الفصل العاشر

الملكية الفكرية

كان هارولد ريفز واحدًا من أفضل مساعدي البحث الذي عملت معهم. (لكن يا للخسارة، فقَدَ القانونُ ريفز الذي صار قسًّا!) في بداية عامه الثاني في كلية الحقوق بجامعة شيكاجو، عرض عليَّ ريفز فكرة «تعليق» لطالب، فكرة مقال يتم نشره في مجلة القانون بالجامعة.1 كان موضوع المقال يدور حول قانون التعدي في الفضاء الإلكتروني، بعبارة أخرى ما إذا كان القانون يحمي مُلاك فضاءٍ ما في الفضاء الإلكتروني من التعديات التي يضمن قانون التعدي في الفضاء الواقعي حمايتها، فضلًا عن كيفية تنفيذ ذلك. كانت فكرته المبدئية بسيطة: لا يجب أن يكون هناك قانون للتعدي في الفضاء الإلكتروني،2 لا يجب أن يمنح القانون «ملاك» فضاءٍ ما في الفضاء الإلكتروني أي حماية قانونية ضد التعديات؛ حيث يجب إجبار الملاك على الدفاع عن أنفسهم.
كانت فكرة ريفز مجنونة إلى حد ما، وأظن أنها فكرة خاطئة في نهاية المطاف.3 في المقابل، فطن ريفز إلى شيء عبقري للغاية من خلال فكرته، شيء يجب أن يكون في القلب من التفكير في قانون الفضاء الإلكتروني.

تتمثل الفكرة في الآتي، وذلك في صورة موجزة للغاية، وعلى نحو أقل جاذبية في العرض مما قدمها ريفز: يجب أن يكون سؤال القانون هو: ما الوسائل التي من شأنها أن تحقق أعلى كفاءة ممكنة في حماية الملكية الخاصة في الفضاء الإلكتروني؟ هناك نوعان من الضمانات؛ أولاهما: الضمانة التقليدية لحماية القانون التي تتمثل في تحديد الفضاء الممنوع على الآخرين التعدي عليه، ومعاقبة المخالفين. أما الضمانة الثانية: فتتمثل في بناء سياج، أداة تكنولوجية (شيء يشبه الكود) يمنع (فضلًا عن أشياء أخرى) غير المرغوب فيهم من الدخول. بطبيعة الحال، نجد في الفضاء الواقعي كلا النوعين، القانون — في صورة قانون التعدي — وسياجات تستكمل دور القانون في منع التعدي. كلتا الوسيلتين تكلفان مالًا، ولا يكون مردود كلتا الوسيلتين واحدًا بالضرورة. من المنظور الاجتماعي، نريد المزيج الذي يوفِّر الحماية المُثلى بأقل تكلفة ممكنة (من المنظور الاقتصادي، نريد المزيج الذي تتساوى فيه التكلفة الحدية لوحدة ضمانات إضافية مع الفائدة الحدية التي تعود من وراء ذلك).

تتمثل الآثار المترتبة على هذه الفكرة في منطقية نقل عبء الحماية إلى المواطنين بدلًا من الدولة في بعض الأحيان. فإذا أراد مزارع، على سبيل المثال، تخزين بذور ذات قيمة عالية في مكان ما قصيٍّ من مزرعته، فمن الأفضل للمزارع تحمُّل نفقة بناء سياج حول البذور بدلًا من أن يطلب حماية الشرطة، من خلال الطواف المستمر في المنطقة، أو توقيع عقوبة أكبر على من يتم الإمساك بهم. تظل القضية دومًا هي تحقيق التوازن بين التكاليف والعوائد الخاصة بحماية المواطنين لأنفسهم في مقابل حماية الدولة.

تسير فكرة ريفز حول الفضاء الإلكتروني على النهج نفسه. تتمثل الحماية المُثلى للفضاءات المختلفة في الفضاء الإلكتروني في المزج بين القانون العام والسياجات الخاصة. يتمثل السؤال إذن عند تحديد هذا المزيج في: أي نوع من الحماية يكلف أقل؟ يرى ريفز أن تكلفة تطبيق القانون في هذا السياق مرتفعة للغاية؛ نظرًا لتكلفة تفعيل القانون، وكذلك لعدم قدرة القانون على التمييز بين الاستخدامات الشرعية وغير الشرعية للفضاءات الإلكترونية. يوجد «عملاء» كثيرون ربما «يستخدمون» أحد الفضاءات في الفضاء الإلكتروني. هناك على سبيل المثال عناكب الشبكة، وهي تطبيقات تقوم بجمع البيانات لصالح محركات البحث؛ وهناك متصفحات الشبكة، وهي تطبيقات تقوم بعمليات بحث عبر الشبكة بغرض الاطِّلاع على أشياء معينة؛ وهناك القراصنة (من النوع الطيب) الذين يُجرون اختبارات حول عوامل الحماية والتأكد من سلامتها، وهناك القراصنة (من النوع الشرير) الذين يقتحمون الفضاءات لسرقتها. من الصعوبة بمكانٍ إذن أن يحدد القانون سلفًا أي العملاء يستخدم الفضاء بصورة شرعية، وأيهم يستخدمه بصورة غير شرعية. تعتمد الشرعية في نهاية المطاف على نية الشخص الذي يمنح حق الدخول.

أدى ذلك إلى توصل ريفز إلى فكرته. بما أن نية «المالك» في غاية الأهمية في هذا السياق، وبما أن السياجات تعكس هذه النية دون تكلفة مرتفعة، فمن الأفضل إذن وضع كل ثقل الدافع في تحقيق الحماية في كفة المالك، بحيث يحدد هو شروط الدخول كيفما يشاء. يجب أن يكون حق التصفح إذن هو الأصل في الأشياء، أما عبء المنع فيقع على المالك.4

لنُنَحِّ طرح ريفز جانبًا الآن، ولنفكر لوهلة في شيء سيبدو مختلفًا للغاية، لكنه في واقع الأمر يجسِّد الفكرة نفسها. فكِّر في «السرقة» وفي ضمانات الحماية المتوافرة ضدها:

  • توجد كومة من أخشاب التدفئة خلف منزلي. لم يسرقها أحد، لكن إذا تركت دراجتي في الخارج ليلًا ستُسرق.

  • أخبرني صديق أن مجلس مدينة ساحلية محببة لم يستطع قط زراعة الزهور؛ حيث كان يتم قطفها في الحال. حاليًّا، يفتخر صديقي بعدم قطف الزهور مجددًا، وذلك بعد حملة طويلة لنشر «روح الجماعة».

  • هناك قوانين خاصة تتعلق بسرقة السيارات والطائرات والقوارب. لا توجد قوانين خاصة تتعلق بسرقة ناطحات السحاب. تحتاج السيارات والطائرات والقوارب إلى الحماية. في المقابل، لا توجد حاجة ملحة لحماية ناطحات السحاب.

تحمي أشياء كثيرة الملكية الخاصة ضد السرقة بصور مختلفة. يحمي السوق أخشاب التدفئة ضد السرقة (حيث إن تكلفة شراء أخشاب التدفئة أقل من تكلفة سرقة أخشابي). يمثِّل السوق تهديدًا حقيقيًّا لدراجتي (حيث إن تمت سرقتها سيسهل بيعها). تحمي الأعراف الاجتماعية الزهور في حديقة عامة ضد السرقة في بعض الأحيان، وإن كانت لا تحميها في أحيان أخرى. تتآمر الطبيعة في بعض الأحيان مع اللصوص (مثلما هو الحال مع السيارات والطائرات والقوارب)، كما تتآمر ضدهم (مثلما هو الحال مع ناطحات السحاب).

لا تعتبر ضمانات الحماية هذه ثابتة. قد أُغلقُ قفل الدراجة ومِن ثَمَّ أستخدمُ كود الفضاء الواقعي لجعل عملية السرقة أكثر صعوبة. ربما يحدث نقص في أخشاب التدفئة، فيزداد الطلب عليه، ومن ثم تصعُب حماية أخشاب التدفئة. قد توقف الحملات العامة لتجميل الأماكن العامة سرقة الزهور، وربما يؤدي اختيار وضع زهور معينة إلى تحقيق الغرض نفسه. قد تجعل الأقفال المتطورة سرقة السيارات غير ذات جدوى. وقد تجعل عمليات الاحتيال المصرفية المتطورة ناطحات السحاب معرضة للسرقة. لا تكمن النقطة هنا في أن ضمانات الحماية تعتبر مُعطًى ثابتًا أو لا تتغير، بل هي متعددة وتختلف نماذجها.

تتم حماية الممتلكات من خلال مجموع ضمانات الحماية المختلفة التي يوفرها القانون، والأعراف الاجتماعية، والسوق، وكود الفضاء الواقعي. هذا هو مغزى الطرح المقدم في الفصل السابع. من منظور الدولة، لا نحتاج إلى القوانين إلا في حال عدم توفير أشكال الحمايةِ الثلاثة الأخرى الحمايةَ الكافية للممتلكات. من منظور المواطن، نحتاج إلى كود الفضاء الواقعي (مثل الأقفال) في حال عدم توفير القوانينِ والأعرافِ الاجتماعيةِ الحمايةَ الكافية. يعني فهم طريقة حماية الممتلكات، وفَهم كيفية عمل أشكال ضمانات الحماية هذه معًا.

تشير فكرة ريفز والتأملات حول أخشاب التدفئة وناطحات السحاب إلى الطرق المختلفة التي يمكن للقانون من خلالها حماية «الممتلكات»، مثلما تشير إلى أنماط الملكية التي ربما يحاول القانون حمايتها. بالإضافة إلى ذلك، يدعو ذلك إلى سؤال سبق أن طرحه القاضي ستيفن بريَر وآخرون كثيرون: هل يجب أن يحمي القانون بعض أنماط الملكية — الملكية الفكرية على وجه الخصوص — من الأساس؟5
ضمن أنماط الملكية التي يحميها القانون، سيتركز اهتمامي في هذا الفصل على أحد أنماط الملكية التي تحميها حقوق التأليف والنشر.6 يعتبر هذا النمط من أنماط الملكية، من بين جميع أنماط الملكية الأخرى، هو الأكثر عرضة للتغييرات التي تتأتى من الفضاء الإلكتروني. يرى كثيرون عدم إمكانية حماية الملكية الفكرية في الفضاء الإلكتروني. بالنظر إلى ظروف الحماية التي أسلفت بيانها، ربما نرى سبب الاعتقاد في صحة ذلك الرأي، لكننا سنرى بعد قليل أن هذا غير صحيح على الإطلاق.

(١) عن الأخبار الواردة حول انتهاء حقوق التأليف والنشر

بطريقة مبسطة، تمنح حقوق التأليف والنشر حامل هذه الحقوق حقوقًا حصرية في العمل موضوع الحقوق، بما في ذلك أشهر هذه الحقوق على الإطلاق؛ الحق الحصري في نسخ العمل. أحمل حقوق تأليف ونشر لهذا الكتاب. يعني هذا، ضمن أشياء أخرى، مع الأخذ في الاعتبار بعض الاستثناءات المهمة؛ عدم جواز نسخ هذا الكتاب دون الحصول على إذن مني بذلك. يعتبر هذا الحق محميًّا في حدود دعم القوانين (والأعراف الاجتماعية) له، وفي المقابل، يتعرض هذا الحق للتهديد وفق مدى قدرة التكنولوجيا على جعل عملية نسخه سهلة. فإذا عززنا القانون ولم نغير تكنولوجيا نسْخِه، يصير هذا الحق أقوى. في المقابل، إذا نشرنا تكنولوجيا نسخ الكتاب مع عدم تغيير القانون، يصير هذا الحق أقل قوة.

في هذا الإطار، تصبح حقوق التأليف والنشر في حالة صراع دائم مع التكنولوجيا. قبل ظهور تكنولوجيا الطباعة، لم تكن ثمة حاجة لحماية حق المؤلف فيما يتعلق بعمله الإبداعي؛ حيث كانت عملية النسخ مكلفة للغاية حتى إن الطبيعة نفسها تولت حماية هذا الحق. في المقابل، مع انخفاض تكلفة النسخ، ومع انتشار تكنولوجيات النسخ، تزايدت التهديدات ضد سيطرة المؤلف على عمله. ومع تقديم كل جيل تكنولوجيا أفضل من تكنولوجيا الجيل السابق عليه، ضَعُفت قدرة مالك حق التأليف والنشر على حماية حقوق ملكيته الفكرية.

حتى وقت قريب، كانت ردة فعل القانون إزاء هذه التحولات محسوبة وتدريجية. عندما ظهرت تكنولوجيات التسجيل والنسخ في مطلع القرن السابق، شعر المؤلفون الموسيقيون بالتهديد من هذه التكنولوجيات. تمثَّلت ردة فعل القانون في منح المؤلفين الموسيقيين حقًّا جديدًا، لكنه محدود، لتحقيق الأرباح من تسجيلاتهم. عندما بدأ الراديو في إذاعة الموسيقى، حاز المؤلفون الموسيقيون حق تعويضهم عن الأداء العلني لأعمالهم، وفي المقابل، لم يحصل من يقومون ﺑ «تأدية» هذه التسجيلات على تعويضات عنها. قرر الكونجرس عدم التدخل في هذه المسألة. عندما بدأت نُظم النقل التليفزيونية عبر الكابلات في إعادة بث برامج نظم النقل التليفزيونية التقليدية، شكا مالكو الأعمال المذاعة الأصلية من استغلال أعمالهم دون تعويضهم عنها. تمثَّلت ردة فعل الكونجرس في منح مالكي الحقوق حقًّا جديدًا، لكنه محدود؛ لتحقيق الأرباح من وراء إعادة بثِّ برامجهم. وعندما سهَّلت تكنولوجيا تسجيلات الفيديو تسجيل المحتويات التي تتمتع بحقوق تأليف ونشر عبر الأثير، ترددت صرخة «قرصنة» من مالكي حقوق التأليف والنشر. مرة أخرى، قرر الكونجرس عدم الاستجابة لهذه الشكوى. تُلهم التحولاتُ في التكنولوجيا الكونجرس في بعض الأحيان لمنح حقوق جديدة، فيما لا يتم منح أي حقوق في أحيان أخرى، لكن على مر التاريخ كانت التكنولوجيات الجديدة تُعتنق؛ وذلك لأنها سهَّلت من نشر الثقافة.

•••

تطورت الأعراف الاجتماعية بشأن المحتوى الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر أيضًا خلال الفترة نفسها. ربما يمكن تلخيص الملمح الوحيد المميِّز لهذه الأعراف الاجتماعية على النحو التالي: يستطيع المستهلك الذي يمتلك محتوًى يتمتع بحقوق التأليف والنشر بصورة قانونية أن يتصرف في هذا المحتوى كيفما شاء، دون حتى الرجوع إلى قانون حقوق التأليف والنشر. ظل هذا العرف الاجتماعي صحيحًا إلى حد كبير حتى عام ١٩٠٩؛ حيث لم يكن القانون ينظِّم عملية إصدار «نسخ» من الأعمال. وهكذا لم يكن محتملًا، إلى درجة كبيرة، أن يؤدي أي استخدام للمحتوى، الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر من جانب المستهلك، إلى مخالفة أي من الحقوق الحصرية للتأليف والنشر. بعد عام ١٩٠٩، على الرغم من تنظيم القانون لعملية إصدار «نسخ» من الأعمال بالمعنى الضيق للعبارة، صارت تكنولوجيات النسخ متاحة بصورة واسعة. دار صراع حول ماكينات زيروكس للنسخ، وهو ما تمخض عنه مزيد من الإصلاح،7 لكن وقع الصراع الحقيقي بين قانون حقوق التأليف والنشر والمستهلكين عندما سهَّلت أشرطة الكاسيت من عملية نسخ التسجيلات الموسيقية. كانت بعض عمليات النسخ هذه تهدف إلى عمل «شريط متنوع» (من تسجيلات مختلفة)، فيما كانت بعض عمليات النسخ الأخرى تتم بهدف عدم شراء التسجيلات الأصلية. بعد سنوات كثيرة من الجدل، قرر الكونجرس عدم إصدار تشريع يحظر إصدار تسجيلات منسوخة منزليًّا، بل على العكس، أعطى إشارة موافقة — من خلال قانون التسجيلات السمعية في المنازل — على منح إعفاءات واضحة من حقوق التأليف والنشر فيما يتعلق بأنشطة التسجيل المنزلية. رسَّخت هذه التحولات العرف الاجتماعي السائد المتمثل في عدم تقيُّد المستهلكين قانونًا في التصرف كيفما يشاءون في الأعمال التي تتمتع بحقوق تأليف ونشر. بالنظر إلى التكنولوجيات المتوافرة لدى معظم المستهلكين، لم تستدعِ الأنشطة الراغبين فيها تطبيق قانون التأليف والنشر (مثلما هو الحال في إعادة بيع ما يمتلكونه من كتب إلى متجر بيع كتب مستعملة، على سبيل المثال)، أو إذا استدعى الأمر تطبيق قانون التأليف والنشر. تم تعديل القانون بحيث يحمي حق المستهلكين في التصرف كيفما يشاءون فيما يمتلكون من محتوًى يتمتع بحقوق التأليف والنشر (مثلما هو الحال في أشرطة الكاسيت، على سبيل المثال).

