الفصل الثاني عشر

حرية التعبير

ليس الحق في حرية التعبير هو الحق في التعبير المجاني، ولا يعني الحق في حرية التعبير الحق في مشاهدة التليفزيون مجانًا، أو الحق في ألا يكرهك الآخرون لما تقوله. بالمعنى الضيق للعبارة — قانونًا — يعني الحق في حرية التعبير في الولايات المتحدة الحق في ألا يعاقب المرء من الحكومة نتيجة بعض، أو ربما معظم، ما يقوله؛ فلا يمكن إيداع أحد في السجن لانتقاد رئيس البلاد على الرغم من إمكانية اعتقال من يهدِّد الرئيس. لا يمكن تغريمك للحض على الفصل العنصري وإن كان هذا السلوك سيؤدي إلى تجنُّب الآخرين لك. لا يمكن منعك من التحدث في مكان عام، وإن كان يمكن منعك من التحدث من خلال جهاز إرسال إف إم. يتمتع التعبير في الولايات المتحدة بالحماية — بطريقة معقدة، وفي بعض الأوقات عسيرة الفهم — لكنها حماية دستورية، إنها حماية ضد الحكومة.

ومع ذلك، ليس التأويل الدستوري لحرية التعبير في مواجهة الحكومة فقط مكتملًا على الإطلاق. فربما يتوافر لدى مجتمعين «التعديل الأول» — أي ضمانات الحماية نفسها ضد تجاوزات الحكومة — لكن إذا جرى التسامح مع المعارضين في أحد هذين المجتمعين فيما جرى تجنبهم في المجتمع الآخر، فستختلف طبيعة هذين المجتمعين جذريًّا كمجتمعين تتوافر فيهما حرية التعبير؛ فليست الحكومة وحدها التي تقيِّد حرية التعبير، وليست الحكومة وحدها التي تحميها. يجب إذن أخذ جميع المسئوليات وضمانات الحماية في الاعتبار فيما يتعلق بهذا الحق حتى تصبح حماية حرية التعبير كاملة.

خذ، على سبيل المثال، «حقوق» ذوي الاحتياجات الخاصة في الحماية ضد التمييز مثلما تحميها الأنماط الأربعة المذكورة في الفصل السابع. يحمي القانون أصحاب الاحتياجات الخاصة، لكن الأعراف المجتمعية لا تحميها. يوفر السوق السلع التي تساعد أصحاب الاحتياجات الخاصة، لكن هؤلاء يتحملون جميع تكاليف هذه المساعدة. وحتى يتدخل القانون، لا يقدم المعمار مساعدة كبيرة لأصحاب الاحتياجات الخاصة في الاندماج في المجتمع (فكِّر في السلالم). تصف هذه الأنماط الأربعة معًا الحماية — أو «الحقوق» — التي يتمتع بها أصحاب الاحتياجات الخاصة في أي سياق. ربما يتدخل القانون لدعم حماية هؤلاء عن طريق تنظيم المعماريات على سبيل المثال، بحيث يندمج أصحاب الاحتياجات الخاصة بصورة أفضل في المجتمع، لكن بالنسبة لأي «حق» بعينه يمكن الاستعانة بهذا المزيج من الأنماط للحكم على مدى حماية هذا «الحق» جيدًا (أم لا).

باستخدام مصطلحات الفصل السابع، إذن، تتمثل هذه الأنماط في عمليتي التنظيم والحماية. بعبارة أخرى، يمكن الاستعانة بهذه الأنماط كقيود على السلوك، وضمانات للحماية ضد قيود أخرى. يبيِّن الشكل التالي هذه النقطة:

يقع في مركز هذا الشكل الشيء الذي يجري تنظيمه؛ تلك النقطة المثيرة للشفقة التي تعرضنا لها في الفصل السابع. يحيط بالفرد الآن درع من الحماية؛ شبكة القانون/الأعراف الاجتماعية/السوق/المعمار التي تحد من القيود التي تفرضها هذه الأنماط على الفرد. لم أقم بفصل الأنماط الأربعة في محيط دائرة الدرع؛ نظرًا لعدم وجود تطابق مباشر بين نمط القيد ونمط الحماية. عندما يتعارض القانون كحامٍ للحقوق مع القانون كمقيِّد لها، يَجُبُّ القانون الدستوري القانون العادي.

تعمل هذه الأنماط الأربعة معًا. ربما قد تقلل بعض هذه الأنماط من تأثير بعضها الآخر، بعبارة أخرى قد يبدو مجموع ضمانات الحماية المتوافرة أقل أهمية من ضمانات حماية الأجزاء. يعتبر «الحق» في عدم تجريم المواد المخدرة، في السياق الحالي، مثالًا على ذلك. يحمي القانون حق الأفراد في دعم عدم تجريم المواد المخدرة. لا تستطيع الدولة وضعك رهن الاعتقال إذا قمت مثل جورج سوروس بإطلاق حملة لعدم تجريم الماريجوانا، أو إذا قمت مثل الاقتصادي الحاصل على جائزة نوبل ملتون فريدمان، أو القاضي الفيدرالي ريتشارد بوزنر؛ بكتابة مقالات تشير إلى ذلك. إذا كان التعديل الأول يعني أي شيء، فهو يعني عدم قدرة الدولة على تجريم التعبير عن إصلاح القوانين.

لا تعني الحماية القانونية ألا يتحمل المرء أي تبعات لدعم عدم تجريم المواد المخدرة. سيصاب جيراني في مدينتي الأم بالصدمة للفكرة، وسيتجنبني — لا شك — البعض. ولا يعني ذلك أيضًا أن السوق سيدعمني بالضرورة. يعتبر من قبيل المستحيل حجز مساحة إعلانية على التليفزيون للتعبير عن رأي يدعم مثل هذا الإصلاح. تمتلك محطات التليفزيون الحق في اختيار الإعلانات التي تظهر على شاشاتها (في حدود بطبيعة الحال)، وسيُعدُّ مطلبي الذي أطرحه خلافيًّا إلى حد كبير.1 أيضًا تتابع هيئة الاتصالات الفيدرالية — المحارب النشط في الحرب على المواد المخدرة — محطات التليفزيون عن كثب. وحتى لو سمح لي بالإعلان عن رأيي على شاشة التليفزيون، فأنا لستُ جورج سوروس على أي حال. فلا أمتلك الملايين كي أنفقها على حملة كهذه. أستطيع تحمل نفقات إعلانات في غير أوقات الذروة على إحدى المحطات المحلية، لكنني لا أستطيع، على سبيل المثال، تحمُّل نفقات إعلانات حملة على شبكات المحطات الكبيرة في أوقات الذروة.

أخيرًا، لن يحمي المعمار حريتي في التعبير أيضًا. في الولايات المتحدة على الأقل، يندر وجود أماكن يستطيع المرء الوقوف فيها أمام الناس ومخاطبتهم بشأن مسألة عامة دون أن يعتقد معظم الناس أن هذا الشخص مجنون أو مصدر للإزعاج. لا يوجد ركن للمتحدثين في جميع المدن. لا توجد اجتماعات مدينة في كثير من المدن. تشبه أمريكا، بهذا المعنى، شبكة أمريكا أون لاين في أن كليهما لا يعطي الفرصة للأفراد لمخاطبة جمهور واسع في أمور عامة. لا يمتلك إلا المحترفون — السياسيون، العلماء، المشاهير، الصحفيون، والنشطاء — الحق في مخاطبة الأمريكيين في أمور عامة، وهم في معظم الأحوال لا يتحدثون إلا في أمور محددة. أما الآخرون مثلنا، فيمتلكون خيار الإنصات أو النفي في سجن الجنون الاجتماعي.

من هنا، تعتبر الحماية الحقيقية للتعبير المثير للجدل مسألة مشروطة أكثر مما قد تحددها رؤية قانونية فقط. بعبارة أخرى، عند وضع أكثر من قانون في الاعتبار، يتمتع الحق في أن يكون المرء معارضًا بحماية أقل مما هو ممكن.

لنأخذ هذا المثال الآن إلى الفضاء الإلكتروني. كيف تجري حماية «الحق» في دعم عدم تجريم المواد المخدرة في الفضاء الإلكتروني؟ هنا في الفضاء الإلكتروني أيضًا يحمي القانون حق الدفاع عن قضايا معينة، على الأقل في الولايات المتحدة. في المقابل، من الجائز للغاية أن يصبح ما أقوله غير قانوني في دول أخرى، وربما أُدان للتفوُّه بما تفوَّهت به في الفضاء الإلكتروني «في» دولة أخرى. على سبيل المثال، يعتبر التعبير عن آراء تدعم الحزب النازي قانونيًّا في الولايات المتحدة، لكنه ليس كذلك في ألمانيا.2 قد يجعل التعبير عن آراء تدعم الحزب النازي في الفضاء الإلكتروني المرء خاضعًا للمساءلة في الفضاء الألماني (الواقعي) أيضًا.

يعتبر القانون إذن وسيلة حماية غير كاملة. هل تسهم الأعراف الاجتماعية في حماية حرية التعبير؟ في ظل الجهالة النسبية في الفضاء الإلكتروني ونمو حجمه، لا تسهم الأعراف الاجتماعية في حماية حرية التعبير كثيرًا. وحتى إذا كان المستخدمون يعرفون بعضهم بعضًا جيدًا في الفضاء الإلكتروني، فإنهم يكونون أكثر تسامحًا مع الآراء المعارضة عندما يعلمون (أو يعتقدون، أو يأملون) أن هؤلاء المعارضين يعيشون على بُعد آلاف الأميال.

يوفِّر السوق أيضًا حماية كبيرة لحرية التعبير في الفضاء الإلكتروني. مقارنةً بالفضاء الواقعي، تعتبر قيود السوق على حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني ضئيلة. تذكَّر كيف صار جيك بيكر ناشرًا بسهولة؛ حيث كانت قاعدة قرائه أكبر بكثير من قاعدة قراء جميع كتب القانون (مثل هذا الكتاب) التي نُشرت في العقد الأخير. انظر إلى المدونات التي تخطى عددها ٥٠ مليون مدونة، والتي تُمكِّن الملايين من التعبير عن آرائهم فيما يتعلق بأي شيء. تعني التكلفة المنخفضة للنشر أن النشر لم يعد عائقًا للتعبير عن الآراء. يتساءل إبين موجلن: «هل سيكون هناك شاعر لا تُنشر أعماله في القرن الحادي والعشرين؟»

يعتلي هذه القائمة من وسائل حماية حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني المعمار (مرة أخرى)؛ فالخصائص والآثار المترتبة على بروتوكول الإنترنت — مثل: الجهالة النسبية، والتوزيع غير المركزي، ونقاط الاتصال المتعددة، وعدم ضرورة الارتباط بموقع جغرافي محدد، وعدم توافُر نظام مبسَّط لتحديد طبيعة المحتوى، وأدوات تعمية المحتوى3 — كلها تجعل من الصعوبة بمكانٍ السيطرة على حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني. يعتبر معمار الفضاء الإلكتروني هو وسيلة الحماية الحقيقية لحرية التعبير فيه، بل هو «التعديل الأول» الحقيقي في الفضاء الإلكتروني، ولا يُعد هذا التعديل الأول قانونًا محليًّا.4

فكِّر فيما يعنيه هذا. ظلت الولايات المتحدة لأكثر من ٦٠ عامًا مصدرةً لأيديولوجية سياسية محددة يقع في القلب منها تصوُّر لحرية التعبير. انتقد الكثيرون هذا التصور. رأى البعض في هذا التصور مبالغة شديدة، فيما رآه البعض غير كافٍ. رفضت الأنظمة القمعية — مثل الصين وكوريا الشمالية — هذا التصور مباشرةً. شكَت الأنظمة التي يغلب عليها التسامح — مثل فرنسا والمجر — من التحلل الثقافي، وتعجبت الأنظمة التي يغلب عليها المساواة — مثل الدول الاسكندنافية — من طريقة تصوُّرنا لأنفسنا نحن الأمريكيين على أننا أحرار، في الوقت الذي لا يملك إلا الأغنياءُ التعبيرَ عن أنفسهم، وتُمنع المواد الإباحية.

ظل هذا النقاش دائرًا على المستوى السياسي لفترة طويلة. على الرغم من ذلك، كما لو أن الأمر حدث في جنح الليل، قمنا بربط هذه الأمم بمعمار للاتصالات يؤسس داخل حدودهم تعديلًا أولًا أكثر قوة مما دعت إليه أيديولوجيتنا. استيقظت هذه الأمم لتجد خطوط هواتفها صارت أدوات للتعبير الحر، والبريد الإلكتروني صار حاملًا للأخبار عن القمع في بلادهم فيما يتجاوز حدودهم بكثير، ولم تعد الصور حكرًا على محطات التليفزيون الحكومية، بل صارت تنتقل عبر جهاز مودم بسيط. لقد صدَّرنا إلى العالم، من خلال معمار الإنترنت، تعديلًا أولًا أكثر تطرفًا في الكود من التعديل الأول في القانون.

يدور هذا الفصل حول تنظيم التعبير وحمايته في الفضاء الإلكتروني، ومن ثم تنظيمه وحمايته في الفضاء الواقعي أيضًا. أهدف إلى التركيز على العلاقة بين المعمار والحرية التي يجعلها هذا المعمار ممكنة، وإلى الحديث عن أهمية القانون في بناء هذا المعمار. أهدف إلى عرض كيفية بناء هذه الحرية؛ أي السياسة الدستورية في بناء معماريات الفضاء الإلكتروني.

أقول «سياسة» لأن عملية البناء لم تنته بعدُ. فمثلما ذكرت سابقًا (مرارًا وتكرارًا)، لا يوجد معمار واحد فقط للفضاء الإلكتروني، لا يوجد بناء محدد أو لازم في تصميم الفضاء الإلكتروني. كانت حوائط السيطرة في الجيل الأول للإنترنت مخترقة، لكن لا سبب يدعو للاعتقاد بأن هذا سيكون حال الجيل الثاني من الإنترنت، أو الاعتقاد بعدم إعادة بناء وسائل السيطرة في الجيل الثاني للإنترنت. بعبارة أخرى، لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن لمحة الحرية في الجيل الأول ستستمر طويلًا، وبالتأكيد لا يوجد مبرر للتصرف كما لو أن لمحة الحرية هذه ستستمر طويلًا.

نستطيع رؤية بدايات عمليات إعادة البناء بالفعل؛ إذ تجري إعادة تصميم المعمار لإعادة تنظيم ما جعله معمار الفضاء الواقعي قابلًا للتنظيم قبل ذلك، فالشبكة تتحول فعليًّا من فضاء حر إلى فضاء خاضع للسيطرة.

تعتبر بعض خطوات إعادة التنظيم هذه حتمية، مثلما يعتبر النكوص إلى إجراءات سابقة حتميًّا، لكن قبل أن تكتمل عملية التغيير، يجب أن نستوعب أنماط الحريات التي توفرها الشبكة، وتحديد أي منها نريد أن نحافظ عليه.

ولا يقتصر الأمر على الحفاظ على أنماط من الحريات فقط. ربما يعتبر معمار الإنترنت مثلما هو في الوقت الحالي أكثر النماذج أهمية في مجال حرية التعبير منذ تأسيس الجمهورية. تتجاوز تداعيات هذا النموذج رسائل البريد الإلكتروني وصفحات الشبكة بكثير. بعد مرور مائتي عام على تصديق واضعي الدستور عليه، علمتنا الشبكة ماذا يعني التعديل الأول. وإذا أخذنا هذا المعنى على محمل الجد، سيتطلب التعديل الأول إجراء عمليات إعادة هيكلة جذرية لمعماريات حرية التعبير خارج الشبكة أيضًا.5

لكنني أستبق الأحداث هنا. أتناول فيما تبقى من هذا الفصل أربع مسائل تتعلق بحرية التعبير في الفضاء الإلكتروني، وفي كل مسألة من هذه المسائل أريد أن أتناول الطريقة التي تجري بها عملية تنظيم «حرية التعبير».

لا تحمل هذه المسائل الأربع الأهمية الدستورية نفسها، لكنها جميعها تبين الآلية التي تقع في القلب من طرح هذا الكتاب، وتحديدًا كيفية تفاعل التكنولوجيا مع القانون لوضع سياسة محددة.

(١) منظمو التعبير: النشر

يعتبر فلويد آبرامز أحد أبرز المحامين المتخصصين في التعديل الأول في أمريكا. في عام ١٩٧١، كان آبرامز شريكًا شابًّا في شركة محاماة كَهيل وجوردون.6 في وقت متأخر من مساء الإثنين، ١٤ يونيو، تلقى آبرامز مكالمة من جيمس جوديل، المستشار القانوني لجريدة نيويورك تايمز. طلب جوديل من آبرامز وألكسندر بيكل، أستاذ قانون بجامعة ييل، الدفاع عن شركة نيويورك تايمز في قضيةٍ تُقدَّم أوراقها في اليوم التالي مباشرةً.
كانت صحيفة نيويورك تايمز رفضت طلبًا للحكومة بوقف نشر ما صرنا نعرفه الآن باسم «أوراق البنتاجون»، وإعادة الوثائق الأصلية إلى وزارة الدفاع.7 كانت هذه الأوراق، المأخوذة من وثيقة البنتاجون «تاريخ عملية صناعة القرار الأمريكية حول السياسة في فيتنام»، تشمل تقييمًا للسياسة الأمريكية خلال حرب فيتنام.8 كان التقييم سلبيًّا للغاية، وكانت خلاصة الوثيقة صادمة. رسمت الأوراق صورة سيئة للغاية للحكومة، كما جعلت الحرب في فيتنام تبدو حربًا خاسرة.

حصلت صحيفة نيويورك تايمز على هذه الأوراق من شخص كان يعتقد أن الحرب في فيتنام خاسرة، شخص عمل في البنتاجون وساهم في كتابة هذا التقرير حول الحرب في فيتنام، شخص لم يكن ضد الحرب في البداية، لكن بمرور الوقت تكشَّف له مدى بشاعة الحرب في فيتنام وعدم جدواها.

كان هذا الشخص يدعى دانيال إلزبرج. هرَّب إلزبرج إحدى نسخ الأوراق الخمس عشرة من خزينة كانت موجودة في مؤسسة راند إلى مكان خارج المؤسسة؛ حيث توجد ماكينة تصوير مستندات. قام إلزبرج مع زميل له يدعى أنوني روسو بتصوير الأوراق تصويرًا ضوئيًّا على مدار عدة أسابيع.9 حاول إلزبرج دون نجاحٍ الكشف عن هذه الأوراق للعامة من خلال إيداعها في سجل جلسات الكونجرس. في نهاية المطاف، قام إلزبرج بالاتصال بالصحفي في جريدة نيويورك تايمز، نيل شيان، أملًا في نشر الصحيفة للأوراق. كان إلزبرج يعلم أن هذه جريمة يعاقب عليها القانون، لكن بالنسبة له كانت الحرب في حد ذاتها جريمة. كان إلزبرج يهدف إلى تعريف الشعب الأمريكي بمدى بشاعة هذه الحرب.
عكف محررو الصحيفة لمدة شهرين ونصف الشهر يدرسون الأوراق للتحقق من مدى صحتها ودقتها. بعد مراجعة مضنية، قرر محررو الصحيفة صحة الأوراق، وعزموا على نشر الحلقة الأولى من سلسلة تتألف من عشرة أجزاء تشتمل على مقتطفات وروايات في يوم الأحد، ١٣ يونيو ١٩٧١.10
في ظهر يوم الإثنين؛ أي بعد يوم واحد من ظهور الحلقة الأولى، أرسل النائب العام، جون ميتشل، برقية إلى الصحيفة هذا نصُّها:
مع فائق احترامي، أتقدم إليكم بطلب التوقف عن نشر معلومات إضافية من هذا النوع، كما أطلب منكم إخطاري بترتيبات إعادة هذه الوثائق إلى وزارة الدفاع.11
عندما لم تمتثل الصحيفة إلى طلب النائب العام، رفعت الحكومة قضية ضد الصحيفة لردعها عن مواصلة روايات ومقتطفات من الوثائق.12

كان دَفعُ الحكومة بسيطًا مفاده أن هذه الأوراق تحتوي على أسرار حكومية، وأن هذه الوثائق تمت سرقتها عندما كانت في حوزة الحكومة، وأن نشر هذه الوثائق يعرض العديد من الجنود الأمريكيين للخطر، ويضع الولايات المتحدة في حرج شديد في أعين العالم. لم يكن هذا الإحراج محض خيلاء مصطنع؛ حيث سيؤدي إحراج الحكومة، مثلما دفعت الحكومة بذلك في القضية، إلى إضعاف موقفها التفاوضي في جهودها لتحقيق السلام. ونظرًا للضرر الذي سيتسبب فيه نشر المزيد، يجب على المحكمة الدستورية العليا أن تتدخل لوقف عملية النشر.

لم يكن هذا الطرح جديدًا؛ حيث قام القضاء من قبل بوقف نشر نصوص تحدد حياة الأفراد، خاصة في سياق الحرب. ينطبق ذلك على قرار المحكمة الدستورية العليا في قضية «نير ضد مينيسوتا» التي نصت فيها على الآتي: «يُحظر حظرًا تامًّا على أي شخص الاستقصاء حول قيام الحكومة بمنع عرقلة خدمات تجنيد أفراد جدد في الجيش، أو نشر تواريخ إبحار وسائل النقل الحربية، أو عدد وموقع القوات.»13
على الرغم من ذلك، لم تُحَلَّ المسألة بسهولة. في مقابل وجود سابقة تؤيد موقف الحكومة، كان هناك تشديد على مسألة تزداد وضوحًا؛ ألا وهي: إذا كان التعديل الأول يعني أي شيء، فهو يشير إلى أن الحكومة لا تستطيع ممارسة سلطة المنع المسبق بصورة عامة.14 يحدث «المنع المسبق» عندما تلجأ الحكومة إلى القضاء لوقف النشر في بعض الموضوعات، بدلًا من معاقبة ناشر هذه الموضوعات لاحقًا على ما قام بنشره بصورة غير قانونية. تمثل هذه السلطة خطرًا كبيرًا على حرية التعبير.15 كان ما فعله المدعي العام، ميتشل، هو تقديم طلب إلى المحكمة بممارسة سلطة المنع المسبق هذه.
دار صراع داخل المحكمة الدستورية العليا للتوصل إلى صيغة مناسبة، لكنه لم يستمر طويلًا. دار الصراع في المحكمة؛ نظرًا لأن تكاليف قرارها بدت مرتفعة للغاية،16 لكن عندما توصلت المحكمة إلى قرارها كان قرارًا ضد الحكومة بصورة مباشرة. كان من حيثيات قرار المحكمة منح الدستور صحيفة نيويورك تايمز الحق في النشر دون التعرض لتهديد المنع المسبق.

