الفصل الثاني

أربعة ألغاز من الفضاء الإلكتروني

كل من يقرأ هذا الكتاب استخدم الإنترنت، وبعض هؤلاء دخل بالفعل «الفضاء الإلكتروني». الإنترنت هو ذلك الوسيط الذي تستطيع من خلاله إرسال بريدك الإلكتروني ونشر صفحاتك على شبكته، هو ذلك الشيء الذي تستخدمه بغرض شراء الكتب من أمازون، أو متابعة أوقات عرض الأفلام المحلية على فَنداجو. جوجل موجود على الإنترنت، كما أن «صفحات المساعدة» لمايكروسوفت موجودة هي الأخرى على الإنترنت.

لكن «الفضاء الإلكتروني» هو أكثر من ذلك. فعلى الرغم من أن الفضاء الإلكتروني ينبني على الإنترنت كأساس له، فإنه يمثل تجربة أكثر ثراءً. إن الفضاء الإلكتروني هو شيء تنجذب «إليه»؛ ربما بسبب حميمية رسائل المحادثة الفورية، أو التفاصيل الهائلة في «ألعاب الإنترنت شديدة التعدد» (اختصارًا، ألعاب فيديو إم إم أو جي، أو — إذا كانت الألعاب تنطوي على لعب أدوار — يطلق عليها إم إم أو آر بي جي). يعتقد البعض في الفضاء الإلكتروني أنهم في مجتمع ما، كما تختلط حيوات بعضهم مع وجودهم في العالم الافتراضي. لا يوجد بالطبع خطٌّ فاصل واضح بين الفضاء الإلكتروني والإنترنت، لكن هناك اختلافًا مهمًّا في الخبرة بين الاثنين. إن الذين لا يرون الإنترنت إلا كدليل بيانات ضخم الحجم لن يستطيعوا استيعاب ما الذي يتحدث عنه مواطنو الفضاء الإلكتروني. بالنسبة إلى هؤلاء، «الفضاء الإلكتروني» مجرد شيء غامض.

بعض هذه الفروق تتعلق بالأجيال؛ فبالنسبة لمعظم من هم فوق سن الأربعين لا يوجد شيء اسمه «الفضاء الإلكتروني» حتى لو كان هناك شيء اسمه الإنترنت. معظمنا لا يعيش حياة على الإنترنت يمكن اعتبارها حياة في «الفضاء الإلكتروني». أما بالنسبة لأطفالنا، فإن الفضاء الإلكتروني صار بصورة متزايدة حياة ثانية لهم. يقضي الملايين مئات الساعات شهريًّا في العوالم البديلة للفضاء الإلكتروني، وهي العوالم التي سنركز على أحدها لاحقًا، تلك اللعبة التي تسمى «الحياة الثانية».1 من ثم، بينما قد تحدثك نفسك بأن هذا الفضاء الغريب عنك لا يجب أن يشغلك حيث هو عالم لن تكون موجودًا فيه أبدًا، لكن إن كنت تعبأ بفهم أي شيء عن العالم الذي سيعيش فيه الجيل القادم، فعليك قضاء بعض الوقت لفهم «الفضاء الإلكتروني».

هذا هو الغرض من قصتين تاليتين تصفان الفضاء الإلكتروني. أما القصتان الأخريان فتصفان سمات الإنترنت بصورة أكثر عمومية. أهدُف من خلال هذه القصص المختلفة بعضها عن بعض للغاية إلى تركيز الاهتمام من خلال تشتيته أحيانًا. آمُل أن تلاحظ أربع فِكَر رئيسة متكررة في هذا الكتاب. وبنهاية هذا الفصل سأفصح عن هذه الفِكَر وأُقدِّم خارطة لها. أما الآن فما عليك سوى التركيز على القصص.

(١) الحدود

كان خلافًا عاديًّا للغاية ذلك الذي وقع بين مارثا جونز وجيرانها.2 كان ذلك النوع من الخلافات الذي يقع بين الناس منذ نشأ ما يعرف بالأحياء. لم يبدأ الخلاف بالغضب، بل بدأ بسوء فهم. في هذا العالم، تكون حالات سوء الفهم مثل هذه شائعة للغاية. حدَّثت مارثا نفسها عن ذلك بينما كانت تفكر فيما إن كانت ستظل مقيمة في الحي أم لا؛ إذ توجد أماكن أخرى تستطيع الارتحال إليها. كان رحيلها يعني أن تترك ما قامت ببنائه، لكن إحباطات كتلك التي كانت تمر بها بدأت في النيل من راحة بالها. ربما حان الوقت كي ترحل، هكذا حدثت نفسها.

كان الخلاف بسبب الحدود؛ حول أين تقع حدود أرضها. بدت فكرة بسيطة، فكرة يخيَّل لك أن السلطة الموجودة بالفعل وجدت لها حلًّا قبل سنوات عديدة. ولكن ها هما، هي وجارها دانك، لا يزالان يتشاجران حول حدود أرضها، أو بالأحرى، حول شيء هلامي على الحدود، شيء تملكه مارثا تجاوز حدود أرضها إلى أراضي الآخرين. كان ذلك هو مبعث الخلاف الحقيقي، وكان يتعلق بما فعلته مارثا.

كانت مارثا تزرع زهورًا، لكنها لم تكن كأي زهور؛ فقد كانت زهورًا ذات قوى غريبة. كانت زهورًا جميلة وكانت رائحتها مُسكرة، لكنها كانت رغم جمالها زهورًا سامة. كانت تلك فكرة مارثا العجيبة: أن تزرع زهورًا فائقة الجمال لكنها تقتل إن لمسها أحد. فكرة عجيبة لا شك، لكن لم يقل أحد أن مارثا لم تكن هي نفسها إنسانة غريبة الأطوار. كانت شخصية غير عادية، شأنها شأن الحي نفسه. لكن مع الأسف، لم تكن خلافات كتلك خلافات غير عادية.

كانت بداية الخلاف شيئًا متوقعًا تمامًا. كان لدى دانك — جار مارثا — كلب. مات الكلب؛ مات لأنه أكل بتلة من إحدى زهور مارثا. بتلة جميلة وكلب ميت. كانت لدى دانك فِكَره الخاصة فيما يتعلق بهذه الزهور — وفيما يتعلق بهذه الجارة — وقد عبر دانك عن ذلك، ربما بطريقة تشي بغضب عارم، أو ربما بغضب يتلاءم مع الموقف.

«لا يوجد سبب لزراعة زهور سامة!» هكذا صرخ دانك فيها عبر السور الفاصل بينهما. «لا يوجد سبب للشعور بالغضب إزاء بضعة كلاب ميتة!» هكذا أجابت مارثا، مضيفة: «يمكن استبدال الكلاب دائمًا. على أي حال، لماذا تقتني كلبًا يعاني أثناء الموت؟ لم لا تقتني كلبًا لا يشعر بالألم عند الموت، ومن ثم لن تسبب بتلاتي أي أذًى؟!»

بلغتُ الخلاف بينهما في هذا التوقيت تقريبًا. كنت أمرُّ في الجوار على النحو الذي يمر به المرء سائرًا في هذا العالم. (في البداية، كنت قد انتقلتُ آنيًّا للاقتراب منهما، لكن دعونا لا نزيد القصة تعقيدًا باستخدام مصطلحات فنية. لنقُل فقط إنني كنت أسير بالجوار.) رأيتُ الجارين يتملكهما الغضب أكثر فأكثر. كنت قد سمعت عن الزهور محل الخلاف، عن البتلات المسمومة. بدت لي مشكلة بسيطة يمكن حلها، لكني أعتقد أنها مشكلة بسيطة فقط إذا أدرك المرء سبب مشكلات كهذه.

كان دانك ومارثا غاضبين لأنهما كانا عالقين. كان كلاهما قد بنى حياة في الحي؛ حيث قضيا العديد من الساعات فيه. وفي المقابل، وصل كلاهما إلى قناعة بحدود العيش في هذا الحي، وهي حال شائعة؛ فنحن جميعا نبني حيواتنا في أماكن تقيِّدها حدود، كما نشعر بالإحباط في بعض الأوقات. ما هو الفرق في حالة دانك ومارثا؟

تمثَّل أحد الفروق في طبيعة المكان — أو السياق — حيث دار الخلاف بينهما. هذا ليس «فضاءً واقعيًّا»، بل فضاء إلكتروني. كانت بيئة الخلاف بيئة ألعاب فيديو إم إم أو جي، وهو فضاء يختلف كليًّا عما نسميه الفضاء الواقعي.

الفضاء الواقعي هو المكان الذي توجد فيه الآن: مكتبك، ملجؤك الخاص، أو حتى مكانك بجوار المسبح. هذا عالم ترسم ملامحه قوانين وضعية وقوانين غير وضعية. تعتبر «المسئولية المحدودة» للشركات، على سبيل المثال، أحد أمثلة القوانين الوضعية، وتعني أن المديرين التنفيذيين للشركات لا يكونون (عادة) مسئولين شخصيًّا عن الأخطاء التي تتسبب فيها الشركات. أما العمر المحدود للبشر فلا يخضع إلى القانون الوضعي؛ حيث لا تعتبر حقيقة كوننا جميعًا فانين نتيجة قرار اتخذه الكونجرس. في الفضاء الواقعي، تخضع حيواتنا إلى هذين النوعين من القانون، رغم أننا من حيث المبدأ لا نستطيع تغيير سوى أحدهما فقط.