إزاء هذه الخلفية من التغييرات التدريجية في القانون، فضلًا عن العرف الاجتماعي العملي الذي يشير بصورة أساسية إلى عدم مساس القانون بالمستهلكين، مثَّلت التغييرات في التكنولوجيا الرقمية صدمة هائلة؛ أولًا: من المنظور التكنولوجي، سمحت التكنولوجيا الرقمية، على خلاف التكنولوجيا التناظرية، بإصدار نسخ مماثلة تمامًا للعمل الأصلي. كان العائد إذن من عملية النسخ أكبر منه عن طريق عمليات النسخ التقليدية. ثانيًا: من المنظور التكنولوجي أيضًا، سمحت التكنولوجيا الرقمية للإنترنت بتوزيع المحتوى مجانًا (دون معرفة المصدر) عبر الإنترنت، ومن ثم كان توافر النسخ في هذه الحالة أكبر. ثالثًا: من منظور الأعراف الاجتماعية، استخدم المستهلكون الذين تشربوا العرف الاجتماعي، المتمثل في إمكانية التصرف في «محتواهم» كيفما يشاءون، هذه الأدوات الرقمية الجديدة بغرض توفير «محتواهم» بصورة واسعة على الإنترنت. شجَّعت شركات مثل نابستر على انتشار هذا السلوك، لكن ممارسة نشر المحتوى على نطاق واسع كانت موجودة قبل وبعد نابستر. ورابعًا: من المنظور القانوني، لم يكن في وسع القانون القيام بالكثير لوقف عملية «تبادل» المحتوى الواسعة هذه؛ نظرًا لأن التكنولوجيا الأساسية للإنترنت لا تكشف شيئًا عن طبيعة المحتوى الذي يتم تبادله عبر الإنترنت، أو عن هوية من يتشارك في المحتوى، ومن ثم لم يكن بيد القانون ما يفعله من أجل وقف عملية «المشاركة» الهائلة هذه للمحتوى، ومن ثم خامسًا: من منظور مالكي حقوق التأليف والنشر، مثَّلت التكنولوجيات الرقمية والإنترنت تهديدًا هائلًا لنموذج الأعمال الذي تقوم عليه أنشطتهم. نستطيع إدراك لماذا نظر مالكو الحقوق إلى الإنترنت كمصدر تهديد هائل إذا عرفنا أن مالكي الحقوق يجنون المال من خلال توزيع «نسخ» من المحتوى الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر.

استجابت صناعة المحتوى بسرعة وفي وقت مبكر للغاية لهذا التهديد. تمثَّل خط الدفاع الأول في تطبيق التنظيم بصورة أكثر صرامة. يرجع السبب في ذلك إلى عدم رغبة الجميع في الإقرار بانتهاء قانون حقوق التأليف والنشر، على الرغم من توقعات خبراء الإنترنت بعكس ذلك. دفع المحامون المتخصصون في الدفاع عن حقوق الملكية الفكرية وجماعات المصالح في وقت مبكر، من أجل زيادة ضمانات حماية حقوق الملكية الفكرية في القانون، وهي الحقوق التي بدا أن الفضاء الإلكتروني سيمحوها دون شك.

(٢) نجدة قانون

كان رد الفعل المبدئي على هذا الضغط هو إصدار وزارة التجارة تقريرًا في عام ١٩٩٥. حدد هذا التقرير سلسلة من التعديلات تهدف إلى استعادة «التوازن» في قانون الملكية الفكرية. سعى التقرير، الذي حمل عنوان «الملكية الفكرية والبنية التحتية القومية للمعلومات»، إلى إعادة صياغة قانون الملكية الفكرية القائم بصورة تسمح للجميع بفهمه، فضلًا عن التوصية بإجراء تعديلات في القانون كاستجابة للتغيرات المحتملة التي تتأتى من خلال الشبكة. فشل الجزء الأول من التقرير فشلًا ذريعًا، كما أشار الخبراء؛8 فلم يزد التقرير في إعادة صياغته للقانون القائم عن قيام المؤرخين السوفييت «بإعادة كتابة» الروايات عن أسلوب إدارة ستالين للدولة. مالت إعادة الصياغة في أحد الاتجاهات، بطبيعة الحال في اتجاه زيادة حماية الملكية الفكرية، لكن واضعي التقرير تظاهروا بأن هذا الميْل ليس سوى ميل طبيعي غير مصطنع.

دعنا نركِّز على توصيات التقرير، وهي الأكثر أهمية هنا. اقترحت الحكومة أربعة حلول لمواجهة تهديدات الفضاء الإلكتروني. يجب أن تكون هذه الحلول مألوفة الآن بالنظر إلى المناقشة في الفصل السابع.

كان الحل الأول تقليديًّا؛ إذ اقترحت الحكومة إجراء تعديلات في قانون حقوق التأليف والنشر بغرض «بيان» الحقوق التي يحميها القانون.9 هدفت هذه التعديلات إلى تحديد الحقوق الممنوحة في ظل قانون الملكية الفكرية بصورة أفضل، وإلى توفير مزيد من الدعم إلى هذه الحقوق في وجود عقوبات قانونية واضحة (ربما أكبر) في حال مخالفتها.

تناول الحل الثاني الأعراف الاجتماعية وبصورة خاصة الأعراف المتعارف عليها في نسخ المحتوى. أوصى التقرير بضرورة زيادة جهود التوعية، في المدارس وبين العامة، حول طبيعة الملكية الفكرية وأهمية حمايتها. بالرجوع إلى المناقشة في الفصل السابع، يعتبر هذا نموذجًا لاستخدام القانون بغرض تغيير الأعراف الاجتماعية، بحيث تدعم الأعراف الاجتماعية حماية الملكية الفكرية بصورة أفضل. يعتبر هذا نموذجًا على التنظيم غير المباشر للسلوك من خلال التنظيم المباشر للأعراف الاجتماعية.

مزج الحلان الثالث والرابع بين التكنولوجيا والسوق. نادى التقرير بتوفير الدعم القانوني — من خلال الدعم المالي وتوفير الحماية القانونية الخاصة — ﻟ «خطط إدارة حقوق التأليف والنشر». تمثَّلت هذه «الخطط» ببساطة في التكنولوجيات التي تسهِّل السيطرة على الاطلاعِ على الأعمال التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر، واستخدامِها. سأتناول هذه «الخطط» بمزيد من التفصيل لاحقًا في هذا الفصل، لكنني أذكرها هنا كمثال آخر على التنظيم غير المباشر؛ أي عن طريق اللجوء إلى السوق بغرض دعم تطوير برمجيات محددة، واستخدام القانون لتنظيم خواص البرمجيات الأخرى. ستكون نظم إدارة حقوق التأليف والنشر مدعومة إذن بالتمويل الحكومي، وبالتلويح بتوقيع عقوبات جنائية على أي شخص يقوم بنشر تطبيقات تتفادى هذه النظم.10

أخذ الكونجرس بتوصيات تقرير عام ١٩٩٥ في بعض الجوانب. لعل أهم هذه الجوانب على الإطلاق هي تمرير قانون الألفية لحقوق التأليف والنشر الرقمية في عام ١٩٩٨. عمل هذا القانون مباشرة بالتوصية التي تقول بحماية «إجراءات الحماية التكنولوجية» من خلال القانون. كان الكود الذي يُستخدم في السيطرة على استخدام أو الاطلاع على أي عمل يتمتع بحقوق التأليف والنشر يحظى بحماية قانونية خاصة في ظل قانون الألفية لحقوق التأليف والنشر الرقمية. مثَّل التهرب من ذلك الكود، مع الأخذ في الاعتبار بعض الاستثناءات المهمة، انتهاكًا للقانون.

سنعود إلى قانون الألفية لحقوق التأليف والنشر الرقمية لاحقًا. يتركَّز النقاش هنا في إدراك شيء مهم بشأن الافتراض المسبق الذي يقوم عليه منطق التقرير. كانت مجموعة اقتراحات تقرير عام ١٩٩٥ بمنزلة مجموعة من الأساليب العامة العشوائية؛ مثل إجراء بعض التعديلات على القانون، وتوفير شيء من الدعم لتغيير الأعراف الاجتماعية، فضلًا عن الكثير من الدعم لتغيير كود الفضاء الإلكتروني، بحيث يصبح أكثر قدرة على حماية الملكية الفكرية. ربما لم يكن ثمة شيء متوقع أفضل من ذلك في عام ١٩٩٥؛ حيث وعد القانون بتحقيق توازن بين عدد من الحلول للتعامل مع تغيُّر التوازن الناشيء عن الفضاء الإلكتروني.

التوازن شيء جذَّاب، ويبدو الاعتدال شيئًا صائبًا. في المقابل، هناك شيء غير مكتمل في هذا الطرح. يناقش التقرير المسألة كما لو أن حماية الملكية الفكرية في الفضاء الإلكتروني هي نفسها في الفضاء الواقعي. يمضي النقاش في التقرير كما لو أن القيود الأربعة ستعمل بالطريقة نفسها مثلما في العالم الواقعي، كما لو أن شيئًا جوهريًّا لم يتغيَّر.

لكن هناك شيئًا جوهريًّا تغيَّر في حقيقة الأمر؛ ألا وهو الدور الذي يلعبه الكود في حماية الملكية الفكرية. يمكن أن يزيح الكود — وهو ما سيحدث بصورة متزايدة — القانون كخط دفاع أساسي للملكية الفكرية في الفضاء الإلكتروني. صار المحك هو السياجات الخاصة، لا القانون العام.

لم يراعِ التقرير هذه المسألة. تقع في صلب مجموعة الفِكَر العامة العشوائية التي احتواها التقرير فكرة أساسية، لكنها فكرة غير سليمة بالأساس؛ ألا وهي فكرة أن الفوضى هي من طبيعة الفضاء الإلكتروني. يَعِد التقرير بتقوية القانون في كل مجال يمكن تحقيق ذلك فيه. في المقابل، يتناول التقرير المسألة كما لو كان سفينة تترنح بفعل عاصفة. مهما حدث، يعتبر تهديد حقوق التأليف والنشر حقيقيًّا؛ حيث سيقع الضرر لا محالة، ولا نملك سوى محاولة تفادي ذلك.

هذا غير صحيح بالمرة؛ فنحن لسنا مقبلين على فترة تتهدد فيها حقوق التأليف والنشر في الفضاء الإلكتروني أكثر منها في الفضاء الواقعي، بل نحن مقبلون على مرحلة يتم فيها حماية حقوق التأليف والنشر بصورة أكثر فعالية أكثر من أي وقت مضى منذ عصر جوتنبرج. تعتبر سلطة تنظيم الاطلاع على أعمال تتمتع بحقوق التأليف والنشر واستخدامها؛ على وشك تحقيق الكمال. وبغض النظر عن أفكار خبراء الإنترنت في منتصف التسعينيات، سيمنح الفضاء الإلكتروني مالكي حقوق التأليف والنشر حماية أكبر من أي حماية عرفوها من ذي قبل.

في هذا العصر، لا يصبح السؤال الحقيقي للقانون هو: كيف سيساعد القانون في عملية الحماية هذه؟ بل: هل هذه الحماية أكثر مما ينبغي؟ كان خبراء الإنترنت على حق عندما تنبَّئُوا بأن الفضاء الإلكتروني سيؤكد لنا أن كل شيء كنا نعتقده بشأن حقوق التأليف والنشر كان خطأ.11 في المقابل، سيكون درس المستقبل هو أن حقوق التأليف والنشر تتمتع بحماية هائلة. لن يرتكز موضوع النقاش حينها على حقوق التأليف والنشر، بل على دور التأليف والنشر؛ أي دور مالكي الأعمال التي تتمتع بالحماية في منح حق الاطلاع والاستخدام للآخرين.
هذا ادعاء واسع المدى يستدعي المساءلة. يجب إذن أن ننظر في ثلاثة أمثلة حتى نتشبَّث من هذا الادعاء جيدًا، ونرى ما ينطوي عليه من تبعات. يتمثَّل المثال الأول في رؤية أحد الباحثين من شركة زيروكس بي إيه آر سي (وهو ما يناسب موضوعنا تمامًا)، مارك ستيفك، حول «النظم محل الثقة».12 يتمثل المثال الثاني في التداعيات المترتبة على عالم تسوده النظم محل الثقة. ويتمثل المثال الثالث في التكاليف غير المحسوبة للمسار الذي نتخذه الآن من أجل «حماية الملكية الفكرية». تبرز هذه الأمثلة التهديدات التي تمثلها هذه التحولات للقيم الأساسية في تقاليدنا. يجب أن تجبرنا هذه الأمثلة على المفاضلة بين هذه القيم والتفكير في وضعها في مستقبلنا.

(٣) وعد الملكية الفكرية في الفضاء الإلكتروني

يعتمد الأمر كله على ما إذا كنت تدرك فكرة النظم محل الثقة أم لا؛ فإذا كنت لا تفهم هذه النظم، يصبح هذا الطرح إذن فيما يتعلق بالتجارة والنشر الرقمي خارج نطاق التفكير تمامًا. أما إذا كنت تفهم هذه النظم، يصبح إدراك هذا الطرح سهلًا.

رالف ميركل، نقلًا عن ستيفك في «فتح مصادر الضوء على مصاريعها» (١٩٩٦)

فيما يمكن أن نطلق عليه الجيل الأول من التكنولوجيات الرقمية، لم يتمكن مالِكو المحتوى من السيطرة على مَن يقوم بنسخ أي محتوًى. إذا كان لدى أحد المستخدمين نسخة من صورة تتمتع بحقوق التأليف والنشر تظهر على شكل ملف جرافيك، يستطيع المستخدم إصدار عدد غير محدود من النسخ من هذا الملف دون أن تتأثر النسخة الأصلية للصورة. إذا قمت بإصدار النسخة المائة من الصورة، لن يوجد ما يدل على أن هذه هي النسخة المائة أو الأولى. وكما ذكرنا مرارًا وتكرارًا، لم توجد أي قواعد في الكود الأصلي للإنترنت تنظِّم كيفية توزيع المحتوى الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر، أو لمن يتم التوزيع. هدفت وظيفة «النسخ»، في الصورة التي طوَّرها بها كاتبو الشفرات — سواء على أجهزة الكمبيوتر أو الشبكات — إلى «النسخ» فقط، لا إصدار «نسخ» وفق شروط محددة.

لم تكن طبيعة وظيفة «النسخ» هذه قاصرة على الفضاء الإلكتروني فقط. وقد رأينا، على سبيل المثال، إحدى التكنولوجيات التي أدت إلى ظهور المشكلة نفسها، وقمتُ ببيان كيف تم تضمين وظيفة فيها بحيث تعالج هذه المشكلة.13 رأى الكثيرون في تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقمية تهديدًا لمالكي حقوق التأليف والنشر، ومن ثم اقتُرح العديد من الحلول لمواجهة هذا التهديد؛ اقترح البعض، على سبيل المثال، توقيع عقوبات أكبر على عملية إصدار النسخ غير القانونية من الأشرطة (تنظيم مباشر من خلال القانون). ذهب البعض الآخر، مثل ريتشارد ستُلمان، إلى فرض ضرائب على الأشرطة الفارغة، ومن خلال عوائد هذه الضرائب يتم تعويض مالكي الحقوق عن حقوق نسخ أعمالهم (تنظيم غير مباشر للسوق من خلال القانون). رأى آخرون ضرورة زيادة الوعي بغرض وقف عمليات النسخ غير القانونية (تنظيم غير مباشر للأعراف الاجتماعية من خلال القانون)، فيما رأى آخرون ضرورة تغيير كود أجهزة تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقمية نفسها؛ بحيث يمنع إصدار عدد غير محدود من النسخ التي تضاهي الأصل في جودتها.

