذا تعصَّبَ وانتخى
فالفجُّ ينعٌ والقطوف دواني
أخذَ الحسامَ من النبي «بحقِّهِ»
فلواهُ فوقَ مناكب الأقران
كم شكَّ مدرَّعًا، وجندَلَ فارسًا
وهو على متجبِّرٍ طعَّان
حُمَّ القضاء، فكان ترسًا من دمٍ
دونَ النبيِّ وأسهمِ العدوان
وابنُ اليقينِ إذا دعوتَ وجدْتَهُ
في الساعةِ السوداءِ، ثبتَ جنان
أأبا العصابةِ أخَلَدتْك هنيهةٌ
حمراءُ، صانت بيضةَ الإِيمان
كرَّمتَ سيفَ محمد والموتُ يفتر
شُ الرجال، فعفت ضربَ غواني
أَمَّا «عتيقتك» التي أطلقتها
فقد استباحتْ حرمة الفتيان
لاكت كبودَ المؤمنينَ تشفِّيًا
وعقودُها اتخذتْ من الآذان
كبدُ المجاهد «يا هنيدةُ» مرَّةٌ
والقلبُ مقدودٌ من الصوَّان
فاهوي على جثثِ الرجال ومثِّلِي
بهم فيومكمُ قريبٌ داني
«يا خالدٌ» أروِدْ، فقبلَكَ «بواسٌ»
طرقَ الحواريِّينَ كالسرحان
أفتنصرُ «العزَّى» وقد بزغ الهدى
ملء النواظر في المصفِّ الثاني؟

فتح مكة

ماذا، أبا لهب، فمكَّةُ أشرعت
أَبوابها، لعساكرِ الرحمان
قد غمَّك «النصرُ الصغيرُ» فلو ترى
«الفتحَ الكبيرَ» لَمُتَّ قبل ثماني
انظر، فإِن الناسَ حولَ محمَّدٍ
كربائضٍ يحدقنَ بالرعيان
قد طاف «بالبيتِ العتيقِ» مطَّهِرًا
وغدًا سيعدوهُ إلى البلدان
«اللهُ أكبر» دهورتْ أصنامكم
فتحطَّمَتْ، أسمِعْتَ صوتَ أذان
هذا «بلالُ» يبلِّغ النبأَ العظيمَ
ويطبع اسمَ اللهِ في الأَذهان
ومحمَّدٌ مغض جلالًا خاشع
ملء النفوس جماله الروحاني

النبي

إن النبيَّ إِذا تأمَّل مطرقًا
فُتحتْ لَديهِ خزائنُ الكتمان
يبدو العتيدُ أمامَهُ متجسَّدًا
فيمسُّ ظهرَ الغيبِ مسَّ بنان
وتمرُّ من قدَّامه قطعُ الدهور
كتائبًا، معروضةً لعوان
فيرى الوجودَ أمامَهُ كمصوِّرٍ
جمِّ الخطوط، منوَّعِ الألوان
ما للتخومِ مناعةٌ في عرفه
ملك النبيِّ العالم الإنساني
فإِذا مشى هوتِ المعاقلُ ركَّعا
وانقضَّ رفرفُهَا على الأركان
والعبقريَّةُ إن فرى محراثها
الأرضَ المواتَ تبدَّلَتْ بجنان
هذا «يتيمٌ» صار كافلَ أمةٍ
وأبًا لبيضِ الأرض والسودان
نصر من الله العزيز لعبدِهِ
يا فاتحَ الدنيا استرحْ بأمان

المعلم البطل

لك في السماء منصَّةٌ قدْسيَّةٌ
قامت على التوحيد والميزان
ما كنت سفَّاحًا ولم تسفك دمًا
إِلا بحقِّ العادلِ الديَّان
لو كنتَ في قومٍ تسيغُ عقولهم
وحيًا لكنتَ كأَودع الحملان
لولا اعتداؤُهم عليكَ وجورهم
ما خضت حربًا طاعنًا بسنان
علَّمت «بالقلم» الذي لم يعلموا
فأتوك بالخطيِّ والمرَّان
قد أحرجوك فأخرجوك، فنلتَهم
ومذ ارعووا عن ذلك الطغيان
أسمحتَ، ثم صفحتَ عن آثامهم
وغمرتَهم بالفيء، والإحسان
والأمنُ في ظلِّ السيوفِ، فإن تَرُمْ
أمنًا وعزًّا، فاعتصِمْ بيماني