لكنَّ ثمة أنواعًا أخرى من القوانين في الفضاء الواقعي أيضًا. أثق بأنك اشتريت هذا الكتاب وربما اقترضته ممن اشتراه. أما إذا كنت سرقته، فأنت لص، سواء تم القبض عليك أو لا. ليست لغتنا سوى أحد الأعراف، والأعراف يتم تحديدها جماعيًّا؛ لذا بما أن أعرافنا تحددت فعلًا فإن «السرقة» هي التي تجعل منك لصًّا، وليس أخذك للكتاب وحسب؛ فهناك سبل كثيرة تأخذ من خلالها شيئًا ما دون أن تعتبر لصًّا. على سبيل المثال، إذا صادفت دولارًا تذروه الرياح، فأخذك إياه لن يجعلك لصًّا. على العكس، إذا لم تأخذه فأنت شخص ساذج. في المقابل، إذا سرقت الكتاب نفسه من متجر بيع كتب (حتى لو كان هناك كتب كثيرة متبقية)، فإن ذلك يجعل منك لصًّا. تجعل الأعراف الاجتماعية الأمر كذلك، ونحن نعيش حياة تخضع لهذه الأعراف.

يمكن تغيير بعض هذه الأعراف جماعيًّا إن لم يكن بصورة فردية؛ فقد أختارُ أن أحرق بطاقة التجنيد الخاصة بي، لكني لا أستطيع أن أختار ما إذا كان ذلك سيجعلني بطلًا أم خائنًا. قد اختار أن أرفض دعوة على العشاء، ولكني لا أستطيع أن أختار ما إذا كان ذلك سيجعلني فظًّا أم لا. لديَّ خيارات في الحياة الواقعية، لكن الهروب من عواقب هذه الخيارات ليس خيارًا متاحًا من بين هذه الخيارات. تقيِّد الأعراف بهذا المعنى من حرية اختياراتنا بطرق مألوفة للغاية، وهو ما يجعلنا نعجز عن رؤيتها.

عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي هو عالم مختلف. أولًا، هو عالم افتراضي، مثل أفلام الكرتون على شاشة التليفزيون التي يمكن عرضها بأبعاد ثلاثية. لكن بعكس أفلام الكرتون، تجعلك ألعاب فيديو إم إم أو جي تسيطر على الشخصيات على الشاشة آنيًّا، أو، على الأقل، يمكنك التحكم في الشخصية التي تمثلك على الشاشة. وهي واحدة ضمن شخصيات عديدة يتحكم فيها آخرون في هذا الفضاء. وهنا يقوم المرء ببناء العالم الذي سيعيش فيه. في صغرك، تعلمت وأنت تكبُر التفاصيل المادية التي تتحكم في عالم الطائر رود رَنر وذئب البراري ويلي إي كايوتي (شخصية عنيفة لكنها متسامحة). وفي المقابل، بينما يكبُر أطفالك فإنهم يصنعون عالم رود رَنر وويلي إي كايوتي الخاص بهم (شخصية لا تزال عنيفة، لكنها ربما ليست على نفس الدرجة من التسامح). يحدد الأطفال معالم الفضاء ثم يعيشون فيه القصة كما يتصورونها، وتجعل اختياراتهم من قوانين ذلك الفضاء قوانين واقعية.

لا يعني ذلك أن عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي ليس عالمًا واقعيًّا؛ فهناك حياة واقعية في عالم ألعاب الفيديو ذاك تتشكل ملامحها من الطريقة التي يتفاعل بها الناس فيه. يشير «الفضاء» إلى المكان الذي يتفاعل فيه الناس، تمامًا مثلما يتفاعلون في الفضاء الواقعي دون شك، لكن مع وجود فارق جوهري. ففي عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي يكون التفاعل من خلال وسيط افتراضي. هذا التفاعل يكون «في» الفضاء الإلكتروني. وباستخدام لغة عقد التسعينيات من القرن العشرين، «يرتفع» الناس إلى هذه الفضاءات الافتراضية ويفعلون أشياء هناك. ثم يتضح أن «هؤلاء» أناس كثيرون للغاية. وفق تقديرات إدوارد كَسترونوفا، «هناك ما لا يقل عن ١٠ ملايين شخص [لكن ظني] أن هذا الرقم قد يتراوح بين ٢٠ إلى ٣٠ مليون شخص» يشاركون في هذه العوالم الافتراضية.3 يقضي «المستخدم العادي بين ٢٠–٣٠ ساعة أسبوعيًّا في هذا العالم الخيالي. أما المستخدمون النشطون فيقضون كل لحظة ممكنة في هذا العالم.»4 ووفق تقديرات إحدى المقالات، «في ضوء متوسط فترة التواصل بين هؤلاء الأشخاص البالغ عددهم ٩٫٤ ملايين شخص، من المحتمل أن مرتادي العوالم الافتراضية يقضون أكثر من ٢١٣ مليون ساعة كل أسبوع في بناء عوالمهم الافتراضية.»5

تختلف الأشياء التي يفعلها الناس هناك بدرجة كبيرة. ينخرط بعض هؤلاء في لعب الأدوار؛ بحيث يتواصلون مع لاعبين آخرين داخل إحدى المجموعات الخاصة بهم لتحقيق المكانة والسلطة لتحقيق غرض نهائي ما، كما يجتمع البعض الآخر بغرض الكلام، فهم يظهرون (في صورة، وبصفات يختارونها، وبسير ذاتية يقومون بكتابتها) في غرفة افتراضية، ويكتبون رسائل بعضُهم إلى بعض، أو يتجولون (مرة أخرى، ليس الغموض بسيطًا في مثل هذه الحالات) في أنحاء الفضاء ويتحدثون إلى الآخرين. يفعل صديقي ريك ذلك مُتقمِّصًا هيئة قطٍّ، قط ذكر، كما يُصر هو. كقطٍّ ذكر، يتجول ريك في الفضاء ويتحدث إلى كل من هو مهتم؛ ويهدف من وراء ذلك إلى العثور على مَن يحبون القطط، أما الباقون ممن لا يحبونها فيعاملهم بغلظة.

ويفعل آخرون أكثر من مجرد الكلام. يبني البعض، على سبيل المثال، منازلهم الخاصة. وفق العالم الذي يشغلونه وقوانينه، يُمنح المواطنون أو يشترون قطعًا غير مطوَّرة من الأراضي يتولون تطويرها. يقضي هؤلاء وقتًا كبيرًا يبنون حياة خاصة على هذه الأراضي. (أليس شيئًا مذهلًا كيف يضيِّع هؤلاء الناس أوقاتهم؟ بينما نقضي أنت وأنا حوالي سبعين ساعة أسبوعيًّا نعمل لصالح شركات لا نملكها، ونبني مستقبلًا لسنا نضمن أننا سنجني ثماره. يصمم هؤلاء ويبنون أشياء ويصنعون حيوات خاصة حتى لو كانت حيوات افتراضية. يا له من شيء مشين!) يبني هؤلاء منازل — عن طريق تصميمها ثم بنائها — ويبنون عائلات أو يدعون أصدقاءهم للانتقال للعيش معهم، ويمارسون هوايات أو يُربُّون حيوانات أليفة، بل ربما يزرعون أشجارًا أو نباتات عجيبة، مثل زهور مارثا.

لقد نشأ عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي عن عالمَيْ «إم يو دي» و«إم أو أو».6 كِلا هذين العالمين افتراضيان أيضًا، لكنهما عالمان افتراضيان يعتمدان على النص فقط، فلا يوجد رسوم جرافيك في عالم إم يو دي أو عالم إم أو أو، بل نص فقط ينقل ما يقوله ويفعله المستخدمون. يمكن ابتكار أشياء في عالم إم أو أو ثم جعلها تقوم بأفعال معينة، لكن هذه الأشياء لا تتفاعل إلا من خلال النص فقط كوسيط. (تعتبر أفعال المستخدمين بسيطة للغاية بصورة عامة، لكن حتى الأشياء البسيطة يمكن أن تكون مضحكة. في إحدى السنوات، في إعادة تمثيل لعالم إم يو دي ضمن أحد صفوف قانون الفضاء الإلكتروني، قام أحدهم ببناء شخصية أطلق عليها اسم جيه بوزنر، والتي إن وخزتها تتمتم قائلة: «الوخز غير فعَّال.» وكانت هناك شخصية أُطلق عليها اسم إف إي إيستربروك، وإذا وقفت في غرفة في وجود إف إي إيستربروك وتفوَّهت بكلمة «عادل»، سيردد إف إي إيستربروك ما قلتَ حرفيًّا، مستخدمًا كلمة «فعَّال» بدلًا من «عادل»، وهكذا فعبارة «هذا ليس عادلًا» تصير «هذا ليس فعَّالًا».)

وعلى الرغم من سهولة فهم جاذبية مثل هذه العوالم القائمة على النصوص بالنسبة إلى مَن يعشقون النصوص أو مَن يكتبون جيدًا، فليس الأمر بالسهولة ذاتها بالنسبة إلى من ليس لديهم العشق نفسه للنصوص. لكن في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي يتم إزالة هذا الفارق قليلًا؛ فعالم ألعاب فيديو إم إم أو جي هو نسخة مصوَّرة من رواية عالم افتراضي؛ حيث يقوم المرء ببناء أشياء تبقى بعد رحيله. يمكن مثلًا بناء منزل يستطيع من يسيرون في الطريق رؤيته، كما يمكن دعوتهم إلى المنزل، وبعد دخولهم يرون أشياء من ابتكارك. يستطيع الآخرون أن يروا كيف تبني عالمك، كما يستطيع الزائرون رؤية كيف يمكنك تغيير قوانين العالم الواقعي، وهذا إذا سمح أحد عوالم ألعاب فيديو إم إم أو جي بذلك. في العالم الواقعي، على سبيل المثال، «ينزلق ويسقط» الناس على الأرض المبللة. أما في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي الذي قمت ببنائه، ربما لا يوجد هذا «القانون» من الأساس، بل في المقابل ربما تجعل الأرض المبللة الناس «ينزلقون ويرقصون» في عالمك.