كان الفوز حليف الداعين لفرض الضرائب والتنظيم من خلال الكود. وفي أواخر عام ١٩٩٢، كحل وسط بين التكنولوجيا وصناعة المحتوى، مرر الكونجرس قانون التسجيلات السمعية في المنازل. فرض القانون أولًا ضريبة على أجهزة التسجيل ووسائط التسجيل السمعية الرقمية مع تعويض مالكي حقوق التأليف والنشر، من خلال عوائد الضريبة عن مخالفة هذه الحقوق عبر تكنولوجيا النسخ. اشترط القانون أيضًا على مُصنِّعي تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقميةِ إدراجَ نظام إدارة نسخ متسلسل؛ بحيث يحد من قدرة تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقمية على إصدار نسخ غير محدودة. تم تفعيل هذا الحد الأقصى لإصدار النسخ من خلال كود يُدرج في النسخ التي تصدر من خلال تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقمية. تتمكن التكنولوجيا من إصدار نسخة رقمية واحدة فقط من المحتوى الأصلي. في المقابل، لا يمكن إصدار نسخة رقمية أخرى من خلال جهاز تسجيل أشرطة سمعية رقمية. (يمكن بطبيعة الحال إصدار نسخة تناظرية [غير رقمية] من المحتوى الأصلي، لكنها نسخة تقل في جودتها كثيرًا عن جودة المحتوى الأصلي.) وهكذا تم تصميم التكنولوجيا بحيث تُفسد وظيفة «النسخ» تحت ظروف محددة، وذلك بغرض حماية مالكي الحقوق. كان الأثر النهائي الناشئ عن هذين التغيريْن هو تقليص أي أثر سلبي ينشأ عن التكنولوجيا، فضلًا عن تقليص وظيفة التكنولوجيا حال تشجيع هذه الوظيفة على مخالفة حقوق التأليف والنشر (رأى كثيرون أن الأثر النهائي لعملية التنظيم هذه تمثَّل في القضاء على تكنولوجيا الأشرطة السمعية الرقمية).

قامت رؤية ستيفك على فكرة مشابهة.14 لم يهتم ستيفك كثيرًا بتقليل جودة النسخ، بل كان يهدف إلى توفير إمكانية التتبع والسيطرة لنُسَخ المحتوى الرقمي.15

خذ على سبيل المثال الاقتراح التالي؛ في الوقت الحالي، عندما تشتري كتابًا، قد تتصرف فيه بأكثر من طريقة؛ ربما تقرؤه مرة أو مئات المرات، ربما تقرر إقراضه لصديق، ربما تقوم بتصوير بعض صفحاته ضوئيًّا أو مسحه إلكترونيًّا على جهاز الكمبيوتر، ربما تقرر أن تحرقه أو أن تضعه فوق كومة من الأوراق حتى لا تطير، أو أن تقرر بيعه، ربما تقرر أن تضعه على الرف ولا تقوم بفتحه أبدًا بعد ذلك.

تستطيع القيام بأي من ذلك لأن القانون يمنحك الحق في ذلك؛ حيث يمكنك، على سبيل المثال، بيع الكتاب؛ لأن قانون حقوق التأليف والنشر يحد، بصورة مباشرة، من حق مالك الحقوق في السيطرة على استخدام الكتاب في صورته الورقية بعد «عملية البيع الأولى». يمكنك أيضًا القيام بأشياء أخرى لعدم وجود ما يمنع ذلك. ربما يقرر أحد باعة الكتب أن يبيعك الكتاب بسعر محدد إذا قررت في عقدك معه قراءته مرة واحدة، وبسعر مختلف إذا أردت قراءته مائة مرة، لكن في المقابل لا توجد طريقة يستطيع بها البائع معرفة ما إذا التزمت بما في العقد أو لا. من الناحية النظرية، ربما يطلب البائع أن يتتبعك ضابط شرطة بعد شراء كل كتاب؛ للتأكد من التزامك باستخدام الكتاب مثلما هو مقرر في العقد، لكن في المقابل تتخطى تكلفة تحقيق السيطرة بهذه الصورة أي فائدة متحصَّلة من ورائها.

ماذا يحدث إذن إذا كان من الممكن السيطرة على كل حق من هذه الحقوق وفصله وبيعه على حدة؟ بعبارة أخرى، ماذا إذا كانت التكنولوجيا نفسها تسمح بتنظيم عدد مرات قراءة الكتاب مرة أو مائة مرة، أو تسمح بالاستقطاع منه ولصق أجزاء منه، أو قراءته دون نسخه، أو تسمح بإرسال الكتاب كمستند مرفق برسالة إلى صديق، أو الاحتفاظ به على جهاز الكمبيوتر فقط، أو ما إذا كان بالإمكان محو الكتاب تمامًا أو لا، أو استخدام الكتاب في عمل آخر لغرض آخر أو لا، أو وضع الكتاب على الرف فقط، أو اقتنائه واستخدامه؟

يطرح ستيفك نموذجًا لشبكة يمكن فيها فصل هذه الحقوق. يصف ستيفك إطارًا عامًّا حاكمًا يسمح لمالكي المحتويات التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر ببيع حق استخدام هذه المحتويات، وذلك وفق شروطهم، مع اشتراط العمل ببنود العقود المبرمة لاستخدام محتوياتهم.

لا تهم تفاصيل هذا النظام هنا (حيث يقوم هذا النظام على معمار تشفير المحتوى كما ذكرت في الفصل الرابع)،16 لكن تظل الفكرة العامة له سهلة التناول. مثلما هو الحال مع الشبكة في الوقت الحالي، يتم تنظيم الوظائف الأساسية مثل النسخ والاستخدام بصورة غير منتظمة تسمح بحرية كاملة في استخدام المحتوى أو تمنعها تمامًا. ببساطة، يمتلك المستخدم الحق في نسخ المحتوى أو لا يمتلك هذا الحق، ويمتلك حق استخدام المحتوى أو لا يمتلك هذا الحق.

في المقابل، يمكن بناء نظام للحقوق أكثر تطورًا في صلب الشبكة، لا في شبكة مختلفة، بل أعلى الشبكة القائمة. سيعمل هذا النظام من خلال تمييز طريقة اتصاله بالنظم الأخرى. سيسيطر هذا النظام على حق الاستخدام بصورة دقيقة للغاية لا تسمح بحق استخدام موارده إلا لنظام آخر يسيطر على حق استخدام المحتوى بالطريقة نفسها. سينشأ عن ذلك هرمية في النظم، بحيث يتم تبادل المحتوى الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر فقط من خلال النظم الذي تسيطر على المحتوى بصورة فعَّالة.

في عالم كهذا، إذن، تستطيع الاطلاع على صحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال، وتقوم بدفع سعر مختلف بحسب ما تقرأ. تستطيع الصحيفة تحديد مقدار ما تقرأ، وما إذا كان مسموحًا لك بنسخ أجزاء من المقالات المختلفة، وما إذا كان بإمكانك حفظ أجزاء مما تنسخ على جهاز الكمبيوتر، وهكذا. في المقابل، إذا لم يكن الكود الذي تستخدمه في الاطلاع على موقع الصحيفة يمكِّن من السيطرة اللازمة التي تريدها الصحيفة، فلن تسمح الصحيفة بالاطلاع عليها على الإطلاق. باختصار، لن تتبادل النظمُ المعلوماتِ إلا مع نظم أخرى يمكن الوثوق بها؛ حيث سيتم بناء بروتوكولات تحقيق الثقة في صلب معماريات هذه النظم.

يطلق ستيفك على ذلك «النظم محل الثقة»، وهو اسم يستثير مشابهة مفيدة. لنضرب مثلًا بشركات البريد المؤمَّن عليها. ربما تريد في بعض الأحيان أن ترسل خطابًا يحتوي على شيء ثمين للغاية. قد تقرر أن ترسل الخطاب عن طريق مكتب البريد، لكن مكاتب البريد لا تعتبر نظمًا يُعتمد عليها؛ حيث لا تتوافر السيطرة الكاملة على موظفيها، فضلًا عن وجود حالات كثيرة للسرقة وفقدان الرسائل؛ لذا بدلًا من الذهاب إلى مكتب البريد، ترسل خطابك عن طريق شركة بريد مؤمَّن عليها. تتمتع هذه الشركات بالحماية التأمينية، وهي الحماية التي تعتبر تكلفة تضمن الاعتماد على شركات البريد هذه. تُطمئِنُ هذه السمعة إذن من يرسلون أشياء قيمة عبر البريد بشأن استخدام خدمات هذه الشركات. على حد تعبير ستيفك:
في ظل النظم محل الثقة، يتم تنفيذ جانب كبير من العقد الرقمي عن طريق النظام محل الثقة. لا يمتلك المستهلك خيارًا بتجاهل العقد الرقمي، على سبيل المثال، بحيث يستطيع إصدار نسخ غير مصرَّح بها لأحد الأعمال. لا يقبل النظام محل الثقة ممارسة حق لا يسمح به العقد الرقمي.17

هذا هو ما تقوم به النظم محل الثقة لصالح مالكي الحقوق الفكرية. بعبارة أخرى، تعتبر هذه النظم بمنزلة شركات بريد مؤمَّن عليها تقوم بتسلُّم الأشياء القيِّمة، والسيطرة على استخدامها وفق أوامر المسئول عن ذلك.

تخيَّل إذن لبرهة بروز مثل هذا المعمار في الفضاء الإلكتروني بصورة عامة. كيف سنفكِّر إذن في قانون حقوق التأليف والنشر؟

تتمثل إحدى النقاط المهمة فيما يتعلق بقانون حقوق التأليف والنشر في أن سيطرة هذا القانون لم تكن كاملة قط، على الرغم من وضعه في الأصل لحماية المؤلفين. لم تمنح «حماية حقوق التأليف والنشر مالك الحقوق السيطرة الكاملة على جميع الاستخدامات الممكنة لعمله»، وذلك وفق إشارة المحكمة الدستورية العليا.18 من هنا، يمنح القانون حقوقًا حصرية خاصة فقط؛ حيث تخضع هذه الحقوق لعدد من القيود المهمة مثل «الاستخدام العادل»، والفترات المحددة، ومبدأ عملية البيع الأولى. لوَّح القانون بتوقيع العقوبات على المخالفين لقوانين حقوق التأليف والنشر — وهو التلويح الذي جعل نسبة كبيرة لا بأس بها من الناس تلتزم بالقوانين — لكن في المقابل، لم يتم وضع القانون للقيام بدور المؤلف في حماية حقوقه. يتضمن القانون أهدافًا عامة، فضلًا عن أهداف المؤلفين الخاصة.

توفِّر النظم محل الثقة الحماية نفسها للمؤلفين. يجني المؤلفون المال نظير استخدام أعمالهم؛ وذلك نظرًا لأنهم يستطيعون تقييد الاستخدام غير المصرَّح به لأعمالهم. تستطيع النظم محل الثقة إذن تحقيق ما يهدف إليه قانون حقوق التأليف والنشر، لكنها توفِّر الحماية دون أن يكون القانون طرفًا في عملية تقييد الاستخدام. تسمح هذه النظم بسيطرة غير ملحوظة على استخدام المحتويات التي تتمتع بالحقوق أكثر مما يسمح القانون، وتستطيع هذه النظم تحقيق تلك السيطرة دون الحاجة إلى القانون.

تستطيع النظم محل الثقة من خلال الكودِ القيامَ بما تسعى حقوق التأليف والنشر للقيام به من خلال تهديد القانون وضغط الأعراف الاجتماعية. وفيما تملي حقوق التأليف والنشر على الآخرين احترام حقوق مالكها قبل استخدامها، تمنح النظم محل الثقة حق الاستخدام فقط عندما يتم احترام هذه الحقوق في المقام الأول. يتم بناء أدوات السيطرة اللازمة لتنظيم حق الاستخدام في هذه النظم، ولا يملك المستخدمون (بخلاف القراصنة) خيارًا بشأن الالتزام بذلك أو لا. يُكمل الكود القانون من خلال تشفير القواعد، وهو ما يجعلها أكثر فعالية.

تعتبر النظم محل الثقة بهذا المعنى بدائل خاصة لقانون حقوق التأليف والنشر. لا توجد ضرورة كي تكون النظم محل الثقة حصرية، ولا يوجد سبب لعدم الاستعانة بالقانون والنظم محل الثقة معًا. في المقابل، ينفِّذ الكود ما وضع القانون من أجله بفعالية. يحقق الكود الحماية التي يوفِّرها القانون بصورة أكثر فعالية بكثير من القانون.

ما هو الخطأ في ذلك؟ لا نقلق عندما يضع الناس مزلاجًا مزدوجًا على أبوابهم كنوع من الحماية الإضافية للحماية التي يوفرها شرطي الحي. لا نقلق عندما يغلق الناس سياراتهم ويحتفظون بمفاتيحها. لا تعتبر جنحة أن تحمي نفسك أكثر من الاعتماد على الدولة، بل يعتبر ذلك فضيلة في بعض السياقات. كانت والدة آندرو جاكسون تنصحه قائلةً: «لا تكذب أبدًا، ولا تأخذ ما ليس ملكك، ولا تقاضِ أحدًا بسبب التشهير، أو الإرهاب، أو الاعتداء البدني. قم بتسوية هذه الأمور بنفسك دومًا.»19 تعتبر الكفاية الذاتية قوة فيما يُعد اللجوء للقانون علامة ضعف.

هناك خطوتان للإجابة على هذا السؤال. تعيد الخطوة الأولى تكرار نقطة مألوفة لكنها منسيَّة عن طبيعة «الملكية»، فيما تشير الخطوة الثانية إلى نقطة أقل ألفة، لكنها مركزية فيما يتعلق بطبيعة الملكية الفكرية. معًا، تفسِّر الخطوتان لماذا لا تعتبر السيطرة الكاملة هي السيطرة التي منحها القانون لمالكي حقوق الملكية الفكرية، ومعًا، تشير الخطوتان إلى المشكلة المحتملة التي سيفضي إليها قانون حقوق التأليف والنشر في الفضاء الإلكتروني.

(٤) حدود حماية الملكية

كان الواقعيون في التاريخ القانوني الأمريكي (بين حوالي عامي ١٨٩٠ و١٩٣٠) فقهاء قانون أكدوا (جزئيًّا) على دور الدولة فيما كان يُعرف باسم «القانون الخاص».20 في ذلك الوقت، كانت الصفة «الخاص» محل جُل التركيز في القانون الخاص. تم نسيان القانون كما لو كانت «الملكية» و«العقد» يوجدان بمعزل عن الدولة.
هدف الواقعيون إلى تقويض هذه الرؤية. منح قانون العقود والملكية الأطراف الخاصة سلطة.21 إذا خالفت عقدك معي، أستطيع اللجوء للمحكمة كي تصدر أمرًا قضائيًّا لمأمور إنفاذ القانون كي يجبرك على الدفع. يمنحني العقد سلطة الدولة التي يمثلها المأمور. إذا نص عقدك مع الشركة التي تعمل بها على الاستغناء عن خدماتك حال تأخرك، يمكن الاتصال بالشرطة لإجبارك على الرحيل إذا رفضت المغادرة. إذا نص عقد الإيجار على منعك من اقتناء القطط في العقار الذي تقيم به، يمكن لصاحب العقار اللجوء إلى سلطة القضاء لإجبارك على إخلاء العقار حال عدم تخلُّصك من القطط. هذه كلها أمثلة يمنح فيها العقد والملكية — مهما كانا ينطويان على أفعال خاصة — الفرد إحدى السلطات العامة للدولة.
لا شك في أن لهذه السلطة ما يبررها في كثير من الحالات. وليس من التجاوز أن نطلق على هذه السلطة اسم «القانون». برزت نماذج الازدهار الأكبر في التاريخ بفضل النظم التي استطاع في ظلها الأفراد تنظيم حيواتهم بحرية من خلال العقود والملكية. وسواء أكانت هذه السلطة مبررة أم لا، يرى الواقعيون ضرورة رسم حدود هذا «القانون» لتحقيق الفائدة للمجتمع.22

ليست هذه شيوعية، ولا يعتبر ذلك هجومًا على الملكية الخاصة، مثلما لا يعني ذلك أن الدولة تحقق الثروات (دع عنك فِكَر آين راند). يمثِّل ما سبق ادعاءات بشأن العلاقة بين القانون الخاص والقانون العام، وهي الادعاءات التي لا يجب أن تكون محل خلاف.