تعتبر قضية «أوراق البنتاجون» مثالًا كلاسيكيًّا على أحد تطبيقات التعديل الأول، ومثالًا واضحًا على قوة الدستور، لكن حتى الأمثلة الكلاسيكية تصير قديمة. في حديث لآبرامز وقت نشر الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وجه آبرامز سؤالًا مدهشًا: هل لهذه القضية أهمية الآن؟ أم هل جعلت التكنولوجيا حماية التعديل الأول هذه غير ضرورية؟

أثار سؤال آبرامز نقطة جلية؛ ألا وهي: حتى تنجح الحكومة في مسعاها لوقف إحدى المطبوعات، يجب أن تُظهِر الحكومة تعرضها «لضرر غير قابل للإصلاح»، ضرر كبير لا يمكن العدول عنه بحيث يستوجب تدخل المحكمة الدستورية العليا لمنعه.17 في المقابل، تعتمد عملية إظهار الضرر هذه على عدم وقوع عملية النشر في المقام الأول؛ حيث إذا قامت صحيفة «شيكاجو تريبيون» بنشر أوراق البنتاجون، فربما لم يكن هناك دافع كبير لدى الحكومة لوقف نشرها في صحيفة نيويورك تايمز. عندما تُفشى الأسرار، لن يمنع نشر المزيد منها إخفاء هذه الأسرار مرة أخرى.
تتضح هذه النقطة أكثر في قضية تلت قضية صحيفة نيويورك تايمز، قضية ربما ابتدعها أستاذ قانون. في أواخر عقد السبعينيات من القرن العشرين، كلَّفت مجلة «ذا بروجرسيف» الصحفي هوارد مورلاند بكتابة مقالة عن طريقة عمل القنبلة الهيدروجينية. قامت المجلة بتقديم مخطوطة المقالة إلى وزارة الطاقة، فقامت الحكومة بدورها بإصدار أمر بمنع نشر المقالة. كانت حجة الحكومة قوية؛ حيث يمكن لإفشاء سر بناء قنبلة نووية أن يمكِّن أي إرهابي من إبادة أي مدينة. في ٢٦ مارس ١٩٧٩، أيد القاضي روبرت وارن من المقاطعة الغربية في ولاية ويسكونسن قرار الحكومة، وأصدر أمر حظر قضائيًّا مؤقتًا يمنع المجلة من نشر المقالة.18

على عكس قضية أوراق البنتاجون، لم تجد هذه القضية طريقها إلى المحكمة الدستورية العليا سريعًا. بدلًا من ذلك، نضجت هذه القضية على مهل، وهو ما يرجع في جزء منه إلى إدراك القاضي، الذي نظر القضية، الخطر الهائل الذي تُمثِّله المقالة. أوقف القاضي نشر المقالة فيما كان لا يزال ينظر في القضية. ظل القاضي ينظر في القضية فترة شهرين ونصف الشهر. لجأ ناشرو المجلة إلى محكمة الاستئناف ثم إلى المحكمة الدستورية العليا طالبين سرعة الفصل في القضية، لكن لم تتدخل أي من المحكمتين.

لم تتدخل المحكمتان إلا عند إجراء مبرمج كمبيوتر يدعى تشاك هانسن منافسة تحمل اسم «صمم قنبلتك الهيدروجينية الخاصة»، وقام بتوزيع خطاب من ثماني عشرة صفحة يشرح فيه فهمه لطريقة عمل القنبلة الهيدروجينية. في ١٦ سبتمبر ١٩٧٩، قامت جريدة «برِس كونكشن» التي تنشر في ماديسون ويسكونسن بنشْر الخطاب. في اليوم التالي، قامت الحكومة بسحب أوراق قضيتها مقرَّةً بأنها صارت الآن قضية غير ذات أهمية؛ فقد تلاشت حجة الحكومة القوية بمجرد إفشاء السر.19

لاحظ ما ينطوي عليه تداعي الأحداث. هناك حاجة إلى الحماية الدستورية مثلما هو الحال في قضية أوراق البنتاجون؛ نظرًا لأن هناك قيدًا حقيقيًّا على النشر. يتطلب النشر وجود ناشر، ويتعرض الناشرون للعقاب أحيانًا من الدولة. في المقابل، إذا نُشر فحوى أو حقائق الموضوع محل الجدل في مكان آخر، تتلاشى الحاجة إذن إلى الحماية الدستورية. بمجرد نشر الموضوع لا يعود هناك تبرير قانوني لمنع نشره في أماكن أخرى.

من هنا يسأل آبرامز: هل للقضية أهمية اليوم؟ هل لا تزال الحماية الدستورية في قضية أوراق البنتاجون ضرورية؟

من المثير للدهشة أن فلويد آبرامز يرى أن ذلك لم يعد ضروريًّا؛20 ففي الوقت الحالي هناك طريقة للتأكد من أن الحكومة لن تتوافر لها الحجة القوية في أن تطلب من القضاء منع نشر موضوع ما، فإذا أرادت صحيفة نيويورك تايمز أن تنشر أوراق البنتاجون اليوم، فربما تلجأ إلى تسريبها أولًا إلى مجموعة أخبار يوزنت، أو إلى أيٍّ من ملايين المدونات على الإنترنت. ستُنشر الأوراق في ملايين الأماكن عبر العالم بصورة أسرع من توزيع أعدادها نفسها، من ثم تتلاشى الحماية الدستورية؛ نظرًا لأن المعمار يمنح الجميع سلطة النشر بسرعة وفي جهالة.

من هنا يرى آبرامز أن معمار الشبكة يزيل الحاجة إلى الحماية الدستورية، بل أكثر من ذلك توفر الشبكة الحماية ضد المنع المسبق مثلما يوفر الدستور ذلك من خلال ضمان عدم تحقيق سيطرة قوية على المعلومات. تخدم الشبكة الهدف الذي كانت تخدمه عملية نشر أوراق البنتاجون؛ ألا وهو ضمان عدم إخفاء الحقيقة.

هناك، في المقابل، وجه آخر للموضوع.

في ١٧ يوليو ١٩٩٦، سقطت طائرة تي دبليو إيه رقم ٨٠٠ على بعد عشرة أميال من الساحل الجنوبي لسنترال موريتشس في نيويورك؛ ما أسفر عن مقتل مائتين وثلاثين شخصًا في الحادث. قامت الولايات المتحدة مباشرةً بعد الحادث بإجراء أوسع تحقيق في حادث طائرة في تاريخ مجلس سلامة النقل الوطني، وأنفقت ٢٧ مليون دولار أمريكي لاكتشاف سبب الحادث، وهو ما تبين في النهاية أن سببه عطل ميكانيكي.21
لكن ليست هذه هي الرؤية التي انتشرت على الإنترنت. منذ البداية، انتشرت روايات تتحدث عن «نيران صديقة»، قذائف جرت مشاهدتها تصطدم بالطائرة. قال العشرات من شهود العيان إنهم شاهدوا خيطًا رفيعًا من الضوء يتجه نحو الطائرة قبل سقوطها مباشرة. كانت هناك روايات عن اختبارات قذائف تجريها البحرية على مسافة سبعين ميلًا من موقع الحادث.22 انتشرت على الشبكة الأحاديث عن تغطية الحكومة الأمريكية على ضلوعها في واحدة من أسوأ كوارث الطيران المدني في التاريخ الأمريكي.
أنكرت الحكومة هذه الروايات. على الرغم من ذلك، كلما أنكرت الحكومة الروايات، ظهر المزيد من القرائن المناقضة على الشبكة.23 ثم جاءت القشة التي قسمت ظهر البعير؛ حيث ظهر تقرير، من المفترض أن مسئولًا حكوميًّا هو مصدره، يشير إلى وجود مؤامرة؛ حيث تشير القرائن إلى إسقاط الطائرة عن طريق نيران صديقة.24

صدَّق السكرتير الصحفي السابق للرئيس جون إف كنيدي هذا التقرير. وفي خطاب ألقاه في فرنسا، أعلن بيير سالنجر أن حكومته كانت تخفي حقائق القضية، وأن لديه الدليل على ذلك.

أتذكر هذه المناسبة جيدًا. كنت أتحدث إلى أحد الزملاء بعد سماع حديث سالنجر. أعدت حديث سالنجر على مسمع من زميل لي، وهو فقيه دستوري رائد ينتمي لإحدى أهم كليات القانون في أمريكا. كنا حائرين في أي شيء نصدق. كانت هناك إشارات متفرقة عن مصداقية رواية سالنجر. لم يكن سالنجر مجنونًا، لكن روايته كانت كذلك بالتأكيد.

وقع سالنجر فيما يبدو في شَرَك الشبكة. خدع سالنجر الوجه الآخر لما طرحه فلويد آبرامز. ففي عالم يستطيع فيه أي إنسان أن ينشر، من الصعوبة بمكانٍ معرفة ماذا يصدق المرء. يعتبر الناشرون محررين أيضًا، ويستطيع المحررون اتخاذ قرارات بشأن ما ينشرون، قرارات يدفعها السؤال: هل هذا صحيح؟ لا تستطيع العبارات التحقق من صحة ما تطرحه. لا نستطيع دومًا أن نعرف من خلال عبارة تشير إلى حقيقةٍ ما عن العالم ما إذا كانت هذه العبارة صحيحة أم لا؛25 لذا بالإضافة إلى خبرتنا ومعرفتنا بالعالم، يجب أن نحتكم إلى أسس السمعة التي تقوم عليها المصداقية. عندما يُنشر موضوع ما، نربط بين مضمون الموضوع وناشره. إذا قالت نيويورك تايمز إن الكائنات الفضائية اختطفت الرئيس، فسيُنظر إلى الأمر بصورة مختلفة مما لو نُشرت الكلمات نفسها في جريدة «ناشونال إنكوايرر».
عندما تظهر تكنولوجيا جديدة، من المحتمل أن نفقد توازننا. لا يوجد شيء جديد في ذلك. يُقال إن لفظة phony (بمعنى «مزيف») جاءت مع ميلاد الهاتف؛ حيث كانت اللفظة تشير إلى الشخص المحتال الذي كان يستخدم الهاتف لخداع هؤلاء الذين لم يعرفوا سوى وسيلة الاتصال وجهًا لوجه فقط. يجب أن نتوقع حالة مشابهة من عدم اليقين في حالة الفضاء الإلكتروني، مثلما يجب أن نتوقع أيضًا أن الفضاء الإلكتروني سيهز توقعاتنا بشأن المصداقية في البداية.

يعتمد طرح آبرامز على إحدى خواص الشبكة التي لا نستطيع أن نتقبلها دون مساءلة. إذا كانت هناك مصداقية على الشبكة، فستتقلص أهمية قضية أوراق البنتاجون. في المقابل، إذا كان التعبير على الشبكة ينقصه المصداقية، تصبح ضمانات الحماية التي يكفلها الدستور مهمة مرة أخرى.

لكن «المصداقية» ليست بالصفة التي يجري وضع تشريع لها أو تشفيرها. تتأتى المصداقية عبر مؤسسات ثقة تساعد القارئ على الفصل بين المصادر الموثوق بها وبين المصادر غير الموثوق بها. تثير إذن الرحلة رقم ٨٠٠ سؤالًا مهمًّا: كيف نستطيع إعادة ترسيخ المصداقية في هذا الفضاء بحيث لا تضيع مع المجانين؟26

في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، كان يمكن الإجابة على هذا السؤال نظريًّا فقط. أما منذ ذلك الوقت حتى الآن، فبدأنا نرى إجابة تظهر على هذا السؤال. تقع كلمة واحدة في المركز من هذه الإجابة: المدونة.

حتى وقت كتابة هذه السطور، هناك ما يزيد عن ٥٠ مليون مدونة على الإنترنت. لا توجد طريقة واحدة لوصف طبيعة هذه المدونات. تختلف هذه المدونات بعضها عن بعض بصورة هائلة، وربما كان أكثر ما يُكتب فيها لا قيمة له. في المقابل، لا يعتبر أمرًا صائبًا أن نصدر حكمًا على آلية متغيرة من خلال لمحة واحدة سريعة. يعتبر بناء السلطة الذي تقوم هذه الآلية بإنشائه شيئًا جديدًا للغاية.

في أفضل صورها، تعتبر المدونات أمثلة على صحافة الهواة؛ حيث لا تشير لفظة «هواة» هنا مرة أخرى إلى تدني قيمتها، أو أنها لا تتمتع بالجودة الكافية، لكن تشير إلى الأشخاص الذين يقومون بذلك لحبهم فيه، لا من أجل المال. هؤلاء الصحفيون يكتبون عن أشياء كثيرة في هذا العالم، بعض هذه الأشياء من منظور سياسي، وبعضها من منظور اهتمام محدد. لكن إجمالًا، يرتبط هؤلاء الصحفيون مع كتاب آخرين، بحيث يؤدي ذلك إلى ظهور نقاش أو تقرير يضيف شيئًا جديدًا. يتمثل القانون الأخلاقي لهذا الفضاء في الربط، في الإشارة والتعليق. وبينما لا يعتبر هذا الربط «عادلًا ومتوازنًا»، فإنه يؤدي إلى تبادل نشط للفِكَر.

تتراتب هذه المدونات فيما بينها. تقوم خدمات مثل تكنوراتي، على سبيل المثال، بحساب مساحة المدونة، ومتابعة مَن يرتبط بمن، وأي المدونات تتمتع بالمصداقية الكبرى. تساهم هذه الترتيبات في ظهور اقتصاد للفِكَر ينشئ نظامًا حوله. يحصل المدونون على مصداقية من خلال ذكر الآخرين لهم أو لمدوناتهم. تجذب هذه المصداقية الانتباه. تعتبر هذه المصداقية نظام سمعة جديدًا لا يرسخه المحررون أو رؤساء الشركات أو شركات الإعلام، بل تؤسسه مجموعة غاية في التنوع من المساهمين.

في نهاية المطاف، يلقي هؤلاء الصحفيون الهواة بتأثير. عندما سقطت طائرة تي دبليو إيه من السماء، كانت هناك نظريات حول مؤامرات لم تمرَّ من مُرشِّح المصداقية. حاليًّا، هناك نظم أكثر للمصداقية؛ لذا عندما أظهر دان راذر خطابًا، على برنامج «ستون دقيقة» على شبكة سي بي إس، يؤكد من خلاله قيام الرئيس بعملية احتيال، لم يستغرق الأمر أكثر من ٢٤ ساعة في عالم المدونات لإثبات عدم صحة هذا الحديث.27 ما يثير الدهشة أكثر هو أن الأمر استغرق من شبكة سي بي إس حوالي أسبوعين للإقرار بما أثبتته المدونات. كشف العمل الجماعي في المدونات عن الحقيقة، وفي الوقت نفسه أحرج شركة إعلام عملاقة، لكن على عكس سلوك الشركة الإعلامية أظهرت المدونات شيئًا مهمًّا عن كيفية نضوج الشبكة.

يأتي هذا التعاون دون وجود ضمانات، فيما عدا ضمان العملية نفسها. تعتبر العملية الأكثر دلالة على التعاون الجماعي في سياق المحتوى موسوعة ويكيبيديا. تعتبر ويكيبيديا موسوعة حرة متاحة على الإنترنت قام بإنشائها متطوعون فقط. ومنذ إطلاقها في بداية عام ٢٠٠١، ألَّف هؤلاء المتطوعون (الآلاف حرفيًّا) أكثر من مليوني مقالة. هناك تسع نسخ من الموسوعة في تسع لغات (لا تضم نسخة بلغة كلينجون الخيالية)، وحوالي نصف المقالات مكتوبة باللغة الإنجليزية.

تهدف موسوعة ويكيبيديا إلى تحقيق الحياد. يحرر المساهمون ويعيدون تحرير المقالات لتحقيق الحيادية. تفشل هذه الجهود في بعض الأحيان، خاصة مع الموضوعات الخلافية التي تؤدي إلى ظهور صراع شرس في تحريرها. على وجه العموم، تعتبر الموسوعة عملًا ناجحًا للغاية. في ظل جهود المتطوعين فقط، يستخدم كثيرون ربما أكثر الموسوعات فائدة التي أُلفت من خلال ملايين الإسهامات غير المنسَّقة سلفًا.

لا تضمن ويكيبيديا في المقابل نتائجها. لا تضمن الموسوعة عدم وجود أخطاء في الإسهامات في أي لحظة. بطبيعة الحال، لا يستطيع أحد ضمان تحقيق ذلك. في إحدى الدراسات التي قامت بجمع عينة عشوائية من مقالات ويكيبيديا ومن «الموسوعة البريطانية»، خلُصت الدراسة إلى وجود نفس عدد الأخطاء في الموسوعة البريطانية مثلما في ويكيبيديا.28

في المقابل، تعتبر ويكيبيديا معرضة لنوع محدد من الخطر ليست الموسوعة البريطانية معرضة له؛ ألا وهو العبث. في مايو ٢٠٠٥، تعرضت مقالة عن جون سايجنثالر الأكبر للعبث من قبل أحد المشاغبين. نظرًا لعدم وجود أحد يتابع هذه المقالة، ظلت المقالة أربعة أشهر حتى جرى ملاحظتها وتصويبها. لم يكن سايجنثالر سعيدًا بذلك. شكا سايجنثالر من أن معمار ويكيبيديا هو الذي يجب إلقاء اللوم عليه.

قد يصبح معمار ويكيبيديا مختلفًا، لكن ليس الدرس المستفاد هنا هو فشل معمار ويكيبيديا، بل يتمثل الدرس في واقع الأمر في النجاح المفاجئ لها؛ فلا يوجد مثال سابق على تعاون أشخاص حول العالم يعملون معًا للوصول إلى الحقيقة من خلال طيف واسع من الموضوعات. هذا هو ما يقوم به العلم أيضًا. يستعين العلم بنوع مختلف من «مراجعة الأقران» للتحقق من النتائج. لا تعتبر «مراجعة الأقران» ضمانة أيضًا على صحة النتائج. على سبيل المثال، كان الكوريون الجنوبيون على قناعة تامة بأن أحد علمائهم البارزين، وانج وو سوك، اكتشف أسلوبًا لاستنساخ الخلايا الجذعية البشرية. صدَّق الكوريون ذلك لأن الدوريات العلمية التي يراجعها الأقران كانت تؤكد ذلك. على أي حال، سواء أكان صحيحًا تصديق ذلك أم لا، كانت الدوريات على خطأ. كان وانج وو سوك محتالًا؛ حيث لم يقم باستنساخ الخلايا الجذعية، بل لم يستنسخ أي شيء يستحق انتباه العالم.

لا تقوم المدونات بتنسيق أي عمليات تعاون بين المساهمين للوصول إلى الحقيقة مثلما تفعل ويكيبيديا. بمعنًى ما، لا تجري عملية عد الأصوات المؤيدة لرأي ما في أي موقع أبدًا في حالة المدونات، فيما تجري العملية عينها في جميع الأوقات في حالة ويكيبيديا، لكن حتى في حالة عدم عد الأصوات المؤيدة، يتعلم قارئو المدونات كيفية الوصول إلى الحقيقة. مثلما هو الحال مع شهود على حادث (وإن كان الشهود في هذا السياق في حال أفضل؛ حيث يمتلك الشهود في حالة إحدى الحوادث سمعة يخشون من تأثُّرها عند الإدلاء بشهادتهم)، يقوم القارئ ببناء رؤيته للحقيقة من خلال طيف واسع من الرؤى. يشعر كاس سَنستاين بالقلق عن حق حيال عدم تطور أعراف المدونين بالدرجة الكافية، بحيث تتضمن تعددًا داخليًّا في عملية الاستشهاد بعضهم ببعض.29 ربما يكون ذلك صحيحًا، لكن مهما كانت طبيعة القراءة الطبيعية للموضوعات العادية، يمنح التنوع في فضاء المدوناتِ القراءَ طيفًا واسعًا من الرؤى تُؤخذ في الاعتبار عند ظهور أي موضوع مهم إلى السطح، مثل هذا الموضوع الذي أرَّق سالنجر. وعند ربط هذا التنوع في الرؤى بنظام السمعة الآخذ في النضوج، والذي يقلل من تأثير هيمنة بعض الآراء، سيعني هذا سهولة تحقيق التوازن بين الرؤى المتطرفة وبين التصويبات التي تسهم بها الأصوات المتعددة.

هكذا تنشأ مصداقية، والتي حتى إن كانت غير مكتملة فإنها تقيَّد بصورة مختلفة. على شبكة إن بي سي نيوز أن تقلق بشأن أرباحها؛ حيث إن تقاريرها تؤثر عليها على نحو متزايد. أما المدونات فلا أرباح تُرجى من ورائها؛ حيث تعتبر بصورة عامة فضاءات هواة، لكن السمعة تعد عاملًا مقيِّدًا للاثنتين، وقد تسبَّب التنافس بين نمطي الصحافة في تحسين كليهما بصورة متزايدة. فنحن نحظى اليوم ببيئة أكثر ثراءً لحرية التعبير أكثر مما كان عليه الحال قبل خمس سنوات مضت، بيئة تقلل فيها المدونات من تجاوزات الصحافة التجارية وتنظمها (أي المدونات) تكنولوجيا سمعة تُرشد القارئ مثلما ترشد الكاتب.