يتمثل أفضل الأمثلة على هذا النوع من الفضاءات اليوم في مجتمع «الحياة الثانية» الاستثنائي. في هذا العالم، يقوم الناس بابتكار الأشياء والمجتمع نفسه الذي يتواجدون فيه، وتتميز الشخصيات الافتراضية (الأفاتار) بدقة ابتكارها، كما يقضي مبتكروها مئات الآلاف من الساعات يبنون أشياء في هذا الفضاء يراها الآخرون، وبالفعل يستمتع بها البعض. يصنع بعضهم الملابس، أو يصففون الشعر، أو يصنعون الآلات التي تصدر عنها الموسيقى. وأيًّا ما كان الشيء أو الخدمة التي تسمح بها لغة البرمجة، يتولى المبتكرون في الحياة الثانية ابتكاره. هناك أكثر من ١٠٠٠٠٠ ساكن في عالم الحياة الثانية حتى وقت كتابة هذا الكتاب، وهم يشغلون ما يقرب من ٢٠٠٠ خادم موجود في منطقة وسط مدينة سان فرانسيسكو تستهلك حوالي ٢٥٠ كيلووات من الكهرباء فقط لتشغيل أجهزة الكمبيوتر، وهو ما يوازي استهلاك نحو ١٦٠ منزلًا من الطاقة.

نعود هنا مرة أخرى إلى مارثا ودانك. في حديثهما — عندما لامت مارثا دانك لاقتنائه كلبًا يموت متألمًا — كشفا عن أكثر الأشياء إثارة في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي بصورة خاصة. يجب أن تصيبك ملاحظة مارثا («لماذا تقتني كلبًا يعاني أثناء الموت؟ لمَ لا تقتني كلبًا لا يشعر بالألم عند الموت، ومن ثم لن تسبب بتلاتي أي أذًى؟!») بالدهشة البالغة. ربما حدثتك نفسك: «كم هو أمر عجيب أن يعتقد شخص أن اللوم لا يقع على البتلات السامة، بل على كلب مات متألمًا!» لكن في هذا العالم كان لدى دانك خيار بشأن الطريقة التي يموت بها كلبه، ربما ليس خيارًا بشأن ما إذا كان من شأن «السم» أن «يقتل» كلبًا، بل خيار بشأن «معاناة» الكلب عند «موته». كان لدى دانك أيضًا خيار بشأن صنع نسخة من الكلب؛ لذا ففي حالة موته يمكنه «إحياؤه». في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي، ليست القوة الإلهية هي من تمنح هذه الخيارات الممكنة، بل يحددها الكود المنظم لهذا العالم — أي البرمجيات، أو المعمار — الذي يجعل عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي على ما هو عليه. «ماذا يحدث عندما» هي عبارة منطقية، وهي تؤكد على العلاقة التي تتجلى من خلال الكود. في العالم الواقعي، لا نملك قدرة كبيرة على التحكم في الكود المنظم لحياتنا. أما في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي فنملك ذلك.

من هنا، عندما قالت مارثا ما قالته عن الكلب، أجاب دانك بما بدا لي ردًّا منطقيًّا قائلًا: «لماذا تظل زهورك سامة عندما لا تكون في أرضك؟ لمَ لا تجعلين البتلات سامة فقط عندما تكون على أرضك؟ لماذا لا تجعلينها لا تسبب أذًى عندما لا تكون في أرضك، مثلًا عندما تذروها الرياح إلى أرضي؟»

كانت فكرة طيبة، لكنها لم تنجح. كانت مارثا تكسب رزقها عن طريق بيع هذه النباتات السامة. أُعجب آخرون (ليسوا كثيرين بل قليلون) أيضًا بفكرة مزج هذا الفن بالموت؛ لذا لم يكن حلًّا ذا معنًى أن يتم صُنع نباتات لا تكون سامة إلا على أرض مارثا، إلا إذا كانت مارثا نفسها لا تمانع في وجود عدد كبير من غريبي الأطوار على أرضها.

لكن الفكرة أوحت بأخرى. اقترح دانك قائلًا: «حسنًا، إذن، لماذا لا تجعلين البتلات سامة فقط عندما تكون في حوزة من قام بشرائها؟ فإذا سُرقت أو ذرتها الرياح بعيدًا تفقد سُمها، ولكن إذا ظلت في حوزة مالك النبات تحتفظ بسمها. أليس ذلك حلًّا للمشكلة التي تواجه كلَينا؟»

كانت فكرة مبتكرة للغاية؛ فهي لم تساعد دانك فقط، بل ساعدت مارثا أيضًا. كان الكود القائم يسمح بالسرقة.7 (يريد الناس أن يعيشوا في عالم واقعي في ذلك العالم الافتراضي، فهم لا يريدون العيش في جنة لا مكان فيها للسوء.) ولكن إذا استطاعت مارثا أن تغير الكود قليلًا بحيث تؤدي السرقة8 إلى زوال السم، فستؤدي «السرقة» أيضًا إلى زوال قيمة النبات. هذا التغيير سيؤدي إلى حماية الأرباح التي تحققها مارثا من خلال بيع نباتاتها كما ستحمي كلاب دانك. هذا مثال على موقف صار فيه كلا الجارين أفضل حالًا، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون إجراء باريتو أمثل (أي حل يفوز بموجبه الطرفان). كان حلًّا كأي حل آخر ولم يكن يتطلب سوى تغيير الكود قليلًا فقط.
فكِّر لبرهة فيما تنطوي عليه المسألة هنا. تنطوي «السرقة» (في أقل تقدير) على تغيير في الملكية. لكن «الملكية» في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي ليست سوى علاقة تحددها البرمجيات التي تضع أطر الفضاء الإلكتروني. يجب أيضًا أن تحدد الكود الخاص الذي ينشأ عن الملكية. قد يميِّز الكود، كما في العالم الواقعي، بين امتلاك كعكة وأكلها، أو ربما يمحو ذلك الفارق، وهو ما يعني إمكانية أن «تأكل» كعكتك، ولكن بمجرد «أكلها» تعاود الظهور مجددًا بصورة سحرية. في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي يمكن إطعام جمهرة بأربعة أرغفة من الخبز وسمكتين فقط دون أن يكون ذلك حتى معجزة.9

لم لا نقترح الحل نفسه لمشكلة مارثا ودانك؟ لماذا لا نجعل الملكية تشتمل تلقائيًّا على خاصية السُّميَّة، بينما تعني الحيازة دون ملكية انعدام خاصية السُّميَّة؟ إذا أمكن تصور العالم بهذه الطريقة، فيمكن تسوية الصراع بين مارثا ودانك، لا من خلال تغيير أي منهما سلوكه، ولكن من خلال تغيير قوانين الطبيعة للقضاء على الصراع كلية.

لا نزال في بداية هذا الكتاب غير القصير، لكن ما سأقوله توًّا قد يجعله كتابًا قصيرًا بالفعل (على الأقل بالنسبة إليك). يدور هذا الكتاب حول السؤال الذي أثارته هذه القصة البسيطة، وحول جوانب هذه الإجابة البسيطة ظاهريًّا. ليس هذا كتابًا عن عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي أو الشخصيات الافتراضية. تعتبر قصة مارثا ودانك هي المثال الأول والأخير الذي يتضمن شخصيات افتراضية. هذا الكتاب يدور حول الفضاء الإلكتروني. يتمثل افتراضي الأساسي في أنه في عالم «الإنترنت» وفي «الفضاء الإلكتروني» سنواجه الأسئلة نفسها التي واجهت مارثا ودانك، كما سنواجه الأسئلة التي أثارها الحل الذي قدَّماه. ففي «الإنترنت» و«الفضاء الإلكتروني» تشكِّل التكنولوجيا بيئة هذا العالم، كما تكفُل لنا مجالًا أوسع بكثير للسيطرة على عمليات التفاعل في هذا العالم أكثر من العالم الواقعي. يمكن برمجة المشكلات أو «تشفيرها» بحيث تدخل في صلب التفاعلات، وبالمثل يمكن «تشفيرها» بحيث لا يكون لها وجود. وبينما لا يرغب اللاعبون في العالم الافتراضي حتى الآن في الابتعاد بالعوالم الافتراضية كثيرًا عن العالم الواقعي، من الأهمية بمكانٍ هنا الإشارة إلى إمكانية جعل هذه العوالم مختلفة. إنها هذه الإمكانية التي تثير السؤال الذي يقع في القلب من هذا الكتاب: ماذا يعني العيش في عالم يمكن فيه الخلاص من المشكلات؟ ومتى يجب في هذا العالم الخلاص من المشكلات بدلًا من تعلُّم حلها، أو معاقبة المتسببين فيها؟

ليس عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي هو الذي يجعل هذه الأسئلة أسئلة مشوقة من الناحية القانونية، فالأسئلة نفسها ستثار خارج عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي وخارج عوالم إم يو دي وإم أو أو. إن الأسئلة المطروحة في هذه العوالم ما هي إلا الأسئلة المطروحة في عالم الإنترنت بصورة عامة. وكلما صارت حيواتنا أكثر اتصالًا بعضها ببعض (وأكثر غرابة) — بمعنى أن كثيرًا من تفاصيل حيواتنا تنتقل عبر شبكة الإنترنت — فإن هذه الأسئلة ستصبح أكثر إلحاحًا.