يؤسس القانون الخاص للحقوق الخاصة بقدر ما تحقق هذه الحقوق الخاصة منفعة عامة. فإذا كان الحق الخاص لا يحقق منفعة عامة، فلا يتوافر سبب إذن لدى الدولة للتأسيس له من خلال القانون. تعتبر مصالح الدولة عامة لا خاصة؛ لذا تتوافر الدوافع لدى الدولة لتأسيس الحقوق عندما تخدم هذه الحقوق هدفًا عامًّا لا خاصًّا.

يعد تأسيس الملكية الخاصة مثالًا عمليًّا على هذه النقطة. للدولة مصلحة في الدفاع عن حقوق الملكية الخاصة؛ وذلك نظرًا لأن الملكية الخاصة تسهم في تحقيق ازدهار عام قوي. تعتبر الملكية الخاصة نظامًا لتنظيم العلاقات الاقتصادية التي تُفيد جميع أفراد المجتمع، وما من نظام آخر ابتكرناه من أجل تنظيم العلاقات الاقتصادية ينظمها على نحو أفضل مما يفعل نظام الملكية الخاصة، بل ويؤمن البعض أنه يستحيل على أي نظام آخر تحقيق ذلك.23

في المقابل، حتى مع ملكية الأشياء العادية — مثل السيارة أو المنزل — لا تعتبر حقوق الملكية حقوقًا مطلقة. لا يوجد أي نمط من الملكية لا يخضع في نهاية المطاف إلى مصالح الدولة. يمكن الاستيلاء على أرض خاصة لبناء طريق سريع، أو مصادرة سيارة لنقل ضحية أحد الحوادث إلى المستشفى، أو عبور رجل البريد للممشى المفضي من الطريق إلى المنزل، أو تفتيش المنازل من قبل مفتشي الصحة. يعتبر نظام الملكية الذي نطلق عليه «الملكية الخاصة» نظامًا يوازن — بطرق لا حصر لها — بين السيطرة الحصرية للفرد وبين بعض الأهداف العامة المحددة للدولة. وعندما يحدث تعارض بين حقوق الفرد الحصرية وسلطة الدولة في تحقيق أهدافها، تخضع الأولى عادةً للثانية.

يعتبر هذا التوازن، بحسب الواقعيين، سمة أساسية لجميع أنماط الملكية. وهي سمة مهمة للغاية فيما يخص الملكية الفكرية. يختلف التوازن في الحقوق في حالة الملكية الفكرية عن التوازن في حالة ملكية الأشياء العادية أو الملكية الشخصية. «المعلومات مختلفة»،24 على حد تعبير بويل. تُظهر إحدى السمات البديهية للملكية الفكرية السبب وراء اختلاف المعلومات.

عندما يمنح قانون الملكيةِ الأفرادَ الحق الحصري في استخدام المنازل، هناك سبب وجيه لذلك. فإذا شاركتني أنت في استخدام منزلي، فستقلُّ المساحة التي يمكنني استخدامها منه. وعندما يمنحني القانون حقًّا حصريًّا في تناول التفاحة التي أملكها، هناك منطق يكمن أيضًا وراء ذلك؛ فإذا أكلت أنت تفاحتي، فلن أستطيع أنا أن آكلها. إن استخدامك لملكيتي يتداخل مع استخدامي لها، واستهلاكك يقلل من استهلاكي.

يتوافر لدى القانون إذن سبب وجيه كي يمنحني حقًّا حصريًّا في استخدام ملكيتي الشخصية وما يتصل بها. إذا لم يمنحني القانون هذا الحق، فلن أعبأ كثيرًا بالحرص على أن يكون لدي ملكية، أو إذا عملت جاهدًا كي تصبح لدي ملكية، فسأقضي وقتًا طويلًا أحاول إبعاد الآخرين عن ممتلكاتي. هكذا، من الأفضل للجميع أن يتوافر للأفراد حقوق حصرية للممتلكات (التي تم الحصول عليها بصورة قانونية)؛ حيث ستتوافر لدى الأفراد حينها الدوافع للحصول على ممتلكات دون إهدار الوقت في الدفاع عنها.25
تختلف الأمور مع الملكية الفكرية؛ فإذا «أخذت» أنت فكرتي، فلا تزال الفكرة معي. إذا حدثتُك عن فكرة، فلن تسلبني إياها.26 تتمثل إحدى السمات الحتمية للملكية الفكرية في أن طريقة استهلاكها تتسم «بعدم النفاد مهما كان عدد المستخدمين لها في أي وقت»، على حد تعبير الاقتصاديين. لا يؤدي استهلاكك إلى تقليل حصتي. فإذا كتبتُ أغنية، تستطيع أنت غِناءها دون أن يحول ذلك دون غنائي لها أيضًا، وإذا كتبتُ كتابًا، يمكنك قراءة نسخة منه (رجاءً قم بذلك) دون أن يمنعني ذلك من قراءة نسخة أخرى للكتاب. يمكن تبادل الفِكَر بصورة جوهرية دون التقليص من حصة ما يمكن أن يستهلكه «المالك». يعتبر هذا الفارق بين الملكية الفكرية والملكيات الأخرى أساسيًّا. وقد كانت تلك مسألة مفهومة منذ التأسيس لحقوق الملكية الفكرية.
يقدِّم جيفرسون الفكرة بصورة أفضل مني:
إذا كان هناك شيء أقل عرضة من غيره للملكية الحصرية فهو ثمرة قوة التفكير التي نسميها «الفِكَر»، والتي يمكن للمرء أن يمتلكها امتلاكًا حصريًّا طالما أنه يحتفظ بها لنفسه ولم يطلع أحدًا عليها؛ ولكن ما إن يُكشَف عنها حتى تفرض نفسها على الجميع؛ حيث لا يستطيع متلقيها أن يقصي نفسه عنها. ومن الخصائص المميزة للفكرة أيضًا ألا يمتلك أي فرد قدرًا أقل منها من الآخرين؛ حيث يمتلك الجميع الفكرة بكاملها. وأيًّا كان من يتلقى عني فكرة؛ فإنه يتلقى معلومات محددة دون أن يقلل ذلك من فكرتي، مثلما أن أيًّا كان من يضيء شمعة من خلال شمعتي، يحصل على الضوء دون أن يطفئ ذلك ضوء شمعتي. تبدو الفِكَر في انتقالها الحر من شخص إلى آخر عبر العالم، لأغراض أخلاقية وتبادلية بين البشر ولتحسين أوضاعهم، شيئًا صُمِّم بصورة فريدة وخيِّرة عن طريق الطبيعة، عندما قامت بصنعها، تمامًا مثل النار التي تنتشر في كل مكان دون أن يقلل ذلك من كثافتها في أي لحظة، ومثل الهواء الذي نتنفسه ونتحرك فيه وتتواجد فيه أجسادنا، الذي هو غير قابل لحصره في مكان محدد أو امتلاكه بصورة حصرية. لا يمكن إذن أن تصير الاختراعات في الطبيعة موضوعًا للملكية.27

من الناحية الفنية، يعرض جيفرسون لمفهومين؛ أولهما: يتعلق بإمكانية إقصاء الآخرين من استخدام أو الاطلاع على الفكرة، التي يعرِّفها جيفرسون بأنها «فعل قوة التفكير … التي يمتلكها الفرد بصورة حصرية ما دام يحتفظ بها لنفسه.» هنا تتمثل مسألة ما إذا كانت الفِكَر قابلة لإقصاء الآخرين عنها أم لا. يؤكد جيفرسون أن الفكرة «قابلة لإقصاء الآخرين عنها» حتى تحل «اللحظة التي يتم فيها الإفصاح عن الفكرة.»

يتعلق المبدأ الآخر بما إذا كان استخدام شخصٍ فكرةً تم الإفصاح عنها يقلل من استخدام شخص آخر لها. هنا تتمثل مسألة ما إذا كانت الفِكَر المُفصح عنها «تنفد مع استخدام الآخرين لها في أي وقت».28 مرة أخرى، يشير جيفرسون إلى عدم «نفاد الفِكَر مع استخدام الآخرين لها في أي وقت» بمجرد الإفصاح عنها. يعتقد جيفرسون أن عملية الإفصاح/التبادل جعلت الفِكَر غير قابلة لإقصاء الآخرين عنها، فضلًا عن عدم نفادها مع استخدام الآخرين لها في أي وقت. في المقابل، لا يملك الإنسان فعل الكثير حيال هذه الحقيقة.29

في واقع الأمر، تعتبر الفِكَر المتبادلة غير قابلة لإقصاء الآخرين عنها، فضلًا عن عدم نفادها مع استخدام الآخرين لها في أي وقت. أستطيع، على سبيل المثال، إقصاء الآخرين عن الاطلاع على فِكَري أو كتاباتي الخاصة عن طريق الاحتفاظ بها لنفسي، أو بناء السياجات حولها لإبعاد الآخرين عنها. يظل السؤال عن مدى سهولة أو فعالية القيام بذلك سؤالًا فنيًّا؛ حيث يعتمد تحقيق ذلك على معمار الحماية التي يوفرها سياق محدد. في المقابل، في ظل وجود التكنولوجيا المناسبة، لا يوجد شك في إمكانية إبعاد الآخرين عن فِكَري. ما لا يمكنني تحقيقه هو إقصاء الآخرين عن فِكَري أو كتاباتي التي عرضتها؛ لأنها لم تعد ببساطة فِكَرًا خاصة.

تعتبر فِكَري المعروضة أيضًا سلعًا تتميز بعدم نفادها مهما كان عدد المستخدمين لها في أي وقت. لا توجد تكنولوجيا (نعرفها حتى الآن) تستطيع محو فكرة من رأسك عند مرورها إلى رأسي. لا تقلل معرفتي بما تعرفه من قدر ما تعرفه. تعتبر هذه الحقيقة أمرًا مسلمًا به في العالم، وهو ما يجعل الملكية الفكرية مختلفة. فبخلاف التفاح أو المنازل، لا تقلل الفِكَر التي آخذها منك مما تعرفه بمجرد معرفتها.

لكن ذلك لا يعني أنه ما من حاجة إلى حقوق ملكية الفِكَر أو الاختراعات.30 لا يعني امتلاكك ما أمتلك دون أن يقلل ذلك مما أملك ألا تتوافر لدى الدولة الدوافع اللازمة لتحديد الحقوق التي تتعلق بالفِكَر، أو الحقوق التي تتعلق بالتعبير عنها.

إذا لم يستطع كاتب روائي أن يمنعك من إصدار نسخ من كتبه (بدلًا من شرائها)، فلن يتوافر لدى الروائي الدافع القوي لتأليف روايات أخرى. ربما لم ينقص ما لدى الروائي من فِكَر بعد أن أخذت العمل الذي قام بتأليفه، لكنك إذا أخذت العمل دون دفع مقابل ذلك، فلن يتوافر لدى الروائي الدافع المالي لتأليف روايات أخرى.

بطبيعة الحال، تعتبر الدوافع التي تواجه أي مؤلف معقَّدة، ومن غير الممكن تعميم الأمور بصورة مبسطة.31 في المقابل، لا يجب أن تشمل التعميمات جميع الحالات حتى نؤكد على النقطة الأساسية هنا؛ إذ حتى لو قام بعض المؤلفين بالكتابة دون مقابل، لا تزال هناك حاجة في القانون إلى حقوق ملكية فكرية. إذا لم يقم القانون بحماية حقوق التأليف، فلن يكون هناك مؤلفون كثيرون. هناك أسباب قانونية لحماية حقوق المؤلفين؛ حيث يؤدي ذلك إلى توفير الدوافع اللازمة للمؤلفين للتأليف. في حال الملكية العادية، يجب أن يوفر القانون الدافع اللازم للامتلاك فضلًا عن حماية حق الملكية. في حال الملكية الفكرية، لا توجد حاجة في القانون إلا لتوفير دافع ابتكار أعمال الملكية الفكرية.

هذا هو الفارق بين هذين النمطين المختلفين للغاية للملكية، وهو فارق يؤثر بصورة أساسية على طبيعة قانون الملكية الفكرية. فبينما نقوم بحماية الملكية الشخصية وما يتعلق بها لتوفير الحماية للمالك ضد الأضرار المحتملة، فضلًا عن توفير دوافع الامتلاك، نقوم بحماية الملكية الفكرية لضمان توفير دافع كافٍ لابتكار أعمال الملكية الفكرية. يعتبر «الدافع الكافي» هنا أقل من «السيطرة الكاملة». وهكذا يمكن القول بأن وسائل الحماية المثالية في قانون الملكية الفكرية تقل عن وسائل الحماية المثالية لأنماط الملكيات العادية أو ما يتعلق بها.

أقر دستورنا بهذا الفارق بين طبيعة الملكية الفكرية والملكية العادية؛ حيث يمنح الدستور الكونجرس — في المادة الأولى، القسم الثامن، الفقرة الثامنة — سلطة «دعم تقدم العلوم والآداب المفيدة عن طريق منح المؤلفين والمخترعين، لفترات محددة، الحق الحصري في ملكية كتاباتهم واختراعاتهم.»

لاحظ البناء الخاص لهذه الفقرة: أولًا؛ تحدد الفقرة السبب المحدد لمنح السلطة؛ ألا وهو دعم تقدم العلوم والآداب المفيدة. لهذه الأسباب، ولهذه الأسباب فقط، يجوز للكونجرس منح حق استثنائي. ثانيًا؛ لاحظ محدودية الزمن الخاصة بهذا الحق، «لفترات محددة»؛ فلا يسمح الدستور للكونجرس بمنح المؤلفين والمخترعين حقوقًا حصرية دائمة في ملكية كتاباتهم واختراعاتهم، بل يمنحهم حقوقًا محدودة فقط (على الرغم من إمكانية التوسع في منح هذه الحقوق).32 لا يمنح الدستور الكونجرس سلطة منح المؤلفين والمخترعين حقوق «ملكية» دائمة لكتاباتهم واختراعاتهم، بل حقوقًا حصريَّة لها خلال فترة محددة.

تعتبر حماية الدستور للملكية الفكرية إذن مختلفة جوهريًّا عن حماية الملكية العادية. قلت آنفًا إن جميع أنماط الملكية تتحدد بحدود تحقيق مصلحة عامة، لكن حتى في حال ما إذا قررت الحكومة تأميم جميع الممتلكات بعد فترة لا تزيد عن خمسة عشر عامًا من الملكية، سيشترط الدستور على الحكومة تعويض أصحاب الممتلكات. في المقابل، إذا وضع الدستور حدًّا أقصى لحقوق التأليف والنشر في حدود فترة خمسة عشر عامًا، فلن يستطيع أحد الادعاء بوجوب تعويض الحكومة لمالكي الحقوق بعد انقضاء الفترة المحددة. تعتبر حقوق الملكية الفكرية حقًّا احتكاريًّا تمنحه الدولة لمبتكري أعمال الملكية الفكرية في مقابل قيامهم بابتكارها. بعد انقضاء فترة محددة، تتحول أعمال الملكية الفكرية إلى ملكية عامة يستخدمها الجميع كيفما يشاءون. هذه هي الشيوعية الكامنة في صلب ضمانات حماية الدستور للملكية الفكرية، فلا تعتبر هذه «الملكية» ملكية بالمعنى المعتاد للعبارة.

