الفصل الثالث عشر

فاصل

لنتوقف برهة ونتدبر الفصول الثلاثة السابقة. هناك نمط للمشكلات تشير إليه هذه الفصول الثلاثة، طريقة نرى بها كيف أن هذه المشكلات الثلاث ليست إلا مشكلة واحدة.

بمعنًى من المعاني، كان السؤال في كل من هذه الفصول هو: ما حجم السيطرة المسموح بها على المعلومات، ومَن يجب أن يمارس هذه السيطرة؟ هناك معركة بين كود يحمي الملكية الفكرية، وكود يحمي الاستخدام العادل. هناك معركة بين كود قد يخلق سوقًا للخصوصية، وكود قد يخلق سوقًا للحق في تداول معلومات عن أفراد بقطع النظر عن هذا السوق. هناك معركة بين كود يسمح بالترشيح الكامل للتعبير، وكود يفضي إلى معمار يسمح ببعض الفوضى فيما يتعلق بمن يحصل على ماذا. تدعو كل حالة إلى تحقيق توازن في السيطرة.

يختلف رأيي في كل سياق من هذه السياقات. في سياق الملكية الفكرية، أعارض الكود الذي يتتبع ما يقرؤه المستخدمون، وأؤيد الكود الذي يضمن مساحة واسعة من المشاع الفكري. في سياق الخصوصية، أؤيد الكود الذي يمكِّن الأفراد من اتخاذ قراراتهم المستقلة؛ أي تمكينهم من التشفير والتعبير عن تفضيلاتهم فيما يتعلق بماهية البيانات الشخصية التي يجمعها الآخرون عنهم. من شأن الكود أن يمكن عملية اتخاذ القرارات، ومن شأن القانون أن يحض على تنفيذ هذا الكود. في سياق حرية التعبير، أعارض الكود الذي يرشِّح التعبير بصورة كاملة، حيث يصير الأمر في غاية الخطورة أن يُسمح بالاختيار الكامل في هذا السياق. يعتبر توفير مساحة للاختيار أمرًا أفضل بطبيعة الحال؛ لذا يُعدُّ الكود الذي يمكِّن من تنفيذ أنظمة سمعةٍ أفضل أمرًا مستحسنًا، مثلما أن الكود الذي يُوسِّع من النطاق المشروع للبث هو أمر أفضل.

يتمثل الهدف في هذه السياقات الثلاثة جميعها في العمل ضد قيام كيانات مركزية للاختيار. وفي سياق ترشيح المحتوى، يتمثل الهدف في العمل ضد قيام كيانات تتسم بالفردية الشديدة أيضًا.

ربما تتساءل عما إذا كانت هذه الخيارات متوافقة. أعتقد ذلك، لكن لا يهم أن تتفق معي في رأيي هذا. ربما ترى أن تحقيق توازن مختلف مسألة منطقية؛ كتحقيق سيطرة أكبر في حالة الملكية الفردية، أو ربما عمليات ترشيح المحتوى، وتحقيق سيطرة أقل في حالة الخصوصية. يتمثل اهتمامي الحقيقي في إيصال الشعور بضرورة عقد مثل هذا التوازن، وبأهمية القيم الضمنية في الادعاء بضرورة تحقيق نوع من التوازن. هناك دومًا منافسة بين العام والخاص، هناك دومًا حاجة إلى تحقيق توازن بين الحقوق الخاصة والحقوق العامة، هناك دومًا خيار يجب اتخاذه بشأن المدى المسموح به لكلا الجانبين؛ الخاص والعام. تعتبر هذه الأسئلة جزءًا أصيلًا من القانون العام، أسئلة من قبيل: كيف يمكن وضع مجموعة من القيم الدستورية في الاعتبار؟ كيف يمكن تحقيق توازن في سياقات واقعية محددة؟

تناولت هذه النقطة مع إهمالي في تحديد المسئول عن أي حالة من حالات عدم التوازن. هناك من يقولون بوجود عمليات ترشيح محتوى أكثر من اللازم، أو عدم توافر الخصوصية بالقدر الكافي، أو وجود سيطرة هائلة على الملكية الفكرية، على أن كل ذلك ليس من قبيل الشأن العام، إلا إذا كانت الحكومة مسئولة عن حالات عدم التوازن هذه. تنسحب القيمة الدستورية في الولايات المتحدة فقط بقدر تطبيق القانون في الولايات المختلفة. ولم أبيِّن بعد كيف يمتد تطبيق الولايات للقانون إلى هذه السياقات.

لكني لا أعتزم بيان ذلك. ففي رأيي، يكشف تقليدنا الدستوري عن لبس في بيان نطاق تحقق القيم الدستورية. ففي عالم لا توجد فيه جهات تنظيمية سوى الحكومات، يعتبر قصر تفعيل سلطة الدستور في إطار تطبيق القانون في الولايات فقط مسألة منطقية. في المقابل، عندما تتعدد أنماط التنظيم لا يوجد سبب لتجاهل نطاق مجال تحقق القيم الدستورية. لم ينظر واضعو الدستور في هذه المسألة، ولا يوجد سبب يمنع استرشاد عملية التنظيم من خلال الكود بالقيم الدستورية، ولا يوجد ما يبرر فصل هذا الجزء من حياتنا عن القيود وضمانات الحماية التي يوفرها الدستور في المعتاد.

يحقق الكودُ التوازنَ بين الحقوق الفردية والجماعية الذي سلطتُ عليه الضوء حتى الآن. في الفصل التالي، يتم تحقيق توازن من نوع مختلف، توازن يحققه الكود بصورة أساسية. في المقابل، لا يتحقق التوازن هذه المرة بين الدولة والفرد، بل بين الدولة والأدوات التنظيمية الضمنية لمعمار الفضاء الإلكتروني. يتوجه التهديد الآن صوب السيادة التقليدية. كيف يمكن أن نترجم هذا التقليد الدستوري بحيث يتواءم مع عالم يكون الكود فيه هو القانون؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