الفصل السادس عشر

المشكلات التي نواجهها

هناك خيارات ستحدد طبيعة الفضاء الإلكتروني. في رأيي، لا يستطيع الأمريكيون اتخاذ قرارات بشأن هذه الخيارات. فنحن عاجزون عن اتخاذ القرارات لأسباب ثلاثة مختلفة للغاية: يتعلق السبب الأول بالقيود التي نفرضها على القضاء، ويتعلق السبب الثاني بمحدودية القدرات التي أدركنا وجودها في المجالس التشريعية، ويتعلق السبب الثالث بمحدودية تصوراتنا عن الكود. إذا كان يجب اتخاذ قرارات، تعني هذه القيود أننا لن نتخذ قرارات. نحن نمر الآن بمرحلة يتم فيها اتخاذ أهم القرارات بشأن هذا الفضاء، لكننا لا نملك المؤسسات أو الممارسات لتقييم أو تغيير هذه القرارات.

في هذا الفصل أتناول هذه المشكلات، وفي الفصل السابع عشر أقترح حلولًا لها. بطبيعة الحال، لن تكون المشكلات أو الحلول كاملة عند تناولها، لكنها موحية. لا تعتبر المشكلات التي يكشف عنها الفضاء الإلكتروني مشكلات تتعلق بالفضاء الإلكتروني نفسه، بل هي مشكلات في العالم الواقعي يظهر لنا الفضاء الإلكتروني ضرورة حلها، أو ربما إعادة النظر فيها.

(١) مشكلات القضاء

هناك نوعان من الدساتير؛ دستور مُقنِّن، ودستور تحويلي. يحاول الدستور المقنن الحفاظ على شيء أساسي يتعلق بالثقافة الدستورية أو القانونية التي وضع فيها؛ أي حماية السمات الثقافية الأساسية ضد تغيرات المستقبل. أما الدستور التحويلي (أو التعديل)، فيؤدي وظيفة عكسية؛ حيث يحاول تغيير شيء أساسي في الثقافة الدستورية أو القانونية التي وضع فيها؛ أي جعل الحياة مختلفة في المستقبل بغرض إعادة تشكيل جزء من الثقافة. يرمز عوليس المقيد إلى صارية السفينة إلى النظام المقنِّن، فيما ترمز فرنسا الثورية إلى النظام التحويلي.

يضم دستورنا كلا النظامين معًا. كان دستور عام ١٧٨٩ — أي قبل إدخال التعديلات العشرة الأولى — دستورًا تحويليًّا. «أحيا» ذلك الدستور صورة جديدة من صور الحكم، وتمخض عنه ميلاد أمة.1 أما دستور عام ١٧٩١ — وثيقة الحقوق — فكان دستورًا مقنِّنًا. وإزاء خلفية الدستور الجديد، سعت وثيقة الحقوق إلى ترسيخ قيم محددة ضد التحولات المستقبلية.2 كانت تعديلات الدستور أثناء الحرب الأهلية تحويلية هي الأخرى؛ حيث كانت تهدف إلى إعادة تشكيل جزء مما صارت إليه الثقافة الاجتماعية والقانونية الأمريكية؛ أي نزع تقليد اللامساواة من الروح الأمريكية، وإحلال تقليد وممارسة المساواة محله.3

من بين هذين النظامين، يعتبر النظام التحويلي الأصعب في تحقيقه. يتمتع النظام المقنن بقوة قصور ذاتي تسانده، فيما يجب أن يقاتل النظام التحويلي حتى يتحقق. للنظام المقنن قيمة راسخة يرتكن إليها، فيما يساور النظام التحويلي الشك الذاتي، وهو معرض للهجوم من قبل مستهدفيه من المعارضين. تزوي القيم الدستورية مع الوقت، وحين تموت تواجه المؤسسات المعهود إليها تنفيذ اشتراطات الدستور — كالمحاكم — مقاومة سياسية متزايدة. وعلى الرغم من ظهور بعض لمحات الاستنارة القصيرة، يستبقي الناس أو يعودون إلى طرقهم القديمة، وهو ما يجعل من العسير على القضاء مقاومة ذلك.

يكشف تاريخنا الدستوري عن هذا النمط المتكرر. انقضت القيمة الدستورية الاستثنائية بعد الحرب الأهلية — عندما تم نحت ثلاثة تعديلات تنص على تحقيق المساواة المدنية في روح دستورنا — بحلول عام ١٨٧٥. تخلت الأمة عن الصراع من أجل المساواة وتحولت إلى الإثارة التي أحدثتها الثورة الصناعية. تم الالتزام بالقوانين التي تكرس للفصل العنصري،4 ومُنِعَ الأمريكيون من أصل أفريقي من التصويت،5 وسرت قوانين نُظِرَ إليها لاحقًا بأنها تكرِّس لنوع جديد من العبودية.6 بعد مرور مائة عام من ممارسات اللامساواة المستمرة، بدأت المحكمة الدستورية العليا في النظر في التعديلات الدستورية التي أُدخلت أثناء الحرب الأهلية. ظل الأمر دون تغيير حتى قضية «براون ضد مجلس التعليم» في عام ١٩٥٤، حين أقرت المحكمة الدستورية العليا بالفِكَر التحويلية التي اشتملت عليها التعديلات الدستورية أثناء الحرب الأهلية.7

يمكن لنا أن ننتقد المحكمة الدستورية العليا لهذا الضعف الذي استمر قرنًا كاملًا، لكني أعتقد أن الأكثر أهمية هو فهم مصدر هذا الضعف. يعمل القضاء في سياق سياسي محدد، وهو حلقة المقاومة الأضعف في السياق السياسي. ولوقت ما، ربما ينتصر القضاء لمبدأ ما على قيمة معينة، لكن هذا الوقت سريعًا ما ينقضي. وإذا لم يقر العالم نفسه بخطأ الأساليب العنصرية، فلن تمنح عبارة قوية يتضمنها نصُّنا الدستوريُّ القضاء سوى الحرية التي تمنحها النصوص للمقاومة. يخضع القضاء إلى القيود التي يفرضها «كل» من له صوت ويمتلك الموارد لجعل صوته مسموعًا بأنه صواب، حتى لو كان ما يعتقده «الجميع» غير متوافق مع النصوص الدستورية الأساسية.