يصح ذلك أيضًا لأسباب تتخطى التقاليد. ظل الاقتصاديون لفترة طويلة على اعتقاد بأن منح حقوق الملكية فيما يتعلق بالمعلومات مسألة محفوفة بالمخاطر (على أقل تقدير).33 لا يرجع ذلك لانتماءات يسارية بين الاقتصاديين، لكن لأن الاقتصاديين ينحون دائمًا للنظر في الآثار المترتبة على القيام بأحد الأفعال؛ حيث يتمثل هدف الاقتصاديين في منح أي حق من حقوق الملكية في تيسير عملية الإنتاج. من ناحية المبدأ، لا توجد طريقة يمكن من خلالها معرفة ما إذا كان زيادة أو تقليص الحقوق الممنوحة وفق قانون الملكية الفكرية سيؤدي إلى زيادة في إنتاج أعمال الملكية الفكرية. تختلف الأسباب وتتشابك لكن تظل النقطة الأساسية واضحة. في واقع الأمر، لا تضمن زيادة حماية الملكية الفكرية «دعم تقدم العلوم والآداب المفيدة»، بل على العكس قد يؤدي ذلك إلى التضييق عليها.
يتمثَّل التوازن الذي يعقده قانون الملكية الفكرية عادةً بين ضمانات الحماية التي يتم توفيرها للمؤلف وبين حق الاستخدام أو الاطلاع العام الممنوح للجميع. والهدف من ذلك هو توفير الدافع الكافي للمؤلف لإصدار المزيد من الأعمال. كما تم وضع حدود سلطة المؤلف في السيطرة على استخدام الفِكَر التي ابتكرها في صلب قانون الملكية الفكرية.34

يتمثَّل أحد الأمثلة الكلاسيكية على هذه الحدود على سلطة المؤلف، وفي الاستخدام العام لأعمال الملكية الفكرية، في حق «الاستخدام العادل». الاستخدام العادل هو حق استخدام أعمال تتمتع بحقوق التأليف والنشر، بغض النظر عن رغبات مالك هذه الأعمال. تمنح حقوق التأليف والنشر مالك العمل حقوقًا محددة. يعتبر الاستخدام العادل قيدًا على هذه الحقوق. يمنح حق الاستخدام العادل مستخدم هذا الحق في نقد هذا الكتاب، مثلًا، أو استقطاع أجزاء منه، أو إعادة إنتاج مقاطع منه في صورة مقال يهاجمني. بهذه الطرق إذن وبطرق أخرى، يمتلك المستخدم الحق في استخدام هذا الكتاب بغض النظر عما أرى كيف يجب استخدامه.

لا يتعارض حق الاستخدام العادل بالضرورة مع مصالح المؤلف، أو بصورة أدق، لا يتعارض حق الاستخدام العادل بالضرورة مع مصالح المؤلفين كطبقة. عندما يقوم حق الاستخدام العادل بحماية حق مراجعي الكتب في نقد الكتب دون الحصول على إذن مسبق من المؤلفين، يتزايد عدد النقَّاد. وكلما زاد النقد، توافرت معلومات أفضل حول أي الكتب يجب أن يقرأها الناس. وكلما صارت المعلومات أفضل فيما يتعلق بأي الكتب يشتريها الناس، زاد عدد من يشتري هذه الكتب. يستفيد المؤلفون بصورة عامة من نظام الاستخدام العادل حتى إذا لم يستفد مؤلفون بعينهم من ذلك.

يمتلئ قانون حقوق التأليف والنشر بهذه القواعد. من أمثلة ذلك مبدأ «عملية البيع الأولى». إذا اشتريت هذا الكتاب، يمكنك بيعه إلى شخص آخر دون وجود أي قيود من جانبي أفرضها عليك.35 يختلف هذا المبدأ عن التقليد الموجود، على سبيل المثال، في أوروبا؛ حيث توجد «حقوق أدبية» تمنح مبتكر العمل سلطة للسيطرة على الاستخدامات اللاحقة له.36 ذكرت بالفعل مثالًا آخر؛ ألا وهو الفترة المحددة. لا يستطيع مبتكر العمل الفكري مد فترة حماية القانون للعمل (حتى لو استطاع الكونجرس ذلك)؛ حيث تتحدد الفترة وفق القانون وتنتهي بانقضائها.

معًا، تمنح هذه القواعد صاحب العمل سيطرة كبيرة — لكنها غير كاملة — على استخدام ما يبتكره. تمنح هذه القواعد العامة بعض الحقوق في الاستخدام، لكنها ليست حقوقًا كاملة. بالإضافة إلى ذلك، يتحقق التوازن في حقوق الملكية الفكرية بصورة مختلفة عن التوازن الذي يحققه القانون في حال الملكية العادية، وذلك بفضل طريقة تصميمها. يتم تصميم حقوق الملكية الفكرية دستوريًّا بحيث تساعد على توفير أماكن مشاع عامة لتبادل الأعمال الفكرية والثقافية.

يحقق القانون هذا التوازن. ولا يوجد هذا التوازن في الطبيعة. فدون القانون، وقبل ظهور الفضاء الإلكتروني، لا تتوافر لدى المؤلفين سوى وسائل محدودة للغاية لحماية أعمالهم. يمنح القانون المؤلفين شيئًا لم يكونوا ليحصلوا عليه، وذلك في مقابل قيود مفروضة على حقوقهم، وهي قيود تضمن تحقيق الفائدة الفكرية العامة للمجتمع ككل.

(٥) البدائل الخاصة للقانون العام

هكذا يحقق قانون التأليف والنشر التوازن بين سلطة السيطرة وحق الاستخدام. ماذا إذن عن هذا التوازن عندما يصير الكود هو القانون؟ هل نتوقع بقاء أي من القيود على الحقوق؟ هل نتوقع أن يعكس الكودُ القيودَ التي يفرضها القانون؟ الاستخدام العادل؟ الفترة المحددة؟ هل سيتم بناء هذه «العورات» في أنظمة حماية الحقوق من خلال الكود الخاص؟

أصبحت النقطة واضحة الآن. عندما يحمي الكود الملكية الفكرية، لا يوجد ما يشترط تحقيق نفس التوازن مثلما هو الحال مع الملكيات العادية. لا يوجد ما يشترط أن يمنح مالك الحقوق حق الاستخدام العادل. ربما يسمح مالك الحق للأفراد بالتصفح المجاني لكتبه، مثلما هو الحال في متجر الكتب، وربما لا يسمح بذلك. يعتمد منح صاحب العمل هذا الحق من عدمه على ما إذا كان يحقق ربحًا أو لا. يصبح حق الاستخدام العادل إذن معتمدًا على تحقيق المكسب الخاص. والأهم من ذلك يصير حق الاستخدام العادل معتمدًا على المكسب الخاص للمؤلفين بصورة فردية بدلًا من مكسب المؤلفين جميعًا كطبقة.

من هنا، تقوم النظم محل الثقة — مثلما هو الحال مع القانون الخاص — بعملية التنظيم في نفس المجال الذي يقوم قانون حقوق التأليف والنشر بالتنظيم فيه. في المقابل، وبخلاف قانون حقوق التأليف والنشر، لا تضمن النظم محل الثقة القيود نفسها على حماية حقوق التأليف والنشر؛ فالنظم محل الثقة تمنح مبتكر العمل أعلى سيطرة ممكنة على استخدامات العمل الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر، بتكلفة أقل بكثير، وهو ما يسمح للمزيد من المؤلفين بالنشر. تمنح هذه الأنظمة إذن سيطرة شبه كاملة في مجال لا يحقق القانون فيه السيطرة الكاملة للمؤلف على عمله. يحل الكود إذن محل التوازن الذي يحققه قانون حقوق التأليف والنشر من خلال إزاحة القيود التي يفرضها القانون. وعلى حد تعبير دانيال بنلوليل:
يقوم مقدمو خدمات المحتوى غير المركزي … بعملية خصخصة لسلطة تفعيل القانون من خلال معايير تكنولوجية صارمة، يُمنع الأفراد في ظلها من الاطِّلاع واستخدام محتوى رقمي محدد بصورة قد تتجاوز حق الاستخدام العادل المشروع.37

حتى الآن يضع تناولي للحقوق القانون في مواجهة الكود؛ حيث إنه إما يتكامل قانون حقوق التأليف والنشر مع الكود الخاص أو يتعارض معه. ربما لا تزال غير مقتنع بأننا يجب أن نعتبر ذلك تعارضًا؛ لأنه من المعتاد أن يمارس المرء سيطرة أكبر على العمل المتمتع بحقوق التأليف والنشر، مما يمنح القانون الحق للمرء في التصرف في عمل يتمتع بحقوق التأليف والنشر. على سبيل المثال، إذا كنت تمتلك لوحة تنتمي إلى المجال العام (أي انتهت فترة تمتعها بحقوق الملكية الخاصة)، لا يوجد ما يمنعك من حجب هذه اللوحة عن الجميع. تستطيع مثلًا الاحتفاظ بهذه اللوحة في حجرتك ولا تدع أي إنسان يراها. قمت أنت من خلال ذلك بحرمان العالم من الاستمتاع بقيمة هذه اللوحة التي تنتمي إلى «المجال العام». في المقابل، لم يفكر أحد مطلقًا في أن هذا التفاعل بين قانون التعدي وحقوق التأليف والنشر أدى إلى ظهور تعارض مهم. لماذا إذن يجب على أي شخص الاهتمام بما إذا كان مالكو حقوق التأليف والنشر يستخدمون الكود لحجب محتوياتهم بصورة تتجاوز التوازن الذي يحققه قانون حقوق التأليف والنشر؟

إذا كانت هذه هي النقطة التي لا نستطيع منها فكاكًا، فدعني إذن أُضفْ جزءًا آخر إلى هذا التناول. كما ذكرت سابقًا، يحتوي قانون الألفية لحقوق التأليف والنشر الرقمية على اشتراط توافر تكنولوجيات ضد التحايل على عملية إصدار نسخ رقمية. يحرِّم هذا الجزء من القانون التحايل على بعض إجراءات الحماية التكنولوجية من خلال منع تطوير تطبيقات من شأنها التحايل على الحماية التكنولوجية، بل يمنع هذا الجزء من القانون أي عمليات للتحايل بقطع النظر عن أهداف عمليات التحايل. من هنا، إذا كان استخدام أحد الأعمال التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر — وذلك في حال إمكانية الاطِّلاع على العمل — هو «استخدام عادل»، فلا يزال قانون الألفية لحقوق التأليف والنشر الرقمية يعتبر الاطِّلاع على المحتوى أو استخدامه من قبيل التحايل على ضمانات الحماية التكنولوجية. هكذا يمنح جزء من قانون حقوق التأليف والنشر حق «الاستخدام العادل»، فيما ينزع جزءٌ آخر منه بعض الحرية في التمتع بحق الاستخدام العادل؛ حيث تم التخلص من حق الاستخدام العادل من خلال الوسائل التكنولوجية.38

ماذا بعدُ إذن؟ هكذا يتساءل المتشككون. فما يمنحه القانون يستطيع سلبه على أي حال، أليس الأمر كذلك؟

لا، لا يستطيع، وهنا مناط الأمر. كما أشارت المحكمة الدستورية العليا، يعتبر قانون حقوق التأليف والنشر متوافقًا مع التعديل الأول من الدستور؛ وذلك نظرًا لبعض القيود المهمة المنصوص عليها في القانون. سيؤدي التخلص من هذه القيود إلى إثارة أسئلة مهمة تتعلق بالتعديل الأول. من هنا، عندما يُطبَّق القانون مع الكود للتخلص من ضمانات حماية القانون للاستخدام العادل، سيثير هذا سؤالًا مهمًّا بالضرورة، خاصة بالنسبة للمهتمين بالحفاظ على التوازن الذي يحققه قانون حقوق التأليف والنشر.

لكن ربما يكون هذا التعارض مؤقتًا. ألا يمكن تغيير الكود لحماية حق الاستخدام العادل؟

الإجابة على هذا السؤال المفعم بالأمل (وأقول: مفعم بالأمل؛ لأنني أناقش في طرحي ما إذا كانت دوافع حماية الاستخدام العادل متوافرة أم لا) هي: لا، ليس بصورة مباشرة. يتطلب حق الاستخدام العادل بطبيعته الحكم على الغرض أو النوايا. وهذا الحكم يتجاوز قدرة أفضل أجهزة الكمبيوتر. في المقابل، يمكن حماية حق الاستخدام العادل بصورة غير مباشرة. يمكن لنظام سمح قبلًا لأحد المستخدمين بالاتصال بنظام محل ثقة، إذا أظهر هذا المستخدم ما يدل على أن استخدامه سيكون استخدامًا عادلًا (ربما عن طريق تمييز العمل المستخدم عن طريق بطاقة خاصة تجعل من الممكن تتبُّع المستخدم أثناء استخدامه للعمل)؛ أن يسمح بحماية حق الاستخدام العادل، أو — باستخدام عبارة ستيفك — ربما يسمح نظام منح قبلًا المستخدمين «رخصة الاستخدام العادل» — حيث يسمح لهم بالاطلاع على المحتوى، واللجوء إلى التأمين الداعم للرخصة لدفع غرامات مقابل أي مخالفات — أيضًا بحماية حق الاستخدام العادل.39 تعتمد هذه البدائل، من ناحية أخرى، على بنًى تقع خارج نطاق عمل الكود؛ فلا توجد طريقة لتتبع الاستخدام العادل من خلال الكود فقط.

ربما يرد البعض على ذلك بأن طرحي هذا جاء متأخرًا؛ حيث يتم إزاحة قانون حقوق التأليف والنشر حقيقةً، إذا لم يكن ذلك من خلال الكود، فمن خلال القانون الخاص للعقود. يشترط المؤلفون بصورة متزايدة من المشترين أو من المرخص لهم التخلي عن الحقوق التي منحهم إياها قانون حقوق التأليف والنشر، من خلال استخدام ما يعرف باسم تراخيص النقر، أو إماطة اللثام عن محتويات الاتفاق. فإذا كان قانون حقوق التأليف والنشر يمنح الحق في الهندسة العكسية، فقد تتضمن هذه العقود إقرار المستخدمين بألا يقوموا بأي عملية هندسة عكسية. وإذا كان قانون حقوق التأليف والنشر يمنح الحق في التصرف في الكتاب كيفما يشاء المشتري بعد عملية البيع الأولى، فربما يشترط أحد العقود الخاصة أن يتخلى المستخدمون عن هذا الحق. وإذا كانت هذه الشروط، في العقد، الملحقة بكل عمل يتمتع بحقوق التأليف والنشر قابلة للتنفيذ فقط من خلال «الإرفاق» و«المعرفة» بها، نستطيع إذن من خلال قانون العقود أن نعيد كتابة التوازن الذي يحققه قانون حقوق التأليف والنشر.