روح الإسلام

لله دينك جنَّةٌ مختومةٌ
من كلِّ فاكهةٍ بها زوجان
دين تدفَّقَ حكمةً وتجددا
كالبحر لفظًا، والسماءِ معاني
ألَّفتَ منهُ وحدةً كونية
العبد والمولى بها نِدَّان
يا من يموت ودرعه مرهونة
قد دست مجد الأصفر الرنان
لو أدَّتِ الناسُ الزكاةَ، وأنصفوا
ما كان في الدنيا فقير عان
يسَّرت للناس الشئونَ فأيسروا
أما الهوى فكبحتهُ بعنان
وجمعت حولك يا رسولُ صحابة
بعمائمٍ أزهى من التيجان
خشنت ملابسهم، ولان جوارهم
بالعدل، فالأعداء كالإِخوان
تشقى العدالة في القصور، وأنت قد
أسعدتها بمضارب العربان
أمعلِّم التوحيد وحِّد أمة
قد فرَّقَتها نعرة الأديان
فتخالفت جُمُعًا وآحادًا وأسماءً
فمارونٌ سوى مروان
قومٌ تقضُّ فراشَهم آراؤهم
ومسيحهم ورسولهم أخَوَانِ
يتنازعون على السماء وأرضهم
في قبضة الروَّاد والحدثان

•••

فلتنحنِ الأجيال إجلالًا إذا
ذكر النبي الأطهر العدناني
المالئ الدنيا بذكر الله، والداعي
شعوب الأرض للوحدان
ولينعقِ المتعصِّبون فلم يضر
طير الجنان تمطُّق العربان

(١٤) الصليب

علَمٌ عليهِ من الخلودِ سَنَاء
ولهُ على رغم الدهورِ رُواءُ
شيخُ الدهورِ، فتى الحياة جديدةً
أوحى الهدى فتضعضعتْ سيناءُ
رفعوهُ مهزأةً فأصبحَ رايةً
تعنو لها الأملاكُ والأملاءُ
حمراء رفَّتْ ساعة، فإذا بها
للعالمِينَ الرايةُ البيضاء
داودُ بالمزمارِ رنَّمَ حولَها
لحنَ الخلودِ وطافَ آشعياءُ
وهوى سليمانُ وهيكلُهُ على
أقدامِهَا، فاهتزَّ آرمياء
قد أخمدوهُ فاستحالَ منارةً
عن نورِها تتبسَّمُ الأجواءُ
يا دوحة ما حاولوا استئصالَها
حتى سمتْ فامتدتِ الأفياء
وحَنَتْ على سننِ الطريق غصونُها
فتفيَّأَتْ بظلالها الغرباء

•••

يا ثائرًا للحقِّ قد أظفرتهُ
بعداتهِ، وجنودك الضعفاءُ
درعتهم بالحقِّ والإِيمانِ فاتحدوا
وساروا والمجِنُّ رجاءُ
فتحوا برايتك الدنى وسلاحهم
أقوالك، الأمثال والآراء
قد كان عودَ العارِ حينَ علوتَهُ
فغدا وسامًا دونَهُ العلياء
تلكَ الجراحُ تكلَّمَتْ أفواهُها
بالخالداتِ، فآيها غرَّاء
وَدَمُ الفتى الصدِّيقِ إِنْ يَسقِ الصفا
نبتَتْ عليها جنَّةٌ غَنَّاء

