الفصل الثامن عشر

ما لا يدركه دكلان

دكلان ماكولا كاتب يعمل لصالح وكالات الأنباء. دكلان مسئول أيضًا عن قائمة بريدية توفر خدمة للمشتركين تتمثل في نشرات إخبارية يتولى دكلان إرسالها، كما يدير المناقشات بين أعضاء هذه الخدمة. كانت القائمة تسمى «قاوم الرقابة» في البداية؛ حيث جذبت أعدادًا كبيرة من المشتركين الذين تحمسوا لتنظيم أنفسهم لمقاومة الجهود الحكومية «للرقابة» على الشبكة.

لكن القائمة تحولت على يد دكلان إلى أكثر بكثير من مناقشة موضوع الرقابة وحسب؛ إذ يقدِّم دكلان من خلال القائمة أخبارًا أخرى يعتقد أن مشتركيه سيستمتعون بمتابعتها. وبالإضافة إلى الأخبار المتعلقة بجهود التخلص من المواد الإباحية من الشبكة، يدرج دكلان أخبارًا عن وقائع تنصُّت مكتب التحقيقات الفيدرالية على المحادثات الهاتفية، وجهود حماية الخصوصية، وجهود الحكومة في إنفاذ قوانين منع ممارسة الاحتكار. أنا مشترك وأستمتع بمتابعة هذه الأخبار.

سياسة دكلان واضحة. دكلان شخص ليبرتاري ذكي يتمثل رد فعله الأول إزاء أي اقتراح يتضمن التدخل الحكومي في الازدراء. وفي رسالة حديثة، ذكر دكلان قصة عن مقدم محتوى بريطاني خالف قوانين الفاكسات الإعلانية. أظهر هذا المثال، مثلما رأى دكلان، مدى عدم جدوى قوانين تنظيم البريد الإلكتروني المزعج. في رسالة أخرى، انتقد دكلان جهود منظمة «مراسلون بلا حدود» لتمرير قوانين حماية حرية التعبير على المستوى الدولي.1 ثمة موضوع واحد يجمع بين رسائل دكلان جميعها: دعوا الإنترنت وشأنه. يسخر دكلان في بعض الأحيان — في ازدراء ينطوي على إحساس بالصواب الذاتي — من هؤلاء الذين لا يزالون يتشككون في هذه الفكرة البسيطة، والقوية في الآن عينه.

تابعت قائمة دكلان لبعض الوقت. ولفترة قصيرة — منذ وقت طويل مضى — تابعت الجزء الخاص بالمناقشات في القائمة. وخلال الأعوام التي استمتعت فيها بالتعلم من دكلان، ساد سؤال جدائل المناقشات. لا يقتصر السؤال، مثلما يصرُّ دكلان مرارًا وتكرارًا، على ما إذا كان ثمة «حالات فشل سوقية» تتطلب التدخل الحكومي وحسب، بل يشتمل السؤال أيضًا على ما إذا كان ثمة «حالات فشل حكومية» (مثلما ذكر في رسالة أخيرة عن منظمة «مراسلون بلا حدود»: «يستطيع [جوليان بين] تحديد جميع هذه الأمثلة الواضحة على الفشل السوقي، لكنه لا يستطيع تحديد حالات الفشل «الحكومي»»). يترتب على طرح السؤال الثاني بالنسبة لدكلان (مثلما هو الحال دومًا) توصيته بألا نفعل شيئًا على الإطلاق.

لم يكن دكلان أول من وجه هذا السؤال؛ إذ كان رونالد كوس أول من طرح هذا السؤال في أعماله التي ربح عنها لاحقًا جائزة نوبل. حدَّد اقتصاديون، مثل بيجو، البضائع التي لا يستطيع السوق توفيرها. كان هذا كافيًا حتى يدلل بيجو على ضرورة تدخل الحكومة. وفق طرح كوس:
عند الاختيار بين الترتيبات الاجتماعية التي في سياقها يتم اتخاذ القرارات الفردية، يجب أن نضع في أذهاننا أن أي تغيير في النظام الحالي سيؤدي إلى إدخال تحسينات على بعض القرارات قد يؤدي إلى تشويه قرارات أخرى. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار تكاليف تشغيل مختلف الترتيبات الاجتماعية (سواء أكان ذلك طريقة عمل السوق أم إدارة حكومية)، فضلًا عن تكاليف الانتقال إلى نظام جديد. وعند وضع الترتيبات الاجتماعية واختيارها، يجب أن نضع في الاعتبار الأثر الكلي.2