تعتبر الحياة أسهل مع الدستور المقنن؛ نظرًا لوجود تقليد يشير إلى أن النصوص لا يقصد بها إلا ترسيخ قيم محددة. إذا كان هذا التقليد طويل الأمد، فهناك أمل في بقائه متماسكًا.

في المقابل، يواجه الدستور المقنن صعوبات؛ فعلى الرغم من التقنين، إذا كانت حماسة الشعوب قوية بصورة طاغية، فلا يوجد عادةً ما يستطيع القضاءُ القيامَ به لمقاومة هذه الحماسة. فمثلًا على الرغم من وضوح ضمانات حرية التعبير في التعديل الأول من الدستور، عندما كانت صور التعبير السائدة هي تلك الخاصة بالشيوعيين والفوضويين، كانت الحكومة تُمنح سلطة العقاب،8 وعلى الرغم من افتراضات البراءة والمساواة، فعندما قصفت اليابان ميناء بيرل هاربور، سُمح للحكومة بنقل جميع الأمريكيين من أصل ياباني، الذين يعيشون على الساحل الغربي للولايات المتحدة، إلى معسكرات اعتقال.9

هذا هو واقع القضاء في أي نظام ديمقراطي. نحب نحن المحامين أن نرسم صورة رومانسية للقضاء، وأن نتخيله يسمو فوق أي عامل من عوامل التأثير، لكن القضاء لم يكن كذلك قط. يخضع القضاء إلى قيود سياسية لها اعتبارها. يعتبر القضاء مؤسسة داخل نظام ديمقراطي، ولا تستطيع أي مؤسسة في نظام ديمقراطي أن تكون عدوة للشعب لفترة طويلة.

يجب أن نفكر في المشكلات التي أُثيرت في الجزأين الثالث والرابع إزاء هذه الخلفية. في كل حالة، تمثَّل طرحي في أننا سنكون بحاجة إلى اختيار القيم التي نريد للفضاء الإلكتروني أن يعتنقها. لا يعالج أي نص أو تقليد دستوري هذه الأسئلة. بصورة عامة، تؤثر هذه الأسئلة على الجزء المقنن من تقليدنا، لكنها أسئلة تمثل حالات من اللبس الكامن. لا توجد «إجابة» على هذه الأسئلة يمكن أن تصدر على صورة قرار تعلنه محكمة. يتم الاتفاق على الإجابات في هذا السياق لا العثور عليها، صناعتها لا اكتشافها، اختيارها لا نقلها.

تواجه أي محكمة أمريكية صعوبات جراء ذلك؛ فنحن نعيش في ظل المحكمة الدستورية العليا التي يرأسها رئيس القضاة إرل وارن. يرى كثيرون (لكنني لست واحدًا منهم) أن المحكمة التي يرأسها وارن كانت محكمة نشطة أكثر من اللازم، وأنها «أعادت تشكيل» القانون الدستوري، وفرضت «قيمها الخاصة» على النظام السياسي والقانوني. رأى كثيرون في هذا النشاط أمرًا موازنًا لما قامت به محكمة رنكوست في الماضي.

أعتقد أن هذه الرؤية غير صحيحة. لم تكن محكمة وارن «نشطة» بأي معنًى غير متوافق مع مبدأ الالتزام بحرفية التفسير، ولم تكن المحكمة الدستورية العليا التي كان يرأسها القاضي رنكوست أقل نشاطًا من المحكمة التي رأسها وارن. لا يكمن السؤال فيما هو صواب، بل فيما يؤمن به الناس. ونحن نؤمن بأن الماضي كان يتميز بالنشاط، وأن هذا النشاط جانبه الصواب.

على الأقل خطأ بالنسبة إلى محكمة قضائية. لا يقتصر خصوم المحكمة التي يرأسها وارن على المحافظين فقط، بل إن بعضهم ليبراليون يؤمنون أن المحكمة لم تكن تتصرف بحكمة.10 يؤمن هؤلاء الخصوم أن المحكمة كانت تشكِّل — لا تنقِّب عن — القانون الدستوري، وأن الشيء الوحيد الذي كانت تسترشد به هو ما إذا كانت تستطيع تحقيق أغلبية أم لا.

تخاطر أي محكمة بأن تصبح مثل «محكمة وارن» عندما تصدر أحكامًا لا تبدو نابعة بصورة طبيعية أو واضحة من أي نص قانوني. تصبح أي محكمة هشة عندما تبدو أحكامها سياسية. إزاء الخلفية التاريخية، تعتبر محكمتنا الدستورية العليا هشة للغاية وفق هذه الرؤية، وستشعر المحكمة برد الفعل عندما تبدو قراراتها سياسية.