•••

يا هازئًا بالظالمينَ ومنذرًا
بالإِنحلال معاشرًا قد ساءوا
هدَّمت هيكلَهم لتبنيَ هيكلًا
لا بيعَ فيه وليس فيهِ شراء
هدَّمتهُ وبنيتهُ بثلاثةٍ
فعلا، وأنتَ الهادم البنَّاء
أمعلِّم الأجيال، دينك رحمةٌ
ومحبَّةٌ، وفضائلٌ خرساءُ
يا غالبًا بمماته أعداءَهُ
خُلِّدت أنتَ وبادتِ الأعداء
فكأنَّ موتَك يقظةٌ قد بَدَّدَتْ
أحلامَهُمْ، فاستسلمَ الزعماء
رفعوكَ في ظلمائِهِم فأحلتَها
نُورًا، وأنتَ سراجها الوضَّاء
أضرمتَ فوق جبالِ صهيونٍ لهم
نارَ القِرى، وحنانك الإِقراء
فبسطتَ للناسِ اليدينِ مرحِّبًا
فتوافدوا، وهُمُ إِليك ظماء
نُصِّبتَ بغيًا فوق جلجلةِ الهدى
واستهزأت بوقارك السُّفَهاءُ
صخبوا وضجُّوا هازئينَ سفاهةً
والنسرُ ليس تُخِيفُهُ الغوغاءُ
فعلوتَ في أُفقِ الخلودِ محلِّقًا
والجانحانِ صليبُك الفَدَّاء
والنسر مجثمه الذُّرَى، ومطارُهُ
عن قمَّةٍ ومرامهُ الجوزاء
يا رايةً سارتْ بموكبِ عزِّها
عصبُ التقى، ودهاتُهم بسطاء
زحفوا بها للفتح، والإيمان
سيفهم وترسهم تُقًى ووفاء
فتطاير التيجان عن هاماتِها
مثلَ الهشيم مشت به النكباء
في ظلمةِ الديماس قد بزغتْ لهم
شمس اليقين، وبادتِ الظلماء

•••

أزعانفَ التاريخِ هذا ثائرٌ
أين القيودُ تُعدُّها البسلاء
قد قدَّس القرآنُ مبزغ شمسِهِ
وتنبَّأتْ بظهورِهِ القُدماء
هو واحدٌ كالناسِ إِنْ شئتم، وما
حبلتْ بلا دنسٍ به العذراء
هل عندَكم ندٌّ له كي نهتدي
بضيائِهِ يا أيها العلماء
أسمى العجائبِ أن يكونَ نظيرَنا
بشرًا، وعنه قَصَّرَ الحكماء

•••

يا فاتحًا للمجدليةِ قلبَهُ
العطفُ للمنبوذِ فيهِ شفاء
أمعلِّمًا للسامرية، فالورى
أنَّ الحياة تآلف وإخاء
هاك الهنود تُعيدُ درسَك علَّهَا
تمحو فروقًا كلُّها أخطاء
الناسُ حولَك ساجدون وأنتَ من
هذا السجودِ وما إليه بَراء
ويتمتمون عليك من أفواههم
صلواتِهم، وقلوبهم صمَّاء
لغة القلوب أَردتَ أنتَ ولم ترِدْ
لغةَ الشفاهِ، ففي الشفاه رياء
ما كنت في قلب الهياكل ساجدًا
زهدًا، فهيكل قدسك البيداء
أزريتَ بالدنيا ودستَ نعيمها
يا للزهادةِ دونها الإِثراء
ولَطَالما قد نمتَ تُسعَدُ هانئًا
فوق الغمار، ومهدك الأنواء
نسجت عناكبُنا عليك بيوتَها
فبدا على الوجهِ الوسيمِ جفاء
منْ لي بسوطِكَ ساعةً فأهزَّهُ
فتبدَّد الأضرارُ والأسواء
إن لم يلدْكَ الدهرُ ثانيةً فلا
يرجى السلامُ، ولا تني البلواء
فسعادة الدنيا إذا رجعتْ إلى
تعليمِك المَدنيَّة الغرثاء