لكني تعلَّمت من خلال عملي كمحامٍ ما يجعلني أعلم أنني لن أستطيع إقناعك بحجتي هذه من خلال المحاجَّة (لقد قضيتُ السنوات الاثنتي عشرة الماضية أتحدث عن هذا الموضوع، وهو ما يجعلني أعلم على الأقل ما يجدي وما لا يُجدي)، إذا بلغك مقصدي فهذا أمر طيب. وإذا لم تفعل، فلا بد أن أوضح لك مقصدي؛ لذا أتبعُ أسلوبًا غير مباشر مع القراء من النوع الثاني. سيأتي الدليل بالنسبة لهؤلاء من خلال مجموعة من القصص التي تهدُف إلى تعريفهم بمقصدي، وإلى حلحلة قناعاتهم. وهذا مرة أخرى هو الغرض من هذا الفصل.

دعوني أقوم بوصف بعض الأماكن القليلة الأخرى والأشياء العجيبة التي تستوطنها.

(٢) الحكَّام

لا تحب دولة — سَمِّها «بورال» — أن يقامر مواطنوها، حتى لو كان كثيرٌ من مواطنيها يحبون المقامرة، ولكن الدولة هي الحاكم، فقد صوَّت الشعب، والقانون هو القانون؛ لذا تُعتبر المقامرة غير قانونية في دولة بورال.

ثم جاء الإنترنت. ومع بلوغ الشبكة منازل المواطنين من خلال الهواتف أو خطوط الكابلات، يرى بعض مواطني بورال أن المقامرة عبر الإنترنت هي «التطبيق العظيم» القادم. يقوم أحد المواطنين بتركيب «خادم» (جهاز كمبيوتر يمكن الوصول إليه عبر الإنترنت) يسمح بالمقامرة على الإنترنت. لا يعجب ذلك الدولة. تخاطب الدولة المواطن قائلة: «أغلق خادمك أو نعتقلك.»

في حكمة — إن لم يكُنْ في مراوغة — يوافق المواطن البورالي على إغلاق الخادم، على الأقل داخل حدود دولة بورال. لكنه لا يقرر التخلي عن المقامرة، بل يؤجر مساحة على أحد الخوادم في «ملاذ آمن خارج البلاد». يعمل الخادم فيجعل المقامرة متاحة مرة أخرى على الشبكة ومتوافرة لشعب بورال من خلال الإنترنت. هذا هو جوهر المسألة. نظرًا لطبيعة الإنترنت (على الأقل كما كان في حوالي عام ١٩٩٩)، لا يهم حقًّا أين يوجد الخادم في العالم الواقعي؛ حيث لا يعتمد الدخول على شبكة الإنترنت على الموقع الجغرافي، كما لا يتطلب الاتصال بالخادم — وذلك وفق درجة حذق المقامرين — أن يعرف المستخدم أي شيء عمن يملك أو يدير الخادم في العالم الواقعي، كما يمكن تعمية دخول المستخدم على الإنترنت من خلال تجهيل المواقع التي يزورها، وهو ما يجعل من المستحيل في النهاية معرفة «ماذا» حدث و«أين» ومع من.

يواجه النائب العام لدولة بورال مشكلة عويصة. ربما تُمكِّن من إزاحة الخادم خارج الدولة، لكنه لم ينجح في الحد من المقامرة في البلاد. قبل شبكة الإنترنت، كان النائب العام يستطيع معاقبة مجموعة من الأشخاص، أولئك الذين يديرون أماكن المقامرة، فضلًا عن أولئك الذين يعدُّون أماكن المقامرة. أما الآن، فقد جعلت شبكة الإنترنت هؤلاء أحرارًا دون عقاب، أو على الأقل جعل من الصعب عقابهم؛ نظرًا لعدم معرفة مَن يدير الخادم أو مَن يقامر. لقد تغيَّر العالم بالنسبة إلى النائب العام؛ فبالدخول على شبكة الإنترنت انتقل المقامرون إلى عالم لم يعد فيه هذا السلوك «قابلًا للتنظيم».

وبتعبير «قابلًا للتنظيم» أعني ببساطة أن سلوكًا محددًا يمكن إخضاعه للضوابط التنظيمية. وهذا التعبير نسبي وليس مطلقًا؛ ففي مكان ما، وفي وقت ما، سيكون أي سلوك قابلًا للتنظيم أكثر من قابليته للتنظيم في مكان ووقت آخرين. يتمثل ادعائي بشأن بورال ببساطة في أن الشبكة تجعل المقامرة أقل تنظيمًا هناك منها قبل الشبكة، أو على الأقل — بمعنى سيصبح أكثر وضوحًا مع تداعي تفاصيل القصة — في ظل معمار الشبكة كما كانت في حالتها الأولى، تصبح الحياة أقل تنظيمًا في الشبكة منها خارجها.

(٣) مجتمعات جيك

لو أنك التقيت جيك في إحدى الحفلات في مدينة آن أربور (لو تصادف وكان جيك موجودًا في إحدى الحفلات في مدينة آن أربور)، فمن الأرجح أن تكون قد نسيته.10 فإذا لم تكن نسيته، فلعلك تحدث نفسك قائلًا: ها هو شخص آخر منبوذ اجتماعيًّا، أحد طلاب جامعة ميشيجان، شخص يهاب العالم، أو بالأحرى شخص يهاب الناس في هذا العالم.

لعلك لن تدرك أن جيك هذا مؤلف، ومؤلف مشهور أيضًا، على الأقل داخل الدوائر التي تعرفه. في حقيقة الأمر، جيك ليس فقط مؤلفًا، بل هو إحدى الشخصيات في قصصه، لكن شخصيته في قصصه مختلفة تمامًا عن شخصيته في الحياة «الواقعية». وهذا في حال ما إذا قرأت قصصه وكنت لا تزال على قناعتك بأن الفارق بين «الحياة الواقعية» و«الحياة غير الواقعية» له معنًى.

كان جيك يكتب قصصًا تدور حول العنف، كما كان يكتب قصصًا تدور حول الجنس، لكن معظم قصصه كانت تدور حول العنف. كانت قصص جيك تمور بالكراهية — خاصة كراهية النساء — فلم يكن كافيًا أن تغتصب امرأة، لكن يجب قتلها أيضًا، بل لم يكن القتل كافيًا؛ إذ لا بد من إيلامها وتعذيبها حتى الموت. كان ذلك — مهما كان الأمر مروعًا — أحد أجناس الكتابة التي برع فيها جيك.

في الفضاء الواقعي، نجح جيك تمامًا في إخفاء هذا الميل للعنف. كان جيك واحدًا من ملايين الصبية غير البارزين، وغير المتميزين، والمسالمين. وعلى الرغم من مسالمته في الفضاء الواقعي، فقد كان الأذى الذي يسطره من خلال كتاباته في الفضاء الإلكتروني معروفًا للغاية. كانت قصصه تُنشر على شبكة «يوزنت» ضمن أخبار مجموعة أطلقت على نفسها اسم مجموعة alt.sex.stories.

يوزنت ليست شبكة في حد ذاتها، اللهم إلا إذا عددنا الإعلانات الشخصية في إحدى الصحف القومية جزءًا من شبكة. بالمعنى الضيق للعبارة، تعتبر يوزنت مُنتجًا لأحد البروتوكولات — والذي يقصد به مجموعة من القواعد يطلق عليها بروتوكول نقل أخبار الشبكات — لتبادل الرسائل التي يستطيع الجميع الاطلاع عليها. تُنظَّم هذه الرسائل في مجموعات تسمى «مجموعات الأخبار» التي تنتظم بدورها ضمن موضوعات محددة؛ حيث تشمل الغالبية العظمى من الموضوعات موضوعات فنية، وموضوعات كثيرة تتعلق بالهوايات، فيما يتناول بعضها الجنس. قد تتضمن بعض رسائل مجموعات الأخبار صورًا أو أفلامًا، لكن بعضها — كرسائل جيك — ليست سوى قصص.

هناك الآلاف من مجموعات الأخبار قد تحوي كل منها مئات الرسائل خلال فترة محددة، ويستطيع أي شخص له حق الدخول على خادم يوزنت أن يطلع على الرسائل (أو على الأقل الرسائل التي يسمح المشرف على مجموعة الأخبار التي ينتمي إليها بالإطلاع عليها)، كما يستطيع أي شخص له حق الدخول على الشبكة أن يكتب رسالة، أو أن يجيب على رسالة مكتوبة بالفعل. تخيَّل لوحة نشرات عامة يدون فيها الناس الأسئلة أو يكتبون ملاحظاتهم. يستطيع أي شخص قراءة اللوحة وإضافة تعليقاته أو تعليقاتها. تخيَّل الآن وجود ١٥٠٠٠ لوحة تحتوي كل منها على مئات «الخيوط» (سلاسل من المجادلات كلٌّ منها ترتبط بما تليها)، وهو ما يعني وجود يوزنت في كل مكان. تخيَّل الآن مرة أخرى أن هذه اللوحات التي يصل عددها إلى ١٥٠٠٠ — والتي تحتوي كل منها على مئات الخيوط — موجودة على ملايين أجهزة الكمبيوتر عبر العالم. إذا قمت بكتابة رسالة في إحدى المجموعات، فستجدها موجودة على اللوحة الخاصة بهذه المجموعة في كل مكان. هذه هي يوزنت.

كما ذكرت، كان جيك ينشر رسائله في مجموعة اسمها ألت.سكس.ستوريز؛ حيث تشير لفظة «ألت» في هذا الاسم إلى الرتبة التي تحتلها المجموعة. في البداية كانت هناك سبع رتُب أساسية تنتظم فيها مجموعات يوزنت.11 نشأت لفظة «ألت» كاستجابة إلى هذه الرتب السبع؛ حيث كانت تضاف مجموعات إلى المجموعات السبع الأساسية من خلال عملية تصويت يقوم بها المشاركون في المجموعات المختلفة. في المقابل، تضاف المجموعات وفق تصنيف «ألت» للرتب بناءً على اختيار مشرفي المجموعات لها، وهو الاختيار الذي يحكمه شعبية المجموعة ما دامت هذه الشعبية ليست محل خلاف.