كان كوس صاحب منهج في عمله. تمثَّل هذا المنهج في عدم التوقف مطلقًا عند وضع النظريات. بحسب كوس، الاستبصارات النظرية أساسية لتحقيق التقدم، على أن اختبار النظرية في الحياة اليومية الحقيقية لا يقل أهمية.

إلا أن هذه هي مشكلة بعض الليبرتاريين على الأقل مع العالم. يمكننا أن نتأمل ونبحث لفترات طويلة للغاية في شكل العالم في حال ما إذا شكَّلت الحكومة مجموعة من الليبرتاريين الخالصين. ستكون هناك حكومة بالطبع؛ فلا يعتبر الليبرتاريون فوضويين. ولا شك في أن الآثار المترتبة على هذا التحول ستكون مجافية للمنطق. وبينما لن تكون الحكومة بالتأكيد على درجة السوء التي يتوقعها دعاة تدخل الدولة، فإنها لن تكون على درجة الجودة التي يَعد بها الليبرتاريون.

واقع الأمر أننا لن نعيش أبدًا على أرض ليبرتارية. يتمثل السؤال الذي يجب أن نطرحه إذن في طبيعة الموقف الذي يجب أن نتخذه إزاء التنظيم، بالنظر إلى أننا نعيش في عالم سيحدث فيه تنظيم. هل يجب أن يتمثل رد فعلنا في ذلك العالم — بمعنى عالمنا هذا وأي عالم آخر من المحتمل أن نشهده — في معارضة جميع أشكال التنظيم من ناحية المبدأ؟

إذا كان هذا هو رد فعلنا، فسيترتب عليه أثر؛ إذ سيتولد عن موقفنا وقف بعض صور التنظيم، لا جميع أشكاله. أيضًا من المؤكد ألا يؤدي هذا إلى وقف التنظيم في صورة مختلفة، التنظيم الذي يخدم المجموعات القوية لأصحاب المصالح، على سبيل المثال.

خذ مثلًا واضحًا:

يقدِّر الاقتصاديون أننا نخسر مليارات الدولارات بسبب البريد الإلكتروني المزعج. تُقدِّر «مؤسسة فيرس للأبحاث» التكاليف الحالية (بما في ذلك الإنتاجية غير المتحققة) بين ٩ و١٠ دولارات أمريكية لكل مستخدم كل شهر. يُترجَم هذا إلى أكثر من ٩ مليارات دولار أمريكي في السنة لمكافحة رسائل البريد الإلكترونية الإعلانية.3 يتحمل هذه التكاليف كل من يدفع مقابل تقديم خدمات البريد الإلكتروني على الإنترنت. لا تشمل هذه التكاليفُ التكاليفَ غير المباشرة للرسائل المفقودة بسبب ترشيحها أو تجاهلها. (ولا تشمل هذه القيمة فائدة الرسائل الإعلانية، لكنني لن آخذ الفائدة في المثال المقارن في الاعتبار أيضًا؛ لذا سأدع الحديث عن هذا الآن.)
حاول الاقتصاديون أيضًا تقدير تكلفة «قرصنة» المحتوى الذي يتمتع بحقوق التأليف والنشر على الإنترنت (باستثناء البرمجيات) بالنسبة لصناعة المحتوى. يقدِّر البعض أن تكاليف قرصنة المحتوى منخفضة للغاية. وقد خَلُص فيلكس أوبرهولزر وكولمان سترُمف، على سبيل المثال، إلى أن مشاركة الملفات «تؤثر على المبيعات بنسبة تقترب إحصائيًّا من الصفر».4 خلصت إحصاءات أخرى إلى وجود خسارة حقيقية لكنها ليست كبيرة. في عام ٢٠٠٣، وباستخدام نموذج معقد لقياس الخسارة الناجمة عن مشاركة الملفات، خلُص ديفيد بلاكبرن إلى أن صناعة المحتوى خسرت ٣٣٠ مليون دولار.5 يقل هذا الرقم كثيرًا عن الرقم الذي قدَّرته رابطة صناعة التسجيلات الأمريكية كتكلفة سنوية إجمالية عن جميع أشكال القرصنة، والبالغ ٤٫٢ مليارات دولار.6
يكفي القول بأن هذه التقديرات محل خلاف. حتى لو كان الأمر كذلك، ففي مجال هذا الخلاف يوجد شيء واحد مؤكد: تقل تكلفة «القرصنة» كثيرًا عن تكلفة الرسائل الإعلانية. تتخطى التكلفة الإجمالية للرسائل الإعلانية — بإضافة المستهلكين إلى الشركات — العوائد السنوية الإجمالية لصناعة التسجيلات بأسرها.7