لا أقصد هنا أن المحكمة تخشى الانتقام؛ حيث إن المحكمة الدستورية العليا مؤمَّنة في إطار نظامنا الدستوري.11 تشعر المحكمة برد الفعل إزاء قراراتها التي تبدو سياسية بفضل صورتها عن نفسها وعن دورها الحقيقي؛ ففي رؤيتها لنفسها، لا يعتبر دور المحكمة «سياسيًّا»؛ حيث ترى المحكمة أنها وكيل مخلص يحافظ على الالتزامات المؤسِّسة حتى يتم تغييرها.12
في المقابل، عندما لا تكون هناك التزامات مؤسِّسة للحفاظ عليها — مثلما هو الحال في حالات اللبس الكامن — ستبدو أي محاولة لترجمة النصوص الدستورية أكثر من مجرد عملية تفسير قانونية. ومتى بدا الأمر كما لو أن المحكمة تقوم بما هو أكثر من مجرد الحفاظ على الالتزامات المؤسسة، فسيسود الاعتقاد بأن المحكمة تعتمد رؤاها الخاصة بالنظام الدستوري المناسب بدلًا من تنفيذ قرارات وضَع أسسها الدستورية آخرون.13 في كلمة واحدة، سيبدو الأمر كما لو أن المحكمة تتخذ قراراتها بصورة «سياسية».

ماذا تعني «سياسية» هنا؟ لا تعني ببساطة أن المحكمة تتخذ قرارات بشأن القيم أو تضع سياسات، ولا يعني هذا أيضًا أن القيم أسباب غير مناسبة يُصدرُ بناءً عليها القضاء أحكامًا. على العكس تمامًا، تعتبر عملية الاختيار بين القيم أو السياسات، التي تتوافق بصددها أطراف العملية السياسية بصورة واضحة، ملائمة تمامًا لإنفاذ القضاء لها. تتمثل المشكلة في الاختيارات في حالات اللبس الكامن في أنها لا تبدو خيارات توافقت عليها أطراف العملية السياسية بصورة واضحة. تعكس هذه الخيارات قيمًا، لكنها قيم لا تبدو نابعة مباشرة من الدستور.

تشير «سياسية» إذن إلى القرارات التي تصدر دون وجود توافق سياسي يدعمها ولا يمكن حسمها على الفور في ضوء النصوص الدستورية الراسخة.14 عندما يُنظَر إلى الأسس نفسها لحكم قضائي بأنها محل جدل، وعندما لا يتوافر سبب للاعتقاد بأن الدستور يطرح موقفًا واضحًا حيال المسألة محل النظر، سيبدو تنفيذ حكم معين قائم على ترجمة النص الدستوري، في ذلك السياق، سياسيًّا.15

سيطرح الفضاء الإلكتروني هذه المشكلة بقوة؛ فعندما تُترجَم قيمة إطارية في شيء من الوضوح أو اليقين، تستطيع المحكمة الدستورية العليا أن تصدر أحكامها بطريقة تأتي في عكس اتجاه الأغلبيات السائدة باسم الالتزامات المؤسِّسة. في المقابل، عندما تكون حالات الالتباس كامنة، وعندما تبدو الخيارات كخيارات حقيقية لا بد من اتخاذ قرارات بشأنها، لن تكون الترجمة كافية. يتمثل ادعائي في أن المحكمة الدستورية العليا لن تكون محورًا لهذه الخيارات.

ربما يبدو هذا الطرح تشاؤميًّا للغاية، خاصة عندما نسترجع النجاح في القضاء بعدم دستورية قانون آداب الاتصالات،16 على أن هذه القضية في حد ذاتها تكشف عن حالة عدم الاستقرار التي أخشى أن تتحول سريعًا إلى سلبية.

في قراري المحكمتين ذواتا الدرجة الدنيا، كانت نبرة المحكمتين تبدو كما لو أنها «تبحث» عن حقائق تتعلق بطبيعة الفضاء الإلكتروني. حددت «نتائجُ البحث» النتائجَ الدستورية المتمثلة في قراريهما، وأصدرت المحكمتان حكميهما في ثقة جعلتهما تبدوان كما لو أن هذين الحكمين جامدان.

كانت قرارات القضاء، في معظمها، تُمثِّل توصيفًا جيدًا بصورة استثنائية لما وصل إليه الفضاء الإلكتروني في عام ١٩٩٦، على أن هذه القرارات لم تُشر إلى أين سيمضي الفضاء الإلكتروني أو ماهية طبيعته. كانت أحكام المحكمتين تبدو كما لو أنها تصف لنا طبيعة الفضاء الإلكتروني. مثلما رأينا، لا يمتلك الفضاء الإلكتروني طبيعة كامنة؛ فالفضاء الإلكتروني يتخذ الشكل الذي يُصمَّم عليه. ومن خلال القضاء بعدم دستورية القانون المطروح من قبل الكونجرس لتقسيم الفضاء الإلكتروني، لم يكن القضاء يخبرنا عن ماهية الفضاء الإلكتروني، بل ما يجب أن يكون عليه. كان القضاء يشكِّل طبيعة الفضاء الإلكتروني، لا يبحث عنها. كانت قرارات القضاء في جزء منها مسئولة عما سيكون عليه الفضاء الإلكتروني.

في البداية، لن يبدو الأمر هكذا؛ فعندما نواجه شيئًا جديدًا، من الصعب معرفة ما هو طبيعي وما هو مكتسب فيه، ومعرفة أي جزء منه سيتغير، لكن مع مرور الوقت، سيدرك القضاء أن ثمة أشياء قليلة «طبيعية» في الفضاء الإلكتروني. سيُنظر إلى القيود المفروضة على معمار الفضاء الإلكتروني — التي كانت في وقت ما تعد وفق أحد الآراء جزءًا أصيلًا — على أنها «خيارات مقصودة» لاحقًا. ما كان «مستحيلًا» يومًا سيصير ممكنًا لاحقًا، ومع حدوث هذا التحول من المستحيل إلى الممكن، سيستشعر القضاء أكثر فأكثر عدم قدرته على تحديد ماهية الفضاء الإلكتروني. سيرى القضاء أن قراراته تؤثر على طبيعة الفضاء الإلكتروني، وسيرى القضاء أنه مسئول بصورة جزئية عما صار إليه الفضاء الإلكتروني.