تشمل هذه المجموعات التي يتم إجازتها بناء على الطلب مجموعة ألت.سكس.ستوريز التي تتمتع بشعبية هائلة. فكما هو الحال مع أي فضاء للكتابة، إذا كانت القصص تعتبر «جيدة» بمعايير هذا الفضاء — أي إنها قصص يطلبها دومًا مستخدمو الفضاء هذا — فإن الآخرين يتتبعونها ويصبح مؤلفوها معروفين.

وفق هذا المعيار، كانت قصص جيك تعد قيِّمة للغاية؛ حيث كانت قصصه — التي تدور حول حوادث الاختطاف والتعذيب والاغتصاب — فجَّة ومثيرة للاشمئزاز كحال تلك النوعية من القصص، وهو ما جعل جيك شهيرًا وسط أقرانه ممن يشبهونه في طريقة التفكير. كان جيك بمنزلة مورِّد لهؤلاء؛ إذ يورد مادة مخدرة مستمرة وثابتة المفعول. كان أولئك بحاجة إلى سماع هذه القصص عن نساء بريئات يتم الاعتداء عليهن، وكان جيك بمنزلة مورد مجاني لهم.

قرأت إحدى الفتيات ذات ستة عشر ربيعًا في موسكو إحدى قصص جيك، فقامت بعرض القصة على أبيها الذي قام بعرضها بدوره على ريتشارد دوفال، أحد خريجي جامعة ميشيجان. صُدم ريتشارد عند قراءته القصة، وأثار غضبه أن القصة كانت تحمل وسمًا يشير إلى جامعته وهو umich.edu. قام ريتشارد بالاتصال بجامعته شاكيًا. وهي الشكوى التي أخذتها الجامعة على محمل الجد.12

اتصلت الجامعة بالشرطة، والتي ألقت القبض بدورها على جيك، ثم اقتيد إلى زنزانة. تولى عدد كبير من الأطباء فحص جيك؛ حيث استقر البعض على كونه خطرًا يهدد المجتمع. وهو الرأي الذي دعمه المحققون المحليون، خاصة بعد مصادرة كمبيوتر جيك، واكتشاف رسائل إلكترونية متبادلة بينه وبين أحد المعجبين الكنديين كان يخطط لتنفيذ أحداث إحدى القصص في الفضاء الواقعي، والتي قام جيك بنشرها في الفضاء الإلكتروني، أو على أقل تقدير، كان ذلك هو محتوى الرسائل المتبادلة، لكن لم يكن هناك دليل قاطع حول النية الحقيقية لهما. بحسب رواية جيك، كان الأمر كله محض خيال، ولم يكن ثمة دليل يثبت العكس.

على الرغم من ذلك، تمت إدانة جيك بتهم فيدرالية تشير إلى دوره في نشر تهديدات. دافع جيك قائلًا إن قصصه ليست سوى كلمات يحمي نشرها التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة. وبعد شهر ونصف الشهر، أيدت إحدى المحاكم دفاع جيك، وأُسقطت التهم عنه،13 وعاد جيك بعدها إلى حالة الانعزال والغموض التي طالما سادت حياته قبل ذلك.

لا أعبأ شخصيًّا في الوقت الحالي بما إذا كان يجب حماية كلمات جيك بيكر من خلال الدستور، فجلُّ اهتمامي الآن منصب على جيك بيكر نفسه، شخص تم تصنيفه بأنه شخصية لا تسبب الأذى ظاهريًّا في الفضاء الواقعي، لكنه شخصية على الجانب الآخر حرة طليقة في الفضاء الإلكتروني تؤلف قصص العنف هذه. قال الناس إن جيك كان شجاعًا، لكنه لم يكن «شجاعًا» في العالم الواقعي؛ فهو لم يعبِّر عن كراهيته في الجامعة أو بين أقرانه أو في صحيفة الجامعة. لقد تسلل جيك تدريجيًّا إلى العالم الافتراضي، وفقط هناك ظهر انحرافه بجلاء.

لقد قام جيك بما قام به لأسباب تتعلق به وبالفضاء الإلكتروني. كان جيك من ذلك النوع الذي يريد نشر قصص العنف، لكن دون أن يكون ذلك تحت سمع وبصر الجميع. منح الفضاء الإلكتروني جيك هذه القدرة؛ حيث كان جيك بمنزلة مؤلف وناشر في الوقت نفسه. كان جيك يكتب القصص، وبمجرد انتهائه منها كان ينشرها لتتم قراءتها على نحو ثلاثين مليون جهاز كمبيوتر عبر العالم خلال بضعة أيام. كان عدد قُرَّائه المحتملين أكثر من ضعفي قرَّاء الروايات الخمس عشرة التى هي أعلى مبيعًا مجتمعة. وعلى الرغم من أن جيك لم يحقق ربحًا من وراء قصصه تلك، فإن الإقبال كان عليها عظيمًا. لقد اكتشف جيك طريقة يستطيع من خلالها بث فساده إلى الناس الذين كان من الصعب عليهم العثور على مثل هذه القصص في أماكن أخرى. (حتى مجلة «هَسلر» الإباحية لم تكن لتنشر مثل هذه القصص.)

كانت هناك بالطبع طرق أخرى يستطيع من خلالها جيك نشر أعماله، فقد كان يستطيع تقديم أعماله إلى مجلة «هَسلر»، أو ربما إلى ما هو أسوأ من ذلك. لكن لم تكن أي مطبوعة في العالم الواقعي لتمنح جيك مثل هذا العدد من القُرَّاء، فقرَّاء جيك كانوا بالملايين، وهم قرَّاء يتنوعون بين الدول والقارات والثقافات والمشارب.

صار النشر على هذا النطاق ممكنًا من خلال القوة الكامنة في الشبكة؛ حيث يمكن لأي شخص في أي مكان نشر أعماله ليقرأها أي شخص في أي مكان. أفسحت الشبكة المجال للنشر دون غربلة ودون تحرير، بل وربما دون مسئولية. وهذا هو الأهم؛ حيث يستطيع أي شخص كتابة ما يريد، وتوقيع ما كتبه أو لا، ثم نشر ما كتب بحيث تتم قراءته على الأجهزة عبر العالم، وفي غضون ساعات قليلة تنتشر الكلمات في كل مكان. أزالت الشبكة في واقع الأمر أكبر القيود على حرية التعبير في العالم الواقعي؛ ألا وهو القيد المتمثل في الفصل بين الناشر والمؤلف. في الفضاء الواقعي، هناك النشر على نفقة المؤلف الخاصة، لكن لا يستطيع سوى الأثرياء الاستعانة به للوصول إلى عدد كبير من القراء. أما بالنسبة لنا، فإن الفضاء الواقعي لا يوفِّر لنا سوى مساحات النشر التي يتفضَّل بمنحنا إياها الناشرون.

من هنا، فإن الفضاء الإلكتروني مختلف نظرًا لنطاق النشر الذي يسمح به لنا، وهو مختلف أيضًا نظرًا لحالة الجهالة النسبية التي يسمح بها. استطاع جيك من خلال الفضاء الإلكتروني الهروب من قيود الفضاء الواقعي. لم يكن جيك «يذهب إلى» الفضاء الإلكتروني كي يكتب قصصه، كما لم «يغادر» آن أربور ليفعل هذا، لكنه عندما كان «في» الفضاء الإلكتروني سمح له الأخير بالهروب من الأعراف الاجتماعية لعالم آن أربور. كان متحررًا من قيود الحياة الواقعية، ومن قيود الأعراف الاجتماعية والتفاهمات التي نجحت في أن تجعل منه عضوًا في مجتمع جامعي. ربما لم يكن يشعر بالراحة في هذا العالم، وربما لم يكن أكثر الأشخاص سعادة على الإطلاق، لكن عالم جامعة ميشيجان نجح في إبعاده عن مواصلة الحياة كشخصية مضطربة، إلا عندما منحته الجامعة حق الدخول على الشبكة، ففيها كان شخصًا آخر تمامًا.

ومع نمو الإنترنت توافرت فرص كثيرة للغاية لظهور شخصيات كشخصية جيك، شخصيات تقوم بأشياء في الفضاء الإلكتروني لا تقوم بها على الإطلاق في العالم الواقعي. في عوالم ألعاب فيديو إم إم أو جي لعبة يطلق عليها «جراند ثفت أوتو»؛ حيث يمثِّل اللاعبون ارتكاب جرائم. لكن ربما كانت أكثر الاستخدامات الصادمة للمحادثة من خلال الفيديو هي ممارسة الأطفال البغاء في العالم الافتراضي. فوفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، يقضي آلاف الأطفال مئات الساعات يمارسون فيها ألعابًا تتضمن ممارسة البغاء في الفضاء الإلكتروني؛ حيث يجلس (تجلس) فتى (فتاة) في «خصوصية» في غرفة نومه (نومها)، وهو (هي) يستخدم (تستخدم) كاميرا آي سايت التي اشتراها له (لها) والداه (والداها) في الكريسماس، مؤديًا (مؤديةً) الأدوار الجنسية التي يطلب منه (منها) الجمهور أداءها. يحصل الجمهور من خلال ذلك على متعته من الجرعات الجنسية، فيما يحصل المؤدون على المال، فضلًا عن الآثار النفسية التي تترتب على مثل هذا السلوك.14
من الاستحالة بمكان أن ترى هذا الطيف من الشخصيات التي تشبه جيك دون التفكير عند لحظة ما في أن شيئًا من العالم الافتراضي عَبَر الخط الفاصل إلى العالم الواقعي، أو على الأقل التفكير في أن العالم الافتراضي له آثار على العالم الواقعي، سواء أكان ذلك على من يعيشون فيه، أم على من يعيشون معهم.15 عندما وُجِّهت الاتهامات إلى جيك، ذهب الكثيرون من المدافعين عن التعديل الأول إلى أن كلماته مهما كانت صريحة ومباشرة، فإنها لا تكاد تنتقل إلى الواقع. بطبيعة الحال، هناك فارق بين الكتابة عن الاغتصاب وممارسة الاغتصاب، تمامًا مثلما هناك فارق بين ممثل يؤدي دور اغتصاب وبين اغتصاب شخص فعلًا. وأنا أرى أن الجميع متفقون على أن ثمة خطًّا ما اجتيز في مكان ما ضمن هذا النطاق الذي يتضمن شخصيات كشخصية جيك. فإذا لم تشعر أمٌّ بالصدمة نتيجة ممارسة ابنها البغاء الافتراضي في حجرة نومه، لن نعتبر الأمر بمنزلة مناصرة لحرية التعبير، حتى لو كان «البغاء» هنا يقتصر على مجرد وصف الابن في نص للكيفية التي اعتدى بها عليه الآخرون ممن يشاركون في المحادثات.