أوافق على أن هذا السباق لخصخصة قانون حقوق التأليف والنشر من خلال العقود لا يزال دائرًا، خاصة مع قرارات مثل قرار القاضي فرانك إيستربروك في قضية برو سي دي ضد زايدنبرج التي تزيد السباق اشتعالًا. في المقابل، ليست العقود في مثل سوء الكود؛ فإذا لم يتماشَ أحد شروط العقد مع إحدى قيم قانون حقوق التأليف والنشر، يمكنك رفض هذا الشرط وتدع الطرف الآخر يلجأ للقضاء لتنفيذ الشرط. في بعض الحالات، رفَض القضاء بصورة واضحة الفصل بجواز أحد الشروط في العقود للسبب ذاته؛ أي نظرًا لعدم تماشي الشرط مع إحدى قيم قانون حقوق التأليف والنشر.40 تعتمد قوة العقد في النهاية على قرار القضاء بتنفيذ شروطه أو لا. على الرغم من الحماس النسبي للقضاء لإيجاد طرق لتنفيذ العقود، هناك على الأقل شعاع من الأمل في حال ما إذا عرض الطرف الآخر (أي المستخدمون) قضيته بصورة محكمة، ربما يمضي القضاء في الاتجاه المعاكس مرة أخرى.41 «تختلف النظم محل الثقة عن العقود العادية بأكثر من طريقة أساسية»، على حد تعبير ستيفك:
لا يعتبر الالتزام بشروط العقد تلقائيًّا في حال العقود العادية؛ حيث تقع مسئولية الالتزام بشروطه على طرفي العقد. ربما توجد اشتراطات للمتابعة وضمان التزام الطرفين بشروط العقد، لكن تظل المسئولية الحقيقية في تنفيذ موضوع العقد وفق شروطه مناط طرفيه. إضافة إلى ذلك، تقع مسئولية تنفيذ العقود في نهاية المطاف في نطاق سلطة عمل القضاء.42

لا ينطبق الأمر نفسه على الكود. فبغض النظر عن المشكلات الموجودة عندما تحل العقود محل قانون التأليف والنشر، تصير المشكلات أسوأ مع حلول الكود محل قانون التأليف والنشر. مرة أخرى، أين يمكن أن نسوِّي الخلاف حول الكود؟ عندما يوفر التطبيق الحماية للحقوق دون الاعتماد في النهاية على الدولة، أين يمكن تسوية الخلاف حول طبيعة الحماية؟ أين يمكن أن نحقق التوازن عندما يسلبه الكود؟

لا أرغب في الدخول في هذا النقاش الخلافي إلى حد كبير حول ما إذا كان هذا التحوُّل في نمط السيطرة شيئًا جيدًا أو مناسبًا؛ فقد تحدثت عن ذلك كثيرًا في مواضع أخرى.43 لكن ينحصر مقصدي هنا في إدراك حدوث تغيير كبير. يسمح الكود حاليًّا بالسيطرة الكاملة بصورة متزايدة على سُبل انتشار الثقافة. إن القواعد المنظمة «تماشت حتى الآن بصورة كبيرة … مع جانب التوسع في سلطة مالكي الحقوق من أجل السيطرة على استخدام منتجاتهم.»44 تدعو هذه القواعد التنظيمية إلى زيادة المطالبة بتحقيق سيطرة كاملة على كيفية نشر الثقافة.

يثير انتشار العقود المقيدة لقانون حقوق التأليف والنشر، وكذا انتشار الكود المقيد لقانون حقوق التأليف والنشر سؤالًا لم يضطر قانون حقوق التأليف والنشر للإجابة عليه من قبل. لم نضطر قط إلى اختيار ما إذا كان يجب السماح للمؤلفين بتحقيق السيطرة الكاملة على استخدام أعمالهم للملكية الفكرية بعيدًا عن القانون؛ حيث لم يكن تحقيق هذه السيطرة بهذه الصورة ممكنًا. كان التوازن الذي حققه القانون هو أفضل ما استطاع المؤلفون الحصول عليه. حاليًّا، يقدم الكود صفقة أفضل للمؤلفين. يظل السؤال من منظور السياسة القانونية هو ما إذا كانت هذه الصفقة الأفضل معقولة للجميع.

نواجه هنا اللبس الكامن الأول في إطار قانون حقوق التأليف والنشر. هناك من يقولون إن قانون حقوق التأليف والنشر يقرر الإجابة على هذا السؤال، سواءٌ باتخاذ موقف ضد السيطرة القائمة على استخدام الكود أو لصالحها، لكن، في رأيي، هذا خيار لم يقرره القانون بعد. أمتلك آرائي الخاصة حول كيف يجب أن يقرر القانون الإجابة عن هذا السؤال. لكن ما فعلته التكنولوجيا هو إجبارنا على رؤية خيار لم يُتخذ من قبل. علينا بإدراك الخيار أولًا ثم اتخاذه.

بعبارة أكثر مباشرةً: كانت هناك دومًا مجموعة من الاستخدامات للأعمال التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر لم ينظمها قانون حقوق التأليف والنشر. فحتى في إطار الاستخدامات المُنظَّمة من خلال القانون، ظلت بعض استخدامات حق «الاستخدام العادل» حرة غير مقيَّدة. يظل السؤال الأساسي هو: لماذا؟ هل تركت هذه المعاملات دون تنظيم نظرًا لأن تكلفة تنظيمها مرتفعة للغاية؟ أم هل ظلت بعض المعاملات دون تنظيم نظرًا لأن بقاءها كذلك يمثِّل قيمة عامة مهمة ترتبط بحقوق التأليف والنشر؟

لم يضطر القانون إلى معالجة هذه المسألة من قبلُ قط، على الرغم من توافر الدعم لوجهتي النظر.45 تجبرنا التكنولوجيا الآن على معالجة هذه المسألة. يبقى السؤال إذن هو الكيفية.
يوجد مثال جيد لهذه المسألة في أحد أجزاء القانون الدستوري. منح واضعو الدستور الكونجرس سلطة تنظيم التجارة بين الولايات والأنشطة التجارية التي تؤثر على التجارة بين الولايات.46 عند تأسيس الجمهورية، كان حجم هذه التجارة هائلًا، لكن نظرًا للعمليات غير الفعالة في السوق، لم تمثِّل التجارة بين الولايات جميع أشكال التجارة آنذاك. هكذا استحوذت الولايات على مساحة من التجارة تقوم هي فقط بتنظيمها.47

بمرور الوقت، تغير نطاق التجارة بين الولايات كثيرًا بحيث لم تعد التجارة تنحصر في نطاق الولايات فقط. أدى هذا التحول إلى نوعين من رد الفعل. تمثل رد الفعل الأول في البحث عن طرق أخرى لمنح الولايات نطاقات أخرى تسيطر عليها في إطار سلطة تنظيمية حصرية. كان مبرر رد الفعل هذا هو الادعاء بأن هذه التحولات في التجارة بين الولايات من شأنها تقويض رؤية واضعي الدستور حول سلطة الولايات.

تمثَّل رد الفعل الآخر في الإقرار بتزايد نطاق السلطة الفيدرالية مع الإقرار بتوافق هذه الزيادة في السلطة الفيدرالية مع التوازن الدستوري.48 عند تأسيس الجمهورية، لا شك في أن بعض أنماط التجارة لم تكن تجري بين الولايات، ولم تؤثر على التجارة بين الولايات. في المقابل، لا يعني ذلك أن واضعي الدستور كانوا يقصدون وجود مثل هذه المساحة من الأنشطة التجارية دومًا. ربط واضعو الدستور نطاق السلطة الفيدرالية بهدف متحرك، وإذا انتقل الهدف تمامًا في اتجاه السلطة الفيدرالية، فهذا يجب أن يكون الاتجاه الذي نتبناه.49

التحول هو نفس التحول في كلا السياقين. فنحن نبدأ من موضع يتم فيه تحقيق التوازن من خلال مزيج احتكاكات المصالح في مجال تنظيمي محدد. يعتبر حق الاستخدام العادل على سبيل المثال أحد أنماط التوازن الممنوحة إلينا؛ وذلك لأنه من المكلف للغاية رصد جميع أشكال الاستخدام. بالمثل، تُمنح الولايات سلطة تنظيم التجارة في نطاق محدد؛ نظرًا لعدم تأثير جميع أنماط التجارة على التجارة بين الولايات. عندما يؤدي ظهور تكنولوجيا جديدة إلى تعكير صفو هذا التوازن، يجب أن نقرر ما إذا كان القصد الأصلي في الدستور هو تحقيق نوع من التوازن في الأساس، أو أن نطاق سلطة أحد جانبي التوازن يجب أن يلتزم، بأمانة، بما تم ربطه به، بحيث يبقى التوازن بين الجانبين مثلما أراده واضعو الدستور. اختصارًا، يمثِّل كلا السياقين حالة من اللبس.

يميل كثير من المهتمين بهذه المسألة (وأنا منهم) إلى أحد جانبي النقاش. إننا نعتقد أن هذا اللبس الكامن ليس لبسًا على الإطلاق. في سياق السلطة الفيدرالية، نعتقد أنه إما أن واضعي الدستور كانوا يقصدون أن تحتفظ الولايات بنطاق محدد من السلطة الحصرية،50 أو أن واضعي الدستور كانوا يقصدون أن السلطة الفيدرالية تحتفظ بسلطة السيطرة على أي نمط من أنماط التجارة التي تؤثر على التجارة بين الولايات.51 في سياق الاستخدام العادل، نعتقد أنه إما أن حق الاستخدام العادل يجب أن يكون اشتراطًا أساسيًّا للاستخدام العام، يتم ضمانه بقطع النظر عن نوع التكنولوجيا المستخدمة في تفعيله،52 أو أن حق الاستخدام العادل ما هو إلا حل وسط فعَّال يأتي كاستجابة لتكنولوجيا غير فعَّالة في حماية حقوق التأليف والنشر، بحيث يمكن التخلص منه في الحال بمجرد تحقيق الفعالية في حماية الحقوق.
لكن في كلتا الحالتين، قد تجعل هذه المفاضلة الأخيرة المسألة في غاية السهولة. ربما تكون أفضل إجابة في كلا السياقين هي أن تحقيق التوازن لم يُحسم عند وضع الدستور. ربما لم يفكر أحد في المسألة من الأصل، ومن ثم لا توجد إجابة على سؤال ماذا كان سيكون قصْدُ واضعي الدستور في حال تغيُّر أحد الافتراضات الأساسية عند وضع الدستور. إذا لم تكن هناك إجابة في الأصل، يجب أن نقرر نحن الإجابة على السؤال في ضوء فهمنا. «إنها أداة لم يتخيلها قط واضعو قانون حقوق التأليف والنشر، أو أولئك الذين يعتقدون بأن القوانين الحاكمة للملكية الفكرية لا يمكن إنفاذها.»53 وذلك على حد تعبير ستيفك متحدثًا عن النظم محل الثقة، وعن الآثار المترتبة على استخدامها.

يعتبر فقدان حق الاستخدام العادل أحد الآثار المترتبة على تطور النظم محل الثقة. وسواء اعتبرت ذلك مشكلة أو لا، فإنما يعتمد ذلك على وجهة نظرك حيال قيمة حق الاستخدام العادل؛ فإذا اعتبرت حق الاستخدام العادل قيمة عامة لا بد من وجودها بقطع النظر عن النظام التكنولوجي المستخدم، فسيزعجك بطبيعة الحال تطور تكنولوجيا النظم محل الثقة. من وجهة نظرك، توجد قيمة كامنة في العورات في النظام التكنولوجي السابق الذي سمح بتبادل الأعمال، وهي العورات التي تم التخلص منها من خلال النظم محل الثقة الجديدة.

في المقابل، إذا لم تعتقد أن فقدان حق الاستخدام العادل مشكلة، فلا تزال النظم محل الثقة تهدد قيمًا أخرى كامنة في العالم الواقعي الذي لا تتسم فيه أشياء كثيرة بالكمال. خذ مثال آخر.

(٦) الجهالة التي يسمح بها عالم لا يتسم بالكمال

كنت طالبًا في إحدى الجامعات الإنجليزية لعدد من السنوات. وفي كليتي، كان هناك «متجر بيع أغذية»، متجر داخل الكلية يبيع المشروبات الكحولية. خلال الأسبوع الأول لي في الجامعة كان علي أن أشتري عددًا كبيرًا نسبيًّا من زجاجات الويسكي (منحتها كهدايا، على ما أذكر). بعد مرور أسبوع على شرائي الويسكي، تلقيت طلب استدعاء من أستاذي للحديث معه في مكتبه. عندما ذهبت إليه، سألني الأستاذ عما اشتريته. كانت تلك، مثلما رأى الأستاذ، كمية مفرطة من الكحول، فأراد أن يعرف سبب شرائي كل هذه الكمية.

صدمت لسؤاله. واقع الأمر، قمت فعليًّا بعملية شراء داخل الجامعة ولم أُخف اسمي عندما قمت بذلك (حيث قمت بتسجيل عملية الشراء على حسابي في الجامعة)، وهكذا كشفت رسميًّا عن طبيعة مشترياتي للجامعة ووكلائها. في المقابل، صدمني تتبُّع إدارة الجامعة هذه المعلومات والتأكد منها. أدركت سبب قيامهم بذلك مثلما أدركت الهدف النبيل الذي كانوا يرمون إليه، لكنني لم أتوقع قط أن يتم استخدام هذه المعلومات بهذه الطريقة.

إذا كانت هذه الواقعة من قبيل التعدي على الخصوصية فهو تعدٍّ صغير. لاحقًا، كان من السهل عليَّ أن أخفي إفراطي في الشراب من خلال شراء المشروبات الكحولية من إحدى المتاجر المحلية بدلًا من شرائها من متجر الجامعة (على الرغم من علمي لاحقًا بأن المتجر المحلي استأجر مكانه من الجامعة، مَن يعلم إذن أي صفقة تمت بين الطرفين؟!) على أي حال، لم أُعاقَب. كانت الجامعة تشعر بالقلق فقط. في المقابل، يشير هذا المثال إلى مسألة أكبر؛ ألا وهي أننا نكشف عن فئة محددة من البيانات عن أنفسنا للآخرين، وهي بيانات لا نتوقع عادةً ألا يستخدمها الآخرون. ماذا يحدث إذن إذا استخدم الآخرون هذه البيانات؟

تعتمد النظم محل الثقة على هذه البيانات؛ حيث تعتمد النظم محل الثقة على قدرتها في معرفة كيفية استخدام الأشخاص للأعمال التي تتمتع بالحماية. يجب إذن أن تعرف هذه النظم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الأشخاص وعادات قراءاتهم قدر الإمكان؛ وذلك لوضع الأسعار الأكثر ملاءمة. تحتاج هذه النظم إلى معرفة هذه المعلومات؛ نظرًا لحاجتها إلى أسلوب فعَّال لتتبع الاستخدام، ومن ثم فرض سعر نظيره.54

في المقابل، تتضمن عملية التتبُّع هذه عملية اختراق خاصة. إننا نعيش الآن في عالم نفكر فيه فيما نقرأ بالطريقة نفسها التي كنت أفكر بها فيما اشتريت عندما كنت طالبًا في إنجلترا؛ إذ لا نتوقع أن يكون أحد في أثرنا. سنشعر بالصدمة إذا علمنا أن المكتبة تحتفظ بملصقات على الكتب التي قام الأفراد باقتراضها، وتستخدم هذه البيانات في عمليات تتبُّع محددة.

تعتبر عملية التتبع هذه هي ما تشترطه النظم محل الثقة. وهكذا يصير السؤال: هل يجب منح حق للحماية ضد هذا النوع من التتبُّع؟ يعتبر هذا السؤال موازيًا لسؤال الاستخدام العادل. في عالم لا يمكن فيه إجراء عملية التتبُّع هذه بصورة فعَّالة، لم يوجد حق بطبيعة الحال للحماية ضد عمليات كهذه. لكن حاليًّا، مع إمكانية إجراء عمليات التتبع على هذا النحو، يجب أن نسأل عما إذا كان يجب جعل الحق الكامن للقراءة المجهَّلة — وهو الحق الذي سمحت به عورات التكنولوجيات الأقدم — حقًّا يتمتع بالحماية القانونية.

ترى جولي كوهين ضرورة حماية هذا الحق، ويمكننا متابعة منطقها في ذلك على نحو مباشر.55 فمهما كان مصدر المعرفة، تُعد قيمة في ذاتها في هذا العالم أن نتمكن من الاستكشاف المعرفي بأنفسنا. تعد قيمة في حد ذاتها أن نستطيع أن نقرأ في جهالة، دون الشعور بالخوف من أن الآخرين سيعرفون أو يشاهدون أو يغيرون من سلوكهم بناءً على ما نقرؤه. تعتبر هذه القيمة عنصرًا من عناصر الحرية الفكرية مثلما هي أحد مكونات هويتنا.56

في المقابل، تمحو النظم محل الثقة هذا العنصر. تريد هذه النظم أن تتتبع السلوك دائمًا، وهو تتبع يقوِّض جهالة المستخدمين. يجب أن نقرر ما إذا كان يجب الحفاظ على قيم تنتمي إلى عالم اليوم في سياق النظم محل الثقة أم لا، فضلًا عن كيفية تحقيق ذلك.

ربما يكون السؤال سؤال ترجمة في المقام الأول؛ أي كيف يمكن الاستفادة من التطورات التكنولوجية للحفاظ على قيم تنتمي إلى سياق أقدم في سياق جديد؟ هذا هو السؤال نفسه الذي طرحه براندايس حول التنصت على المكالمات الهاتفية،57 وهو سؤال لا تكف المحكمة الدستورية العليا عن الإجابة عليه في عشرات السياقات طوال الوقت. يعتبر هذا السؤال بصورة أساسية سؤالًا حول الحفاظ على القيم عندما تتبدل السياقات.