ستبقى الأخطاء. وكل شخص يمتلك مثالًا مفضلًا على الأخطاء. يتمثل نموذجي المفضل في القصة التي تزعم أن آل جور «اخترع الإنترنت». بدأت القصة من خلال مقابلة مع شبكة سي إن إن في ٩ مارس ١٩٩٩. في هذه المقابلة، ردًّا على سؤال عن الفرق بين جور وبرادلي، قال جور الآتي:
خلال خدمتي في كونجرس الولايات المتحدة، اتخذت مبادرة بإنشاء الإنترنت. اتخذت المبادرة في دفع عدد من المبادرات التي أثبتت أهميتها للنمو الاقتصادي والحماية البيئية لبلادنا، فضلًا عن عمليات تطوير في نظامنا التعليمي.30
مثلما هو واضح من السياق، لا يقول جور إنه اخترع تكنولوجيا الإنترنت، لكنه «أخذ المبادرة في دفع عدد من المبادرات» التي كانت مهمة للبلاد. في المقابل، رُويت القصة من منظور أن جور «اخترع الإنترنت»؛ حيث كرر القصةَ صحفيُّ الإنترنت دكلان ماكولا بعدَ أسبوعين على النحو التالي: «ذكر نائب الرئيس قصة غير صحيحة بالمرة زعم من خلالها اختراعه للإنترنت.» لم تنمحِ هذه الرواية المغلوطة قط. في دراسة صدرت عام ٢٠٠٣ حول تناول الإعلام لهذه القصة، خلُص تشيب هيلث وجوناثان بندور إلى الآتي: «نبيِّن انتصار الرواية الكاذبة حول مقولة جور على الرواية الصحيحة في الخطاب السياسي السائد بهامش كبير. يعتبر هذا فشلًا واضحًا في سوق الفِكَر، وهو ما نُبيِّنه بالتفصيل.»31
لا يخفف من وطأة هذه القصة إلا سهولة توثيق الكذب فيها، وذلك بفضل الإنترنت. قام سِث فنكلشتاين، وهو مبرمج وأحد نشطاء مناهضة برامج الرقابة، بإنشاء صفحة على الإنترنت جمع فيها المقابلة الأصلية والروايات التالية عنها.32 تعتبر هذه الصفحة النموذج الأفضل لما يمكن أن يكون عليه الإنترنت، لكن للأسف، لم تتجاوز هذه الميزة عالم الإنترنت.

(٢) وسائل تنظيم التعبير: البريد الإلكتروني المزعج والمواد الإباحية

على الرغم من كل هذا الحديث عن حب حرية التعبير، لا يمانع معظمنا من أعماقهم في تنظيم التعبير قليلًا بصورة صحية، على الأقل في بعض السياقات، أو على الأقل سيتحمس عدد أكبر منا اليوم في تنظيم التعبير أكثر مما كان عليه الحال في ١٩٩٦. يرجع هذا التغيير إلى فئتين من التعبير صارتا مصدرًا للإزعاج للكثيرين على الشبكة؛ ألا وهما: البريد الإلكتروني المزعج، والمواد الإباحية.

أعني ﺑ «البريد الإلكتروني المزعج» رسائل البريد الإلكتروني التجارية الإعلانية غير المرغوب فيها التي يجري إرسالها في حزم هائلة. يشير التعبير «غير المرغوب فيها» إلى عدم وجود علاقة بين المُرسل والمستقبل، وتشير كلمة «تجارية» إلى رسائل بريد إلكتروني لا تشمل الرسائل السياسية، ويشير التعبير «بريد إلكتروني» إلى جميع وسائط التفاعل في الفضاء الإلكتروني (بما في ذلك المدونات)؛ حيث لا يقتصر على رسائل البريد الإلكتروني بمعناها الضيق، وتشير «حزم» إلى العديد (عد ما شئت) من الرسائل التي يجري إرسالها دفعة واحدة.

لا أعني ﺑ «المواد الإباحية» الفُحش أو المواد الإباحية التي تتعلق بالأطفال، لكني أعني هنا ما تطلق عليه المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة تعبيرًا صريحًا جنسيًّا «يسبب الضرر للقُصَّر».33 تعتبر هذه هي الفئة المسموح بها قانونًا للتعبير الجنسي، على الأقل بالنسبة إلى الكبار لا للصغار. أما الفُحش والمواد الإباحية التي تتعلق بالأطفال، فلا يُسمح بها لأي شخص.

يختلف هذان النوعان من التعبير؛ المواد الإباحية والبريد الإلكتروني المزعج، أحدهما عن الآخر، لكنهما متشابهان في بناء التنظيم الذي يتطلبه كل منهما. لا يجب منع أي من هذين النوعين من خلال التنظيم؛ إذ لا يمانع البعض في تلقي رسائل بريد إلكتروني غير مرغوب فيها، وهناك من هم مسموح لهم دستوريًّا بالاطلاع على المواد الإباحية. في المقابل، هناك فئة من الأفراد ممن يريدون توفير السلطة اللازمة لحجب كلا النوعين؛ وهما: معظمنا فيما يتعلق بالبريد الإلكتروني المزعج، والآباء فيما يتعلق بالمواد الإباحية. هذه رغبة لتحقيق نوع من «تنظيم التعبير». يبقى السؤال في كيفية دعم هذه الرغبة، أو فيما إذا كان القانون سيدعمها.

أؤيد تمامًا هذا الشكل من أشكال تنظيم التعبير في ظل وجود معمار مناسب، «لكن كيف تستطيع اعتناق فكرة التنظيم بهذه السهولة؟» ربما يتساءل من لا يؤيدون التنظيم: «هل نسيت أهمية قيم حرية التعبير؟»

إذا كان من يحبون هذا النمط من التنظيم يقرءون بعناية، فسيجدون إجابة سريعة على تهمة الرقابة هذه. يتضح عند التفكر قليلًا أن — وفق المعنى الذي طُرح في الفصل السابع — البريد الإلكتروني المزعج والمواد الإباحية كانا دومًا يخضعان للتنظيم في الفضاء الواقعي. يظل السؤال الأهم في الفضاء الإلكتروني هو ما إذا كان أثر عمليات التنظيم في الفضاء الواقعي يمكن تحقيقه في الفضاء الإلكتروني.

(٢-١) وسائل تنظيم الفضاء الواقعي: البريد الإعلاني المزعج والمواد الإباحية

فكِّر أولًا في الرسائل الإعلانية في الفضاء الواقعي. في ظل المعنى الذي طُرح في الفصل السابع، يُنظَّم البريد الإعلاني في الفضاء الواقعي تنظيمًا شديدًا. يمكن فهم وسيلة التنظيم هذه من خلال أنماط التقييد الأربعة التي ذكرناها سلفًا.

أولًا؛ القانون: تقيِّد الوسائل التنظيمية ضد عمليات الاحتيال والخداعِ الألاعيبَ التي يقوم بها مَن يرسلون الرسائل البريدية الإعلانية في الفضاء الواقعي. والمسابقات تخضع لتنظيم مكثف (ما عليك سوى قراءة إعلانات إخلاء المسئولية على موقع ببليشرز كليرنج هاوس سويبستيكس).

ثانيًا: تنظم الأعراف الاجتماعية رسائل البريد الإعلانية في الفضاء الواقعي. هناك شعور عام بما هو مناسب للإعلان عنه. أما الإعلان عن أشياء تقع خارج نطاق ما هو مسموح به؛ فهو شيء لا يدافع عنه أحد.

ثالثًا: تنظم الأسواق رسائل البريد الإعلانية في الفضاء الواقعي. تعتبر تكلفة الرسائل البريدية في الفضاء الواقعي مرتفعة، وهو ما يعني أن العائد منها يجب أن يكون مناسبًا قبل إرسالها. تؤدي هذه الآلية السوقية إلى تقليص حجم رسائل البريد الإعلانية التي يجري إرسالها في الفضاء الواقعي.

رابعًا: ينظِّم المعمار رسائل البريد الإعلانية في الفضاء الواقعي. فنحن نتلقى رسائلنا مرة واحدة فقط يوميًّا، وهو ما يجعل من السهولة بمكانٍ فصل رسائل البريد العادية عن الرسائل الإعلانية، بل من السهولة بمكانٍ التخلص من رسائل البريد الإعلانية دون حتى الاطلاع عليها. لا تعتبر أعباء رسائل البريد الإعلانية في الفضاء الواقعي إذن كبيرة.

تؤثر هذه العوامل معًا على تقييد نشر رسائل البريد الإعلانية في الفضاء الواقعي. إن عدد هذه الرسائل أقل مما يرغب المرسلون، وفي الوقت عينه هو أكبر مما يحب المتلقون. تنظِّم هذه القيود الأربعة إذن ما يجري عمله.

ينطبق الأمر نفسه على المواد الإباحية.

تخضع المواد الإباحية إلى تنظيم شديد في الفضاء الواقعي، مرة أخرى لا نعني بالمواد الإباحية الفُحش أو المواد الإباحية التي تتعلق بالأطفال، بل ما تطلق عليه المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة تعبيرًا صريحًا جنسيًّا «يسبب الضرر للقُصَّر». يخضع الفُحش والمواد الإباحية التي تتعلق بالأطفال إلى التنظيم أيضًا، غير أن نمط تنظيمها مختلف. يُحظَر الفُحش والمواد الإباحية التي تتعلق بالأطفال على الجميع في الفضاء الواقعي (الولايات المتحدة). أما المواد الإباحية فلا تُحظر إلا على الأطفال.

يمكن أيضًا فهم عملية تنظيم المواد الإباحية من خلال الأنماط الأربعة للتنظيم. تتوجه هذه الأنماط الأربعة جميعها إلى هدف واحد؛ ألا وهو: إبعاد الأطفال عن المواد الإباحية مع ضمان إمكانية اطِّلاع الكبار عليها (أحيانًا).

أولًا، يخدم القانون هذا الهدف. يشترط القانون في العديد من الولايات القضائية منع بيع المواد الإباحية إلى الأطفال.34 منذ عام ١٩٦٨ على الأقل، عندما أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا في قضية جنسبرج ضد نيويورك،35 جرى دعم هذا التنظيم. تشترط الولايات على بائعي المواد الإباحية بيعها إلى الكبار فقط، مثلما تشترط على بائعي المواد الإباحية التأكد من هوية المشترين.

لا تقتصر عملية التنظيم على القانون فقط. تنظم الأعراف الاجتماعية المواد الإباحية أيضًا. تقيِّد الأعراف الاجتماعية بيع المواد الإباحية بصورة عامة؛ حيث ينظر المجتمع بعين الازدراء إلى مستهلكي المواد الإباحية، وهذا الازدراء لا شك يؤدي إلى الحد من بيع المواد الإباحية. تشجع الأعراف الاجتماعية أيضًا سياسة إبعاد المواد الإباحية عن الأطفال. ولا يرغب المتعاملون في المواد الإباحية أن ينظر إليهم الآخرون على أنهم فئة تفسد المجتمع. يُنظر إلى بيع المواد الإباحية عمومًا على أنها مسألة تؤدي إلى فساد الأخلاق، وهو ما يعتبر قيدًا على المتعاملين مثلما هو قيد على الجميع.

يُبقي السوق أيضًا المواد الإباحية بعيدًا عن الأطفال. تُكلِّف المواد الإباحية أموالًا في الفضاء الواقعي. لا يمتلك الأطفال الكثير من الأموال. نظرًا لأن بائعي المواد الإباحية يميزون بين المشترين بناءً على هويتهم، بهذا يساهم البائعون في إثناء الأطفال عن شراء المواد الإباحية.

في المقابل، تفترض الوسائل التنظيمية للقانون، والسوق، والأعراف الاجتماعية وجود وسيلة تنظيمية أخرى تسمح بوجود الوسائل الثلاث الأخرى؛ ألا وهي: وسيلة التنظيم عن طريق المعمار. يصعب في الفضاء الواقعي إخفاء حقيقة كون أحد الأشخاص طفلًا. ربما يحاول هذا الطفل إخفاء هويته لكن دون أن ينجح في ذلك. من هنا، نظرًا لأن أي طفل لا يستطيع إخفاء عمره، ونظرًا لأن المواد الإباحية تُباع مباشرة وجهًا لوجه إلى المشترين، تجعل معماريات الفضاء الواقعي تكلفة الاستعانة بوسائل التنظيم عن طريق القانون والأعراف الاجتماعية أقل تكلفة، ومن ثم فعَّالة.

تؤثر هذه المجموعة من الوسائل التنظيمية في الفضاء الواقعي على السيطرة إلى درجة كبيرة على نشر المواد الإباحية بين الأطفال. لا تعتبر محصلة هذه الوسائل التنظيمية كاملة — حيث يستطيع أي طفل يريد الحصول على مواد إباحية أن يحصل عليها — لكن لا يشترط في الوسيلة التنظيمية أن تكون كاملة حتى تصبح فعَّالة. يكفي أن تجعل هذه الوسائل التنظيمية المواد الإباحية غير متوافرة بصورة عامة.

(٢-٢) وسائل تنظيم الفضاء الإلكتروني: البريد الإلكتروني المزعج والمواد الإباحية

يجري تنظيم البريد الإلكتروني المزعج والمواد الإباحية بصورة مختلفة في الفضاء الإلكتروني. بمعنًى آخر، الأنماط التنظيمية الأربعة نفسها تقيِّد البريد الإلكتروني المزعج والمواد الإباحية أو تمكِّنها بصورة مختلفة في الفضاء الإلكتروني.

لنبدأ بالمواد الإباحية هذه المرة: يتمثل الفرق الأول في السوق. تُكلِّف المواد الإباحية أموالًا في الفضاء الواقعي، لكنها لا تكلف أموالًا في الفضاء الإلكتروني، أو لا تكلف أموالًا كثيرة. إذا أردت توزيع مليون صورة ﻟ «فتاة لطيفة» في الفضاء الواقعي، فربما لا يكون من قبيل المبالغة أن يتكلف ذلك مليون دولار. لا يكلف توزيع هذه الصورة في الفضاء الإلكتروني شيئًا في واقع الأمر. فطالما توافَر لدى المستخدمين وسيلة للاتصال بالفضاء الإلكتروني وجهاز مسح وثائق، يستطيع المستخدمون مسح صورة الفتاة اللطيفة ثم توزيع الصورة الرقمية عبر شبكة يوزنت لأكثر من مليون شخص فيما لا يزيد عن تكلفة الاتصال بالإنترنت.

مع انخفاض تكلفة الإنتاج بهذه الصورة، يجري إصدار كميات أكبر من المواد الإباحية في الفضاء الإلكتروني أكثر مما في الفضاء الواقعي. بالإضافة إلى ذلك، توجد أنماط من المواد الإباحية في الفضاء الإلكتروني لا تتوافر في الفضاء الواقعي، مثل المواد الإباحية للهواة، والمواد الإباحية التي يجري إنتاجها لغير أغراض تجارية. لا يمكن أن يوجد هذا النمط من المواد الإباحية في الفضاء الواقعي.

ثم إن هناك بالإضافة إلى ذلك الطلب. يمكن الاطلاع على المواد الإباحية في الفضاء الإلكتروني — أحيانًا وفي أماكن كثيرة — دون مقابل. توفِّر الآلاف من المواقع التجارية المواد الإباحية دون مقابل كأحد أساليب جذب المستهلكين. توجد أيضًا مواد إباحية أكثر في السياقات غير التجارية، مثل يوزنت، أو في مواقع المواد الإباحية المجانية. مرة أخرى، يُترجَم هذا السعر المنخفض إلى طلب أكبر.

يوجد معظم هذا العرض والطلب في سوق يتمتع بالحماية الدستورية على الأقل في الولايات المتحدة. يتمتع الكبار بحق دستوري في الولايات المتحدة للاطلاع على المواد الإباحية، بمعنى عدم وجود ما يمكن أن تقوم به الحكومة لتعيق الأفراد (ربما دون أسباب معقولة) عن الاطلاع على مواد إباحية، لكن هناك في المقابل سوقًا آخر للمواد الإباحية لا يتمتع بالحماية الدستورية. وتمتلك الحكومة في الولايات المتحدة الحق في منع الأطفال من الاطلاع على المواد الإباحية.

مثلما رأينا في القسم السابق، حتى ينجح هذا النوع من التنظيم، يجب توافُر وسيلة بسيطة نسبيًّا لمعرفة من يكون طفلًا. مثلما رأينا خلال صفحات هذا الكتاب، هذا ملمح يتعلق بالمعمار لا يتوافر في الفضاء الإلكتروني. لا يعني ذلك أن الأطفال لا يستطيعون إخفاء هويتهم كأطفال في الفضاء الإلكتروني. ففي الفضاء الإلكتروني، لا توجد حقائق لإخفائها. يدخل المستخدمون إلى الفضاء الإلكتروني دون هوية، ويذكرون عن أنفسهم ما يريدونه فقط، وإن كان ذلك أيضًا لا يمكن التحقق منه تمامًا. من هنا، لا يحتاج الأطفال في الفضاء الإلكتروني إلى الكشف عن هوياتهم كأطفال، ومن ثم لا يتعرضون إلى إجراءات التمييز التي يتعرض لها الأطفال في الفضاء الواقعي. لا يريد أحد أن يعرف أن جون هو جوني القاصر، ومن ثم لا ينشأ عن المعمار المعلومات الأساسية اللازمة لإنجاح هذا النمط من التنظيم.

يتمثل الأثر المترتب على ذلك في أن الوسائل التنظيمية التي تسعى إلى منع الأطفال من الاطلاع على المواد الإباحية في الفضاء الإلكتروني انتقائيًّا، لا تنجح لأسباب تختلف عن أسباب عدم نجاحها في الفضاء الواقعي؛ ففي الفضاء الواقعي هناك بائعون يرغبون في تجاوز القانون، أو لا يشعرون بأي دافع في الالتزام به. أما في الفضاء الإلكتروني، حتى لو أراد البائع أن يلتزم بالقانون، فإن القانون لا يمكن الالتزام به. إذ لا يوفِّر معمار الفضاء الإلكتروني الأدوات اللازمة لتمكين الأفراد من الالتزام بالقانون.

ينطبق الأمر نفسه على الرسائل الإعلانية. تعتبر هذه الرسائل نشاطًا اقتصاديًّا. يقوم الناس بإرسال هذه الرسائل لكسب الأموال. تضيِّق عوامل التقييد في الفضاء الواقعي من رغبة جمع الأموال هذه. تعني تكاليف إرسال رسائل إعلانية أن الحملات التي تتوقع تحقيق عائد كبير من ورائها هي الحملات التي يجري إرسال مثل هذه الرسائل فقط عبرها. مثلما ذكرت، حتى في هذه الحالة، تضيف القوانين والأعراف الاجتماعية طبقة أخرى من القيود، لكن يظل أهم هذه القيود هو التكلفة.

في المقابل، تعني فعالية الاتصال في الفضاء الإلكتروني أن تكلفة إرسال الرسائل الإعلانية أقل بكثير، وهو ما يزيد بصورة هائلة من كمية هذه الرسائل التي يصبح من الطبيعي، وفق معادلة التكلفة هذه، إرسالها بهذه الكميات، وحتى لو كنت تحقق ربحًا لا يزيد عن ٠٫٠١٪، إذا كانت تكلفة إرسال الرسائل الإعلانية تقترب من الصفر، فلا يزال بمقدورك أن تكسب أموالًا.

وهكذا، مثلما هو الحال مع المواد الإباحية، يعني وضع أطرٍ عامة حاكمة مختلفة جذريًّا تطبيق وسائل تنظيمية مختلفة جذريًّا للسلوك. يجري تنظيم المواد الإباحية والرسائل الإعلانية بصورة جيدة في الفضاء الواقعي. أما في الفضاء الإلكتروني، فيعني هذا الاختلاف في المعمار أن كليهما لا يخضع إلى وسائل تنظيمية فعَّالة على الإطلاق.

وهكذا نصل إلى السؤال الذي استهللنا به هذا القسم: هل هناك طريقة «لتنظيم» الرسائل الإعلانية والمواد الإباحية وصولًا إلى المستوى التنظيمي الذي يخضعان له في الفضاء الواقعي؟

(٢-٣) تنظيم المواد الإباحية على الشبكة

من بين جميع صور تنظيم التعبير الممكنة على الشبكة (مع تنحية حقوق التأليف والنشر جانبًا لبرهة)، كان كونجرس الولايات المتحدة متحمسًا للغاية لتنظيم المواد الإباحية. لم تترجم هذه الحماسة على الرغم من ذلك إلى نجاح. مرر الكونجرس تشريعين مهمين. لم يتمكن التشريع الأول من الصمود طويلًا، فيما يواصل التشريع الثاني طريقًا شاقًّا في صراعه للنفاذ عبر القضاء.

كان التشريع الأول نتاج حالة فزع؛ ففي الوقت الذي بدأت فيه الشبكة في النفاذ إلى الوعي العام، ظهر جانب غير محمود للشبكة أولًا. كان ذلك هو المواد الإباحية عليها. انتشر القلق من المواد الإباحية في الولايات المتحدة في وقت مبكر من ١٩٩٥.36 كان مصدر هذا القلق هو زيادة عدد المستخدمين العاديين على الشبكة، ومن ثم زيادة عدد المستخدمين من الأطفال، بل وزيادة استثنائية في توافر ما أطلق عليه كثيرون المواد الإباحية على الشبكة. أشارت دراسة خلافية للغاية (وخاطئة تمامًا) نُشرت في دورية «جورج تاون لو ريفيو»، أن الشبكة تكتظ بالمواد الإباحية.37 نشرت مجلة «تايم» قصة عن توافر المواد الإباحية على الشبكة.38 تلقى أعضاء مجلس الشيوخ طلبات هائلة يطالبهم فيها أصحابها بفعل أي شيء لتنظيم «المواد الإباحية».
استجاب الكونجرس لهذه المطالب من خلال قانون آداب الاتصالات. كان هذا القانون الذي تميَّز بالغباء الشديد بمنزلة طعنة في قلب التعديل الأول من الدستور؛ حيث جعل القانون نقل مواد «غير مهذبة» عبر الشبكة إلى الأطفال القُصَّر، أو توفير هذه المواد في أماكن يستطيع الأطفال القُصَّر الاطلاع عليها جريمة. في المقابل، منح هذا القانون مستخدمي الشبكة مَن يتحدثون بصورة غير مهذبة دفاعًا؛ حيث إذا التزم هؤلاء بالحذر واتخذوا خطوات معقولة فعَّالة في عدم التحدث مع الأطفال بصورة غير مهذبة، يستطيع هؤلاء أن يتحدثوا «بصورة غير مهذبة» بعضهم مع بعض.39
كان هناك ثلاث مشكلات على الأقل مع قانون آداب الاتصالات، كان أي منها كفيلًا بالقضاء عليه تمامًا.40 تمثلت المشكلة الأولى في نطاق التعبير الذي كان ينظمه القانون؛ فلم يكن عدم التهذيب يندرج ضمن أنماط التعبير التي يملك الكونجرس السلطة اللازمة لتنظيمها (على الأقل ليس خارج سياق بث البرامج).41 مثلما ذكرت، يملك الكونجرس سلطة تنظيم التعبير الذي «يسبب الضرر للقُصَّر»، مثل قضية جنسبرج ضد نيويورك، على أن مثل هذه الأنماط من التعبير تختلف تمامًا عن نمط التعبير الذي يطلق عليه «غير مهذب». من هنا، كانت الضربة الأولى الموجهة ضد القانون هو اتساع نطاق تطبيقه كثيرًا.