لا أقصد هنا أن أرسم حدودًا فاصلة بين ما هو مسموح في الحيوات الافتراضية المزدوجة وبين ما هو غير مسموح، فما أقصده في حقيقة الأمر هو أن أشير إلى أن هذا الفضاء يسمح بتحقيق المزيد من هذه الازدواجية. وعلى الرغم من أن جزءًا من هذه الازدواجية لا يعدو كونه دومًا «افتراضيًّا فقط»، وربما في بعض الأحيان «مجرد كلمات»، سيتوافَر باعث قوي لدى منظمي العالم الواقعي (سواء أكانوا آباء أم حكومات) للتدخل. تفتح الشبكة المجال أمام أساليب حياة كانت من قبل مستحيلة، أو غير مريحة، أو غير مألوفة. وعلى أقل تقدير، سيكون لبعض هذه الحيوات الافتراضية آثار على الحيوات غير الافتراضية؛ حيوات من يعيشون في الفضاء الإلكتروني، وحيوات من يعيشون من حولهم.

(٤) ديدان تتشمَّم

«الدودة» هي شفرة حاسوبية يتم القذف بها على الشبكة، فتمضي في طريقها إلى نظم الأجهزة التي لا تتمتع بالحماية الكافية. وهي ليست «فيروسًا»؛ لأنها لا ترتبط ببرامج أخرى وتتداخل مع نظم تشغيلها، فهي أشبه بشفرة إضافية تُنفِّذ ما يُملي عليها كاتبُها. قد تكون هذه الشفرات غير ضارة؛ إذ قد تقبع ساكنة في أحد الأجهزة دون القيام بأي شيء، وربما تكون ضارة فتُفسد الملفات أو تؤدي إلى أضرار أخرى يمليها كاتب الشفرة.

تخيَّل دودة صُممت لتصنع خيرًا (على الأقل في عقول البعض). تخيَّل أن كاتبها هو مكتب التحقيقات الفيدرالية، وأن المكتب يبحث عن وثيقة تابعة لوكالة الأمن القومي. تخيَّل أن هذه الوثيقة سرية للغاية، وغير مسموح قانونًا بحيازتها دون الحصول على التصريح اللازم لذلك. تخيَّل أن الدودة تنتشر عبر الشبكة مواصلة زحفها إلى الأقراص الصلبة حيثما تستطيع الوصول. وبمجرد وصولها إلى القرص الصلب لأحد أجهزة الكمبيوتر، فإنها تقوم بعمل مسح له، فإن وجدت الوثيقة ترسل رسالة إلى مكتب التحقيقات الفيدرالية تفيد بذلك، وإن لم تجدها فإنها تمحو نفسها. وأخيرًا، تخيَّل أن الدودة تستطيع القيام بكل ذلك دون حدوث «تداخل» مع عمليات أجهزة الكمبيوتر. لن يشعر أحد بوجودها؛ فهي لن ترسل أي رسائل سوى أن وثيقة وكالة الأمن القومي كانت على القرص الصلب.

هل استخدام هذه الدودة غير دستوري؟ هذا سؤال صعب يبدو لأول وهلة سهل الإجابة. فالدودة ضالعة في مهمة أمرت بها الحكومة للبحث في أجهزة كمبيوتر المواطنين. لا يوجد شك معقول (كما يتطلب القانون عادة) في أن القرص الصلب يحتوي على الوثيقة التي تبحث عنها الحكومة؛ فهذا بحث مُعمَّم لا شك يدعمه تتلصص فيه الحكومة على الفضاءات الخاصة للمواطنين.

من وجهة النظر الدستورية — خاصة التعديل الرابع في الدستور — لا يوجد ما هو أسوأ من ذلك. صيغ التعديل الرابع في ظل خلفية تاريخية للحد من انتهاكات كهذه؛ حيث دأب الملك جورج الثاني والملك جورج الثالث على منح الضباط أذونًا عامة تخولهم سلطة تفتيش المنازل للبحث عن دليل على الجرائم.16 لم تكن هناك حاجة للشك من أجل أن يقتحم الضباط المنازل، ولكن لأن لديهم أذون تفتيش لم يكن بمقدرة من تم اقتحام منازلهم مقاضاة الضباط بتهمة التعدي على ملكية خاصة. كان الهدف الرئيس من التعديل الرابع هو توافر الشك على الأقل؛ بحيث لا يزعج التفتيش سوى فئة محددة بصورة معقولة.17

ولكن هل حقًّا يعتبر بحث الدودة مثل إذن التفتيش العام الذي يمنحه الملك؟ يتمثل الفرق الرئيس بين الحالتين في أنه على عكس ضحايا أذون التفتيش العامة التي كان واضعو الدستور قلقين بشأنها، فإن مستخدمي أجهزة الكمبيوتر لا يدرون بأن الدودة تفتِّش أجهزتهم. في حالة التفتيش العام، كانت الشرطة تقتحم المنازل وتعبث بالممتلكات الخاصة. أما في حالة الدودة، فإن شفرة حاسوبية هي التي تقوم بعملية الاقتحام، و(كما أفترض) لا تستطيع هذه الشفرة سوى «رؤية» شيء واحد فقط. وربما كان الفرق الأكثر أهمية هو أنه على عكس التفتيش العام، فإن الدودة لا تعرف سوى القليل، ولا تسبب ضررًا بعد الانتهاء من مهمتها؛ فالشفرة لا تستطيع قراءة الرسائل الخاصة، ولا تستطيع اقتحام الأبواب، ولا تتدخل في الحياة العادية للمواطنين، كما لا يخشى الشخص البريء من أي شيء.

بالإضافة إلى ذلك، تبدو الدودة صامتة على نحو لم تكن قوات الملك جورج عليه، فهي تفتش بصورة كاملة وغير مرئية؛ بحيث يتم اكتشاف المذنب فقط، وهي لا تلقي بالمسئولية على الأبرياء، ولا تزعج المواطنين العاديين، فهي تحدد على وجه الدقة كل ما هو خارج مظلة القانون.

هذا الفارق يعقِّد من السؤال الدستوري المطروح. يشبه سلوك الدودة التفتيش العام من حيث إن كليهما تفتيش غير مدعوم بشك. وفي المقابل، تختلف عملية التفتيش في حالة الدودة عن التفتيش العام المعروف تاريخيًّا في أنها لا تؤرِّق صفو الحياة العادية، ولا «تكشف» إلا عن السلوك غير القانوني. في هذا الإطار، تصبح الدودة مثل الكلاب التي تتشمم — والتي يعتبر وجودها مقبولًا دستوريًّا دون إبداء أسباب18 — لكنها أفضل. فعلى عكس الكلاب التي تتشمم، لا تجعل الدودة مستخدمي الكمبيوتر على دراية بموعد البحث (ومن ثم لا يشكو المستخدم من أي قلق على وجه خاص).

هل استخدام الدودة، إذن، دستوري؟ تعتمد الإجابة على هذا السؤال على ما يظن كل شخص أن التعديل الرابع يحميه. وفق إحدى الرؤى، يحمي التعديل الرابع المواطنين ضد الانتهاكات الحكومية التي لا تقوم على أي أساس من الشك، سواء أكانت تلك الانتهاكات تزعج المواطنين أم لا. ووفق رؤية ثانية، يحمي التعديل الرابع المواطنين ضد الانتهاكات المزعجة، ولا يسمح بالانتهاكات في حق المواطنين إلا في حال وجود شك معقول في تهمة محتملة سيتم الكشف عنها. لا يفرق المنظور المرجعي الذي كان دافعًا وراء صياغة التعديل الرابع بين هذين النوعين المختلفين للغاية من الحماية؛ وذلك لأن التكنولوجيا المتاحة حينها لم تكن تسمح حتى بالتفكير في مثل هذه التفرقة أيضًا؛ إذ لم يكن متاحًا — من الناحية الفنية — الحصول على إذن تفتيش عام دون وجود أي مسئولية لإثبات الشك في عام ١٧٩١؛ لذا لم يفكر واضعو الدستور حينها — من الناحية الفنية — في صياغة رؤية دستورية تنظر في مدى مخالفة إذن تفتيش عام للدستور أو لا. يرجع الأمر إلينا في نهاية المطاف لنقرر ماذا يعني التعديل الرابع.