في سياق الاستخدام العادل والقراءة، تمتلك كوهين إجابة متسقة على سؤال الترجمة هذا. ترى كوهين أن هناك حقًّا في مقاومة أو «قرصنة» النظم محل الثقة بقدر تعدي هذه النظم على الحق التقليدي للاستخدام العادل (أطلق الآخرون على هذا «نظرية كوهين»). أما فيما يتعلق بالقراءة، فترى كوهين أن نظم إدارة حقوق التأليف والنشر تحمي حق القراءة في جهالة، وفي حال تتبُّعها سلوك المستخدمين، يجب تصميمها بحيث تحافظ على حق الجهالة. تتبع كوهين الاستراتيجية نفسها؛ حيث تحدد كوهين قيمة يضمنها معمار قديم، لكنها تصير مهددةً من خلال معمار جديد، ثم تدفع كوهين في اتجاه دعم منح حق حماية القيمة الأصلية.

في المقابل، ربما نرى هذا السؤال بصورة أكثر التباسًا. أؤيد كوهين في وجهة نظرها، لكن وجهة النظر الأخرى لها وجاهتها أيضًا. فإذا كان مسموحًا باستخدام تكنولوجيا تسمح بتوفير أعمال تتمتع بحقوق التأليف والنشر، لماذا لا يتم السماح بجمع بيانات عمَّن يستخدم الأعمال؟ لا تعتبر عملية جمع البيانات هذه جزءًا من حقوق التأليف والنشر نفسها؛ حيث تعتبر منتجًا ثانويًّا للتكنولوجيا المستخدمة. وبما أن تقاليدنا الدستورية لم يتوافر أمامها هذه الإمكانيات التكنولوجية من قبلُ، فمن الصعوبة بمكان إذن القول بتبني خيار حيال هذا الأمر في الماضي.

(٧) ثقافة الرُّخَص في مقابل ثقافة الحرية

ذكرت بالفعل القيود التي يفرضها قانون حقوق التأليف والنشر على نفسه. أرى أن هذه القيود تعكس قيمًا مهمة. تعبِّر هذه القيود عن التوازن الذي يهدف قانون حقوق التأليف والنشر إلى تحقيقه.

لعل ما تفتقده دائمًا هذه المناقشة حول التوازن هو توافُر منظور معين يتناول الموضوع. فنحن نركِّز على التحولات التدريجية في القانون، لكننا لا ندرك المعنى العميق الذي تغيَّرت عبره دلالة القانون.

ينشأ هذا التحوُّل من خلال التفاعل غير المقصود بين معمار التكنولوجيات الرقمية ومعمار القانون.

ينظِّم قانون حقوق التأليف والنشر في جوهره عملية إصدار «نسخ» من الأعمال الفكرية. في عالم التكنولوجيا التناظرية، كانت هناك سياقات محدودة للغاية يستطيع المستخدمون من خلالها إصدار «نسخ». على حد تعبير جسيكا لتمان منذ أكثر من عقد مضى:
في بداية القرن، كان قانون الولايات المتحدة لحقوق التأليف والنشر قانونًا فنيًّا، وغير متسق، وصعب الفهم، فضلًا عن عدم انطباقه على أشخاص كثيرين أو أشياء كثيرة للغاية. إذا كان المرء مؤلفًا، أو ناشر كتب أو خرائط أو رسوم بيانية أو لوحات أو منحوتات أو صور فوتوغرافية أو نوتات موسيقية، أو كاتبًا مسرحيًّا، أو منتج مسرحيات، أو صاحب مطبعة؛ كان قانون حقوق التأليف والنشر يتدخل في حماية الحقوق. أما مع بائعي الكتب، وناشري لفائف قراءة نوتات العزف على البيانو وتسجيلات الأعمال الإباحية، ومنتجي الأفلام، والموسيقيين، والأكاديميين، وأعضاء الكونجرس، والمستهلكين العاديين؛ فبمقدورهم ممارسة عملهم دون أن يواجهوا أي مشكلات تتعلق بحقوق التأليف والنشر.58

وهكذا، كانت هناك طرق كثيرة يمكن من خلالها استخدام عمل إبداعي في عالم التكنولوجيا التناظرية دون الحاجة إلى إصدار نسخ.

تُصدر التكنولوجيا الرقمية، في جوهرها، نسخًا. تعتبر النسخ في الحياة الرقمية مثل عملية التنفس في الحياة العادية. لا توجد طريقة لاستخدام أي نوع من المحتويات في سياق رقمي دون أن ينطوي ذلك على عملية إصدار نسخ. عندما تقرأ كتابًا محفوظًا في جهازك، تقوم بعمل نسخة (على الأقل في الذاكرة المؤقتة للجهاز بغرض تصفح الكتاب)، وعندما تستخدم المحتوى الرقمي في أي شيء لا تقوم بذلك إلا من خلال عمل نسخة من هذا المحتوى.

هذه الحقيقة الفنية عن التكنولوجيات الرقمية — والتي ترتبط بالإطار الفني العام الحاكم للقانون — تحدث تحوُّلًا عميقًا في نطاق أو مدى تطبيق قانون حقوق التأليف والنشر، تحوُّلًا لا يراه كثيرون؛ فبينما توجد الحياة في عالم التكنولوجيا التناظرية دون حقوق تأليف ونشر، تخضع الحياة في العالم الرقمي لقانون حقوق التأليف والنشر؛ فكل خطوة يتم اتخاذها في العالم الرقمي تُفعِّل قانون حقوق التأليف والنشر. يخضع كل استخدام إما لرخصة أو يصبح غير قانوني، إلا في حال اعتباره «استخدامًا عادلًا». وسَّع إذن ظهور التكنولوجيات الرقمية من نطاق تطبيق قانون حقوق التأليف والنشر، بصورة جذرية، من تنظيم جزء صغير من الحياة البشرية إلى تنظيم كل شيء في الحياة على جهاز كمبيوتر.

إذا كان جُلُّ ما تفكِّر فيه هنا هو حماية توزيع أنماط المنتجات الثقافية التي يبتكرها محترفون، فربما لا يهمُّك هذا كثيرًا. أما إذا كنت تحاول وقف عمليات «القرصنة»، فيعتبر النظام الذي يشترط الحصول على ترخيص من أجل كل عملية استخدام نظامًا يمنحك طيفًا واسعًا من الأدوات للتخلص من القرصنة.

في المقابل — على الرغم من أنك قد لا تلاحظ هذا عند متابعتك للنقاشات حول قانون حقوق التأليف والنشر حتى الآن — لا تعتبر حماية توزيع أنماط المنتجات الثقافية التي يبتكرها محترفون هي الجانب الوحيد للثقافة، بل ربما أزعم أنها الجانب الأهم من الثقافة. من منظور تاريخي، لا تُمثِّل أنماط المنتجات الثقافية التي يبتكرها محترفون سوى جزء ضئيل للغاية مما يجعل أي ثقافة تعبِّر عن نفسها. ربما كان القرن العشرين استثناءً من هذه القاعدة، لكن لم نر الكونجرس يصوِّت حول جعل أنماط المنتجات الثقافية التي يبتكرها محترفون هي الممثل الشرعي الوحيد لثقافتنا في مجتمعنا.

تقف ثقافة الهواة إلى جانب ثقافة المحترفين؛ حيث لا تشير هواة هنا إلى دونية أو انعدام موهبة من يقومون بذلك، بل إلى ثقافة ينتجها أشخاص بسبب حبهم لما يقومون به لا من أجل المال. من هذا المنظور، هناك ثقافة هواة في كل مكان: على طاولة الغداء، حيث يتلو أبوك أو أختك مزحة مُستقاة من آخر الفضائح السياسية، أو آخر حلقات برنامج «ديلي شو»؛ في قبو منزلك، حيث يسبب أخوك وأصدقاؤه الثلاثة أذًى دائمًا لآذانهم أثناء عزفهم، أو في محاولة منهم أن يكونوا مثل فريق رولنج ستونز؛ من جيرانك الذين يلتقون أيام الخميس والأحد من كل أسبوع للغناء في فرقة غناء كنسيَّة؛ أو في مدارس الحي، حيث يبتكر الأطفال والمدرسون فنونًا أو موسيقى في إطار تعلمهم عن ثقافتنا؛ أو من الأطفال في مدرسة الحي الذين يمزقون سراويلهم أو يضعون قمصانًا بطريقة عجيبة. كل ذلك من قبيل التعبير عن الثقافة وإنتاجها.

ظلت ثقافة الهواة هذه معنا دومًا حتى لو كانت حاليًّا «غير ظاهرة»،59 على حد تعبير دان هنتر وجريج لاستوفسكا. هذه هي بالتحديد الطريقة التي يعمل بها خيال الأطفال،60 وهي ذات الطريقة التي ظلت الثقافة تتطور بها دومًا. وعلى حد تعبير سيفا فايديناثان:
تردد عمليات الإنتاج الثقافية الديمقراطية واسعة الانتشار (تبادل المعلومات عبر أجهزة الكمبيوتر، مثلًا) … أصداء السُّبل التي تدفقت بها النصوص الثقافية، وروجعت على يد المجتمعات المتنقلة في كل مكان عبر القرون. عادةً ما تمر النصوص بعملية تشبه لعبة «الهاتف»؛ حيث يتم تشويه النص بصورة كبيرة — ربما عن غير قصد في بعض الأحيان — من خلال عمليات مراجعة صغيرة … حدثت هذه المراجعات النصية الجذرية في سياقات أخرى، وساعدت على بناء خطاب سياسي نقدي، بل في حركات سياسية. على سبيل المثال، وثَّق المؤرخ لورنس ليفين (١٩٨٨) كيف تصرَّف وراجع الممثلون والجمهور من الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر في أمريكا أعمال ويليام شكسبير بحيث تناسب سياقاتهم واهتماماتهم وأيديولوجياتهم المحلية. أظهر المؤرخ إريك لوت (١٩٩٣) أيضًا كيف أعادت مجتمعات الطبقة العاملة من البيض تقديم رواية «كوخ العم توم»، بحيث تدعم قضية الهيمنة العنصرية بدلًا من الرسالة التحررية المسيحية التي كانت الرواية تهدف إليها.61

من الأهمية بمكان أيضًا الإشارة إلى أن هذا النوع من إعادة الخلط الثقافي لم يخضع تاريخيًّا لأي تنظيم. لم يعتقد أحد قط أنه عند إلقاء مزحة على طاولة الغداء، أو غناء أغنية مع أصدقائك، أو التدرب على الغناء والعزف حتى تصبح مثل فريق رولنج ستونز، لم يعتقد أحد قط أنك ستحتاج إلى محامٍ يقف إلى جوارك يوضح حقوق «استخدام» الثقافة، فيما تقوم أنت بعملية إعادة المزج الإبداعي. تاريخيًّا، ركَّز قانون حقوق التأليف والنشر على الحياة التجارية. ترك القانون الإبداع غير التجاري، أو ما وراء التجاري، دون أي تنظيم قانوني.

حاليًّا، تغيَّر كل ذلك، وتعتبر التكنولوجيات الرقمية مسئولة عن ذلك؛ أولًا: وسَّعت التكنولوجيات الرقمية بصورة جذرية من نطاق ثقافة الهواة هذه. لا تقتصر عملية إعادة الخلط الماهرة لأحد الأحداث السياسية، أو لأحدث الأغاني لفريقك المفضل على مجرد تبادل ذلك مع أصدقائك. جعلت التكنولوجيات الرقمية عملية نسخ وتبادل هذا الخليط الإبداعي مع العالم مسألة في غاية السهولة. يتمثل الفرق الأهم بين الإنترنت حوالي عام ١٩٩٩ والإنترنت اليوم في تفجُّر المحتوى الإبداعي الذي ينتجه المستخدمون من مدونات، إلى برامج صوتية مذاعة، إلى برامج فيديو مذاعة، إلى التطبيقات الهجينة. يعتبر الإنترنت اليوم فضاءً للإبداع الاستثنائي.

ثانيًا: أضفت التكنولوجياتُ الرقميةُ الديمقراطيةَ على عملية الإبداع. منَحت التكنولوجيا طيفًا واسعًا من المبدعين المحتملين القدرة على تنفيذ ابتكاراتهم. «الناس يستيقظون من غيبوبتهم الاستهلاكية»، على حد تعبير أحد المعلقين.62 وعلى حد تعبير دي جيه دينجر ماوس في مؤتمر الويب ٢٫٠ في عام ٢٠٠٤:
تعتبر عملية تهجين التطبيقات سهلة للغاية. يستغرق الأمر أعوامًا حتى تتمكن من العزف على الجيتار أو كتابة أغانيك. لكن يستغرق الأمر عدة أسابيع من ممارسة تشغيل القرص الدوَّار في جهاز الدي جيه لجعل الناس يرقصون ويبتسمون. لا يستغرق الأمر سوى ساعات قليلة لإنتاج شيء جميل من خلال تهجين التطبيقات؛ لذا، في ظل غياب عوائق كبيرة، ينضم الجميع إلى الركب ويبدءون على الفور في الإبداع.63

ثالثًا: وبصورة تتعلق مباشرة بطرح هذا الفصل، بقدر ما تجد هذه الروح الإبداعية سُبل تعبيرها على الشبكة، تخضع هذه الروح الإبداعية إلى تنظيم قانون حقوق التأليف والنشر. وبقدر ما تستعين هذه الروح الإبداعية بإبداعات الآخرين، تحتاج أيضًا إلى الحصول على رخصة من الآخرين للتعبير عن نفسها. وبقدر ما تبني هذه الروح الإبداعية على ما أبدعه الآخرون، تحتاج إلى ضمان البناء على ما أبدعه الآخرون بصورة مشروعة. لقد وُضع نظام تنظيمي شامل لاقتصاد إبداعي لم يعرف أي صورة من صور التنظيم من قبل. تخضع ثقافة الهواة — أو ثقافة الأسفل إلى الأعلى، أو الثقافة التي تحيا خارج نطاق المعاملات التجارية — للتنظيم بصورة لم تكن موجودة قبل ثلاثين عامًا.

هناك مثال حديث على هذا الصراع يوضح مقصدي تمامًا. ثمة جنس من الإبداع الرقمي يطلق عليه موسيقى فيديو الأنيمي، وهي عبارة عن إعادة توزيع كرتون وموسيقى الأنيمي (الأنيمي هي مسلسلات تليفزيونية وأفلام، قصيرة أو طويلة، كرتون يابانية مرسومة يدويًّا، أو يتم تحريكها من خلال برامج كمبيوتر). يقضي الأطفال مئات، وربما آلاف، الساعات يعيدون توزيع كرتون الأنيمي بحيث يتماشى مع الموسيقى المصاحبة له. نتيجة ذلك، في كلمة واحدة، مذهلة. تعتبر عملية إعادة التوزيع هذه من أكثر الاستخدامات إبداعًا للتكنولوجيا الرقمية التي رأيتها حتى الآن.

بينما لا يتسم هذا الجنس الإبداعي بضآلته، فإنه ليس ضخمًا أيضًا. يوجد موقع واحد يهيمن على الأنشطة المتعلقة بموسيقى فيديو الأنيمي. يضم هذا الموقع أكثر من خمسمائة ألف عضو، ويقوم نحو ثلاثين ألف مبتكر بتحميل محتوى موسيقى فيديو الأنيمي على الموقع.

في نوفمبر ٢٠٠٥، أبلغت شركة بارزة لترويج الأعمال الموسيقية، شركة وايند أب ريكوردز، هذا الموقع بطلبها رفع أسماء جميع فناني الشركة الذين تُروِّج الشركة أعمالهم من الموقع. كان ذلك يمثِّل نحو ثلاثة آلاف فيديو يبلغ عددُ ساعاتها مائتين وخمسين ألف ساعة من عمل مبتكرين متطوعين عبر العالم، عمل لم يكن يهدف إلا لشيء واحد؛ ألا وهو ترويج عمل هؤلاء الفنانين.