هذا مبدأ هايزنبرج (أي مبدأ عدم اليقين) مطبقًا على القانون الدستوري. وحين يلاحظ القضاء ذلك، مثلما لاحظ الأمر في حالات أخرى، سيلجأ بصورة متزايدة إلى السلطة السياسية، فإذا كانت القرارات تتعلق بسياسات محددة، سيُترك الأمر لصانعي السياسات لا القضاة.17
يصعب على المرء لوم القضاة؛ ففي بعض الحالات يجب تشجيع لجوء القضاة إلى السلطة السياسية،18 على أننا لا يجب أن نقلل من حجم الآثار المترتبة على ذلك. في المستقبل، ستعمل المجالس التشريعية بصورة مستقلة لا تتقيد بالقضاء. ستقيِّد القيم التي قد نطلق عليها قيمًا دستورية — سواء أكان منصوصًا عليها في الدستور أم لا — هذه المجالس التشريعية إذا اختارت المجالس التشريعية أخذ هذه القيم في الاعتبار.

قبل أن ننتقل إلى ما قد نتوقعه من المجالس التشريعية، خذ مثلًا مشكلة أخرى في القضاء؛ مشكلة تصطدم بتراثنا الدستوري مع انتقال الدستور إلى سياق الفضاء الإلكتروني: تتمثل هذه المشكلة في «دور الدولة».

تؤلف المعماريات الفضاء الإلكتروني، وتختلف المعماريات بعضها عن بعض. تتضمن المعماريات قيمًا سياسية مختلفة يمتلك بعضها أهمية دستورية. في المقابل، لحسن الحظ، تعتبر معظم هذه المعماريات خاصة في مجملها؛ حيث تقوم بإنشائها الجامعات والمؤسسات، ويتم تنفيذها عبر قنوات اتصال لا تمولها وزارة الدفاع. هذه المعماريات خاصة، ومن ثم فهي تقع خارج نطاق المراجعة الدستورية. لا تزعج القيم الدستورية، مثل: الخصوصية، وحق الاتصال، وحقوق الجهالة، والمساواة؛ هذا العالمَ الجديد؛ حيث إن هذا العالم «خاص»، ولا يهتم الدستور إلا بما يتعلق «بدور الدولة».

لا أرى سببًا واضحًا في أن يكون الأمر على هذا النحو. فإذا كانت وظيفة الكود مثل وظيفة القانون، فنحن إذن بصدد تأسيس أكبر الولايات القضائية أهمية منذ شراء لويزيانا. على الرغم من ذلك، نحن ننشئ هذه الولاية القضائية الجديدة خارج إطار المرجعية الدستورية، بل إننا ننشئ هذه الولاية بحيث لا يتحكم فيها الدستور، كما لو أننا نريد أن نتحرر من قيود القيمة التي تتضمنها التقاليد الدستورية.

حتى الآن في هذا الكتاب، لم أتناول بالتوضيح هذا التمييز بين الخاص والعام. ربما تقول إنني تجاهلت هذا التمييز،19 لكنني تجاهلته لا لأنه لا معنى له، ولكن لأنني لا أعرف كيف يمكن استخدام هذه التفرقة بين الخاص والعام في معرض تنظيم الفضاء الإلكتروني. يمثل مفهوم دور الدولة في حد ذاته أحد أمثلة اللبس الكامن، ولا أظن أن لدينا فكرة واضحة عن كيفية التوصل إلى فكرة ناجعة عن دور الدولة.

يتمثل اللبس الكامن في الآتي: وُضِعَ الدستور في وقت كانت فيه المعماريات الأساسية محددة بالفعل. وجد واضعو الدستور قوانين الطبيعة وقوانين الاقتصاد و«القانون الطبيعي» للإنسان. وهذه القوانين لم تصنعها الحكومة أو الإنسان.

كانت هذه المعماريات مقيدة بطبيعة الحال، وكان تقييدها هذا هو «التنظيم»، على أن درجة استخدامها كأدوات للسيطرة المقصودة كانت محدودة. لم يكن تخطيط المدن مقيَّدًا،20 وبخلاف تقسيم مساحة أرض، لم يكن أمام واضعي الدستورِ الكثيرُ لفعله حيال القواعد التي تحكم البيئة المُنشأة لهذا الفضاء.

لكن الفضاء الإلكتروني يملك معماريات عامة مختلفة تتميز بعدم محدودية سلطتها التنظيمية. يمكن بناء إطار استثنائي للسيطرة في البيئة التي يعرفها الناس في الفضاء الإلكتروني. وأمور على غرار طبيعة المعلومات التي تُجمع، وصور الجهالة الممكنة، وطبيعة الاعتماد الممنوح للاطلاع على محتوًى، وصور التعبير التي ستُسمَع؛ كلها تعبِّر عن خيارات لا «حقائق». فهذه كلها أشياء مُصمَّمة عن قصد، وليست موجودة من الأساس على نحو طبيعي.

سياقنا إذن مختلف للغاية. ولا تعني محدودية نطاق المراجعة الدستورية في السياق الأول بالضرورة أن نطاق المراجعة الدستورية يجب أن يكون محدودًا بصورة مشابهة في السياق الثاني. ربما، لكننا لا نستطيع معرفة ذلك فقط من خلال محدودية نطاق المراجعة الدستورية في السياق الأول المختلف للغاية.