كيف إذن ينعكس هذا الاختلاف في الضرر على ما قام به الكونجرس للاستجابة إلى هاتين المشكلتين؟

في السنوات العشر الأخيرة، مرر الكونجرس قانونًا واحدًا فقط للتعامل مع مشكلة الرسائل الإعلانية، قانون السيطرة على رسائل البريد الإلكترونية التسويقية والإباحية لسنة ٢٠٠٣. خلال الفترة نفسها، مرر الكونجرس ٢٤ قانونًا يؤثر على حقوق التأليف والنشر.8 لا تستهدف هذه القوانين جميعها، بالطبع، «القرصنة»، لكنها كلها تهدف إلى حماية المواد التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر في العصر الرقمي.

ليس هذا النمط عارضًا؛ ففي عالم سياسي مهيمَن عليه كعالمنا، تُصنع القوانين عندما تستفيد جماعات مصالح خاصة، ولا تُصنع القوانين عندما تتعارض جماعات المصالح الخاصة. في هذين المثالين، تبيِّن هذه النقطة تحديدًا غياب التنظيم ووفرته معًا. تم تمرير ٢٤ قانونًا لحقوق التأليف والنشر؛ لأن نجوم موسيقى الروك سعوا للدفع في اتجاه تحقيق حماية مؤلفاتهم. على الجانب الآخر، لم يوجد سوى قانون واحد فقط؛ لأن مرسلي الرسائل الإعلانية (وشركات كبيرة أخرى كثيرة) عارضوا مثل هذه القوانين.

بالنظر إلى هذا الواقع، أعتقد أن على الليبرتاريين إدراك نوع ثالث مهم من حالات الفشل تستكمل الفشل «السوقي» و«الحكومي». هناك «فشل سوقي» عندما لا يمكن توقُّع توفير الأسواق للبضائع بصورة فعَّالة، وهناك «فشل حكومي» عندما لا يمكن توقُّع حل الحكومة لمشكلات الفشل السوقي بصورة فعَّالة، وهناك «فشل ليبرتاري» عندما لا يؤدي الدفع في اتجاه عدم فعل أي شيء إلى عدم وجود تنظيم على الإطلاق، بل تنظيم ينفذه أكثر جماعات المصالح الخاصة نفوذًا، بعبارة أخرى: إذا كان من الخطأ الدفع في اتجاه التنظيم، فلن تُنظَّم إلا الأشياء التي لا يجب أن تخضع للتنظيم.

لستُ ليبرتاريًّا بالمعنى الذي يعتبر به دكلان ليبرتاريًّا، وإن كنتُ أشاركه تشككه في الحكومة. لا نستطيع، في المقابل، أن نترجم التشكك إلى فض ارتباط. لدينا مجموعة من الخيارات ستؤثر على طريقة تطوُّر الإنترنت وطبيعة القيم التي سيتضمنها. لن يؤدي الموقف الداعي إلى إقصاء الحكومة من هذه الخيارات إلى وقف الحكومة، بل سيجعل الحكومة تتوقف عن تبني الخيارات المناسبة.