•••

الغربُ شاركَ في دمائِكَ شرقنا
أَسِوَى السقوطِ تَقاسمَ الشركاء
إن الشهادةَ في سبيل الحق مرقاة
الخلودِ وصمتها الهيجاء
والجيلُ إن نخرتْ مبادئهُ انبرى
لعلاجِهِ حذَّاقُهُ الأمناء

•••

أمَّا الحياةُ فأنتَ بيتُ قصيدِها
يُتلى فيصغي الدينُ والدنياء
كيفَ التفتُّ أراك، في مهدِ الفتى
مرحًا، وفوقَ النعشِ فيك عزاء
وأراكَ في زهرِ الربيعِ وشوكه
رمزًا لطهرك فوقها الأنداء
كيفَ التفتُّ أرى بهاك كأنَّمَا
تُوحي إلى نظري بكَ الأشياء
أفأنتَ من كلِّ الوجود مركَّب
نورٌ ونارٌ، رقَّةٌ وإِبَاءُ

•••

قد لحتَ لي في عرسِ قانا باسمًا
وعلى جبينكَ عفَّةٌ وحياء
وعلى البحيرةِ قد تخيَّل ناظري
أنِّي أَراكَ وحولَك الخُلطاء
وشهدتُ مجلسَك العفيفَ ومريمٌ
تهفو إليك يَزينها الإِصغاء
ولقد رأيتُكَ في «العَشاء» تُمالحُ
الدنيا وأينَ من الأنام ولَاء
ونظرت في البستانِ شخصك ماثلًا
يبكي، ودمعك ديمةٌ وطفاء
وذرفتُ دمعةَ ذاكرٍ لمَّا رأيتك
داخلًا، من حولِك الخُلَصَاء
وقد اقتفيتُ خُطاكَ متَّبعًا على
دربِ الصليبِ، تذيبني الأرزاء
ولدنْ سمعتُك غافرًا متغاضيًا
عمَّا جنتهُ الأمة العمياء
قلتُ «المعلِّمُ» قام يختمُ درسَهُ
للعالمين، فهل بهم إِصغاء؟
للرفقِ صيَّرت الذبيحة رحمةً
فقضت عليك الطغمة السوداء
بِالعنفِ أنقذَ شعبَهُ موسى وقد
حرَّرت شعبكَ، والسلاح وفاء
ألواحُهُ من صخرةٍ قد قدَّها
والقلب لوحك، والمدادُ دماء
فجَّرتَ ينبوعَ الحياة بلا عَصا
وشققت بحرَ الجور فهوَ رخاء
وَعُرَكَ أَلْبَسَنَا تُقًى وهدايةً
فعلى الجسوم قميصُك الوَضَّاء
فالناسُ لو علموا بما علَّمتهُ
سادَ السلامُ ونامتِ البغضَاء
شافي المخلَّعِ نظرةً، أَفلا ترى
رُكَبًا مخلعةً بها استرخاء
أَمفتحَ الأعمى أَزل، عن أَعينِ
الناسِ الغشاوةَ، فالظَّلَامُ بلاء
يا محييَ الموتى، إِليكَ بيوتنا
فهيَ القبور، وكلُّنا أشلاء
يا صاحبَ «الملكوتِ» قد ضيَّعْتُ
إيماني، أَعِنْدَكَ للعليل دواء؟

•••

سمُّوك مَلكًا هازئينَ سفاهةً
الله، كيف يحول الاستهزاء
المَلكُ يملكُ أُمَّةً محدودةً
انْظُرْ، فملكك هَذهِ الغبراء
١٩٣٥

(١٥) بردة آل البيت

أنشدت هذه القصيدة جلالة الملك عبد الله في قصره رغدان، فاستعادها وسمعها واقفًا، وفي الغد أنشدتها جلالة المرحوم والده، فأطلق عليها جلالته اسم «بردة آل البيت».