ليس لدينا إذن إجابة من واضعي الدستور حول نطاق دور الدولة. يجب أن نقرر بأنفسنا ما يصلح أكثر في تقليدنا الدستوري. هل من باب الوفاء لتقليدنا الدستوري أن نسمح بتطور هياكل السيطرة — المكافئ الوظيفي للقانون — خارج نطاق المراجعة الدستورية؟ أم هل يجب أن يتسع نطاق المراجعة الدستورية ليشمل هياكل التنظيم الخاص، وذلك لحفظ القيم الأساسية في تقليدنا الدستوري؟

هذه أسئلة صعبة، على الرغم من عدم صعوبتها في سياق أنظمة دستورية أخرى. لا يجد التقليد الألماني غضاضة، على سبيل المثال، في فكرة أن تخضع الهياكل الخاصة للسلطة في النهاية إلى القيم الدستورية الأساسية.21 بالطبع، ليس التقليد الألماني تقليدنا، لكن حفاظ الألمان على رؤيتهم يشير إلى إمكانية ترك مساحة لفرض القيود الدستورية دون أن يتحول كل موضوع إلى خلاف دستوري. يعتبر القرار الرشيد ممكنًا دون أن يتحول كل عقد خاص إلى قضية فيدرالية.
في المقابل، سيتطلب الأمر ثورة في القانون الدستوري الأمريكي حتى تتجاوز المحكمة الدستورية العليا، بصورة واعية على الأقل، حدود دور الدولة. رسم بعض فقهاء القانون ملامح طريقة تحقيق ذلك دون إعادة صياغة القانون الأمريكي بصورة جذرية، فيما يرى البعض عدم إمكانية تحقيق ذلك دون إعادة صياغة الدستور الأمريكي بصورة جذرية.22
لكن ليس السبب وراء مناداتي بتجاهل مبدأ دور الدولة متعلقًا بإعادة صياغة القانون بصورة جذرية؛ بغرض منحنا صورة أكثر وضوحًا لطريقة صياغة القانون في هذا الفضاء الجديد في المقام الأول، بل كما قال تعبير بول برمان، يتمثل السبب وراء تجاهل مبدأ دور الدولة حاليًّا في أنه:
… بغض النظر عن كيفية حل هذه المشكلات، سنكون قد أُجبرنا على الأقل على مناقشة الأسئلة الدستورية المهمة، والتعبير عن القيم الأهم. في المقابل، يُلقي مبدأ دور الدولة بهذه النقاشات بعيدًا عن مائدة الحوار، من خلال التأكيد على أن الأنشطة محل النقاش هي أنشطة خاصة، ومن ثم لا تصلح موضوعًا للنقاش الدستوري. إذا كان المرء يؤمن أن مثل هذا الحديث في حد ذاته يحمل قيمة ثقافية، إذن فسيصاحب تطبيق مبدأ دور الدولة تكلفة مرتفعة للغاية.23

مرة أخرى، يبدو من المرجح أننا سنستمر في تحمل هذه التكلفة.

لا يستطيع القضاء اتخاذ قرارات عبر هاتين الطريقتين. لا يستطيع القضاء أن يكون مبدعًا في قراراته. بالإضافة إلى ذلك، تم تضييق نطاق المراجعة الدستورية بالنسبة للقضاء (بصورة مصطنعة مثلما أعتقد) بحيث استبعد أهم ملامح قانون الفضاء الإلكتروني؛ الكود. إذا كانت هناك قرارات بشأن الوجهة التي يجب المضي فيها، وخيارات بشأن القيم التي سيشتمل عليها هذا الفضاء، فليس من المتوقع أن يتمكن القضاء من أن يتخذ قرارًا بشأنها.

(٢) مشكلات المشرِّعين

في مؤتمر عقد في دولة جورجيا السوفييتية سابقًا، تحت رعاية وكالة غربية للديمقراطية، كان هناك محامٍ أيرلندي يحاول أن يشرح للجورجيين مدى عظمة نظام «المراجعة القضائية» (النظام الذي يستطيع القضاء من خلاله إلغاء قوانين أقرتها المجالس التشريعية). وقد تحدث قائلًا: «نظام المراجعة القضائية مدهش؛ فمتى قضت المحكمة بإلغاء أحد القوانين التي أقرها البرلمان، يصطف الناس بصورة طبيعية إلى جانب المحكمة ضد البرلمان. يعتقد الناس أن البرلمان مجرد أداة سياسية، فيما يعتقدون أن المحكمة العليا صاحبة مبدأ.» سأل صديق جورجي، وهو شخص مناصر للديمقراطية على طول الخط: «لماذا يدين الناس بالولاء في نظام ديمقراطي إلى مؤسسة غير ديمقراطية ولا يثقون في المؤسسة الديمقراطية للنظام؟» أجابه المحامي: «أنت لا تفهم الديمقراطية.»

عندما نفكر في مسألة حكم الفضاء الإلكتروني — عندما نفكِّر في قضايا الاختيار التي أشرت إليها، خاصة الأسئلة المطروحة في الجزء الثالث — ينتابنا شعور عميق بالخيبة. تبدو فكرة حكم الفضاء الإلكتروني مستحيلة؛ فمن هو الفضاء الإلكتروني؟ وأين سيُصوِّت؟ تبدو الفكرة في حد ذاتها كريهة بالنسبة إلى الفضاء الإلكتروني نفسه.

لا تكمن المشكلة هنا في حوكمة الفضاء الإلكتروني، بل في مسألة الحوكمة نفسها. لا توجد مجموعة خاصة من المشكلات المحيِّرة التي تنشأ عن الفضاء الإلكتروني، بل هناك فقط مشكلات محيرة مألوفة في الحوكمة الحديثة، وكل ما في الأمر أنها صارت موجودة في فضاء جديد. تختلف بعض الأشياء؛ فهدف عملية الحوكمة مختلف، ونطاق الاهتمامات الدولية مختلف. في المقابل، لن تنبع مشكلات الحوكمة من هذا الهدف المختلف، بل ستنشأ عن مشكلتنا مع الحوكمة ذاتها.