في رأيي، يجب أن تتدخل الحكومة — في الحدود الدنيا — عندما يترتب على الأفعال الفردية آثار سلبية عامة، وعندما تهدد الأفعال التي تتسم بقصر النظر بوقوع أضرار على المدى الطويل، وعندما يقوض الفشل في التدخل قيمًا دستورية وحقوقًا شخصية مهمة، وعندما يبرز شكل حياة جديد قد يهدد القيم التي نعتقد أنها أساسية، وعندما نرى أن عدم التدخل على الجانب الصحيح سيؤدي إلى تقوية التدخلات على الجانب الخطأ. يجب أن يكون التدخل الحكومي محدودًا. يجب أن يتم التدخل في ظل وعي تام بحالات الفشل الحكومي التي يستطيع أصحاب التفكير السليم استجماعها. في المقابل، لا يجب وقف الأفعال التي تساند ما هو صحيح فقط؛ لأن بعض الأشياء سارت على نحو خاطئ. عندما يرفض أولئك الذين يؤمنون بِحُرية الفضاء الإلكتروني وبالقيم التي تدعمها الحرية، الاشتراكَ مع الحكومة في تدارس أفضل الطرق للحفاظ على هذه الحريات، سيُضعف هذا من الحرية. لا يعتبر عدم القيام بأي شيء هو الحل؛ فهناك على الدوام شيء يمكن فعله، وشيء ينبغي فعله.

أقول هذا دون أمل كبير. ينتشر أمثال دكلان في ثقافتنا السياسية بصورة هائلة اليوم، حتى إنني أقر بعدم قدرتي على إيجاد طريقة للالتفاف على آرائهم. ذكرت هنا بعض الخطوات الصغيرة، وهي تبدو صغيرة للغاية بالفعل. أشرتُ إلى مَثل مختلف قد يبدو غريبًا للغاية. وعدتُ بأن شيئًا مختلفًا يمكن القيام به، لكن ليس من خلال أي مؤسسة حكومية أعرفها.

الحقيقة أن أمثال دكلان سينتصرون، على الأقل في الوقت الحالي. سنتعامل مع الكوارث البيئية القائمة على الكود — مثل فقدان الخصوصية، والرقابة على برامج الترشيح، واختفاء المشاع الفكري — كما لو كانت من صنع الآلهة لا الإنسان. سنشهد زوال خواص مهمة للخصوصية وحرية التعبير من خلال ظهور معمار الأبنية الدائرية حيث يمكن مراقبة كل شيء، وسنتحدث كأمثال جيفرسون في العصر الحديث — عن أن الطبيعة جعلت الأمور هكذا — متناسين أن الطبيعة في هذا الموقف هي نحن. سنرى شيئًا فشيئًا في كثير من مجالات حياتنا الاجتماعية الشبكة نتاجًا لشيءٍ غريب، شيءٍ لا نستطيع توجيهه لأننا لا نستطيع توجيه أي شيء، شيءٍ لا نملك إلا قبوله وهو يخترق ويغيِّر من شكل حياتنا.

قد يقول البعض إن هذا زمن مليء بالإثارة، لكنها إثارة المراهق الذي يلعب لعبة التسابق بالسيارات، تنهب سيارته الطريق السريع نهبًا، بينما يداه بعيدة تمامًا عن عجلة القيادة. نستطيع اتخاذ قرارات بشأن هذه الاختيارات، لكننا نتظاهر بأننا لا نملك من أمرنا شيئًا. إننا نختار أن نتظاهر بهذا بينما نغمض أعيننا. نحن من نبني هذه الطبيعة، ثم تقيِّدنا الطبيعة التي بنيناها.

هذا هو عصر النعام. يثيرنا ما لا نعرفه. نشعر بالفخر في ترك الأمور لليد الخفية، ونجعل اليد خفيةً عن طريق النظر بعيدًا.

لكن هذا ليس عصرًا عظيمًا، من الناحية الثقافية، للالتقاء بتكنولوجيات ثورية. فلسنا مستعدين لهذه الثورة مثلما لم يكن السوفيت مستعدين لثورتهم. لقد باغتتنا ثورة مثلهم، لكننا — بخلافهم — لدينا ما نخسره.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