آل البيت

لله بيت الدين والقرآن
بيت نمَا في ظِلِّه الحسنان
بيت العروبة والنبوَّة والهدى
والمجد والبركات والإحسان
حسبُ العروبة أن تُدل ببيتها
الزاهي بِطَاهَا سيِّد الأكوان
هادي الأنام بنور وحي كتابه
ومبدِّد الإلحاد والبهتان
آيات مصحفه مصابيحُ الهدى
وحُسامه نارٌ على الطغيان
بمحمد القُرشيِّ عزَّ الله، والأ
صنام قد خرَّت على الأذقان
وتصدع الإيوان يوم ظهوره
وسناه أخمد ألْسُنَ النيران
أخْزَى الرجيم مبسملًا ومهلِّلًا
ومكبِّرًا فقضى على الأوثان
بسناه نورت المدينة وازدهت
أم القرى شرفًا على البُلْدان
أبدى بفاتحة الكتاب ليعرُبٍ
فتحَ الفتوح بمعجَزٍ رَبَّاني
أبني الهدى صلُّوا عليه وسلِّموا
فبذِكْرِهِ الفتح المُبين الداني
يا سيد الأردن هذا جدك الأ
على الذي من دونه القمران
فافخر ببُرْدتِهِ وته فببيتك الدْ
دُنيا ودين الله مجتمعان

المنقذ الأكبر

أأبا عليٍّ والعلي مقامه
ونِضَاله في العرش والميدان
يا منقذ الأعراب من بلوائهم
ومشرد الأتراك والألمان
حررتنا ورفعت عنا نيرهم
ونشرت حقًّا لف في الأكفان
ناديت شعبك فاستشاط حماسَةً
ونِدَاك كالتَّأْذِينِ في الآذَان
أطلقتها سحرًا فثار لصوتها
أهلُ الحجاز وكبَّرَ الحرمان
إن خلد التاريخ فهو مخلد
تسعًا خلت للحرب من شَعْبان٦
هو فجر مجد خالد أطلعته
يا ابن الإمام على بني عدنان
فتدافع العرب الأُباة ومن لنا
كالعرب يوم كريهة وطعان
غضِبوا لهضم حقوقهم فتواثبوا
أُسُدًا أظافرها شَبَا المُران
قصر الإمارة هل رأيت مليكنا
يرتاع يوم تساقط الجُدران
هل هاب ذاك الهاشمي قنابلًا
تنهل مثل العارض الهتان
هل أجفل الأشبال يوم تطاردوا
والغاشمين وأطبق الجيشان
إن ينزِلوا كانوا الليوث على الثرى
أو يركبوا انقضوا كما العِقبان
فعليٌّ البطل الجسور رأى الورى
فيه عليًّا سيد الفرسان
واستل ربك فيصلًا فمحا به
ما خطه الأعداء من عُدوان
والطائف ارتاعت لوطء خيول
عبد الله لابسة دم الشجعان
وانقض زيد الخيل يخفت صوت
أجياد ويهدِم أوطد الأركان
فأعاد يوم القادسية نفسه
والنصر حالف عسكر الرَّحمان
وإذا الشريف على سرير الملك
والأعراب أحرار ذوو سلطان
بيديه شيد عرشه العالي الذُّرَى
شرفًا وقد حياه أسطولان
والله لولا غضبة مضرية
للدين والشهداء والأوطان
ما أدرك العربي لاستقلاله
معنى وظل يقاد بالأرسان
لم يفلَح الحلفاء لو لم يستمت
يوم القتال أشاوس العُربان
بيت الحسين أعدت عهدًا طيبًا
للبيت ردد ذكره الملوان
أعظم به بيتًا يحرر أمة
وينيلها مجدًا رفيع الشان
يا ابن الملوك أبا الملوك مقلد
العربي سِلسلة من العِرفان
إن يبن من قبل الجدودُ فخارنا
فلأنت أنت مجدد البُنيان
عش للعروبة رافعًا أعلامها
يا من يقر بفضله الثقلان
فستحفظ الأجيال ذكرك خالدًا
وتظل مذكورًا بكل لسان
والحكم للتاريخ فهو ينصه
وعليه فعلك أصدق البرهان
رأي الدهور بشيخِ يعرُبَ واحد
لا اثنان، والسلطان ذو عَدوان