عملت عبر صفحات هذا الكتاب على تحديد الخيارات التي يقدمها لنا الفضاء الإلكتروني. قلتُ إن معمار الفضاء الإلكتروني طوع أيدينا، وإن هناك طرقًا كثيرة يمكن من خلالها تشكيل الفضاء الإلكتروني على نحو مختلف، وذلك بناءً على مَن يملك زمام الأمور. ربما يظن المرء أن الخيارات الجمعية تمثل مشكلة أمام عملية الحوكمة، لكن يندر أن يوجد من يريد أن تتخذ الحكومة القرار بشأن هذه الخيارات. ليست الحكومة حلًّا لأية مشكلة تواجهنا، ويجب أن نفهم سبب هذا. يجب أن نفهم منطق المحامي الأيرلندي الموجود داخل كل منا.

لا يعتبر تشككنا مسألة مبدأ؛ فلا يعتبر معظمنا متحررين. ربما نكون ضد الحكومة، لكن في غالب الأمر نؤمن بوجود قيم جمعية يجب أن تنظِّم الفعل الفردي (تعني «جمعية» هنا أن الأفراد عندما يتصرف كل منهم وحده سينشأ عن أفعالهم نتائج تقل في قيمتها عما لو تم تنسيق هذه الأفعال الفردية). نلتزم أيضًا بفكرة أن القيم الجمعية يجب أن تنظِّم العالم التكنولوجي الناشئ. تكمن مشكلتنا في عدم معرفة طريقة تنظيم هذا العالم أو عن طريق من. ونخشى ألا تكون القيم التي سنحتضنها ليست هي القيم الصحيحة.

مثل المحامي الأيرلندي، نشعر بالسأم من الحكومات. ينتابنا شك عميق حيال ما تتمخض عنه السياسات الديمقراطية. نؤمن عن حق أن هذه العمليات تم اختطافها عن طريق جماعات مصالح خاصة تهمها القيم الفردية أكثر من القيم الجمعية. وعلى الرغم من أننا نؤمن بأن ثمة دورًا لعمليات اتخاذ القرار الجمعية، فإننا ننفر من فكرة وضع تصميم شيء مهم كالإنترنت بين أيدي الحكومات.

تتعدد الأمثلة هنا، كما يثير النمط المتكرر فيها الانتباه بصورة لافتة. تتمثل الرسالة الموحدة التي تُوصِّف دور الحكومة في الفضاء الإلكتروني في أن الحكومة لا بد أن تنتحي جانبًا. في مجال التجارة على الإنترنت، ترى الحكومة أن التجارة يجب أن تهتم بشئونها (بالطبع، تمرر الحكومة في الوقت نفسه جميع أنواع القوانين لزيادة ضمانات حماية الملكية الفكرية.) تبدو الحكومة متحمسة أيضًا فيما يتعلق بتنظيم المحتوى «البذيء»، بقطع النظر عن ازدهار النشاط التجاري فيه.

يتمثل المثال الأفضل في بيان هذه النقطة في تخلي الحكومة عن السيطرة على إدارة نظام أسماء النطاقات. ظلت الحكومة لبعض الوقت تفكِّر في أفضل طريقة لمواصلة الحوكمة أو السيطرة على نظام أسماء النطاقات.24 عهدت الحكومة بهذا العمل من خلال عقود مؤسسة العلوم الوطنية أولًا إلى شركة غير هادفة للربح أسسها الراحل جون بوستل، ثم إلى شركة خاصة هادفة إلى الربح، نتوورك سولوشنز.
كانت العقود على وشك الانتهاء في عام ١٩٩٨، وظلت الحكومة مدة عام تفكِّر مليًّا فيما ستفعله. في يونيو ١٩٩٨، أصدرت الحكومة تقريرًا يدعو إلى تأسيس منظمة غير ربحية تكرس جهودها لصالح المصلحة الجمعية للإنترنت ككل، ويُعهَد إليها باتخاذ قرارات في المسائل المتعلقة بسياسات إدارة نظام أسماء النطاقات. كانت سلطة صنع السياسات تنسل من بين يدي الحكومة إلى منظمة خارج نطاق سيطرتها. وفي عام ١٩٩٨، تم تفعيل هذه السياسة من خلال تأسيس مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة التي هي، وفق صفحتها على الإنترنت:
مكرسة للحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية على الإنترنت، ودعم المنافسة، وتحقيق أكبر تمثيل للمجتمعات العالمية على الإنترنت، ووضع سياسة تتناسب مع مهمتها، من خلال عمليات اتخاذ قرار جمعية، من أسفل إلى أعلى. إن مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة — وهي شركة تحقق الصالح العام، ومؤسسة غير هادفة للربح — هي المنظمة الدولية المسئولة عن إدارة والإشراف على تنسيق نظام أسماء نطاقات الإنترنت وعلامات تمييزها الفريدة.25

فكِّر في نوع الأسئلة التي قد يوجهها صديقي الجورجي فيما يتعلق بهذا الإجراء الحكومي. «شركة غير هادفة للربح مكرَّسة لخدمة الصالح العام؟» أليس هذا هو المفترض من الحكومة؟ مجلس مؤلف من ممثلين لأصحاب المصلحة؟ أليس هذا هو الكونجرس؟ ربما يلحظ صديقي الجورجي أن هذا الهيكل التنظيمي المؤسسي يختلف عن الحكومة في ملمح واحد رئيس؛ ألا وهو غياب شرط إجراء انتخابات مستمرة.

يعتبر هذا الإجراء الحكومي مثالًا على عملية صناعة سياسات من خلال منظمة هي في حقيقتها مستقلة، منظمة خارج العملية الديمقراطية بأسرها. بمَ يشي ذلك عنا؟ ماذا يعني أن يؤدي بنا حدسنا الطبيعي إلى وضع سلطة صناعة السياسات في كيانات تقع خارج العملية الديمقراطية؟

أولًا، يعكس ذلك الاستسلام المثير للشفقة الذي يشعر به كثير منا حيال كل ما يصدر عن الحكومة العادية. لقد فقدنا الإيمان في فكرة أن ما يصدر عن الحكومة التمثيلية قد يكون أكثر من مجرد مصلحة، أن الرأي والسلطة — إذا استعرنا السطر الافتتاحي من رأي المحكمة الدستورية العليا الأخير للقاضي مارشال — لا العقلَ هما الآن عملة الديمقراطية التداولية.26 لقد فقدنا فكرة أن الحكومة العادية قد تنجح، ووصل اليأس بنا إلى درجة أن الحكومة نفسها لم تعد ترى أنه يجب أن يكون لها دور في إدارة الفضاء الإلكتروني.