دعنا نمضي في هذا المثال خطوة أخرى إلى الأمام. تخيَّل أن الدودة لا تبحث في كل جهاز كمبيوتر يصادفها، لكنها تبحث في الأجهزة التي صدر بشأنها إذن قضائي، ليكن إذن تفتيش. هكذا تم التخلص من الإشكالية الخاصة بتفتيش الممتلكات الخاصة دون وجود شك معقول، لكن تخيَّل الآن أن ثمة جزءًا ثانيًا من هذه القاعدة؛ حيث تشترط الحكومة في بناء الشبكات أن تتمكن أي دودة — في ظل إذن قضائي — من التواجد في أي جهاز كمبيوتر. بعبارة أخرى، تتحول أجهزة الكمبيوتر إلى أجهزة مستعدة لاستضافة الدود، حتى لو كان سيتم نشر الدود فقط وفق إذن قضائي.

هل هناك أي معضلات دستورية فيما يتعلق بهذه الإشكالية؟ أتناول هذا السؤال باستفاضة كبيرة في الفصل الحادي عشر، لكني سأركز الاهتمام الآن على أهم ملامح هذه الإشكالية. في كلتا الحالتين، نتحدث عن نظام يسمح للحكومة بجمع بيانات عنا بطريقة فعَّالة للغاية؛ أي بطريقة غير مكلفة سواء بالنسبة للحكومة أو الضحية البريئة. صارت هذه الكفاءة ممكنة من خلال التكنولوجيا التي تسمح بإجراء عمليات بحث كهذه، والتي كانت ستصبح من دونها عملية مزعجة تنتهك الحياة الخاصة. في كلتا الحالتين، إذن، يصير السؤال هو: عندما تزداد القدرة على البحث دون إزعاج، هل تزداد سلطة الحكومة في إجراء عمليات تفتيش أيضًا؟ أو لنطرح السؤال بصورة أكثر تشاؤمًا، كما يتساءل جيمس بويل: «هل ترتبط الحرية عكسيًّا مع كفاءة وسائل المراقبة المتاحة؟» إذا كان الأمر كذلك «فعلينا أن نخشى الكثير»، حسب تعبير بويل.19
لا يقتصر السؤال بطبيعة الحال على الحكومة وحسب. يعتبر بروز التكنولوجيات التي تجعل من عملية جمع البيانات ومعالجتها بصورة فعالة للغاية إحدى السمات المميزة للحياة الحديثة. فمعظم ما نقوم به — ومن ثم معظم ما يجعلنا ما نحن عليه — يُسجَّل خارج منازلنا؛ فحين تُجري اتصالات هاتفية، تُسجَّل بيانات الاتصال حول من قمت بالاتصال به، ومتى، وكم استغرقت مدة الاتصال، وكم مرة تُجري مثل هذه الاتصالات؛20 وحين تستخدم بطاقاتك الائتمانية تُسجَّل بيانات حول متى، وأين، وماذا، وممن اشتريت حاجياتك؛ وحين تستقل طائرة تسجِّل الحكومة مسار الرحلة، بل وربما يوضع تقرير وصفي عنك؛ للنظر فيما إذا كان من المحتمل أن تكون إرهابيًّا أم لا.21 وإذا كنت تقود سيارة في شوارع لندن، تسجِّل الكاميرات رقم لوحة السيارة للتأكد مما إذا كنت قد قمت بسداد «ضريبة الاختناقات المرورية» أم لا. لا شك في أن الصورة الهوليوودية لوحدات مكافحة الإرهاب — حيث يجلس أحد الأشخاص متواريًا في إحدى صالات المسافرين وهو يتتبع شخصًا آخر — هي صورة غير صحيحة، لكنها لن تصبح كذلك تمامًا في المستقبل المنظور. ربما لن يكون من السهل تخيُّل نُظم لتتبع الأفراد أينما ذهبوا، لكن ربما كان من السهولة بمكان تخيُّل تكنولوجيات تجمع كميات هائلة من البيانات عن كل شيء نفعله، ثم توفِّر هذه البيانات إلى كل من لديهم سلطة الاطلاع اللازمة عليها. في هذه الحالة، سيكون انتهاك الحياة الخاصة طفيفًا، لكن الفائدة المتحصلة جراء ذلك ستكون هائلة.

تشترك كلتا الطريقتين لرصد الحياة الخاصة والعامة في العصر الرقمي، إذن، في سمة أساسية؛ ألا وهي زيادة القدرة على الرصد — أو البحث — دون إزعاج الشخص الذي يتم تفتيشه. تطرح كلتا الطريقتين السؤال نفسه: هل يجب أن نفكر في هذا التغيير؟ كيف يجب تطبيق الحماية التي منحنا إياها واضعو الدستور على عالم لم يكن واضعو الدستور ليتصوروه حتى؟

(٥) موضوعات

أربع قصص، أربعة موضوعات، كل منها يفتح نافذة على جانب من جوانب الفضاء الإلكتروني سيكون له أهمية محورية فيما يلي. وأهدُف فيما تبقى من هذا الكتاب إلى مناقشة القضايا التي تثيرها هذه الموضوعات الأربعة، وسأُنهي هذا الفصل بخارطة للموضوعات الأربعة مفصَّلة بالترتيب الذي تظهر به فيما يلي من الكتاب. أبدأ هذا الترتيب بالقصة رقم اثنين.

(٥-١) القابلية للتنظيم

يشير تعبير «القابلية للتنظيم» إلى قدرة الحكومة على تنظيم السلوك في نطاق سلطاتها. وفي سياق عالم الإنترنت، يعني ذلك قدرة الحكومة على تنظيم سلوك مواطنيها على الأقل خلال تواجدهم على الشبكة. كانت قصة دولة بورال، إذن، قصة حول القابلية للتنظيم، أو بصورة أكثر دقة، حول التغييرات التي تطرأ على القابلية للتنظيم بسبب العالم الافتراضي. قبل الإنترنت، كان من السهل على المدعي العام لدولة بورال أن يسيطر على المقامرة التجارية داخل البلاد، لكن بعد دخول الإنترنت — عندما انتقلت الخوادم خارج دولة بورال — صارت عملية التنظيم أكثر صعوبة بكثير.

بالنسبة إلى المنظِّم، لا تعتبر هذه القصة سوى مثال واحد فقط لموضوع أكثر شمولًا وعمومية. فمن أجل إجراء عملية تنظيم بصورة جيدة، يجب أن تعرف (١) مَن الأشخاص المعنيون؟ و(٢) أين هم؟ و(٣) ماذا يفعلون؟ وفي المقابل، بسبب الطريقة التي تم بها تصميم الإنترنت (وسأناقش ذلك بمزيد من التفصيل لاحقًا)، لم تكن هناك طريقة سهلة لمعرفة (١) مَن الأشخاص المعنيون؟ و(٢) أين هم؟ و(٣) ماذا يفعلون؟ لذا، مع انتقال الحياة إلى (هذه النسخة من) الإنترنت، صارت قابلية تلك الحياة للتنظيم أقل؛ حيث تسبب معمار هذا الفضاء — على الأقل كما كان — في جعل الحياة فيه أقل قابلية للتنظيم.

يتناول الجزء المتبقي من الجزء الأول موضوع القابلية للتنظيم. هل نستطيع تصوُّر فضاء إلكتروني أكثر قابلية للتنظيم؟ هل هذا هو نموذج الفضاء الإلكتروني الذي سيسود فيما بعد؟

(٥-٢) التنظيم عن طريق الكود

تمنحنا قصة مارثا ودانك خيطًا للإجابة على هذا السؤال عن القابلية للتنظيم. فإذا كنا نستطيع تغيير قوانين الطبيعة في عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي — أي نجعل ما كان قبلًا غير ممكن ممكنًا، أو أن نجعل ما كان ممكنًا قبلًا غير ممكن — فلمَ لا نستطيع تغيير القابلية للتنظيم في الفضاء الإلكتروني؟ لم لا نستطيع تخيُّل عالم للإنترنت أو فضاء إلكتروني يمكن فيه السيطرة على السلوك؛ خاصة أن الكود يسمح الآن بمثل هذا النوع من التحكم؟

فهذه تحديدًا هي طبيعة عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي؛ فهو عالم «خاضع للتنظيم» وإن كان هذا التنظيم يتميز بطابع خاص. ينظم الكود عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي؛ حيث تُرسى القواعد المهمة، لا من خلال أي عقوبات اجتماعية — ولا من خلال الدولة — بل من خلال المعمار ذاته لهذا الفضاء تحديدًا. فالقواعد فيه لا تتحدد من خلال أي تشريع أساسي، بل من خلال الكود الذي يحكم هذا الفضاء.

هذا هو الموضوع الثاني في هذا الكتاب: هناك تنظيم للسلوك في عالم الإنترنت وفي الفضاء الإلكتروني، لكن هذا التنظيم يُفرض فرضًا من خلال الكود. وجدير بالذكر الإشارة إلى أن الفروق في عمليات التنظيم التي يتم تفعيلها من خلال الكود تفرِّق بين الأماكن المختلفة في عالم الإنترنت والفضاء الإلكتروني. ففي بعض الأماكن تتميز الحياة بالحرية الكاملة، وفي أماكن أخرى يكون هناك تحكُّم أكثر. أما الفارق بين هذه الفضاءات فهو فارق يتمثل ببساطة في معماريات التحكُّم؛ أي هو فارق في الكود.