تمثلت المشكلة الثانية في الغموض. كان شكل الدفاعات المسموح بها واضحًا؛ فما دام هناك وجود لمعمار إقصاء الأطفال، يُسمح بالتعبير غير المهذب، لكن المعماريات المتوافرة في ذلك الوقت لإقصاء الأطفال عن المواد الإباحية غير المهذبة كانت تتسم بالبدائية النسبية، وكانت مكلفة إلى حد كبير في حالات أخرى. لم يكن واضحًا لتلبية اشتراطات القانون ما إذا كان يجب أن تتسم المعماريات بالفعالية الشديدة أم بفعالية معقولة وحسب، بالنظر إلى حالة التكنولوجيا المتوافرة في ذلك الوقت. في الحالة الأولى: لا وجود للدفاعات؛ حيث يتكلف المنع الكامل للأطفال عن الاطلاع على مواد إباحية، أو المشاركة في محادثات غير مهذبة؛ أموالًا طائلة. وفي الثانية: لم تكن تكلفة تحقيق منع فعَّال معقول غير كامل مرتفعة للغاية.

تمثلت المشكلة الثالثة في رد فعل الحكومة ذاتها. في دفاعها عن موقفها أمام المحكمة الدستورية العليا في ١٩٩٧، لم تقم الحكومة بالكثير لتضييق نطاق التعبير الذي يجري تنظيمه، أو توسيع نطاق دفاعات المتفاعلين على الإنترنت للتفاعل بحرية في أي صورة شاءوا. الْتزمت الحكومة بالتعريف الهائم العريض للغاية الذي حدده الكونجرس للسلوك غير المهذب، كما أظهرت الحكومة فهمًا ضعيفًا للطريقة التي يمكن أن تمنع بها التكنولوجيا السلوك غير المهذب. وبينما كانت المحكمة الدستورية العليا تدرس القرار، لم يبدُ أن ثمة طريقة لوضع نظام يحدد تعريف السلوك المهذب بما يحقق اشتراطات القانون دون أن يؤدي ذلك إلى تقييد حرية المتفاعلين على الإنترنت.

استجاب الكونجرس إلى هذه المشكلات مرة أخرى عن طريق تمرير قانون ثانٍ يستهدف حماية الأطفال من المواد الإباحية؛ ألا وهو: قانون حماية الأطفال على الإنترنت لعام ١٩٩٨.42 كان القانون متوافقًا بصورة أفضل مع الاشتراطات الدستورية، وكان يهدف إلى تنظيم التعبير الذي «يسبب الضرر للقُصَّر»، وكان يسمح للمواقع التجارية بتوفير مثل هذا النمط من التعبير ما دامت هذه المواقع تتحقق من عمر المستخدم. على الرغم من ذلك، أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارًا بمنع إنفاذ القانون.43

يستجيب القانونان إلى مسألة شرعية ومهمة. لا شك في أن للآباء الحق في حماية أبنائهم من هذا النمط من التعبير، ومن المفهوم تمامًا محاولة الكونجرس مساعدة الآباء على ضمان هذه الحماية للأبناء.

رغم ذلك، كان كلا القانونَينِ غير دستوريَّينِ؛ لا كما أشار البعض لعدم وجود طريقة يستطيع الكونجرس من خلالها مساعدة الآباء، لكن لأن الطريقة التي حددها الكونجرس لمساعدة الآباء تضع قيودًا غير ضرورية على التعبير المشروع (أي على حرية تعبير البالغين).

في رأيي، ثمة قانون دستوري يستطيع الكونجرس تمريره، وسيكون له أثر مهم على حماية الأطفال من المواد الإباحية.

حتى نرى كيف يبدو تشريع كهذا، علينا أن نبتعد قليلًا عن قانون آداب الاتصالات وقانون حماية الأطفال على الإنترنت؛ لتحديد الأهداف المشروعة لقانون تنظيم التعبير هذا.

رسخت قضية جنسبرج ضد نيويورك44 وجود نمط من أنماط التعبير يمتلك البالغون الحق في ممارسته فيما لا يتمتع الأطفال بهذا الحق. تقوم الولايات بتنظيم هذا النمط من التعبير لضمان وصول صوره إلى المستخدم المناسب، وحجبه عن المستخدم غير المناسب.
من ناحية المفهوم، حتى ينجح هذا التشريع يجب الإجابة عن سؤالين:
  • (١)

    هل مقدم المحتوى يقدم محتوًى «قابلًا للتنظيم»؛ أي محتوًى «يسبب الضرر للقُصَّر»؟

  • (٢)

    هل المتلقي مسموح له بالاطلاع على هذا المحتوى؛ أي هل هو قاصر؟

مع الإجابة عن هذه الأسئلة، يصبح منطق هذا التشريع كالتالي:
إذا كان
(المحتوى == قابلًا للتنظيم)
و
(المتلقي == شخصًا قاصرًا)
إذن
يجب حجب المحتوى.

فيما بين مقدم المحتوى ومتلقيه، من الجلي أن مقدم المحتوى هو الأقدر على الإجابة على السؤال الأول. لا يستطيع المتلقي معرفة ما إذا كان المحتوى ضارًّا بالقُصَّر حتى يصادف المحتوى المُقدَّم. وإذا كان هذا المتلقي شخصًا قاصرًا، فسيكون الأوان قد فات. فيما بين مقدم المحتوى ومتلقيه، يتضح أن المتلقي هو الأقدر على الإجابة على السؤال الثاني. على الإنترنت على وجه الخصوص، من الصعوبة البالغة بمكانٍ على مقدم المحتوى التحقق من عمر المتلقي؛ حيث يستطيع المتلقي وحده تحديد عمره بأقل الصور تكلفة.

وضع قانون آداب الاتصالات وقانون حماية الأطفال على الإنترنت عبء الإجابة عن السؤال الأول على مقدم المحتوى، فيما وضعا عبْءَ الإجابة على السؤال الثاني على مقدم المحتوى ومتلقيه معًا. كان على مقدم المحتوى تحديد ما إذا كان هذا التعبير قابلًا للتنظيم، وكان على مقدم المحتوى ومتلقيه التعاون معًا للتحقق من عمر المتلقي. إذا لم يتحقق مقدم المحتوى من عمر المتلقي، وكان المتلقي قاصرًا، يعتبر مقدم المحتوى مرتكبًا لجريمة.

يحدد قانون الفضاء الواقعي المسئولية بالطريقة نفسها تمامًا. إذا أردت مثلًا بيع منتج إباحي في نيويورك، فعليك تحديد ما إذا كان محتوى ما تبيعه «يسبب الضرر للقصر»، فضلًا عن تحديد ما إذا كان الشخص الذي تبيعه المحتوى شخصًا قاصرًا. في المقابل، يختلف الفضاء الواقعي بصورة جوهرية عن الفضاء الإلكتروني، على الأقل في التكلفة العالية التي تتطلبها الإجابة على السؤال الثاني. في الفضاء الواقعي، تعتبر الإجابة تلقائية تقريبًا (مرة أخرى، يصعب على الطفل إخفاء حقيقة كونه طفلًا). عندما لا تكون الإجابة تلقائية، يوجد نظام منخفض التكلفة لتحديد الهوية (رخصة القيادة، على سبيل المثال). في الفضاء الإلكتروني، في المقابل، يشكِّل أي نظام إجباري لتحديد الهوية عبئًا على مقدم المحتوى ومتلقيه. وحتى في ظل قانون حماية الأطفال على الإنترنت، على مقدم المحتوى أن يتحمل عبء إقامة نظام دفع باستخدام بطاقات الائتمان، وعلى المتلقي أن يثق في بائع المواد الإباحية ويمنحه بطاقة ائتمانه حتى يستطيع الاطلاع على مواد يحمي الدستور تداولها.

هناك جانب آخر في قانون آداب الاتصالات وقانون حماية الأطفال على الإنترنت يبدو ضروريًّا، لكنه في الواقع غير ذلك؛ ألا وهو: أن كلا القانونَينِ يُحمِّلان مسئولية تَبِعات هذين التشريعين على الجميع، بما في ذلك أولئك الذي يمتلكون حقًّا دستوريًّا للاستماع إلى هذه المواد الإباحية. بعبارة أخرى، يتطلب هذان القانونان أن يظهر الجميع إثباتات هوية، رغم أنه لا يُمنع دستوريًّا من ممارسة حق تداول مواد إباحية إلا الأطفالُ.

قارن إذن بين الأعباء التي يلقي بها القانونان المشار إليهما بإطار تنظيمي مختلف؛ نظام يضع عبء الإجابة على السؤال الأول (ما إذا كان المحتوى ضارًّا بالقُصَّر أو لا) على مقدم المحتوى، ويضع عبء الإجابة على السؤال الثاني (ما إذا كان المتلقي شخصًا قاصرًا أو لا) على المتلقي.

تعتبر إحدى صور هذا الإطار التنظيمي بسيطة، بل غير فعَّالة وغير عادلة بالنسبة إلى مقدم المحتوى، وتتمثل في الاشتراط بأن تحجب مواقعُ الإنترنت الاطلاع على المواد الإباحية وتداولها من خلال صفحة تَنص على الآتي: «يعتبر محتوى هذه الصفحة ضارًّا بالقُصَّر. اضغط هنا إذا كنت شخصًا قاصرًا.» يُحمِّل هذا التصور التنظيمي الطفل مسئولية تحديد العمر، لكن من الواضح أن هذا التصور لا يحقق أي أثر على الإطلاق في منع الأطفال من الاطلاع على المواد الإباحية وتداولها. بصورة أقل وضوحًا، يعتبر هذا التصور غير عادل بالنسبة إلى مقدمي المحتوى؛ حيث قد يتداول مقدمو المحتوى محتوًى «يسبب الضرر للقُصَّر»، في الوقت الذي لا يعتبر كل من يقدِّم هذه المحتويات شخصًا يبيع مواد إباحية. يعتبر هذا النمط من حجب المحتوى مميِّزا للمستخدمين بصورة سلبية للبعض، وفي حال توافر نظام لا يلقي بالمسئولية على المستخدمين بنفس هذا القدر، تجعل هذه الصورة السلبية التشريع القانوني الداعم لها غير دستوري.

ما هو إذن البديل القابل للتطبيق لهذا التصور التنظيمي؟

سأوضح هذا النظام من خلال مثال محدد. بمجرد ذكر المثال، سيصبح من السهولة بمكان إدراك الموضوع الأعم الذي أطرحه هنا.

يعرف الجميع أبل ماكنتوش. يسمح هذا النظام، مثل أي نظام تشغيل حديث آخر، للمستخدمين بإنشاء «حسابات» خاصة على جهاز محدد. وقد قمت بإنشاء حساب لابني ويليام (لا يتجاوز عمر ابني ثلاث سنوات، لكنني أريد أن أكون مستعدًّا). عندما قمت بإنشاء هذا الحساب، قمت بضبط إعدادات «أدوات تحكم الآباء»؛ وهو ما يعني أن أتحكم في تحديد أي البرامج الذي سيستخدمها تحديدًا، وأي نمط اتصال بالإنترنت يتميَّز اتصال ابني به. تجعل «أدوات تحكم الآباء» من المستحيل عمليًّا تغيير هذه الإعدادات؛ حيث يحتاج من يريد ذلك إلى معرفة كلمة المرور التي وضعها المتحكِّم في نظام الإعدادات، وإذا لم يجرِ الكشف عن كلمة المرور، فسيكون العالم الذي يلج الأطفال إليه من خلال جهاز الكمبيوتر هو ذلك العالم الذي حددته إعدادات الوصول التي اختارها الآباء.

افترض أن أحد هذه البرامج التي أستطيع الاختيار بينها هو برنامج تصفح يمتلك خاصية يمكن أن نطلق عليها خاصية نمط تصفح أطفال. ستجري برمجة هذا المتصفح بحيث تجري عملية مراقبة لعلامة مميزة على أي صفحة على الشبكة. لنُسمِّ هذه العلامة باسم علامة «ضار بالقُصَّر» أو <H2M> اختصارًا. تميِّز هذه العلامة المميِّزة، أو بلغة الشبكة «تاج»، أي محتوًى يعتقد مُقدِّم المحتوى في ضرره على القُصَّر، ومن ثم لن يُظهِر برنامج التصفح أي محتوًى تميِّزه علامة <H2M> هذه. على سبيل المثال، ستُظهر صفحة الشبكة على شاشة جهاز فيه برنامج تصفح يمتلك خاصية نمط تصفح الأطفال نفس محتواها المعتاد، باستثناء الجزء الذي تم تمييزه بالعلامة المميزة <H2M>.
وهكذا، إذا جرى تمييز عالم الشبكة العالمية عن طريق علامات <H2M>، وإذا قام مصممو برامج التصفح ببناء هذه الخاصية التي ترشِّح المحتوى في برامجهم، فسيستطيع الآباء إعادة ضبط الخواص في أجهزتهم؛ بحيث لا يستطيع أبناؤهم الاطلاع على أي محتوًى تميِّزه العلامة <H2M>؛ وبذا يتحقق الهدف المتمثل في تمكين الآباء من السيطرة على المحتويات التي يطلع عليها أبناؤهم بأقل عبء ممكن على مقدمي المحتوى المتمتعين بحقوقهم الدستورية في عرض ذلك المحتوى.
كيف نستطيع إذن أن نجعل (معظم) عالم الشبكة يُميَّز بعلامات <H2M> التي تحدد المحتوى الضار بالقصر؟

هذا هو دور الحكومة. بعكس قانون آداب الاتصالات وقانون حماية الأطفال على الإنترنت، يتمثل التشريع اللازم لإنجاح هذا النظام — في حدود نجاح هذا النظام، وهو ما سنناقشه لاحقًا أكثر — في تمييز مقدمي المحتوى على الإنترنت للمحتوى الذي يقدمونه. لن يُشترط على المقدمين حجب المحتوى، ولن يُشترط التحقق من العمر. كل ما هو مطلوب من مقدمي المحتوى على الإنترنت هو تمييز المحتوى الذي يعتبر ضارًّا للقُصَّر عن طريق علامات التمييز المناسبة.

لن تصير هذه العلامات المميِّزة في المقابل بمنزلة علامات عامة يراها الجميع تَسِمُ الموقع بأنه موقع للمواد الإباحية. لا يشبه اقتراح العلامات في هذا السياق الاقتراحات (البلهاء، في رأيي المتواضع) بتمييز مجالات محددة مثل sex أو xxx على الإنترنت خاصة بالمواد الإباحية. لا يصح أن يجري توجيه المستخدمين إلى منطقة إباحية خاصة على الإنترنت حتى يستطيعوا الاطلاع على مواد خاصة بالكبار فقط على مواقعهم. بدلًا من ذلك، يتمثل اقتراح العلامات المميزة في أن تبقى العلامة <H2M> خافية عن المستخدم العادي، إلا إذا كان المستخدم يبحث عنها قاصدًا، أو يرغب في حجب هذا المحتوى بنفسه.

بمجرد تنفيذ الحكومة هذا القانون، ستُوفِّر لدى مصممي برامج التصفح الدافع اللازم لتضمين هذه التكنولوجيا (البسيطة للغاية) في برامجهم للتصفح. وبالنظر إلى تكنولوجيا برنامج تصفح شبكة الإنترنت موزيلا مفتوح المصدر — وهو البرنامج الذي يسمح لأي مستخدم بإضافة أي تطبيق يراه إليه — تعتبر تكلفة عملية بناء هذا المتصفح المعدل منخفضة للغاية. وبمجرد تنفيذ الحكومة هذا القانون، وبمجرد بناء مصممي برامج التصفح لأحد برامج التصفح التي تستطيع التعرف على هذه العلامة المميزة، سيتوافَر بناءً على ذلك دافع قوي لدى الآباء لاستخدام منصات مختلفة تُمكِّنهم من التحكُّم في الأماكن التي يزورها أطفالهم على الإنترنت.

من هنا، وفق هذا الحل، يُوفِّر «القانون» دافعًا (من خلال فرض العقوبات على غير الملتزمين) للمواقع التي تحتوي على مواد «تسبب الضرر للقُصَّر»؛ كي تُغير «المعمار» (من خلال إضافة العلامات <H2M> المميزة)، وهو ما يخلق بدوره «سوقًا» لمصممي برامج التصفح، بل أسواقًا جديدة، لإضافة أدوات ترشيح محتوًى جديدة، بحيث يستطيع الآباء حماية أطفالهم. تقع المسئولية الوحيدة هنا على عاتق مقدم المحتوى؛ حيث لا يلقي هذا الحل بأي أعباء على متلقي المواد الإباحية القانوني على الإطلاق. بالنسبة إلى هذا المتلقي، لا يوجد اختلاف في معايشة الحياة على الشبكة؛ لأنه في ضوء عدم بحث برنامج التصفح عن العلامة <H2M> المميزة، تعتبر هذه العلامة غير مرئية بالنسبة إلى مستخدم الشبكة.

«لكن ألا يعتبر هذا العبء الملقى على عاتق مقدم المحتوى غير دستوري؟» من الصعوبة القول بذلك، خاصة وأنه — في الفضاء الواقعي — من الدستوري إجبار مقدم المحتوى على إبعاد المحتوى الذي «يُسبِّب الضرر للقُصَّر» عن الأطفال. لا شك في أن ثمة عبئًا ملقًى على عاتق مقدم المحتوى، لكن يتمثل السؤال الدستوري فيما إذا كان هناك وسيلة أخرى لا تلقي بمثل هذا العبء على عاتق مقدم المحتوى بحيث تحقق هذه المنفعة المهمة.

«لكن ماذا عن المواقع الأجنبية؟» لا يستطيع الأمريكيون تنظيم ما يقع في روسيا. على عكس ما تظن، يعتبر ذلك غير صحيح تمامًا. ومثلما سنرى في الفصل التالي، هناك الكثير مما تستطيع الولايات المتحدة القيام به وما تقوم به بالفعل بغرض السيطرة على ما تقوم به الدول الأخرى.

على الرغم من ذلك، ربما يساورك القلق فيما إذا كانت الدول الأخرى ستُطيع القانون الأمريكي؛ حيث إنه من غير المحتمل أن ترسل حكومة الولايات المتحدة قوات مشاة البحرية للتخلص من المواقع التي لا تلتزم بما يُمليه القانون الأمريكي. بالتأكيد هذا صحيح. في المقابل، بقدر ما يهتم الآباء بهذه المسألة، كما أوضحت بالفعل، هناك سوق قائم يمكِّن من عملية ترشيح المحتوى بناءً على الموقع الجغرافي. ومبدئيًّا، يمكن استخدام خدمة مسح عناوين بروتوكولات الإنترنت ضمن برنامج التصفح نفسه الذي يرشِّح المحتوى باستخدام العلامة <H2M> المميزة، بحيث يمكن زيارة المواقع الأمريكية فقط.
«لكن ألا يمكن للأطفال التغلب على هذه العقبة؟» بالتأكيد، سيستطيع بعض الأطفال ذلك. في المقابل، لا تمثل نسبة نجاح أي تشريع (في مقابل برامج تتبع القذائف الصاروخية) مائة بالمائة. يتمثل السؤال الذي تطرحه المجالس التشريعية فيما إذا كان القانون سيجعل الوضع أفضل حالًا.45 يعتبر حجب المحتوى الإباحي بدرجة كبيرة من خلال العلامة <H2M> المميزة تطورًا كبيرًا، وهو ما يعد كافيًا حتى يصبح القانونُ ذا جدوى حقيقية.

«لكن لماذا لا نعتمد على أدوات ترشيح المحتوى التي يستخدمها الآباء والمكتبات في أجهزتهم؟ لا تتطلب أدوات ترشيح المحتوى الطوعية أي قوانين جديدة، ومن ثم لا تتطلب أي رقابة ترعاها الدولة لتحقيق أهدافها.»

هذه هي الرؤية التي أريد أن أزيحها جانبًا؛ حيث تجلب هذه الرؤية جميع أخطاء الفهم في مرحلة ما قبل قانون الفضاء الإلكتروني إلى الإجابة على سؤال التنظيم في الفضاء الإلكتروني.

أولًا: خذ لفظة «رقابة». يتمثل ما يقوم به هذا التشريع في منح الآباء الفرصة لممارسة عملية اختيار مهمة. تعتبر عملية تمكين الآباء من القيام بذلك مصلحة ضرورية للدولة. ربما يُطلِق الأطفال الذين لا يستطيعون الاطلاع على المحتوى الإباحي؛ نظرًا لأن آباءهم مارسوا عملية الاختيار هذه على ذلك اسم «رقابة»، لكن لا يُعد هذا استخدامًا مفيدًا للمصطلح. إذا كان هناك سبب مشروع لحجب هذا الشكل من أشكال الاطلاع على أحد أنواع المحتويات؛ فهو تنظيم التعبير. لا يوجد سبب آخر لإطلاق أسماء أخرى على ذلك.