أتفهم هذا الاستسلام، لكنه شيء يجب علينا أن نتغلب عليه. يجب أن نعزل السبب عن النتيجة. إذا كنا نكره الحكومة، فلا يرجع ذلك إلى أن فكرة القيم الجمعية تمثِّل لعنة ما. إذا كنا نكره الحكومة، فإنَّ مردَّ ذلك هو أننا سئمنا حكومتنا؛ سئمنا عدم التزامها بوعودها، من ألاعيبها، من جماعات المصالح التي تسيطر عليها. في المقابل، يجب أن نجد طريقة للتغلب على هذا السأم.

يتمثل أحد الأسباب الرئيسة للفشل الحكومي في الفساد الذي تفوح رائحته من خلال الطريقة التي تُنتخَب بها الحكومة. لا أقصد بكلمة «الفساد» المعنى التقليدي له الذي يمتص حيوية كثير من الأمم النامية. لا أظن أن أعضاء الكونجرس فاسدون (باستثناء راندي كَننجهام من كاليفورنيا بالطبع)،27 ولا أعتقد أن دوافعهم تشوبها شائبة. يحاول أعضاء الكونجرس بذل أقصى ما يستطيعون في العالم الذي يعيشون فيه، على أن المشكلة تكمن في هذا العالم.
في هذا العالم، يسيطر المال على الانتباه. إذا أردت أن تصبح عضوًا في البرلمان، يجب أن تخوض غمار الانتخابات. في عام ٢٠٠٤، إذا قمت بالترشح في مقاطعة مفتوحة، كنت ستنفق ١٠٨٦٤٣٧ دولارًا أمريكيًّا في المتوسط. وإذا فزت في الانتخابات، ستكون قد أنفقت ١٤٤٢٢١٦ دولارًا أمريكيًّا. إذا خضت غمار الانتخابات ضد أحد الأعضاء الحاليين، تصل نسبة خسارتك الانتخابات إلى ٩٧٫٥٪. (لم يفز سوى ثمانية مرشحين فقط ضد أعضاء حاليين في البرلمان). في انتخابات مجلس الشيوخ، لم يفز سوى مرشح وحيد على عضو حالي بالمجلس في انتخاب عام ٢٠٠٤. يعني شغل منصب عام في الولايات المتحدة الاستمرار فيه مدى الحياة تقريبًا. يقترب متوسط فترة بقاء أحد الأعضاء في مقعده في الكونجرس من متوسط فترة بقاء قاضٍ في المحكمة الدستورية العليا في مقعده.28
لجمع كل هذه الأموال، يقضي أعضاء الكونجرس وقتهم في جعل من يملكون المال سعداء، من خلال الاستماع إلى مشكلاتهم، وفي بعض الأحيان اقتراح تشريعات تحل مشكلاتهم. لا يبدو في ذلك أي ضرر، إلى أن ندرك كم من الوقت ينفقون لجمع هذه الأموال. قدَّر عضو مجلس الشيوخ السابق، السيناتور هولينجز، أن عضو الكونجرس يقضي ثلث وقته يجمع الأموال الانتخابية.29 وربما تكون هذه النسبة أقل بكثير من النسبة الحقيقية.30

انظر الآن إلى عبثية هذه الأولويات. يعمل أعضاء الكونجرس من أجلنا. إذا قضى موظف في مطعم ٣٣٪ من وقته ينظِّم عمله قبل أن يبدأ فيه، فسيتمُّ فصله، لكن هذا هو ما يحدث في حقيقة الأمر في واشنطن. يتمثل القاسم الأعظم من الوقت الذي يقضيه أعضاء الكونجرس في الوقت الذي يقضونه في جمع الأموال لبقائهم أعضاء في الكونجرس. هل هذا هو ما ندفع المال لهم من أجله؟

لا تتمثل المشكلة هنا في أن أعضاء الكونجرس لا يؤدون عملهم، بل في الطريقة التي يتم بها إهدار وقتهم من خلال هذه الحاجة إلى جمع الأموال. يعتبر وكلاء مجموعات الضغط هم الأهداف الأسهل لجمع الأموال، ولا شك في أن لدى هؤلاء فِكَرًا كثيرة بشأن كيفية الالتفاف على القانون من أجل خدمة عملائهم.

وهكذا يُستمال الكونجرس، ويتم تغيير القوانين بغرض خدمة أصحاب النفوذ الأكبر في الاقتصاد. لا يعتبر هذا رأسمالية قدر ما هو وساطة سياسية. يحدد ملامحَ اقتصادنا مجموعةٌ من القوانين التي تخدم البعض، والسلطة التي تخدم البعض الآخر.

حتى يمكن اختراق نظام الوساطة السياسية، لا بد من وجود طريقة لجذب انتباه أعضاء الكونجرس، وحتى يتغير هذا النظام، لا توجد طريقة لجذب انتباههم إلا المال. إنها حلقة مفرغة، حلقة لا تحقق شيئًا للديمقراطية. لا يرى أعضاء الكونجرس إلا ما تريد مجموعة صغيرة من أصحاب المصالح منهم أن يروْه، وما يرونه لا علاقة له مباشرة بالحقيقة.