من المنظور القانوني، تعتبر هذه قضية سهلة. يعتبر ما يقوم به هؤلاء الأطفال هو إنتاج أعمال مشتقة من أعمال الأنيمي الأصلية؛ حيث يقوم هؤلاء المبتكرون الصغار بتوزيع نسخ كاملة من الموسيقى المصاحبة للفيديو، ويقومون بعمليات إعادة مزج للموسيقى بحيث تتماشى مع أفلام فيديو الأنيمي، كل ذلك دون الحصول على ترخيص من مالكي حقوق التأليف والنشر.

في المقابل، من المنظور الثقافي، تعتبر هذه قضية شديدة الصعوبة. يعتبر الإبداع الذي تُظهره هذه الأعمال استثنائيًّا. لا يمكنني أن أبيِّن هذا الإبداع في كتاب، يمكنك بدلًا من ذلك الرجوع إلى مثال يبين لك نموذجًا على هذا الإبداع في الملاحظات الخاصة بهذا الفصل.64 تعتبر هذه الأعمال أعمالًا إبداعية، هاوية، غير تجارية، وهي أحد الأنماط الإبداعية التي لم تخضع قط لتنظيم القانون، لكنها أعمال يتم متابعتها وتنظيمها من خلال القانون حاليًّا؛ نظرًا لأنها تحيا في سياق رقمي.

مرة أخرى تخالطني مشاعر قوية بشأن الإجابة الصحيحة. في المقابل، يجب أن ندرك اللبس الكامن الذي يبرزه هذا الصراع:

نظرًا للتحولات في التكنولوجيا الرقمية، يستطيع القانون تنظيم جميع استخدامات الأعمال الإبداعية في بيئة رقمية. يعني انتقال الحياة بصورة متزايدة إلى بيئة رقمية أن ينظِّم القانون المزيد والمزيد من الاستخدامات الثقافية.

هل يتسق هذا مع قيمنا؟

تكمن الإجابة مرة أخرى في محاولة ترجمة القيم الأصلية في الدستور إلى السياق الحالي. من هذا المنظور، يصبح من الصعوبة بمكان تصوُّر اشتمال رؤية واضعي الدستور على هذا المستوى من التنظيم القانوني الذي ينطوي عليه النظام القانوني الحالي.

مرة أخرى، يمكن نقض هذا الاستنتاج من خلال الإقرار بعدم وجود إمكانية لهذا التنظيم الشامل وقت وضع الدستور، ومن ثم لم يكن هناك خيار من الأصل حول ما إذا كان يجب السماح بمثل هذا التنظيم الشامل أم لا. في المقابل، عندما يتوافر مثل هذا الخيار، يجب الإقرار بأنه بينما يوجد تنظيم شامل وجديد لثقافة الهواة، يخلق هذا التنظيم نفسه ثروات جديدة لثقافة المحترفين. يوجد خيار إذن يجب اتخاذ قرار حياله بشأن أي أشكال الثقافة يجب أن نقوم بحمايتها. لم يُتخذ قرار مباشر حيال هذا الخيار حتى الآن، فهذا خيار آخر يجب أن نتخذ قرارًا بشأنه.

(٨) المشكلات التي يتسبب فيها عالم يتسم بالكمال

تكشف هذه الأمثلة الثلاثة عن نمط مشترك، نمط يتجاوز بكثير حقوق التأليف والنشر. في وقت من الأوقات تمتعنا بنوع معين من الحرية، لكنها حرية لم نخترها مباشرة، بل كانت حرية ناتجة عن التكاليف المرتفعة للسيطرة.65 هذه هي الخلاصة التي خرجنا بها من حق الاستخدام العادل؛ أي عندما ترتفع تكلفة السيطرة تزيد مساحة ممارسة حق الاستخدام العادل. وهكذا الأمر مع القراءة في جهالة؛ حيث نقرأ بصورة مجهَّلة في الفضاء الواقعي؛ لا لأن القوانين تحمي هذا الحق، بل لأن تكلفة تتبع ما نقرأ مرتفعة للغاية. ينطبق الأمر نفسه على ثقافة الهواة؛ حيث ازدهرت ثقافة الهواة دون قيود التنظيم؛ نظرًا لعدم بلوغ التنظيم إياها بسهولة.

عندما تنخفض تكاليف السيطرة، تُهدَّد الحرية. يتطلب هذا التهديد تبني اختيار: هل نسمح بتآكل الحرية السابقة، أم نُقيم حدودًا أخرى لإعادة خلق هذه الحرية الأصلية؟

يعتبر قانون الملكية الفكرية المثال الأول على هذه النقطة العامة. مع تغيُّر معمار الإنترنت، سيسمح ذلك القانون بحماية كبرى للملكية الفكرية أكثر مما سمحت بها معماريات الفضاء الواقعي. تجبرنا هذه الحماية الكبرى على اتخاذ قرار بشأن اختيار لسنا بحاجة لاتخاذه في الفضاء الواقعي. هل يجب أن يحقق المعمار سيطرة كاملة على الملكية الفكرية؟ أم هل يجب أن ينطوي معمار الإنترنت على عورات تضمن تحقيق نوع من الاستخدام العام، أو منح مساحة معينة للاستخدام الفردي الحر؟

لن يؤدي تجاهل هذه الأسئلة إلى اختفائها. ولا يتمثل الحل أيضًا في التظاهر بأن واضعي الدستور سيجيبون على هذه الأسئلة. في هذا السياق (وهذا هو السياق الأول فقط) سنحتاج إلى اتخاذ قرار حول أي قيم سيحميها معمار الإنترنت.

(٩) خيارات

قلت إن الفضاء الإلكتروني سيسمح بظهور خيارات ثلاثة في سياق الملكية الفكرية، ألا وهي: إما أن يتم السماح بتحقيق سيطرة كاملة على الملكية الفكرية من خلال الملكية الحصرية (هذا هو ما يقوم به نظام كود حماية الملكية الفكرية الكامل)، وإما أن يتم السماح للنظام الحالي بإزالة كافة أشكال الجهالة الكامنة في المعماريات التي هي أقل فعالية، وإما أن يتم السماح بالتوسع في حماية الملكية الفكرية بحيث تخرج ثقافةُ الهواةِ تمامًا خارج مضمار المنافسة. لم يتخذ واضعو دستورنا قرارات بشأن هذه الخيارات؛ وهي خيارات يجب أن نتخذ قرارًا بشأنها الآن.

أمتلك رؤية في هذا السياق، مثلما في السياقات الثلاثة التالية، حول كيفية ممارسة عملية اتخاذ قرار بشأن هذه الخيارات. أنا محامٍ. تعوَّد المحامون على الإشارة إلى مرجعيات أخرى — إلى واضعي الدستور، إلى ميثاق الأمم المتحدة، إلى أحد قوانين الكونجرس — عندما يتحاجون حول كيف يجب أن تكون الأمور، لكن في ضوء ما أوضحته من غياب أي من هذه المرجعيات هنا، أشعر كما لو أنه يجب عليَّ البقاء صامتًا.

ربما يرى الآخرون في ذلك جُبنًا لا صمتًا. يقولون إنني يجب أن أعبِّر عما أفكر فيه؛ لذا، في كل مثال من هذه الأمثلة الثلاثة (الملكية الفكرية، والخصوصية، وحرية التعبير)، سأعرض وجهة نظري حول كيفية اتخاذ قرار بشأن هذه الخيارات. أفعل ذلك مرغمًا وأشجعك على تجاهل ما أعتقده أنا. ستكون وجهة نظري قصيرة، ومُلخصة، ويسهُل غض الطرف عنها. لا أرغب إلا في عرض وجهة نظري فيما تبقى من هذا الكتاب، خاصة الادعاء بأن هناك خيارًا يجب اتخاذ قرار بشأنه.

(٩-١) الجهالة

في رأيي، تبدو كوهين على صواب فيما يتعلق بالجهالة. تعتبر نظرية كوهين مُلْهِمة. فمهما كانت فعالية الحل البديل، يجب تصميم الفضاءات الإلكترونية بحيث تضمن تحقيق الجهالة — أو للدقة: شبه الجهالة — أولًا، إذا كان الكود سيتتبع ما أقوم به، فلا يجب على الأقل أن يتعرف الكود على هذا «الأنا» الذي يتتبعه. لن أنزعج كثيرًا إذا علم الكونُ أن رقم 14AH342BD7 يقرأ كذا، لكنني سأكون في غاية الانزعاج إذا تم ربط هذا الرقم باسمي.

كوهين على صواب أيضًا لسبب آخر. كل شيء طيب يتحقق من خلال عمليات المتابعة يمكن تحقيقه أيضًا مع حماية الخصوصية. ربما يتطلب الأمر كتابة شفرات أكثر لاختراق تطبيقات المتابعة، ربما يتطلب الأمر المزيد من التخطيط لضمان حماية الخصوصية. في المقابل، إذا تم تضمين قواعد السيطرة الكاملة هذه مقدمًا في المعماريات، فستكون تكلفتها مرتفعة للغاية؛ لذا تعتبر عملية تصميم ضمانات حماية الخصوصية الآن أقل تكلفة بكثير من إدخال عناصر سيطرة جديدة على المعمار لاحقًا.

(٩-٢) المشاع

أعني ﺑ «المشاع» أي مورد يستطيع أي شخص في مجتمع محددٍ استخدامَه دون الحصول على ترخيص من شخص آخر. ربما لا يكون هذا الترخيص مطلوبًا في الأصل؛ نظرًا لأن هذا المورد لا يخضع لأي سيطرة قانونية (بعبارة أخرى، يقع هذا المورد في المجال العام). أو ربما لا يكون هذا الترخيص مطلوبًا؛ نظرًا لمنح ترخيص استخدام هذا المورد بالفعل. في كلتا الحالتين، لا يتطلب استخدام هذا المورد أو الإضافة إليه شيئًا سوى القدرة على الاطلاع واستخدام المورد نفسه.66

بهذا المعنى، فإن الأسئلة المتعلقة بنطاق ومدى قانون حقوق التأليف والنشر إنما تدور حول ما إذا كان مستقبلنا سيحمي المشاع الفكري الذي كان يحميه في الماضي أم لا. مرة أخرى، تم حماية المشاع الفكري في الماضي؛ لأن الصدام مع أدوات السيطرة كان كبيرًا للغاية. أما الآن — بعد زوال فرص الصدام المباشر مع أدوات السيطرة — هل سنحفظ أم سندمِّر المشاع الفكري الذي كان متاحًا يومًا ما؟

في رأيي، أرى ضرورة الحفاظ على هذا المشاع الفكري.

يمكننا تصميم الفضاء الإلكتروني بحيث نحتفظ بمشاع أو لا (يعتقد جيفرسون أن الطبيعة نفَّذت عملية التصميم بالفعل، لكنه أشار قبلًا إلى وجود كود). يجب أن نصوغ معمار الفضاء الإلكتروني بحيث يتضمن مشاعات. يحمل ماضينا مشاعًا لا يمكن محو تصميمه، وهذا المشاع منح ثقافتنا قيمة عظيمة. إننا نكاد نبدأ في تبيُّن أي قيمة يمكن أن يجلبها لنا مشاع المستقبل. أدرك ذلك خبراء الملكية الفكرية — قبل وقت طويل من ظهور الفضاء الإلكتروني — ووضعوا الأسس لجانب كبير من المناقشات التي نحتاج أن نتناولها الآن.67 كُتبت أعظم الأعمال حول قانون الفضاء الإلكتروني في مجال الملكية الفكرية. بيَّن مؤلفو هذه الأعمال من خلال طيفٍ واسعٍ من السياقاتِ القيمةَ الهائلةَ لتوفير مشاع فكري.68
يبين جيمس بويل موضوع المشاع الفكري بصورة عظيمة في كتابه الاستثنائي «الشامان، والبرمجيات، والطحال».69 متناولًا أسئلة تتعلق بالفضاء الإلكتروني، وأسئلة تتعلق بالعالم غير الإلكتروني. يشير بويل إلى التحدي الذي نواجهه في مجتمع معلومات، التحدي السياسي بصورة خاصة.70 في موضع آخر، يشير بويل إلى حاجتنا إلى «حركة بيئية» في إطار سياسة المعلومات، لغة خاصة تدفع الناس إلى إدراك حجم القيم المُعرَّضة للخطر جرَّاء حركة السيطرة على جميع أنماط ملكية المعلومات. ألهَم كتاب بويل كثيرين للدفع في اتجاه أجندة مشابهة للحرية.71

ستؤدي هذه الحرية إلى الحد من تنظيم القانون لاستخدام الثقافة وإعادة استخدامها. ستقاوم هذه الحرية السيطرة الكاملة على الاستخدام. ستحرر هذه الحرية أنماطًا متعددة من الاستخدام. ستبني هذه الحرية من خلال ضمانات إيجابية الحرية التي منحتها لنا التكلفة المرتفعة للاحتكاك المباشر مع التنظيم. سيتحقق كل ذلك بسبب الإيمان بالقيم التي تمثلها هذه الحرية، وسيتم بيان القيمة في هذه الحرية من خلال تمكين المجتمعات التي ستمكنها الحرية نفسها.

في المقابل، يمكن بناء هذه الحرية إما من خلال تعديلات في القانون أو طوعًا. بعبارة أخرى، يمكن إعادة التوازن إلى القانون بحيث يُشجِّع على حرية التفكير كقيمة مهمة، أو إعادة وضع حدود حقوق الملكية بحيث يتم تفعيل حرية التفكير كقيمة مهمة.

تتمثل الاستراتيجية الثانية في حركة البرمجيات الحرة التي تم تناولها في الفصل الثامن. مستخدمًا قانون حقوق التأليف والنشر، قام ستُلمان بنشر رخصة أحد التطبيقات حافظت على الحريات الأربع للبرمجيات الحرة مثلما اشترطت على الذين يقومون بتعديل وتوزيع البرمجيات الحرة توزيع هذه التعديلات مجانًا. تفعِّل هذه الرخصة إذن فكرة مشاع للبرمجيات؛ حيث تتوافر البرمجيات للجميع لاستخدامها؛ وبذا صار هذا المشاع للبرمجيات مادةً خامًا مُهمةً تغذي العصر الرقمي.

حديثًا، قام آخرون بتقليد فكرة ستُلمان في سعيهم لإعادة بناء مشاع في الفضاء الإلكتروني. قام مشروع ويكيبيديا على سبيل المثال — وسط دهشة معظم المتابعين — ببناء موسوعة استثنائية على الإنترنت فقط من خلال جهود الآلاف من المتطوعين الذي يسهمون بمقالاتهم وتحريرهم للمقالات في أحد تطبيقات الويكي العامة. تتمتع الأعمال في هذه الموسوعة حاليًّا بالحماية الدائمة (نعم، أعلم، فقط «لفترة محددة»، لكن لا تصوِّب خطئي بشأن هذه النقطة الصغيرة) من خلال رخصة حقوق تأليف ونشر تشترط، مثل رخصة جي بي إل العامة، نشر أي تعديل في البرمجيات المتاحة مجانًا (سأتحدث عن ويكيبيديا أكثر في الفصل الثاني عشر).

بالمثل، استخدمت رخصة المشاع الإبداعي القانونَ الخاصَّ لبناء مشاع عامٍّ فعَّال. مرة أخرى، على نفس نهج ستُلمان، تقدِّم رخصة المشاع الإبداعي لمالكي حقوق التأليف والنشر طريقة بسيطة لتمييز أعمالهم الإبداعية عن طريق حريات يريدون هم أن تتمتع بها أعمالهم. يعتبر هذا التمييز رخصة تحتفظ للمؤلف ببعض الحقوق، فيما تحتفظ للآخرين بحقوق كانت ستظل حقوقًا خاصة لولا هذه الرخصة. بما أن هذه الرخص غير حصرية وعامة، فهي تبني أيضًا مشاعًا للموارد الإبداعية يستطيع أي شخص الإضافة إليه.

على الرغم من أنني قضيت قسطًا وافرًا من وقتي في المساعدة في بناء رخصة المشاع الإبداعي، لا أزال أعتقد أن الأفعال الفردية لا تكفي وحدها. في المقابل، هناك قيمة في تعلُّم شيء من هذه الأفعال الفردية؛ حيث قد يساعد الدرس المستخلص منها صانعي السياسات على إعادة صياغة قانون حقوق التأليف والنشر في المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