ثانيًا: خذ أيضًا مسألة تفضيل «مرشحات المحتوى الطوعية». إذا كان هدف المرشحات الطوعية هو تحقيق الهدف نفسه (أي حجب التعبير الذي جرى تمييزه من خلال العلامة H2M، وفقط هذا النمط من التعبير) فسأساند هذه المرشحات قلبًا وقالبًا، لكنها ليست كذلك في واقع الأمر. وحسب الوصف القوي للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (بعد فترة وجيزة من الفوز في القضية التي أدت إلى إلغاء قانون آداب الاتصالات؛ بناءً على أسباب من بينها أن مرشحات المحتوى تعتبر وسائل أقل قدرة على التقييد من التنظيم الحكومي)؛ فإن:
رماد ما تبقى من قانون الاتصالات للسلوك غير المهذب كان لا يزال يحترق في بطء، عندما دعا البيت الأبيض إلى لقاء قمة لتشجيع مستخدمي الإنترنت على تقييم تعبيرهم ذاتيًّا، ولحَضِّ قادة صناعة البرمجيات على تطوير ونشر أدوات حجب «التعبير غير الملائم». كان اللقاء طوعيًّا بطبيعة الحال؛ حيث ادعى البيت الأبيض عدم ممارسته الضغط على أحد. في المقابل، أصاب الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية وآخرين الهلعُ … من خلال مسار لقاء القمة، والحماس الظاهر لإجراء إصلاحات تكنولوجية تجعل من السهل حجب أو منع أي تعبير خلافي عن الرأي … لم يكن أي اقتراح من الحاضرين أو الإعلان عن شيء محدد هو ما تسبب في شعورنا بالذعر، بل الفشل في بحث التداعيات بعيدة المدى لتصورات تقييم صور التعبير وحجب المحتوى على الإنترنت.46
يعتبر مثار قلق الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية بديهيًّا؛ حيث لم تؤدِّ مرشحات المحتوى، التي وفرها السوق، إلى توفير إمكانية إجراء عمليات ترشيح بصورة أكثر عمومية مما تتطلبه مصلحة الدولة المشروعة في ذلك — من خلال حجب صور التعبير التي تميزها علامة <H2M> — فحسب، بل إن هذه المرشحات تؤدي عملية تصفية المحتوى بطريقة لا تتَّسم بالشفافية على الإطلاق. كانت هناك قصص مريعة كثيرة عن مواقع جرى إدراجها في مرشحات المحتوى (ومن ثم حجبها) لأسباب لا تتعلق بالمحتوى الإباحي على الإطلاق (بما في ذلك تناول بعض المواقع بالنقد لمرشحات المحتوى).47 عندما يُحجب محتوًى من خلال المرشحات، لا توجد سبل كثيرة للتغلب على ذلك. تعتبر مرشحات المحتوى مجرد قوائم توصية للمحتوى؛ فلا تستطيع، على سبيل المثال، مقاضاة موقع زاجت لأنه يقوم بتوجيه العملاء إلى المنافسين.

لا يتمثل طرحي هنا في منع مرشحات المحتوى أو عدم السماح للآباء بحجب المزيد من نمط المحتوى الإباحي، إنما يتمثل طرحي في أننا إذا اعتمدنا على الإجراءات الفردية وحدها، فسيتم حجب صور تعبير أكثر مما لو قامت الحكومة باتخاذ إجراءات الحجب بصورة أكثر حكمة وفعالية.

يضع هذا الإطار العام للطرح النهائي الذي أُقدِّمه هنا. مثلما ذكرت من البداية يجب أن يكون تركيزنا على حرية التعبير لا على دور الحكومة فقط في تقييد حرية التعبير. من هنا، بين «حلين» لإحدى مشكلات التعبير — حلٌّ يتضمن الحكومة ويقمع حرية التعبير على نطاق محدود، وحلٌّ لا يتضمن الحكومة ويقمع حرية التعبير على نطاق واسع — يجب أن تنحاز بنا القيم الدستورية لتفضيل الحل الأول، يجب أن تقودنا قيم التعديل الأول (حتى لو لم يكن التعديل الأول مباشرة) إلى تفضيل نظام تنظيم للتعبير يتَّسم بالشفافية والقابلية للمحاسبة، نظام يؤدي فيه دور الحكومة أو حيادها إلى قمع صور للتعبير تمتلك الحكومة مصلحة مشروعة في قمعها. بعبارة أخرى، لا يعني تدخل الحكومة «بالضرورة» في الحل أن هذا الحل ليس مناسبًا ويوفر الحماية للحقوق.

تعتبر مرشحات المحتوى الخاصة التي تمخَّض عنها السوق حتى الآن مكلفة وشاملة لكل شيء؛ حيث تحجب هذه المرشحات محتوًى يقع خارج نطاق صلاحية الدولة في تنظيم التعبير. ويجري دعم مرشحات المحتوى هذه لغياب بديل آخر أقل تقييدًا لحرية التعبير.

تُستهدف المرشحات العامة اللازمة (وهي المرشحات التي تمكنها العلامة <H2M> المميزة) بصورة لصيقة في إطار صلاحيات الدولة المشروعة. وفي حال وجود نزاع حول هذه العلامة المميزة — إذا رأى أحد المدعين بالحق المدني، على سبيل المثال، ضرورة تمييز أحد المواقع الذي يحتوي على معلومات تتعلق بسرطان الثدي من خلال العلامة <H2M> — تتوافر الفرصة للقائمين على الموقع لاتخاذ إجراءات قانونية ضد ذلك. أما إذا كانت عملية ترشيح المحتوى هذه تتم من خلال برمجيات خاصة، فلا يوجد في واقع الأمر سبيل لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد مثل هذا القرار. لا يملك نشطاء حرية التعبير في هذه الحالة إلا كتابة مقالات قوية تدعم وجهة نظرهم، لكنها مقالات لا يطلع عليها كثيرون؛ مثل الالتماس الشهير للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

استغرقت منظمات الحقوق المدنية الرئيسة طويلًا حتى تدرك هذا التهديد الذي يواجه قيم حرية التعبير. يركِّز تقليد الحقوق المدنية بصورة مباشرة على الإجراءات الحكومية وحدها. سأكون آخر من يقول بعدم وجود مخاطر جمَّة جراء سوء التصرفات الحكومية، لكن هناك في المقابل أيضًا مخاطر تتهدد حرية التعبير جراء سوء تصرف الشركات الخاصة. ولا يخدم الرفض القاطع لتدبر التهديد الذي يمثله سوء تصرف الحكومة في مقابل التهديد الذي يمثله سوء تصرف الشركاتِ الخاصةِ؛ القيمَ التي يسوقها التعديل الأول.

«ماذا إذن عن تكنولوجيات ترشيح المحتوى العامة مثل بي آي سي إس؟ ألا تعتبر تكنولوجيا بي آي سي إس بمنزلة حل يتجنب «مشكلة القائمة السرية» التي جرى تحديدها؟»

تشير بي آي سي إس اختصارًا إلى «مجموعة الشبكة العالمية لمنصة اختيار محتوى الإنترنت». رأينا قبل ذلك تكنولوجيا شبيهة بتكنولوجيا بي آي سي إس (هي في الواقع أحد أبناء تكنولوجيا بي آي سي إس) في الفصل عن الخصوصية؛ ألا وهي تكنولوجيا منصة تفضيلات الخصوصية. مثل تكنولوجيا بي آي سي إس، تعتبر تكنولوجيا منصة تفضيلات الخصوصية بروتوكولًا لتقييم وترشيح المحتوى على الشبكة. في سياق الخصوصية، كان المحتوى يتألف من مجموعة من التفضيلات تتعلق بممارسات الخصوصية، وكان يجري تصميم النظام العام بحيث يساعد الأفراد على الاختيار بين بدائل هذه الممارسات.

تنطبق الفكرة نفسها على صور التعبير على الإنترنت. تقسِّم تكنولوجيا بي آي سي إس مشكلة ترشيح المحتوى إلى قسمين؛ ألا وهما: قسم تمييز نوع المحتوى (تقييم المحتوى)، ثم قسم ترشيحه (من خلال حجب المحتوى بناء على هذا التقييم). كانت الفكرة قائمة على أساس أن مبتكري البرمجيات سيتنافسون لابتكار برامج تستطيع تنفيذ عمليات ترشيح وفق عمليات التقييم، وتتنافس شركات تقديم المحتوى ومؤسسات التقييم في تقييم المحتوى. يقوم المستخدمون بعد ذلك باختيار برامج الترشيح ونظم التقييم المناسبة؛ فإذا أراد المستخدمون، مثلًا، الحصول على نتائج تقييم محتوى اليمين المسيحي، فسيستخدمون نظام التقييم الخاص به، وإذا أراد المستخدمون الحصول على نتائج تقييم محتوى اليسار الملحد، يستطيعون استخدام نظام التقييم هذا. وعن طريق اختيار من يقيِّم المحتوى إذن نختار المحتوى الذي نرغب في أن يقوم برنامج الترشيح بترشيحه.

يتطلب هذا النظام بعض الافتراضات؛ أولًا: تقوم شركات ابتكار البرمجيات بكتابة الكود اللازم لترشيح المحتوى (جرى تنفيذ ذلك حقيقة في بعض برامج التصفح الرئيسة). ثانيًا: تقوم مؤسسات تقييم المحتوى بتقييم محتويات الشبكة. لا يعتبر هذا بطبيعة الحال جهدًا يسيرًا؛ حيث لم تنهض مؤسسات التقييم بعدُ لتنفيذ مهمة تقييم مليارات صفحات الإنترنت. ثالثًا: تمتلك المؤسسات، التي قامت بإجراء عمليات تقييم لمحتويات الشبكة بطريقة تسمح بسهولة ترجمتها من نظام تقييم إلى آخر، ميزة تنافسية تتفوق بها على مؤسسات التقييم الأخرى. تستطيع هذه المؤسسات، على سبيل المثال، بيع أحد نظم التقييم إلى حكومة تايوان، ثم تطوير نظام تقييم آخر مختلف قليلًا وبيعه إلى حكومة «آي بي إم».

إذا ثبتت صحة هذه الفرضيات الثلاث، يمكن إذن تطبيق أي عدد من نظم التقييم على الشبكة. فوفق تصور مبتكريها، ستعتبر تكنولوجيا بي آي سي إس حيادية بين نظم التقييم، وحيادية ضمن برامج ترشيح المحتوى. سيوفر النظام لغة يمكن من خلالها تقييم المحتوى على الشبكة، مثلما يمكن اتخاذ قرارات حول كيفية استخدام هذا المحتوى الذي جرى تقييمه من جهاز إلى آخر.48

تبدو الحيادية شيئًا طيبًا، وهي تبدو مثل فكرة يجب على صانعي السياسات اعتناقها؛ فأسلوب تعبيري عن آرائي يختلف عن أسلوب تعبيرك عن آرائك. كلانا حرٌّ في التحدُّث والاستماع كما نشاء. يجب أن نؤسس نظمًا تحمي هذه الحرية، وتبدو تكنولوجيا بي آي سي إس هي هذا النظام عينه الذي نرغب فيه.

في المقابل، تنطوي تكنولوجيا بي آي سي إس على «حيادية» أكثر مما نعتقد. لا تعتبر تكنولوجيا بي آي سي إس حيادية على المستوى الأفقي فقط — حيث تسمح للأفراد بالاختيار بين طيف متنوع من نظم التقييم التي يرغبون فيها — بل هي حيادية أيضًا على المستوى الرأسي؛ حيث تفرض عملية ترشيح المحتوى على أى مستوًى في سلسلة التوزيع. ظن معظم من اعتمدوا استخدام هذه التكنولوجيا للمرة الأولى بأنها تكنولوجيا تقبع جالسة في جهاز المستخدم؛ حيث تقوم بعملية ترشيح المحتوى وفق رغبات هذا المستخدم. في المقابل، لا يوجد أي شيء في تصميم تكنولوجيا بي آي سي إس يمنع المؤسسات والشركات التي تقدِّم خدمات الاتصال بالإنترنت من ترشيح المحتوى أيضًا. قد تقع عملية ترشيح المحتوى في أي مستوًى في سلسلة التوزيع؛ أي على مستوى المستخدم، أو الشركة التي من خلالها يستطيع المستخدم الاتصال بالإنترنت، أو شركة تقديم خدمات الاتصال بالإنترنت، أو حتى المحيط الجغرافي الذي يعيش فيه المستخدم. بعبارة أخرى، لا يوجد أي شيء في تصميم هذه التكنولوجيا يتطلب أن تكشف برامج ترشيح المحتوى عن وجودها. من الممكن أن تكون عملية ترشيح المحتوى في معمار مثل معمار تكنولوجيا بي آي سي إس غير مرئية، بل يعتبر خفاء هذه التكنولوجيا في بعض صورها جزءًا من تصميمها.49

يجب أن يطلق هذا صافرات التحذير لكل من هم حريصون على حماية قيم التعديل الأول، حتى لو كان البروتوكول خاصًّا في مجمله. (ربما) يتمثل أحد الآثار المترتبة غير المقصودة في أن نظام بي آي سي إس لا يوفِّر فقط طريقة لترشيح المحتوى لا تتسم بالشفافية، بل إنه — من خلال خلق سوق لتكنولوجيا ترشيح المحتوى — ينتج مرشحات لما هو أكثر بكثير مما أثير في قضية جنسبرج ضد نيويورك. هذه، بالطبع، كانت الشكوى المشروعة للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية ضد قانون آداب الاتصالات الأصلي. في المقابل، يُيسر السوق، الذي يتطابق ذوقه مع ذوق المجتمع، من عملية ترشيح المحتوى؛ فالأعراف المجتمعية لأي مجتمع تقع في صلب برامج ترشيح المحتوى، وهي مرشحات تمتاز باتساع نطاقها كثيرًا عن المرشح الضيق مثلما كان الحال في قضية جنسبرج ضد نيويورك. يمكن أن يتسع نظام ترشيح المحتوى كثيرًا وفق رغبة المستخدمين، أو يتخصص أكثر فأكثر حسبما ترغب مصادر ترشيح المحتوى.

يعتبر الحل المتمثل في الاستعانة بعلامة التمييز H2M إضافة إلى خاصية نمط تصفح الأطفال حلًّا بديلًا أضيق كثيرًا في نطاقه؛ حيث يسمح هذا الحل بوضع حدود خاصة لصور التعبير. في المقابل، لا تتوافر أي دوافع لدى مقدمي المحتوى باستبعاد المتلقين؛ إذ على العكس من ذلك تتوافر الدوافع لدى مقدمي المحتوى للحصول على متلقين أكثر لا أقل. لا توجد أي اشتراطات لترشيح المتلقين سوى الاشتراطات الدستورية، اشتراطات تعبير «جنسبرج». بما أن الدولة تضع هذه الاشتراطات، يمكن وضع هذه الاشتراطات محل الاختبار في ضوء الدستور، فإذا وُجد أن الدولة تتجاوز كثيرًا حدود صلاحياتها في تقييد حرية التعبير، يمكن الحد من تغوُّل سلطتها حينئذ.

يتمثل الفرق إذن بين هذين الحلين في قابلية النظام في كل منهما للتعميم. قد يؤسس نظام ترشيح المحتوى معمارًا يمكن استخدامه لترشيح أي نوع من صور التعبير؛ وهكذا قد تتخطى الرغبة في ترشيح المحتوى الحد الأدنى المسموح به في الدستور. وقد يؤسس نظام تقسيم المحتويات وفق الهويات معمارًا لحجب المحتوى لم يكن يهدف في الأساس إلى تحقيق عملية حجب تتسم بهذه الشمولية.

أي النظامين نفضِّل؟

لاحظ القيم التي يتضمنها كل نظام. كلا النظامين يمثلان حلولًا عامة لمشكلات خاصة. لا يقتصر نظام ترشيح المحتوى على حالة التعبير في قضية جنسبرج ضد نيويورك؛ حيث يمكن الاستعانة بهذا النظام في تقييم وترشيح أي محتوًى على شبكة الإنترنت، كما أن نظام تقسيم المحتوى وفق هويات المستخدمين لا يقتصر، نظريًّا، على التقسيم فقط في حالة التعبير كما في قضية جنسبرج ضد نيويورك؛ حيث يمكن الاستعانة بحل التقسيم بناء على هوية المستخدمين من الأطفال، عن طريق استخدام علامة التمييز <H2M>؛ لوضع تصورات أخرى تتعلق بحماية الأطفال. من هنا، يمتلك كلا النظامين تطبيقات تتخطى كثيرًا حدود المواد الإباحية على الشبكة.

هذا على الأقل من ناحية المبدأ. على الرغم من ذلك، يجب أن نسأل عن طبيعة الدوافع لتطبيق الحل فيما يتجاوز المشكلة المطروحة، وما هي معوقات تطبيق الحل في سياقات أخرى؟

نبدأ هنا في تمييز الفرق المهم بين النظامين. عندما يجري منعك من الاطلاع على محتوًى بسبب شهادة اعتماد تحملها، تراودك رغبة في معرفة السبب. عندما يقال إنك لا تستطيع زيارة موقع معين، يستطيع الشخص الذي مُنع من زيارة هذا الموقعِ التأكُّدَ من حقيقة ذلك. قد يكون هذا الإقصاء مبررًا في بعض الأحيان، لكن عندما لا يكون كذلك، يمكن التغلب عليه. يبني نظام التقسيم إذن في داخله نظامًا يُرسي حدوده؛ فلا يستطيع أي موقع منع أي مستخدم من زيارته دون أن يعرف هذا المستخدم ذلك.50

أما نظام الترشيح فهو مختلف؛ فإذا لم يستطِع المستخدم الاطلاع على المحتوى، فلا يعرف طبيعة ما جرى حجبه. ربما يجري ترشيح المحتوى عبر تكنولوجيا بي آي سي إس في مكان ما من المنبع بحيث لا يعرف المستخدم بحدوث ذلك. لا يوجد أي شيء في تصميم تكنولوجيا بي آي سي إس يتطلب الكشف عن حقيقة ما يجري حجبه مثلما هو الحال في نظام التقسيم. من هنا، تصبح عملية ترشيح المحتوى من المنبع أيسر، وأقل شفافية، وأقل تكلفة من خلال تكنولوجيا بي آي سي إس.

يتضح هذا الأثر أكثر إذا قمنا بعملية تفكيك لمكونات عملية ترشيح المحتوى. تذكر عنصري حلول ترشيح المحتوى؛ تمييز المحتوى، ثم حجبه بناءً على عملية التمييز هذه. ربما نرى في عملية تمييز المحتوى خطورة أكبر مما في عملية الحجب. إذا جرى تمييز المحتوى، يصبح من الممكن متابعة من يحصل على ماذا دون أن يجري حتى حجب الاطلاع على المحتوى. ربما يؤدي ذلك إلى إثارة مخاوف أكبر مما في حالة حجب المحتوى؛ إذ تتضمن عملية حجب المحتوى إخطار المستخدم بذلك على الأقل.

يجب أن تُزعجنا هذه الاحتمالات فقط في حال توافر الأسباب للتشكيك في القيمة التي تتضمنها عملية ترشيح المحتوى بصورة عامة، وترشيح محتوى المصدر بصورة خاصة. أعتقد أننا نملك هذه الأسباب، لكنني يجب أن أقرَّ بأن قلقي ينبع من مصدر آخر للغموض الكامن في ماضينا الدستوري.

توجد قيمة لا سبيل إلى إنكارها في عملية ترشيح المحتوى؛ فنحن جميعًا نرشح ونستبعد من المحتوى أكثر مما نعالج. وبصورة عامة، نحن نفضل أن نختار أدواتنا لترشيح المحتوى بدلًا أن يختارها الآخرون لنا. إذا قرأت صحيفة نيويورك تايمز بدلًا من صحيفة وول ستريت جورنال، أقوم في واقع الأمر باختيار أداة ترشيح محتوًى تتوافق مع فهمي لقيم كل صحيفة. ومن الواضح أنه في أي حالة من هذه الحالات، لا يجب أن تكون هناك مشكلة في ذلك.

في المقابل، هناك قيمة أيضًا في مواجهة المحتوى غير المرشَّح. ربما نرغب كأفراد في تجنب الموضوعات التي تتعلق بالفقر أو عدم المساواة، ومن ثم ربما نفضل أن نستبعد هذه الحقائق من عالمنا. في مقابل ذلك، ستكون هذه مسألة في غاية البشاعة من وجهة نظر المجتمع، إذا قام المواطنون باستبعاد المشكلات التي لا تتعلق بهم؛ حيث إن هؤلاء المواطنين أنفسهم يختارون القادة الذين يعالجون هذه المشكلات نفسها.51

في الفضاء الواقعي، لا نقلق كثيرًا حيال هذه المشكلة؛ حيث إن عملية الترشيح تتسم بعدم الكمال، فمهما حاولت أن أتجاهل موضوع الأشخاص المشردين، فلن أمضي إلى مصرفي دون المرور ببعض الأشخاص المشردين في الشارع، ومهما حاولت أن أتجاهل موضوع عدم المساواة، فلن أقود السيارة إلى المطار دون أن أمر بأحياء تذكرني بكيف أن الولايات المتحدة أمة لا تتحقق فيها المساواة. تفرض جميع أنواع الموضوعات التي لا أفضل التفكير فيها نفسها عليَّ. تجذب هذه الموضوعات انتباهي في الفضاء الواقعي بقطع النظر عن خياراتي الخاصة في عملية الترشيح.

بطبيعة الحال، لا ينطبق هذا الأمر على الجميع؛ حيث يستطيع الأثرياء ثراء فاحشًا عزل أنفسهم عما لا يرغبون في رؤيته. خذ مثلًا بمدير المنزل في إحدى الضيعات الإنجليزية في القرن التاسع عشر؛ حيث يجيب مدير المنزل على السائلين ولا يسمح بدخول من يظن أنهم سيسببون إزعاجًا لسيده. يعيش هؤلاء الأشخاص حياة معزولة تمامًا عن الآخرين، مثلما هو الحال مع بعض الأشخاص في الوقت الراهن.

في مقابل ذلك، لا يعيش معظمنا هذه الحياة حيث يجب أن نواجه مشكلات الآخرين، وأن نفكِّر في الموضوعات التي تؤثر على مجتمعنا. يجعلنا هذا التعرض لمشكلات الآخرين وللموضوعات التي لا تتصل بنا مباشرةً مواطنين أفضل.52 إننا نستطيع مناقشة موضوعات تؤثر على الآخرين والتصويت عليها بصورة أفضل إذا كنا نعرف شيئًا عن المشكلات التي يواجهونها.