إذا كان ثمة قرار يجب اتخاذه حيال طريقة نمو الفضاء الإلكتروني، فسيتم اتخاذ هذا القرار إذن. لا يبقى إلا التساؤل عمن سيتخذ هذا القرار. قد نقف جانبًا ولا نفعل شيئًا في الوقت الذي يتم اتخاذ قرار بشأن هذه الخيارات، عن طريق آخرين ممن لن يقفوا للمشاهدة فقط، أو قد نحاول أن نتخيَّل عالمًا يتم اتخاذ الخيارات فيه بصورة جماعية مسئولة.

(٣) مشكلات الكود

في إحدى ورش العمل التي عقدت بجامعة هارفرد في الوقت الذي نُشرت فيه الطبعة الأولى من هذا الكتاب، قالت جين كامب — عالمة كمبيوتر بجامعة هارفرد كانت تدرِّس في كلية كينيدي للإدارة الحكومية — إن الصواب جانبني؛ فلا تكمن المشكلة، على حد قولها، في أن «الكود هو القانون»، أو في أن «الكود هو ما ينظِّم»، بل في «أننا لم نجرِ حوارًا حول كيفية قيام الكود بعملية التنظيم.» ثم توجهت بحديثها إلى الحاضرين مضيفة: «هل أعجبكم النقاش الذي أجريناه عما إذا كانت ملفات مايكروسوفت وورد تحمل في تصميمها رقم تعريف فريد؟ هل كان ذلك نقاشًا مفيدًا؟»

حملت سخريتها في طياتها استبصارًا مهمًّا، وخطأ مثيرًا للاهتمام. بطبيعة الحال، يعتبر الكود هو القانون بالنسبة إلى عالمة كمبيوتر. وإذا كان الكود هو القانون، فستكون الأسئلة التي يجب أن نسألها بداهةً هي: من هم المشرِّعون؟ من يكتب هذا القانون الذي ينظمنا؟ ما دورنا في تحديد هذا التنظيم؟ ما الحق الذي نمتلكه في معرفة طبيعة التنظيم؟ كيف يمكن أن نتدخل لضبط عملية التنظيم؟

كل هذه الأسئلة بديهية للغاية بالنسبة إلى شخص يعيش حياته بأسرها في ضوء الأدوات التنظيمية للكود، لكن بالنسبة إلى محامٍ، ارتكبنا — كامب وأنا — عبر صفحات هذا الكتاب خطأ أساسيًّا. فالكود ليس هو القانون، مثلما أن تصميم الطائرة ليس هو القانون. لا يقوم الكود بأي عملية تنظيمية مثلما لا تقوم الأبنية بعمليات تنظيم. ليس الكود عامًّا مثلما أن التليفزيون وسيط عام. إن القدرة على النقاش واتخاذ القرار فرصة نشترطها في عملية التنظيم العام، وليس في الأفعال الفردية الخاصة.

يعتبر خطأ كامب خطأ جيدًا، خطأ يجب أن يرتكبه المزيد منا؛ سبب ذلك هو أنه على الرغم من أن الكود خاص، وأن الكود مختلف عن قانون الولايات المتحدة، لا تعني الاختلافات أنه لا يوجد سمات متشابهة أيضًا. ينظِّم «كود الساحل الشرقي» — القانون — من خلال تمكين وتقييد الخيارات التي تتوافر لدى الأفراد؛ بُغية إقناعهم بالتصرف بطريقة مختلفة. يقوم «كود الساحل الغربي» بنفس الشيء. ينظِّم كود الساحل الشرقي من خلال زيادة التكلفة على من يحيدون عن القواعد التي يشترطها القانون، ويقوم كود الساحل الغربي بنفس الشيء. وبينما قد نذهب إلى أن كود الساحل الشرقي أكثر هيمنة من نظيره — أي إنه ينظِّم ويسيطر على الجزء الأكبر من حياتنا — لا يعتبر هذا الاختلاف سوى اختلاف في الدرجة، لا النوع. وهذا سبب يدفعنا لأن نكون متوازنين في قلقنا، لا لئلا نقلق.

بطبيعة الحال، هناك اختلافات بين القانون والكود. لا أعتقد أن كل شيء عام بالضرورة، أو أن الدستور يجب أن ينظِّم كل شيء في الحياة الخاصة. لا أعتقد أن عدم استماعي إلى برنامج راش ليمبو مسألة دستورية، لكن الإقرار بوجود فارق بين القانون والكود لا يعني ضرورة أن يكون الفارق هائلًا على النحو الذي يجعله الفكر الدستوري الحالي يبدو كذلك. فعندما نقول نحن المحامين لأمثال جين كامب في هذا العالم إنهم يرتكبون «خطأ» عندما يطبقون قيم القانون العام على الكود، نكون نحن في الواقع من يرتكب الخطأ. إن قضيةَ ما إذا كان يجب اختبار الكود في ضوء قيود القيمة العامة مسألة خاضعة للنقاش، وليست نتيجة نهائية، وهي بحاجة إلى حسمها من خلال النقاش لا التعريف.

لن يكون الأمر سهلًا بطبيعة الحال. يعتبر الكود مسألة تكنولوجية. ليس القضاء مؤهلًا لتقييم الجوانب التكنولوجية في الكود. في المقابل، لا يعني الفشل ألا نحاول. يعد تمسك القانون الأمريكي بالشكليات — وهو ما يضع هذه الهياكل خارج نطاق المراجعة الدستورية — مرضًا ثالثًا يعرقل عملية اتخاذ قرار بشأن الخيارات. لا يملك القضاء حرية التصرف باستقلالية، وتثير المجالس التشريعية الشفقة، ويعد الكود غير قابل للمراجعة. هذه هي حالتنا الراهنة، وهي تمثِّل مزيجًا قاتلًا يعيق اتخاذ أي خطوات فعلية، مزيجًا يضمن عدم تحقيق فائدة كبيرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