عبد الله بن الحسين

يا واردًا عمان حي أميرها
واقرا السلام على ذرى رغدان
سلم بتسليم الملوك على الفتى
سبط الرسول معزز الإيمان
لم يَزْهُ بالعرش الرفيع كما زَهَا
ملكٌ سواه بسَورة السلطان
ملك يريك فؤاده بجبينه
وبه النهى والنبل يلتقيان
يزدان بالحلم الجميل كأنَّهُ
إرثٌ عن الحسنِ الأب الفتَّان
وإذا دعا داعي النزال فعزمه
أمضى من الهندي في الأقران
يا صاحب الأردن قد ضارعته
بالطهر والبركات والفيضان
إن خلدوه بذكر عيسى أدهرًا
فله بعبد الله ذكر ثان
أمجددًا عهد القريض ورافعًا
للشعر والشعراء خير مكان
أحييت أشرف خُلة عربيَّة
وفتحتَ باب البيت للرُّكبان
ذكرت هذا القُطر حين ملَكته
أيَّام سيف الدولة الحَمَدَانِي
أنسيتهم عهدَ الذين تقدَّمُوا
من حارث البلقاء والنُّعمان
فاسمع أناشيد القريض فإنَّهَا
تحكي رنين مثالث ومثاني
وانشُرْ على الدنيا مفاخر أمَّة
أخنت على كسرى أنوشروان
عش يا أميرًا دونَهُ النُّعمان
مكرمة وما لوفوده يومان
فنعيمه في أي يوم جئته
ويقيك شر طوارق الحدثان
أحيا الشرائع يستكين لعدلها
المسلمُ الحنفي والنَّصراني
وبأرضه الإِنجيل يلثِم مصحفًا
وهلالها يحنو على الصُّلبان
ما أجمل الملكَ الذي في شرعه
الدين القويم محبَّة الإنسان
لو شاء ربُّك وحدة دينية
ما كان قطُّ تعدد الأديان

•••

كم في الأنام من الذين يَلذُّهم
نعق على الأوطان كالغِربان
فاقطع لسان الناعقين ورد
كيد الحاسدين وعش قرير جنان
إن يفخَروا بالسيف كنت أميره
وعليه في الجلى شهود عِيان
أو يذكروا مجد الجدود فمن له
كأبي طلال في الورى جَدان
فليخرصوا طرًّا فكم من شاعر
يروي حديث الروح عن حسان
مولاي عفوًا إن يقصر شاعر
عن وصف بدر باهر اللمعان
فهو الذي يروي صحيح حديثه
عنكم وليس به غلو بيان
أرضعت حبي أمتي حتى غدا
جزءًا يتمم وحدتي وكياني
وبه أرى ديني العُروبة والكنيسة
موطني ودمي له قرباني
ورضاك حسبي يا أمير فجد به
واقبل سلام الأرز من لبنان
١٩٣١
١  الفينيق من طيورنا الخرافية، يحترق في هيكل بعلبك كل نصف قرن ثم ينبعث من رماده ويعود إلى الحياة، يعرفه شعراء الفرنج بالفينيكس وقد ذكروه كثيرًا في أشعارهم.
٢  إشارة إلى قتل أوريا الحتي من أجل امرأته.
٣  تلميحًا لقصة التينة التي لعنها السيد المسيح كما رواه الإنجيليون.
٤  يذكر يهوذا بغضب يسوع عندما دخل الهيكل ورآه حانوت بيع وشراء، فقال كلمته الخالدة: «بيتي بيت الصلاة وقد جعلتموه مغارة للصوص».
٥  كان يهوذا أمين الصندوق وهو يذكر رفاقه بالعشا الشهي الذي أعده لهم.
٦  في هذا التاريخ من سنة ١٣٣٤ أطلق جلالته بندقيته إعلانًا للحرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١