ماذا يحدث إذن إذا جرى التخلص من عورات نظام ترشيح المحتوى؟ ماذا يحدث لو استطاع الجميع استخدام مدير منزل؟ هل يتوافق هذا العالم مع قيم التعديل الأول؟

يرى البعض أن الجواب بالنفي. يدفع كاس سَنستاين، على سبيل المثال، بأن واضعي الدستور اعتنقوا ما يطلق عليه المفهوم «الماديسوني» للتعديل الأول.53 يرفض هذا المفهوم فكرة أن مزيج التعبير الذي نراه يجب أن يعتمد فقط على الاختيارات الفردية.54 يصر هذا المفهوم على ضمان تعرضنا لطَيفٍ من الموضوعات التي نحتاج إلى فهمها إذا أردنا أن نصير مواطنين بحق. يرفض هذا المفهوم إذن أي معمار يجعل اختيارات المستهلك (الفردية) هي الاختيارات السائدة. لا يعتبر الاختيار مسألة سيئة في إطار المفهوم الماديسوني، لكنه ليس نهاية المطاف على أي حال. يطرح إيثل دي سولا بول نقطة مشابهة للغاية:
ماذا سيعني الأمر لو جرى تقسيم الجماهير إلى مجموعات صغيرة كل منها لها مصالحها الخاصة؟ ماذا سيعني الأمر لو أن أجندة البلاد للموضات والاهتمامات لم يعد يضعها مجموعة صغيرة من وسائل الإعلام التي يتعرض لها الجميع؟ يثير هذا الاتجاه في المجتمع مشكلات معاكسة لتلك التي يثيرها انصياع الجماهير. يعتمد تماسك وفعالية أي مجتمع ديمقراطي على نوع من أنواع الساحات العامة التي يُدلي فيها الجميع بآرائهم، وحيث يتعامل الجميع مع أجندة موضوعات مشتركة، مهما كان حجم خلافهم حول الحلول المقترحة للمشكلات المطروحة.55
على الجانب الآخر، يوجد فقهاء قانونيون، مثل جيفري ستون، يصرون بقوة على عدم وجود مثل هذا المثال الأبوي في أي موضع في تصور حرية التعبير الذي اعتنقه واضعو دستورنا.56 يدور التعديل الأول بصورة أساسية حول منع سيطرة الدولة على الاختيارات الشخصية. وبما أن تمكين عملية الاختيار الشخصي لا تعد مشكلة في ضوء هذا النظام، لا يمثل أي من النظامين نظامًا كاملًا لترشيح المحتوى.

يكشف هذا الخلاف بين أساتذة القانون النابغين في جامعة شيكاجو عن لبس كامن آخر، ومثلما هو الحال مع حالات أخرى للبس الكامن، لا أظن أننا سنحل المشكلة إذا التمسنا الحل في الطرح الماديسوني. وباستخدام حجة سَنستاين نفسها لدحض طرح سَنستاين، يمكن القول بأن التعديل الأول الذي وضعه واضعو الدستور كان اتفاقًا نظريًّا غير مكتمل، ومن السهولة بمكانٍ الإقرار بأن التعديل الأول لم يُغطِّ حالة عملية الترشيح الكاملة للمحتوى. لم يستطع واضعو التعديل الأول تخيُّل عالم يجري فيه استخدام تكنولوجيا بي آي سي إس، ولم يتفقوا بكل تأكيد على نطاق تطبيق التعديل الأول في مثل هذا العالم. إذا كان لنا أن نفضل أحد النظامين على الآخر، يجب أن نقوم بذلك من خلال دعم القيم التي نريد تبنيها بدلًا من الادعاء بأن هذه القيم جرى تبنيها من قبل واضعي الدستور.

أي القيم نختار إذن؟ في رأيي، لا يجب أن نختار نظام الترشيح الكامل.57 لا يجب أن نصمم أكثر النظم فعالية في تحقيق الرقابة، أو على الأقل لا يجب أن نقوم بذلك بطريقة تسمح بعملية ترشيح غير مرئية للمحتوى من المنبع، ولا يجب أن نتبنى نظام الترشيح الكامل طالما أن الاتجاه العالمي السائد هو الترشيح الزائد عن الحد لأشكال التعبير. إذا كان ثمة شكل من أشكال التعبير ترى الحكومة مصلحة في السيطرة عليه، فلتكن هذه السيطرة إذن واضحة أمام المستخدمين. يعتبر التدخل السياسي ممكنًا فقط إذا كانت عملية التنظيم تتَّسم بالشفافية.

من هنا، أصوت لصالح نظام لا يؤدي إلى تغيير القيم العامة المهمة تغييرًا جذريًّا. يعتبر نظام التقسيم الذي يجعل الأطفال يحددون هوياتهم ذاتيًّا أقل جذرية في تغيير القيم العامة من نظام ترشيح المحتوى الذي يشترط في واقع الأمر تمييز جميع صور التعبير. لا يعتبر نظام التقسيم أقل جذرية فحسب، بل أقل تمكينًا (من الأشكال التنظيمية الأخرى)؛ حيث يتطلب أقل قدر من التغيير في معمار الشبكة، ولا يمكن تعميم نطاق تنظيمه بسهولة بحيث يصير شكلًا تنظيميًّا أكثر شمولًا.

سأختار نظام التقسيم حتى لو كان ذلك يتطلب قانونًا فيما لا يتطلَّب نظام ترشيح المحتوى شيئًا سوى الاختيار الشخصي فقط. إذا كانت الدولة تدفع في اتجاه إجراء تغيير في المزيج بين القانون والمعمار، فلا أعبأ إذا كانت تدفع إلى هذا التغيير عن طريق القانون في سياق، وعن طريق الأعراف الاجتماعية في سياق آخر. من وجهة نظري، تكمن المسألة في النتيجة لا في طريقة تحقيق الهدف. هل يحمي النظام الذي ينشأ عن هذه التغييرات قيم حرية التعبير؟

ينتاب البعض هوس بشأن التمييز بين القانون والفعل الخاص؛ حيث يرى هؤلاء أن التنظيم عن طريق الدولة هي مسألة محل شك دائم في مقابل التنظيم عن طريق الأفراد، الذي يرونه كمسألة تقع حتى خارج نطاق المراجعة الدستورية. لحسن الحظ، يقف القانون الدستوري في معظمه في صفهم.

مثلما ألمحت سابقًا — ومثلما أدافع أكثر عن وجهة النظر هذه لاحقًا — لا أعتقد أننا يجب أن نتقيَّد بالحدود التي يخطُّها لنا المحامون. يجب أن يدور سؤالنا الرئيس حول القيم التي نريد للفضاء الإلكتروني أن يحميها. سيعرف المحامون طريقة تحقيق ذلك.

ربما يود الشخص المتشكك المزعج الذي يتابع عن كثب أمثلة عدم اتساق الرأي أن يزعجني مرة أخرى هنا. في الفصل السابق، تبنيت معمارًا للخصوصية هو في جوهره معمار تكنولوجيا بي آي سي إس. تسمح تكنولوجيا منصة تفضيلات الخصوصية، شأنها شأن تكنولوجيا بي آي سي إس، بإجراء عملية ترشيح للمحتوى بين الأجهزة. يتمثل المحتوى في حالة تكنولوجيا منصة تفضيلات الخصوصية في قواعد تدور حول ممارسات الخصوصية، وفي حالة تكنولوجيا بي آي سي إس هي قواعد تدور حول المحتوى. ربما يسأل المتشككون: كيف أعارض استخدام وسيلة تكنولوجية فيما أُفضِّل الأخرى؟

الإجابة كما هي من قبل. تعتبر قيم التعبير مختلفة عن قيم الخصوصية. تعتبر السيطرة التي نريد أن نحققها على التعبير أقل من السيطرة التي نريدها في حالة الخصوصية. وللأسباب نفسها التي تجعلنا نتخلى عن شيء من السيطرة على الملكية الفكرية، يجب أن نتخلى عن شيء من السيطرة في حالة التعبير. يعتبر وجود القليل من الفوضى أو عوامل عدم السيطرة في سياق حماية أشكال التعبير قيمة لا تكلفة.

لكن هل هذه القيم مختلفة فقط لأنني أقول ذلك؟ لا. تعتبر هذه القيم مختلفة فقط إذا قلنا «نحن» إنها مختلفة. يتمثل طرحي الرئيس في أننا من يختار كيف نتعامل مع هذه القيم في الفضاء الإلكتروني.

(٢-٤) تنظيم البريد الإعلاني المزعج

تعتبر رسائل البريد الإلكتروني أكثر المسائل التي جرى التنظير لها على الشبكة؛ فهناك عشرات الكتب التي تتناول أفضل الطرق للتعامل مع البريد الإلكتروني المزعج. تمتلئ هذه الكتب بالفِكَر الفنية المبتكرة لإقصاء رسائل البريد الإلكتروني المزعج، من وسائل الترشيح إلى إعادة التصميم الشاملة لنظام البريد الإلكتروني.

في المقابل، يعتبر أكثر الأشياء إدهاشًا لي كمحامٍ (ومحبط في الآن عينه كمؤلف لهذا الكتاب) هو أن جميع هذه الأعمال تتجاهل عمليًّا أداة مهمة لا تجري معالجة مسألة رسائل البريد الإلكتروني إلا من خلالها؛ ألا وهي القانون. ليست المشكلة أن هذه الأعمال تقارن قيمة القانون في مقابل قيمة مرشحات بيزيَن على سبيل المثال، ثم تخلص إلى أن القانون أقل قيمة في تحقيق عملية التنظيم من هذه الأدوات، بل المشكلة أن هذه الأعمال لا تأخذ القانون في الاعتبار من الأساس، كما لو أن رسائل البريد المزعج مجرد نوع من مرض أنفلونزا الطيور يعيش حياته مستقلًّا تمامًا عما يريده البشر أو يفكرون فيه.

وفي هذا إغفال كبير لاستراتيجية أساسية من استراتيجيات التنظيم. مثلما قلت عبر صفحات الكتاب، يتمثل المدخل إلى سياسة جيدة في الفضاء الإلكتروني في توفير مزيج مناسب من أنماط التنظيم، لا حل واحد سريع. تعتبر فكرة أن الكود وحده يستطيع إصلاح مشكلة البريد الإلكتروني المزعج فكرة سخيفة؛ حيث يمكن دائمًا الالتفاف على الكود، وفي حال توافر الدافع للالتفاف على الكود، سيحدث ذلك الالتفاف. يعتبر القانون أداة لتغيير الدوافع، ويجب أن يجري استخدامه كأداة هنا أيضًا.

يرى معظم المهتمين أن القانون لا يستطيع أن يلعب دورًا في هذا السياق؛ حيث إن مرسلي البريد الإلكتروني المزعج، وفق وجهة نظر هؤلاء، سيتمكنون بصورة أفضل من تفادي القانون عن تفادي مرشحات البريد الإلكتروني المزعج، أو على الأقل عندما أتحدث عن «البريد الإلكتروني المزعج»؛ فإنني لا أتحدث عن فيروسات. هدفي في هذا الجزء هو عملية الاتصال التي تهدف إلى تيسير إجراء معاملة تجارية. كثير من هذه المعاملات مثير للسخرية؛ مثل تلك التي تتعلق بأدوية تمنع التقدم في العمر، وأقراص الإنقاص الفوري للوزن. في المقابل، تعتبر بعض هذه المعاملات مشروعة؛ مثل البيع بأسعار خاصة للبضائع المتكدسة في المخازن، أو عروض الحصول على بطاقات ائتمانية. تسعى هذه المعاملات جميعها إلى الحصول على شيء منك؛ المال. بطبيعة الحال، إذا كانت هذه المعاملات تهدف إلى الحصول على المال منك، فيجب إذن أن يكون ثمة من تعطي المال له، ويجب أن تكون هذه الجهة هدف عملية التنظيم.

ما الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الشكل التنظيمي؟

يجب أن يكون الهدف هنا، مثلما هو الحال مع المواد الإباحية، هو التنظيم بغرض تحقيق ما يمكن أن نطلق عليه «الاتصال الرضائي». بعبارة أخرى، يجب أن يكون الهدف الوحيد لعملية التنظيم في حالة البريد الإلكتروني المزعج هو حجب عمليات الاتصال غير الرضائية، وتمكين عمليات الاتصال الرضائية. لا أعتقد أن هذا الهدف ينسحب على جميع سياقات التعبير. في هذا السياق — أي في حالة رسائل البريد الإلكتروني الخاصة أو المدونات ذات سعات الإنترنت المحدودة، فضلًا عن تحمُّل المستمع تكاليف صور التعبير في هذه الوسائط — يبدو من المناسب تمامًا تنفيذ عمليات تنظيمية بغرض تمكين الأفراد من حجب الاتصالات التجارية التي لا يرغبون في تلقيها.

كيف يمكن إذن القيام بذلك؟

في الوقت الحالي، يعتبر نمط التنظيم الوحيد الذي يؤثِّر بصورة فعالة على تداول البريد الإلكتروني المزعج هو الكود. أظهر أصحاب الكفاءات التكنولوجية مهارة فائقة في ابتكار أساليب لحجب البريد الإلكتروني المزعج. تتمثل هذه الأساليب في نوعين: نوع يعمل وفق محتوى الرسائل، ونوع آخر يعمل وفق سلوك المُرسِل.

يتمثل الأسلوب الذي يركِّز على المحتوى في عدد من تكنولوجيات ترشيح المحتوى التي تُبتكَر للتعرف على مضامين الرسائل. على حد وصف جوناثان زَدجَرسكي، تطورت هذه الأساليب كثيرًا. وفيما تمثل نسبة الخطأ في أساليب ترشيح المحتوى المبكرة القائمة على تفسير معاني الرسائل واحد من كل عشر رسائل، تَعِد أساليب بيزيَن الحالية بنسبة دقة تتراوح بين ٩٩٫٥٪ و٩٩٫٩٥٪.58
في المقابل، تتمثل المشكلة الكبرى الأساسية في هذه الأساليب في سباق التسلح الذي ينشأ عن استخدامها.59 يمتلك مرسلو البريد الإلكتروني المزعج أدوات الترشيح نفسها التي يستخدمها القائمون على إدارة الشبكات في حجب رسائلهم، على الأقل في حالة إذا كانت أدوات الترشيح هذه تعتمد على تفسير محتوى الرسائل.60 يستطيع إذن مرسلو مثل هذه الرسائل التلاعب بمحتوياتها حتى تستطيع اختراق نظام الترشيح؛ وهو ما يتطلب بدوره من كاتبي برامج الترشيح تغييرها. يقوم بعض هؤلاء بذلك جيدًا فيما لا يفعل آخرون هذا على النحو المطلوب. يتمثل الأثر المترتب على هذا إذن في أن تكون برامج الترشيح فعَّالة أكثر من اللازم أو أقل من اللازم؛ حيث يحجب بعضها أكثر مما يجب، فيما لا يحجب بعضها المحتوى بالقدر الكافي.

يركِّز الأسلوب الثاني القائم على استخدام الكود في حجب رسائل البريد الإلكتروني المزعج على ممارسات تبادل الرسائل الإلكترونية للمُرسِل؛ وهو ما لا يعني الشخص الذي يقوم بإرسال الرسائل، بل «الخادم» الذي تنتقل عبره الرسائل إلى المستقبل. قام عدد كبير من مراقبي الشبكات — وأعني بهم الأشخاص الذين يعملون لصالح الأهداف الخيِّرة في العالم دون وجود تنظيم قانوني لعملهم — بإعداد قوائم بخوادم البريد الإلكتروني الجيدة والسيئة. يجري تأليف هذه القوائم السوداء من خلال فحص القواعد الظاهرة التي يستخدمها خادم البريد الإلكتروني في إرسال الرسائل. ينتهي المطاف بالخوادم التي لا تلتزم بهذه القواعد الظاهرة في القائمة السوداء، ويقوم من يشتركون في هذه القوائم السوداء بحجب أي رسائل بريد إلكتروني تأتي عبر هذه الخوادم.

سيكون هذا النظام رائعًا في حال وجود اتفاق حول أفضل الطرق لتفادي «سوء استخدام» الخوادم. لا يوجد مثل هذا الاتفاق في واقع الأمر. هناك بدلًا من ذلك اختلافاتٌ حسنة النية بين أشخاص طيبين حول أفضل الطرق للسيطرة على رسائل البريد الإلكتروني المزعج.61 في المقابل، تُقمَع هذه الاختلافات من خلال قوة المقاطعة. يعتبر سلاح المقاطعة سلاحًا فعَّالًا في حقيقة الأمر في أي شبكة. إذا لم يستطع خمسة من بين مائة شخص تلقي رسائلك الإلكترونية بسبب قواعد خادم رسائل البريد الإلكتروني التي يتبناها المسئول عن الشبكة، فيجب التأكد من أن قواعد الخادم — مهما كانت تتسم بالتعقل — ستتغير. بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد عادةً استئنافٌ لقرار إدراج أحد الخوادم في إحدى القوائم السوداء. فمثلما هو الحال مع تكنولوجيات الترشيح الخاصة للمواد الإباحية، لا يوجد حل قانوني لإدراج أحد الخوادم بصورة خاطئة ضمن إحدى القوائم السوداء، وهكذا لا تعمل بعض أنماط خدمات البريد الإلكتروني؛ فقط لأنها لا تلتزم بقواعد القوائم السوداء.

لو كان أيٌّ من هاتين التكنولوجيتين، أو كلاهما، ينجح بالفعل في وقف البريد الإلكتروني المزعج فسأقبلهما، لكنني منزعج بشدة من عملية الحجب التي تفتقد إلى إجراءات تسلسلية تتبناها تكنولوجيا القوائم السوداء. وقد تعرضتُ شخصيًّا إلى حالات جد محرجة كلفتني الكثير عندما يجري التعامل مع بعض رسائل البريد الإلكتروني التي تلقيتها كرسائل إعلانية فيما هي غير ذلك. في المقابل، لا مانع من تحمُّل هذه التكاليف إذا كان النظام ناجحًا إجمالًا.

لكنه ليس ناجحًا في حقيقة الأمر. ولا تزال كمية الرسائل الإعلانية تزداد. تتوقع مجموعة رادوكاتو أنه «بحلول عام ٢٠٠٧، ستصل نسبة رسائل البريد الإلكتروني من إجمالي رسائل البريد الإلكتروني إلى ٧٠٪.»62 بينما توجد دلائل على أن معدل نمو رسائل البريد الإلكتروني المزعج يتباطأ، لا يوجد دليل قاطع على تباطؤ اختلاط رسائل البريد الإلكتروني المزعج بالرسائل العادية.63 وليس لرد الفعل التشريعي على المستوى الفيدرالي، والمتمثل في قانون السيطرة على رسائل البريد الإلكترونية التسويقية والإباحية، أي أثر حقيقي على أرض الواقع، بل إنه يحبط العديد من الحلول التشريعية المبتكرة على مستوى الولايات.64
لا تقتصر هذه الأساليب على حجب رسائل البريد الإلكتروني المزعج، بل تحجب أيضًا رسائل البريد الإلكتروني المشروعة التي تتدفق في حزم هائلة، والتي ليست — على الأقل من وجهة نظري65 — رسائل بريد مزعج. تمثلت إحدى المميزات الكبرى في رسائل البريد الإلكتروني في تخفيض تكلفة عمليات الاتصال الاجتماعي والسياسي، وهو ما يؤدي بدوره إلى تزايد فرص التعبير السياسي. في المقابل، برزت تكنولوجيات حجب رسائل البريد الإلكتروني المزعج كضريبة على هذه الأشكال المهمة من التعبير الاجتماعي. أدت هذه التكنولوجيات في حقيقة الأمر إلى إسقاط وعد مهم قدَّمه الإنترنت في البداية.

من هنا، نظرًا لأن التنظيم عن طريق الكود لا ينجح وحده، ولأن عملية التنظيم عن طريق الكود تتسبب في الإضرار بقيمة واحدة مهمة على الأقل وفرتها الشبكة في البداية، يجب أن نبحث عن بدائل أخرى للتنظيم عن طريق الكود وحده. مرة أخرى، يظل السؤال هو: أي مزيج من أنماط التنظيم يحقق بأفضل صورة الغاية التنظيمية المشروعة؟

لنبدأ بالمشكلة: لماذا يعتبر من الصعوبة بمكانٍ السيطرة على الرسائل الإعلانية؟ يتمثل السبب الرئيس في ذلك في أن هذه الرسائل تأتي غير مميَّزة؛ فلا توجد طريقة سهلة لمعرفة ما إذا كانت رسالة بريد هي رسالة إعلانية أم لا دون فتحها.

لا يعتبر هذا من قبيل المصادفة. يعلم مرسلو الرسائل الإعلانية أن معرفة المستخدمين بأن رسالة ما هي رسالة إعلانية سيجعلهم يحجمون عن فتحها؛ لذا يقوم هؤلاء بكل ما هو ممكن حتى يعتقد المستخدمون أن الرسائل التي يتلقونها هي رسائل غير إعلانية.

تخيَّل لحظة لو أننا نستطيع حل هذه المشكلة. تخيَّل قانونًا يشترط تمييز رسائل البريد الإلكتروني المزعج، وتخيَّل نجاح القانون في تحقيق الغرض منه. أعلم أن هذا أمر صعب التخيُّل للغاية، لكن صبرًا معي من فضلك. ماذا يحدث لو أن كل رسالة إعلانية جاءت معها علامة مميزة في خانة عنوان الرسالة، مثل [ADV].66
نعلم ما سيحدث في البداية؛ سيطلب جميعنا (أو معظمنا) من المسئول عن برنامج البريد الإلكتروني أو خدمة البريد الإلكتروني حجب جميع رسائل البريد الإلكتروني التي تحتوي على [ADV] في خانة عنوان الرسالة. ستصبح هذه لحظة مجيدة في تاريخ البريد الإلكتروني، وستمثل عودة إلى الأيام الأولى قبل ظهور البريد الإلكتروني المزعج.
لكن لا تتطابق النتائج النهائية لأي عملية تنظيمية دائمًا مع النتائج الأولية. يبدو ذلك واضحًا مع هذا النوع من التنظيم؛ حيث تكون النتائج الأولية مؤقتة، فإذا ظهرت قيمة من وراء وصول رسائل البريد الإلكتروني إلى صندوق بريدك الإلكتروني، فسيوفِّر هذا الحجب المبدئي إذن دافعًا لإيجاد طرق مختلفة للوصول إلى صندوق بريدك الإلكتروني. يمكن تصوُّر طرق كثيرة منها:
  • (١)

    يمكن للمرسلين أن يوفروا للمستقبلين خاصية استقبال هذه الرسائل. ستؤدي هذه الخاصية إلى تغيير صفة الرسائل من رسائل غير مرغوب فيها إلى رسائل مقبولة، ومن ثم لن تصبح رسائل إعلانية.

  • (٢)
    يمكن للمرسلين إضافة علامات مميزة إلى خانة عنوان الرسالة. على سبيل المثال، إذا كانت الرسائل الإعلانية رسائل عن سفر ورحلات، يمكن أن تكون العلامة المميزة [Travel] [ADV]. سيتمكن مستقبلو الرسائل حينئذ من تعديل برامج الترشيح بحيث تقوم بحجب جميع الرسائل الإعلانية فيما عدا رسائل السفر والرحلات.
  • (٣)
    يمكن للمرسلين دفع مقابل لمستقبلي الرسائل نظير إرسالها. مثلما اقترح البعض، قد تأتي رسالة يصاحبها مستند مرفق قيمته بنس أو ربما أكثر. سيتمكن مستقبلو الرسائل حينئذ من حجب جميع الرسائل الإعلانية التي تحتوي على العلامة المميزة [ADV] فيما عدا تلك الرسائل التي تَعِدُ بمردود مادي.

يتمثل العامل المشترك في كل من هذه النتائج المعدلة في أن مستقبل الرسائل التجارية لم يعد يتلقاها عن طريق الحيلة، بل الاختيار. يشجِّع هذا التطور من الشكل الأصلي للتنظيم إلى زيادة تبادل الاتصال، لكن فقط من خلال تشجيع عملية الاتصال الرضائي. أما عمليات الاتصال غير الرضائية — بافتراض الالتزام بشروط عملية التنظيم — فسيجري التخلص منها (إلى درجة كبيرة).

وهكذا استطعتُ في صفحة واحدة حل مشكلة الرسائل الإعلانية بافتراض الالتزام بقاعدة تمييز الرسائل، إلا أن هذا يعتبر في واقع الأمر افتراضًا مستحيلًا. فلماذا يلتزم مرسلو الرسائل الإعلانية بهذا الإجراء التنظيمي على الرغم من أن الغرض الأساسي له هو تقليص سوق هؤلاء؟

للإجابة على هذا السؤال، سنعود إلى النقطة البديهية عن الرسائل الإعلانية في مقابل الفيروسات والبرامج الضارة الأخرى. إن سبب وجود مرسلي الرسائل الإعلانية هو جني الأموال. ومن المعروف للكثيرين أنه من السهل إخضاع من يسعون لكسب المال إلى قواعد التنظيم. إذا كان المستهدف من عملية التنظيم يسعى إلى جني الأموال، يمكن السيطرة على سلوكه من خلال تغيير دوافعه. إذا كان تجاهل أحد الإجراءات التنظيمية يكلِّف أكثر من الالتزام بها، سيلتزم المرسلون (بصورة عامة) بهذا الإجراء التنظيمي. قد يعني الالتزام بالإجراء التنظيمي تغيير سلوك إرسال الرسائل الإعلانية، أو قد يعني الحصول على وظيفة أخرى. أيما كان أسلوب التنظيم، يؤدي تغيير الدوافع الاقتصادية إلى تغيير سلوك المُرسلين.

إذن، كيف يمكن تغيير دوافع مُرسلي الرسائل الإعلانية من خلال القانون؟ ما السبب الذي يجعلنا نعتقد أن مُرسلي هذه الرسائل سيعيرون انتباهًا إلى القانون؟

يسأل الناس هذا السؤال لأنهم يدركون جيدًا أن الحكومات لا تقضي وقتًا طويلًا في مقاضاة مرسلي الرسائل الإعلانية. توجد لدى الحكومات أشياء أخرى أفضل تقوم بها (أو هكذا يظنون)؛ لذا لن يجدي القانون الذي يجرِّم الرسائل الإعلانية في إخافة العديد من مُرسلي هذه الرسائل.

نحتاج هنا إلى نوع من الإبداع في تكييف القانون يشبه الإبداع الذي يستعين به كاتبو الشفرات عند بنائهم مرشحات رسائل إعلانية معقدة بصورة مدهشة، وإذا لم يفلح القانون مثلما هو مطبَّق من قبل الحكومة في تغيير دوافع مُرسلي الرسائل الإعلانية، فيجب أن نسعى إلى وضع قانون يُطبَّق بطريقة يخشاها أولئك.

يتمثل أحد نماذج الابتكار هذه في قانون مكافآت حسن التنظيم. سيشترط هذا القانون تمييز الرسائل الإعلانية من خلال علامات مميزة؛ حيث سيكون هذا هو الاشتراط الوحيد. في المقابل، تتمثل عقوبة عدم الالتزام بذلك في توجيه تهمة رسمية ضد المخالفين، أو معاقبة المخالفين من خلال نظام مكافآت. ستضع لجنة التجارة الفيدرالية مكافأة معقولة ترى أنها ستجذب عددًا مناسبًا من صائدي المكافآت. سيستحق صائدو المكافآت هؤلاء المكافآت المرصودة إذا كانوا أول، أو ضمن أول خمسة أشخاص يحددون الطرف المسئول عن إرسال رسائل بريد إعلانية.

كيف سيقوم صائد المكافآت بتحقيق ذلك؟ أول ما سيقوم به صائد المكافآت هو ضمان الالتزام بالإجراء التنظيمي. يعتبر جزء من هذه الإجابة بسيطًا، فيما يعتبر الجزء الآخر معقدًا. يعتبر تحديد ما إذا كانت هناك علامة مميزة مرافقة للرسالة أم لا أمرًا سهلًا. أما تحديد ما إذا كانت الرسالة الإلكترونية رسالة تجارية أم لا؛ فهو أكثر تعقيدًا.

بمجرد اقتناع صائد المكافآت بأن المرسل لم يلتزم بالإجراء التنظيمي، يجب عليه إذن تحديد الطرف المسئول. يتمثل مدخل الوصول إلى ذلك في اتباع فكرة اقترحها السناتور جون ماكين في إطار التشريع الوحيد الذي مرره الكونجرس والمتعلق بالرسائل الإعلانية حتى الآن، قانون السيطرة على رسائل البريد الإلكترونية التسويقية والإباحية. تتمثل الفكرة في إلقاء مسئولية الرسائل الإعلانية على الشخص المرسل لها، أو الجهة التي تعلن عنها هذه الرسائل.

في ٩٩٪ من الحالات، يعتبر من قبيل المستحيل تحديد الشخص المرسل للرسائل الإعلانية. تعتبر الأساليب التي يلجأ إليها مرسلو هذه الرسائل لإخفاء المعلومات عن هويتهم في غاية التعقيد.67

لكن يختلف الأمر في حالة الجهات التي تعلن عنها هذه الرسائل. مرة أخرى، حتى تنجح الرسائل الإعلانية، يجب وجود شخص يتلقى المال. إذا كان من الصعوبة بمكان إرسال مال إلى أحد، فلن تعود الرسائل الإعلانية بالمال المطلوب.

كيف يمكن إذن تتبع الجهة التي يعلن عنها هذا النوع من الرسائل الإعلانية؟

هنا يأتي دور سوق بطاقات الائتمان. تخيل بطاقة ائتمان — سمِّها «بطاقة ائتمان صائدي المكافآت» — يجري رفضها دومًا عند التحقق من صحتها. عند استخدام هذه البطاقة الائتمانية يظهر علم خاص مرفق بالمعاملة؛ حيث يتلقى حامل البطاقة تحذيرًا عن الجهة التي حاولت خصم مبالغ من بطاقته. يتمثل الغرض الوحيد من هذه البطاقة في اكتشاف وتحديد السلوك غير العادي. ربما تخصم شركات البطاقات الائتمانية أموالًا عند استخدام البطاقات في معاملات خاصة أو عند كل استخدام. لا شك في أن شركات البطاقات الائتمانية تخصم أموالًا من البطاقات حتى تجعلها ذات عائد مادي مُجزٍ لها. في المقابل، عند توافُر هذه البطاقات يستطيع صائدو المكافآت إنشاء سجلات قابلة للاستخدام عن الجهة التي تتلقى الأموال في نهاية المطاف. في ضوء هذه البيانات، يستطيع صائد المكافآت الحصول على المكافأة.

لكن ما الذي يمنع تنفيذ خدعة شريرة للإيقاع بأحد؟ دعنا نقول إنني أكره منافسي آجاكس كلينرز. أقوم باستخدام أحد محترفي إرسال الرسائل الإعلانية لإرسال رسائل إلى جميع سكان كاليفورنيا؛ حيث يجري الإعلان في الرسائل عن عروض خاصة لدى آجاكس كلينرز، ثم أنشيء حسابًا بحيث تتلقى شركة آجاكس المال، ثم أستخدم بطاقة ائتمان صائدي المكافآت للكشف عن ذلك. أذهب بعد ذلك إلى لجنة التجارة الفيدرالية للحصول على مكافأتي. تفرض لجنة التجارة الفيدرالية غرامة كبيرة على شركة آجاكس، ومن ثم يتوقف نشاطها.

هذا مصدر كبير للقلق في أي نظام للمكافآت. يمكن في المقابل التعامل مع مصدر القلق هذا من خلال التفكير مليًّا في الدوافع؛ أولًا، وبصورة بديهية: يجب أن يتضمن الإجراء التنظيمي عقوبة مثل هذا النوع من الاحتيال بالإعدام. (حسنًا، ربما ليس الإعدام، لكن عقوبة أخرى كبيرة). ثانيًا: يجب على أي شخص أو شركة جرى اتهامها بمخالفة هذا الإجراء التنظيمي فيما يتعلق بإرسال الرسائل الإعلانية أن تُقرَّ، تحت القسم، أنها لم تستخدم أو توجِّه أي جهة لإرسال رسائل إعلانية نيابة عنها. إذا قامت الشركة بإقرار ذلك، فلن تتحمل أي عقوبة. في المقابل، يتضمن هذا الإقرار عقوبة كبيرة حال ثبوت عدم صحته، عقوبة تشمل غرامات تُفرَض على الأصول الشخصية والمؤسسية. تُمنح أي شركة توقع هذا الإقرار مرة واحدة فائدة الشك. في المقابل، ستعتبر أي شركة أو شخص يوقع هذا الإقرار أكثر من مرة هدفًا للتحقيقات الحكومية. عند بلوغ هذه المرحلة، سيصبح الانكشاف الذي يتعرض له مرسلو الرسائل الإعلانية كافيًا لأن يجعل مهنة إرسال الرسائل الإعلانية غير مجزية.

مرة أخرى، إذن، يتمثل الحل في استراتيجية تجمع بين عدد من الأساليب التنظيمية. يخلق «قانون» دافعًا لإجراء تغيير محدد في «كود» الرسائل الإعلانية (حيث تتميز هذه الرسائل بعلامات خاصة). يجري تنفيذ هذا القانون من خلال مجموعة معقدة من دوافع «السوق» و«الأعراف الاجتماعية»، دوافع أن يكون المرء صائد مكافآت — وهي مسألة لها عائدها المادي والمجتمعي (حيث يعتقد الناس أن مُرسلي البريد الإلكتروني المزعج يتصرفون بصورة ضارة) — ودوافع إصدار بطاقات ائتمان صائدي المكافآت. إذا تم تنفيذ ذلك بصورة صحيحة، فسيغير هذا المزيج من الأساليب التنظيمية من الدوافع التي يواجهها مرسلو الرسائل الإعلانية، وسيدفع هذا بالكثير من هؤلاء خارج هذا المجال إلى مجالات أخرى.

هناك بطبيعة الحال حدود لهذه الاستراتيجية. لن تعمل هذه الاستراتيجية جيدًا في المواقع الأجنبية، مثلما لن تفلح مع مرسلي الرسائل الإعلانية الذين يمتلكون مصالح أيديولوجية (أو مَرَضية). في المقابل، ربما يكون هذا النوع من مرسلي الرسائل هدفًا للحلول القائمة على الكود التي أشرت إليها في البداية. فبمجرد التخلص من الغالبية العظمى من الرسائل التجارية، يمكن التعامل مع الحالات الأخرى الخارجية بصورة أكثر مباشرة.

•••

كان هذا قسمًا طويلًا، لكنه يعرض نقطتين مهمتين؛ تدور النقطة الأولى حول منظورنا للأمور؛ فلكي نحدد ما إذا كان أحد الإجراءات التنظيمية «يحد من حرية التعبير أو الصحافة» أم لا، فإننا نحتاج إلى خط أساسي للمقارنة. صُممت الإجراءات التنظيمية التي أصفها في هذا القسم بحيث تستعيد عملية التنظيم الفعَّال في الفضاء الواقعي. في ضوء هذا المعنى، وفي رأيي، لا تحد هذه الإجراءات التنظيمية من التعبير.

ثانيًا: تُظهر هذه الأمثلة كيف أن عدم القيام بأي شيء قد يكون أسوأ بالنسبة لحرية التعبير من تنظيمها. تتمثل الآثار المترتبة على عدم وجود تشريع قانوني لتنظيم المواد الإباحية في انتشار أشكال تنظيمية سيئة للتعامل مع المواد الإباحية. وتتمثل الآثار المترتبة على عدم وجود تشريع قانوني فعَّال للتعامل مع الرسائل الإعلانية في انتشار أشكال تنظيمية سيئة أدت إلى تدهور خدمات رسائل البريد الإلكتروني. بعبارة أخرى، يؤدي غياب القانون في بعض الأحيان إلى ظهور كود سيئ للممارسات التنظيمية. يوضح بولك واجنر هذه النقطة قائلًا: «يحدد القانون والبرمجيات معًا البيئة التنظيمية. لا يعني عدم وجود تشريعات قانونية كافية حرية أكثر.»68 بما أن الكود والقانون يمثلان كلاهما أدوات تنظيمية (حتى وإن اختلفا في طبيعتهما التنظيمية)، فيجب علينا أن نتجنب التنظيم السيئ في شتى صوره.

ثالثًا: تبيِّن هذه الأمثلة استراتيجية مزيج الأنماط التنظيمية، وهي الاستراتيجية التي كانت ولا تزال تحدد طبيعة التنظيم في الفضاء الإلكتروني. لا يوجد حل سحري أوحد، سواء أكان كود الساحل الشرقي أم كود الساحل الغربي. بدلًا من ذلك، هناك مزيج من الأساليب، أنماط يجب عقد التوازن بينها بحيث تحقق هدفًا تنظيميًّا محددًا. يجب أن يأخذ هذا المزيج في الاعتبار العلاقات التفاعلية بين صور التنظيم المختلفة. يكمن جوهر الأمر فيما يتعلق باستراتيجية مزيج الأنماط التنظيمية في تحقيق التوازن، مثلما يرى بولك واجنر ذلك. في المقابل، يلعب القانون دورًا مهمًّا في توجيه هذا المزيج لضمان تحقيق التوازن الذي يحقق سياسة محددة.

نستطيع من خلال التنظيم بذكاءٍ تفادي عملية التنظيم المدمرة القائمة على الكود التي من شأنها أن تسد الفجوة التنظيمية، وهو ما سيؤدي بدوره إلى دعم حقوق حرية التعبير.

(٣) الأشكال التنظيمية للتعبير: الثقافة الحرة

يتولد السياق الثالث الذي نتدبر فيه العلاقة الخاصة بين الفضاء الإلكتروني وحرية التعبير مباشرةً من الفصل العاشر. مثلما أشير في هذا الفصل، يؤدي التفاعل بين معمار قانون حقوق التأليف والنشر ومعمار الشبكات الرقمية إلى تفجُّر حالات إبداعية في نطاق حقوق التأليف والنشر لم ينظر فيها قط أي مجلس تشريعي.

تعتبر عناصر هذا التغيير بسيطة. ينظِّم قانون حقوق التأليف والنشر، بحد أدنى، «النسخ». تعمل الشبكات الرقمية من خلال إصدار «نسخ». لا توجد طريقة لاستخدام أي عمل في بيئة رقمية دون إصدار نسخة من هذا العمل. من هنا، يثير أي استخدام لعمل إبداعي في أي بيئة رقمية، من الناحية النظرية على الأقل، قضية حقوق التأليف والنشر.

يعتبر هذا اختلافًا جذريًّا عن الحياة في الفضاء الواقعي. في الفضاء الواقعي، هناك عدد من الطرق «لاستخدام» عمل إبداعي دون إثارة مسألة حقوق التأليف والنشر. عندما يعيد المرء إلقاء مزحة على أصدقائه، لا يجري استدعاء قانون حقوق التأليف والنشر في هذا السياق؛ إذ لم يجرِ إصدار «نسخة»، وبالنسبة إلى الأصدقاء، لا تعتبر هذه الواقعة أداء علنيًّا (يخضع لحقوق التأليف والنشر). بالمثل، عند إقراضك أحد الأصدقاء كتابًا تملكه، لا يجري استدعاء قانون حقوق التأليف والنشر. عندما تقرأ كتابًا، لن ينتبه قانون حقوق التأليف والنشر إلى ذلك مطلقًا. عمليًّا، لا يخضع أي استخدام عادي مفرد للثقافة في الفضاء الواقعي إلى الإجراءات التنظيمية لحقوق التأليف والنشر. تستهدف حقوق التأليف والنشر الحالات غير العادية؛ مثل «النشر» أو الأداء العلني.

بدأت الفجوة بين الاستخدامات العادية وغير العادية تضيق مع انتشار تكنولوجيات «النسخ». أخذت زيروكس الخطوة الأولى في تضييق هذه الفجوة، ثم سارت في إثرها أجهزة تسجيل الكاسيت. في المقابل، تعتبر هذه التكنولوجيات استثناء لا قاعدة. أثارت هذه التكنولوجيات أسئلة تتعلق بحقوق التأليف والنشر، لكنها لم تسهم في الدفع بثقافة حقوق التأليف والنشر إلى قلب الحياة العادية.

في مقابل ذلك، ساهمت التكنولوجيات الرقمية في الدفع بحقوق التأليف والنشر إلى قلب الحياة العادية. فمع انتقال الحياة العادية أكثر فأكثر إلى الإنترنت، صارت الحياة العادية أكثر خضوعًا إلى حقوق التأليف والنشر. يخضع المكافئ الوظيفي لأنشطة الفضاء الواقعي — التي كانت غير خاضعة لأي صورة تنظيمية بصورة كبيرة — لقواعد حقوق التأليف والنشر في الفضاء الإلكتروني. حاليًّا، يجب لكي يصبح النشاط الإبداعي، الذي لم يحتج قط إلى الالتزام بالإجراءات التنظيمية لحقوق التأليف والنشر، قانونيًّا أن يجتاز عقبات كثيرة بعضها مستحيل من الناحية الفنية؛ وذلك نظرًا لنظام الملكية لحقوق التأليف والنشر غير الفعَّال على الإطلاق. انتقل الآن جزء كبير من النشاط الإبداعي من نطاق الثقافة الحرة إلى ثقافة الترخيص. والسؤال الآن فيما يتعلق بقيم حرية التعبير هو ما إذا كان يجب السماح باتساع نطاق عملية التنظيم هذه دون توافُر رقابة كافية.

مرة أخرى، لدي آرائي (القوية المباشرة) حول هذا الأمر.69 لا أزال أشعر بالدهشة البالغة في أن يحرص القضاء على تفادي «رفع تكلفة أن يصبح المرء منتجًا لمواد جنسية تزعج الأغلبية»،70 في الوقت الذي يسقط تمامًا الطريقة التي يرفع بها قانون حقوق التأليف والنشر تكلفة أن يكون المرء منتجًا للمواد الإبداعية والنقدية.

مرة أخرى لأسباب تتعلق بالطرح هنا، يجب أن نلاحظ لبسًا كامنًا في تقليدنا الدستوري؛ فمثلما فصلت المحكمة الدستورية العليا في قرارها، يفرض التعديل الأول من الدستور قيودًا مهمة على نطاق حقوق التأليف والنشر. تشمل هذه القيود اشتراطات: ألَّا تُخضع حقوق التأليف والنشر «الأفكار» للقواعد التنظيمية، وأن تَخضع حقوق التأليف والنشر إلى «الاستخدام العادل».

على أن هذه «الضمانات التقليدية في التعديل الأول» جرت صياغتها في سياق كانت حقوق التأليف والنشر فيه هي الاستثناء لا القاعدة. لا نمتلك بعدُ تقليدًا يخضع فيه كل استخدام للأعمال الإبداعية إلى حقوق التأليف والنشر. في مقابل ذلك، أدت التكنولوجيات الرقمية إلى ظهور هذا العالم، لكن يبدو أن معظم العالم لم ينتبه إلى ذلك بعدُ.

ما قيم التعديل الأول إذن في هذا العالم؟ تتمثل إحدى وجهات النظر في ألا يلعب التعديل الأول أي دور في هذا العالم بخلاف توفير الضمانات الدنيا لاختلاف «الأفكار/التعبير»، واشتراطات «الاستخدام العادل». وفق هذه الرؤية، يعتبر نطاق تنظيم الكونجرس للأنشطة الإبداعية كاملًا في ضوء خضوعه إلى الاشتراطات الدنيا هذه. يمكن أن يخضع أي نشاط إبداعي اختُزل إلى صورة مادية إلى احتكار حق التأليف والنشر. وبما أن جميع الأنشطة الإبداعية اختُزلت إلى صورة مادية، تعني هذه الرؤية أن كل شيء في العالم الرقمي يمكن أن يخضع إلى حقوق التأليف والنشر.

ترفض وجهة النظر المقابلة هذا النطاق غير المحدود لحقوق التأليف والنشر. فبينما يعتبر احتكار حق التأليف والنشر منطقيًّا في سياقات تجارية محددة، أو بصورة أكثر عمومية، يصبح منطقيًّا عندما يكون من الضروري «دعم … التقدم»، لا يوجد سبب مشروع لتحميل معظم أشكال التعبير الإبداعية بأعباء قانون حقوق التأليف والنشر. إن إلزام طفل يقوم بعمل تقرير فيديو مصور عن كتاب بالحصول على التصريح اللازم من مؤلف الكتاب الأصلي، أو إلزام مجموعة من الأصدقاء يقومون بصناعة فيديو مجمع لفنانهم المفضل بالحصول على التصاريح اللازمة من شركة ترويج وتسويق حقوق الفنان؛ إنما يوسِّع من نطاق حقوق التأليف والنشر فيما يتجاوز أي غرض مشروع.

بين هاتين الرؤيتين، يبدو من الواضح أن واضعي الدستور لم يتخذوا أي قرار بشأن ذلك. لم يجابه واضعو الدستور خيار أن تؤدي حقوق التأليف والنشر إلى السيطرة على كل صور الاستخدام الفردية لأحد الأعمال الإبداعية. كان أي شكل من أشكال السيطرة الممكنة في عام ١٧٩٠ يُعد عبئًا كبيرًا لا ضرورة له. بينما أحتفظ بتخميناتي بشأن كيفية تصويت واضعي الدستور، بالنظر إلى نفورهم من الاحتكارات والفقرة المتشددة المتعلقة بالملكية الفكرية التي مرروها، فهذا لا يعدو أكثر من تخمين على أي حال. إذا كان ثمة أي خيار هنا، فهو خيار لم يتخذه واضعو الدستور. في المقابل، يعتبر الخيار هنا خيارًا يجب أن نتخذه نحن، وهو خيار يتعلق بما إذا كانت قيم حرية التعبير تُقيِّد هذا الازدياد الكبير في نطاق تنظيم حقوق التأليف والنشر.

(٤) الأشكال التنظيمية للتعبير: التوزيع

حتى الآن، لا تزال أطروحاتي عن المعمار تنحصر في معمار الفضاء الإلكتروني. في هذا المثال الأخير، تغيم الحدود قليلًا بين الأمور. أريد أن أستخدم معمار الفضاء الإلكتروني لإظهار شيء مهم عن تنظيم البث.

تنظِّم هيئة الاتصالات الفيدرالية التعبير. فإذا أردت بث خطاب سياسي عبر راديو إف إم على تردد ٩٨٫٦ ميجا هرتز في سان فرانسيسكو، فستقاضيني هيئة الاتصالات الفيدرالية.71 يجب أن أحصل على رخصة حتى أتحدث عبر هذا التردد في سان فرانسيسكو؛ حيث إن التحدث عبر هذه الترددات دون الحصول على رخصة يعتبر جريمة، جريمة على الرغم من أن الدستور «يحظر على الكونجرس وضع أي قانون … يحد من حرية التعبير أو الصحافة.» ما معنى ذلك؟

تعتمد الإجابة على فرضية راسخة تقع في القلب من النظام القضائي الذي يحكم تكنولوجيات البث؛ ألا وهي توفير «طيف» ثابت فقط للبث. وتتمثل الطريقة الوحيدة لتيسير استخدام هذا الطيف في توزيع شرائح منه على المستخدمين، وهم وحدهم المسموح لهم باستخدام هذا الطيف المخصص لهم في نطاق جغرافي محدد. دون توزيع الطيف، ستكون هناك فوضى. هذا ما تذهب إليه هذه الفرضية. ومن شأن الفوضى أن تقتل عملية البث.

ظهرت هذه الرؤية على المشهد الدستوري بعد تمرير الكونجرس قانون الراديو في عام ١٩٢٧.72 في عام ١٩٢٦، تخلى وزير التجارة آنذاك، هربرت هوفر، عن ممارسة السيطرة على البث بعد أن قضى عدد من محاكم الدوائر بعدم امتلاكه صلاحية القيام بذلك، لكن إذا لم يمتلك هو السلطة للسيطرة على البث، فستتحكم اليد الخفية في هذه العملية. كان هذا رأيه في الأمر. لم يكن هوفر في حقيقة الأمر يميل إلى مفهوم اليد الخفية. تنبأ هوفر بما سيحدث عندما يجري سحب الولاية الفيدرالية على عملية البث: الفوضى، فيما اقترح البعض أن هدفه كان المساهمة في إحداث هذه الفوضى التي توقَّعها. ستتجاوز بعض المحطات الطيف المخصص لمحطات أخرى، على حد قوله، وستتسم عملية البث بالفوضى. عندما وقعت بعض الفوضى، استغل هوفر ذلك لتبرير إدخال تشريعات تنظيمية فيدرالية جديدة.73
انضم الكونجرس هو الآخر لنجدة موجات البث عن طريق التصريح لهيئة الاتصالات الفيدرالية بتنظيم طيف البث بصورة شاملة. لا يستطيع البث إلا من يحملون ترخيصًا، ويجري التحكم فيما يجري بثه من خلال الرخصة الممنوحة لهم. يجب على الحاصلين على الرخصة بث برامج تصب في الصالح العام، ويجب عليهم مشاركة الموارد مع منافسيهم. باختصار، يجب أن يُنظَّم البث بالطريقة نفسها التي ينظِّم الاتحاد السوفييتي بها سلعة القمح.74 لم يكن لدينا أي خيار. وعلى حد وصف القاضي فيلكس فرانكفورتر في دعمه للنظام؛ فإن هذه السوفييتية كانت تمليها «طبيعة» الراديو.75
لكن كان هناك متشككون في هذه الرؤية من البداية. لم يكن هؤلاء يتشككون في فكرة ضرورة تنظيم طيف موجات البث، بل في الطريقة التي يجري بها تنظيم البث. هل من الضروري حقًّا وجود وكالة مركزية تقوم بتوزيع ما هو في حقيقة الأمر حقوق ملكية؟ وفق وجهة نظر المتشككين، كان القانون العام يقوم بالمهمة على وجه مرضٍ قبلَ أن تتدخل الحكومة الفيدرالية، بل يمكن أن يكون من الملائم أن تجعل الحكومة موجات البث نوعًا من حقوق الملكية القابلة للتبادل. كان رونالد كوس مشهورًا بدفعه في اتجاه نظام تُعرَض من خلاله موجات البث من خلال مزاد بدلًا من ترخيصها.76 وبالفعل جرى تبني فكرة كوس، لكن بعد خمسين عامًا. في الولايات المتحدة، تقوم هيئة الاتصالات الفيدرالية بعرض قطاعات واسعة من موجات البث في مزادات. في العام الحالي، تعد الهيئة نفسها لبيع موجات البث العقارية الأكثر مشاهدة، ذلك الجزء الذي كان مخصصًا لبث موجات التلفاز يو إتش إف.

وفق أي من هذين السيناريوهين — سواء عندما تقوم هيئة الاتصالات الفيدرالية بتوزيع موجات البث أو عندما توزِّع حقوق ملكية البث — هناك دور تلعبه الحكومة، وهو دور شامل خاصة عندما تقوم الهيئة بتوزيع موجات البث؛ حيث تقرر الهيئة من يحصل على ماذا. عندما تصير موجات البث ملكيةً، يقتصر دور هيئة الاتصالات الفيدرالية على الحفاظ على حدود حقوق ملكية موجات البث. بصورة ما، يعتبر ذلك أحد أشكال التدخل الحكومي الأقل إزعاجًا من الطريقة التي تقرر من خلالها الحكومةُ أيَّ المحطات تُفضِّلها أكثر من غيرها.

ينشأ عن صورتي التنظيم هاتين نوع من «الصحافة» (على الأقل الصحافة التي تستخدم موجات البث) تختلف اختلافًا بيِّنًا عن «الصحافة» عند تأسيس الجمهورية. في عام ١٧٩١، لم تتمثل الصحافة في جريدة نيويورك تايمز أو صحيفة وول ستريت جورنال، مثلما لم تتمثل في المؤسسات الكبرى الخاصة التي يرتبط بكل منها ملايين القراء، بل كانت الصحافة حينها أقرب إلى الإنترنت اليوم. كانت تكلفة ماكينات الطباعة منخفضة، وكانت قاعدة القراء غير كبيرة، وكانت الحكومة تدعم توزيعها، وكان يستطيع أي شخص (في حدود المعقول) أن يصبح ناشرًا. وقد قام بذلك عدد كبير للغاية من الأشخاص.77
في المقابل، ينشأ عن رخصات موجات البث وملكية الموجات نوع مختلف تمامًا من الأسواق. تعتبر تكلفة ضمان الرخصة أو ملكية موجات البث عائقًا لدخول السوق. يشبه الأمر قاعدة تشترط الحصول على «رخصة صحفية» لإصدار صحيفة. إذا كانت تكلفة هذه الرخصة مرتفعة، لن يتمكن سوى القليلين من نشر صحف.78

في ظل التعديل الأول سيكون من المستحيل تصوُّر ترخيص الحكومة للصحف (على الأقل إذا كانت تكلفة إصدار هذه الرخصة مرتفعة وموجهة إلى الصحافة). يرجع ذلك إلى أن لدينا رغبة قوية في أن تحدد المنافسة أي الصحف تستطيع الاستمرار، لا أن يحدد ذلك الحواجز الحكومية المصطنعة. وجميعنا نعرف بالبداهة عدم وجود حاجة إلى «ترشيد» الحكومة لسوق الصحف. يستطيع الناس الاختيار بين عدد من الصحف المتنافسة دون أي تدخل حكومي.

ماذا إذن لو كان الأمر نفسه ينطبق على موجات البث؟ ليس لدى معظمنا فكرة عما نطلق عليه «طيفًا». إن الأصوات العجيبة والتلقي غير المنتظم لموجات أجهزة راديو إف إم وإيه إم تجعلنا نعتقد بوقوع نوع من السحر بين محطة البث وأجهزة الاستقبال. دون وجود هذا السحر، «ستتداخل» موجات الراديو بعضها مع بعض. يعتقد البعض في ضرورة وجود نوع من التنسيق الخاص لتفادي مثل هذا «الصدام» بين الموجات وحدوث فوضى. وفق هذه الرؤية، تعتبر موجات الراديو بمنزلة طائرات رقيقة غير مرئية تحتاج إلى مراقبين جويين حَذِرينَ لضمان عدم وقوع كوارث.

يعتبر معظم ما نعتقده بشأن الراديو أمورًا غير صحيحة. ليست موجات الراديو فراشات، ولا تحتاج موجات الراديو إلى حماية من البيروقراطيين الفيدراليين حتى تؤدي عملها. ومثلما تبيِّن التكنولوجيا المألوفة للغاية لكل مَن يستخدم الإنترنت، لا يوجد سبب حقيقي في وجود «إما» رخصة بث «أو» ملكية بث. تستطيع اليد الخفية القيام بالمهمة هنا على أكمل وجه.

للتعرف على كيفية عمل موجات البث، خذ هذين المثالين، أحدهما مألوف للجميع. لا شك في أن موجات الراديو تختلف عن الموجات الصوتية، لكن التشبيه التالي سيفي بالغرض.

تخيَّل أنك في حفلة. هناك خمسون شخصًا في القاعة، جميعهم يتحدث. يصدر كل واحد منهم إذن موجات صوتية. على الرغم من أن هؤلاء المتحدثين يصدرون موجات صوتية مختلفة، لا نجد أي صعوبة في الاستماع إلى شخص يتحدث إلى جوارنا. طالما لم يبدأ أحد في الصياح، نستطيع أن نميِّز الأصوات جيدًا. بصورة أكثر عمومية، تتألف أي حفلة (خاصة في وقت مبكر من المساء) من متحدثين ومستمعين أذكياء ينسقون عمليات تحدثهم، بحيث يستطيع كل فرد تقريبًا التواصل مع الآخر دون أي صعوبة حقيقية.

تعمل أجهزة الراديو بصورة مشابهة إذا كان جهازا الإرسال والاستقبال على القدر نفسه من الذكاء. بدلًا من المستقبلات الغبية التي تعتمد عليها أجهزة راديو إف إم أو إيه إم العادية، تستطيع أجهزة الراديو الذكية تحديد ما تستمع إليه والتواصل معه، مثلما يتعلم الأشخاص في حفلةٍ التركيز على المحادثة التي يُجرونها.

يتمثل أفضل دليل على هذا في النموذج الثاني الذي أسوقه بغرض حلحلة الفهم الشائع عن طريقة عمل طيف موجات البث. يطلق على هذا المثال «واي فاي». يشير مصطلح واي فاي إلى الاسم الشائع لمجموعة محددة من البروتوكولات التي تمكِّن معًا أجهزة الكمبيوتر من «مشاركة» أطياف حزم البث غير المرخَّص بها. تعتبر أكثر هذه الحزم شيوعًا هي الحزم التي تقع في نطاق ترددي ٢٫٥ جيجا هرتز و٥ جيجا هرتز. تمكِّن تكنولوجيا واي فاي عددًا كبيرًا من أجهزة الكمبيوتر من استخدام هذه الحزم للاتصال بعضها ببعض.

لا شك في أن معظم قرَّاء هذا الكتاب صادفوا تكنولوجيا واي فاي. أرى هذه التكنولوجيا كل يوم أقوم فيه بالتدريس. أجدني في قاعة مليئة بالطلاب، كل بحوزته جهاز كمبيوتر محمول، ومعظمهم متصل بالإنترنت، يعلم الله ما يقومون به. تمكِّن البروتوكولات كل جهاز من الأجهزة من «مشاركة» حزمة ضيقة من موجات البث. لا توجد حكومة أو جهة تشريعية تملي على الماكينات متى تتحدث، مثلما هو الحال تمامًا عندما لا نحتاج الحكومة لضمان تواصل الناس بعضهم مع بعض في حفلات الكوكتيل.

تعتبر هذه الأمثلة بطبيعة الحال صغيرة ومحدودة. هناك في المقابل صناعة كاملة بالمعنى الحرفي للكلمة مُكرَّسة لنشر هذه التكنولوجيا قدر الإمكان. يعتقد بعض المُنظِّرين أن الاستخدام الأكثر كفاءة لموجات البث يجب أن يقوم على أساس نماذج البث هذه، باستخدام تكنولوجيات بث شديدة الاتساع؛ لتعظيم قدرة موجات بث الراديو. في المقابل، حتى مَن يتشككون في يوتوبيا الموجات هذه بدءوا يدركون أن افتراضاتنا حول كيفية توزيع موجات البث يحركها الجهل بطريقة عمل موجات البث في الأساس.

يتجسد المثال الأكثر وضوحًا على هذا الافتراض الخاطئ في مجموعة الفِكَر البديهية التي نمتلكها عن القيود الضرورية في استخدام موجات البث. تتعزز هذه الافتراضات المغلوطة بسبب فكرة ملكية موجات البث. تتمثل الصورة التي من المحتمل أن نحملها في أذهاننا في صورة مورد قابل للنضوب جراء الاستهلاك؛ حيث يمكن لكثير من المستخدمين سد القنوات، مثلما تأتي قطعان الماشية الكثيرة على حقل عن بكرة أبيه.

يعتبر الانسداد نتيجة ممكنة مترتبة على استخدام موجات البث. في المقابل، هناك نقطة أساسية يجب إدراكها — وهي مرة أخرى، نقطة يتردد صداها عبر صفحات هذا الكتاب — ألا وهي أن إمكانية الانسداد تعتمد في الأساس على تصميم شبكات البث. بالتأكيد قد تتعرض شبكات واي فاي للانسداد، وهو ما لا يحدث في حالة وجود معمار مختلف «للمشاركة». وفق هذا التصميم، لا يؤدي كثرة عدد المستخدمين إلى نضوب قدرة الشبكة، بل على العكس إلى زيادتها.79

يعتبر المدخل الرئيس في جعل هذا النظام ممكنًا هو أن يصبح كل مُستقبِل نقطةَ ارتكاز في المعمار لطيف البث. لن يكون المستخدمون مجرد مستهلكين فقط للمواد التي يبثها شخص آخر، بل سيصبح المستقبلون مصدرًا لمواد البث أيضًا. مثلما تدعم تكنولوجيات اتصال الند بالند — مثل تكنولوجيا بت تورنت — سعة البث للمستخدمين بغرض اقتسام تكلفة توزيع المحتوى، يستطيع المستخدمون في معمار موجات البث الخاصة بإحدى الشبكات التشاركية زيادة سعة طيف بث الشبكة. وفق هذا التصميم، إذن، كلما زاد عدد مستخدمي طيف الشبكة، زاد طيف الموجات المتاح للآخرين لاستخدامه، وهو ما لا يؤدي إلى مأساة، بل إلى عموم الفائدة على الجميع.

يتعرف المعمار الأساسي لهذا النظام التشاركي على كل جهاز كمبيوتر في النظام بوصفه جهاز إرسال واستقبال في الآن عينه. بطبيعة الحال، هذه هي طبيعة أجهزة الكمبيوتر بمعنًى من المعاني؛ حيث يستقبل جهاز الكمبيوتر المتصل بشبكة واي فاي إشارات البث من نقطة ارتكاز في محطة البث ويرسلها إليها. يتميز هذا المعمار بأنه معمار بث من جهة واحدة إلى جهات متعددة، فيما يختلف معمار الشبكات التشاركية عن ذلك. في معمار الشبكات التشاركية، يستطيع أيُّ جهاز راديو إرسالَ حزم بيانات إلى جهاز راديو آخر داخل الشبكة التشاركية. بعبارة أخرى، يعتبر كل جهاز راديو نقطة ارتكاز في الشبكة. مع كل نقطة ارتكاز جديدة (أي مع كل جهاز راديو جديد داخل الشبكة)، تزداد سعة الشبكة. بمعنًى من المعاني، هذا هو تحديدًا المعمار السائد كثيرًا في الإنترنت. تمتلك أجهزة الكمبيوتر عناوين محددة، وتجمع حزم البيانات الموجهة إليها عن طريق الإنترنت.80 إن جهاز الكمبيوتر الذي تستخدمه يتشارك الشبكة مع كل جهاز كمبيوتر آخر على الإنترنت يمتلك بروتوكولًا تتشارك بموجبه أجهزة الكمبيوتر بعضها مع بعض. وبمجرد الاتفاق على هذا البروتوكول، لا يشترط وجود أدوات تنظيمية أخرى لتنظيم عملية الاتصال بين الأجهزة.

لا نحتاج إلى الغوص عميقًا في التكنولوجيا لإدراك السؤال الذي أطرحه في هذا القسم؛ ألا وهو: إذا كانت التكنولوجيا تجعل أجهزة الراديو تتشارك طيف موجات البث — دون الحاجة إلى الحصول على رخصة للبث أو ملكية بث — فما السبب إذن لدى الحكومة كي تفرض أيًّا من هذين القيديْنِ على استخدام موجات البث؟ أو لنطرح السؤال بصورة أخرى تتصل ببداية هذا القسم: إذا كان مستخدمو موجات البث يتشاركونها دون أي تنسيق من الحكومة، فلماذا يصبح فرض نظام ملكية على موجات البث مُبررًا أكثر من فرض الحكومة رسومًا على الصحف لمنحها ترخيص النشر؟

لا شك في أن المعمار الذي يسمح بعملية المشاركة لا يسلم تمامًا من الخضوع للتنظيم الحكومي. ربما تشترط الحكومة استخدام الأجهزة المعتمدة فقط في هذه الشبكة (مثلما تفعل هيئة الاتصالات الفيدرالية مع أي جهاز يصدر موجات في نطاق محدد من موجات البث). ربما تدفع الحكومة في اتجاه زيادة سعة الشبكات، وهو ما يدعم معمار الشبكات التشاركية. ربما تفرض الحكومة قيودًا تشبه قيود تداخل الموجات على قدرة أجهزة الإرسال. لكن بخلاف هذه الأدوات التنظيمية البسيطة، لن تسعى الحكومة إلى فرض قيود على من يريد استخدام موجات البث. لن تحظر الحكومة استخدام موجات البث على أشخاص لم يدفعوا رسوم الترخيص، أو لم يتم الترخيص لهم من الأساس.

لذا يتوافر لدينا الآن معماران لموجات البث: معمار يجري من خلاله توزيع موجات البث، ومعمار يجري من خلاله مشاركة موجات البث (مثل سوق الصحف). أي من هذين المعمارين أكثر توافقًا مع منظور التعديل الأول من الدستور؟

أخيرًا، لدينا هنا مثال على ترجمة عملية للدستور، لدينا خيار بين معمار يعتبر هو المكافئ الوظيفي لمعمار المنظور الأمريكي في وضع الدستور، ومعمار هو المكافئ الوظيفي لمعمار المنظور السوفييتي في وضع الدستور. يجري توزيع السلطة وتيسير التعبير في الدستور الأمريكي، فيما يجري تركيز السلطة ورفع كلفة التعبير في الدستور السوفييتي. بين هذين المنظورين، قام واضعو الدستور الأمريكي بعملية اختيار بحيث لا تنخرط الدولة في عملية ترخيص أشكال التعبير، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومع ذلك، فهذا هو بالضبط وظيفة القاعدة الحالية التي تنظِّم عملية توزيع موجات البث.

يرى زميلي يوشاي بنكلر وأنا،81 أن من شأن القراءة الصادقة لنوايا واضعي الدستور أن تطيح بنظام توزيع موجات البث.82 ترفض أيُّ قراءة صادقة للدستور أيَّ معمار يركِّز السلطة بشدة. كان النموذج الذي تبناه واضعو الدستور للتعبير هو نموذج الإنترنت، فهو نموذج يتَّسم باتساع نطاقه، واللامركزية، والمجانية، والتعددية. بطبيعة الحال، يجب أن نختار ما إذا كنا نريد قراءة صادقة أم لا؛ حيث لا توفر عملية ترجمة معاني الدستور في سياق آخر دعمًا مستقلًّا خاصًّا بها. في المقابل، إذا كان الصدق هو هدفنا، فهذه هي الإجابة.

(٥) دروس التعبير

في هذا الفصل، أعدتُ وصف أنماط التنظيم التي ذكرتها في بداية هذا الكتاب بأنها أنماط الحماية. فبينما يمكن استخدام أنماط التنظيم كأسلحة ضد (سلطات) الأفراد، يمكن استخدام أنماط الحماية كدروع (تحمي حقوقهم).

من ناحية المبدأ، ربما نفكر في الطريقة التي تحمي بها الأنماط التنظيمية الأربعة التعبير، لكنني أركِّز هنا على المعماريات الحاكمة. أيُّ المعماريات تحمي أيَّ أنواع من التعبير؟ كيف يؤدي تغيير إحدى المعماريات إلى تغيير نوع التعبير الذي تجري حمايته؟

لم أحاول أن يكون عرضي شاملًا، لكنني دفعت في اتجاه رؤية تتناول العلاقة بين المعماريات والتعبير على المستوى العالمي، وتستعين بالقيم الدستورية للتفكير لا فقط بشأن ما هو مسموح به في معمار محدد، بل أيضًا بشأن أي المعماريات مسموح به. يجب أن تسترشد قيم دستور فضائنا الإلكتروني بقيم دستور عالمنا الواقعي. على الأقل، يجب أن تقيِّد هذه الرؤيةُ الدولةَ في جهودها لتصميم معمار للفضاء الإلكتروني بطرق لا تتوافق مع هذه القيم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