وإذا قمنا بدمج الموضوعين الأول والثاني نصل، إذن، إلى طرح أساسي في هذا الكتاب؛ ألا وهو أن القابلية للتنظيم التي يتناولها الموضوع الأول تعتمد على الكود الذي يتناوله الموضوع الثاني تفصيلًا. تعتبر بعض معماريات في أماكن محددة في الفضاء الإلكتروني أكثر قابلية للتنظيم من غيرها، كما تسمح بعض المعماريات في أماكن محددة في العالم الافتراضي أخرى بتحقيق مزيد من التحكم أكثر من غيرها؛ لذا سواء أكان من الممكن تنظيم جزء من الفضاء الإلكتروني — أو حتى عالم الإنترنت بصورة عامة — أم لا؛ فإن ذلك يعتمد في الأساس على طبيعة الكود في هذا الجزء من الفضاء الإلكتروني؛ حيث تؤثر معماريته فيما إذا كان من الممكن التحكم في السلوك فيه. ومثلما يقول ميتش كابور، فإن معمار الفضاء الإلكتروني هو سياسته الحاكمة.22

ومن ذلك تتولد مسألة أخرى: إذا كانت بعض المعماريات أكثر قابلية للتنظيم من غيرها — أي كانت بعضها تمنح الحكومات تحكمًا أكبر من غيرها — ستفضِّل الحكومات لا شك بعض المعماريات على الأخرى. وسوف يُترجم التفضيل بدوره إلى فعل، سواء عن طريق الحكومات أو من أجلها. وأيًّا ما كان الأمر، يمكن تغيير المعماريات التي تجعل الفضاء أقل قابلية للتنظيم لتجعل الفضاء أكثر قابلية له (أما من سيقوم بذلك ولماذا، فهي مسألة سنناقشها لاحقًا).

تعتبر هذه الحقيقة حول القابلية للتنظيم في واقع الأمر تهديدًا لهؤلاء القلقين من تنامي السلطات الحكومية، وهي في الوقت ذاته حقيقة واقعة بالنسبة لمن يركنون إلى السلطة الحكومية. تسمح بعض المعماريات بالسيطرة الحكومية أكثر من غيرها، كما تسمح معماريات أخرى بالسيطرة الحكومية في صور مختلفة، وينبغي تفضيل معماريات على أخرى، وذلك بالنظر إلى مجموعة القيم التي نحن بصددها.

(٥-٣) لَبسٌ كامن

لقصة الدودة وجه آخر. فعلى الرغم من أنها تمثل تكنولوجيا للبحث، تختلف وظيفة الدودة عن «التفتيش» في العالم الواقعي. ففي العالم الواقعي، تصاحب عملية التفتيش تكاليف كثيرة مثل أعباء عملية التفتيش ذاتها، وحالة القلق التي قد تتسبب فيها عملية التفتيش، والانكشاف القانوني في حال تجاوز الانتهاكات أثناء عملية التفتيش حدودًا قانونية محددة.23 أما الدودة فتزيل جميع التكاليف المترتبة على عملية البحث، فلا وجود حقيقي للأعباء المصاحبة لها، كما تصبح عملية البحث (حرفيًّا) غير مرئية، فضلًا عن أن برمجة تكنولوجيا البحث ذاتها لا تكشف إلا عما هو غير قانوني فقط. وهذا يثير سؤالًا حول كيفية فهم مثل هذا النوع من البحث في إطار الدستور.
إن نظرة عامة فاحصة لإجراءات الحماية التي يكفلها الدستور قد تقود إلى واحد من اتجاهين: فإما نرى اختراق الدودة أمرًا غير متماشٍ مع الكرامة الإنسانية التي صيغ الدستور بغرض كفالتها،24 أو ننظر إلى اختراق الدودة للأجهزة الشخصية على أنها مسألة لا تمثل أي انتهاك على الإطلاق، بحيث يصير هذا الفعل مقبولًا. قد تكون أي من هاتين الإجابتين هي الصحيحة، وهو ما يعني أن التغيير يكشف عما أسميه «لَبس كامن» في القاعدة الدستورية الأصلية. وفق السياق الأصلي للدستور، كانت القاعدة واضحة (فلا وجود لأذون التفتيش العامة)، لكن في السياق الحالي تعتمد القاعدة على القيمة التي كان الدستور يُعنَى بحمايتها في المقام الأول. صار السؤال الآن ملتبسًا بين إجابتين مختلفتين (على الأقل)؛ حيث تمثل كل منهما إجابة ممكنة، وذلك بناء على القيمة المرجعية؛ لذا يجب علينا الآن أن نختار إحدى الإجابتين.

ربما لن تقتنع بقصتي هذه عن الدودة، فقد تظن أنها محض خيال علمي، لكن بنهاية الكتاب سأقنعك بأن هناك عددًا لا بأس به من الحالات يعكِّر فيها لبسٌ مشابه صفو ماضينا الدستوري. في كثير من هذه الحالات، لا يقدم دستورنا أي إجابة عن سؤال كيفية استخدام الدودة بسبب وجود إجابتين ممكنتين على الأقل، وذلك في ضوء القرارات التي اتخذها واضعو الدستور، وبالنظر إلى التكنولوجيا المتاحة حاليًّا.

بالنسبة للأمريكيين، يخلق هذا اللبس معضلة. فإذا كنا نعيش في عصر يرى فيه القضاء أنه مخوَّل سلطة اختيار القيمة التي ستقدم إجابة شافية في سياقها، ربما لم تكن هناك مشكلة؛ حيث سيقوم القضاة بفض حالات اللبس الكامنة من خلال قراراتهم. وقد يختار القضاء اتجاهًا بعينه، رغم أنه لو أتيحت الفرصة لواضعي الدستور لكانوا اختاروا طريقًا مختلفًا.

لكننا لا نعيش في مثل ذلك العصر، ومن ثم لا يوجد سبيل لدى القضاء لفض حالات اللبس هذه، وهو ما يجعلنا نتيجة لذلك نعتمد على مؤسسات أخرى. إن افتراضي متشائم للغاية؛ ويتمثل في أننا لا نملك مثل هذه المؤسسات الأخرى، وإذا لم تتغير أساليبنا سيصبح دستورنا في الفضاء الإلكتروني أقل وضوحًا أكثر فأكثر.

يترتب على ذلك أن يطرح علينا الفضاء الإلكتروني حالات اللبس مرارًا وتكرارًا، كما سيجعل هذا السؤال حول أي السبل نسلكها كي نمضي قدمًا، سؤالًا ملحًّا؛ فنحن نمتلك من الأدوات في العالم الواقعي ما يمكننا من حل معضلات الأسئلة الملتبسة من خلال توجيهنا إلى أحد الاتجاهات — على الأقل لبعض الوقت — لكن في نهاية المطاف سترشدنا هذه الأدوات بصورة أقل مما ترشدنا في العالم الواقعي، وفي المكان والزمان الحقيقيين. ومع اتساع الفجوة بين ما تمليه علينا هذه الأدوات وما نقوم به، سنصبح مضطرين إلى أن نفعل شيئًا لا نجيده تمامًا؛ ألا وهو أن نقرر ما نريد وما هو صواب.

(٥-٤) فضاءات متنافسة

لكن على يد مَن سيجري هذا التنظيم؟ خاصة مع اختلاف القواعد من مكان إلى آخر.

كان ذلك موضوعًا مهمًّا أثاره جيك بيكر. عاش جيك في مدينة آن أربور بولاية ميشيجان، وكانت حياته تخضع للأعراف الاجتماعية في المدينة، وكان يبدو ظاهريًّا متكيفًا مع هذه الأعراف بصورة جيدة. لقد حكمت سلطة ذلك الفضاء جيك، بل بدت كما لو كانت تحكمه هو بصورة حصرية، وذلك بالنسبة لكل من كان يعرفه.

في المقابل، تغيَّر سلوك جيك في الفضاء الإلكتروني، وذلك يعود جزئيًّا إلى أن الأعراف في العالم الافتراضي كانت مختلفة، وهو ما أدى إلى المشكلة التي وقعت له. فعندما «ذهب» جيك «إلى» الفضاء الإلكتروني، لم يترك العالم الواقعي في حقيقة الأمر، بل لم يترك مدينة آن أربور بصورة خاصة. وبينما كان جيك يجلس في غرفته في مسكن الطلاب في جامعة ميشيجان، كان يستطيع الانتقال عبر الأثير — بالمعنى المتعارف عليه في العالم الواقعي فقط — إلى عالم مختلف حيث لا تسود معايير المدنية واللياقة التي تحكم العالم خارج غرفته. لقد منح الفضاء الإلكتروني جيك الفرصة للهروب من أعراف مدينة آن أربور، والعيش وفق أعراف مكان آخر. لقد خلق الفضاء الإلكتروني فضاءً منافسًا لجيك، وأعطاه الفرصة للاختيار بين هذين الفضاءين المتصارعين من خلال تشغيل جهاز الكمبيوتر أو إغلاقه.

مرة أخرى، لا أقصد عدم وجود إمكانات مشابهة في العالم الواقعي، فهذا أمر لا مراء فيه. فلا شك أن ثمة جيك يعيش في هَكنساك بولاية نيوجيرسي (مدينة تقع في ضواحي الولاية وتتبنى قيم الضواحي)، والذي يقود سيارته كل ليلة إلى جنوبي مانهاتن، ويعيش هناك لبضع ساعات وفق «قواعد» جنوبي مانهاتن. تلك القواعد ليست قواعد هَكنساك، فالحياة هناك مختلفة. ومثل جيك الذي يعيش في آن أربور، يعيش جيك الذي يعيش في هَكنساك في فضاءات متنافسة، لكن بين حياتي جيك هذا وذاك هناك اختلاف في الدرجة يرقى إلى اختلاف في النوع، وهو يتمثل في أن جيك الذي يعيش في آن أربور يمثل معضلة كبيرة بالنسبة لمدينة آن أربور أكبر من تلك التي يشكلها جيك الذي يعيش في هَكنساك بالنسبة لهَكنساك. وربما تكون الاختلافات أكبر من ذلك بكثير، والآثار المترتبة عليها أكثر شمولًا.

لا يجب بأي حال من الأحوال التفكير على نحو ضيق في المجتمعات ذات الأعراف المتنافسة التي قد ينتقل إليها جيك. قد يكون «الهروب» في هذا المقام شيئًا طيبًا أو سيئًا. فهو يعتبر هروبًا عندما يتخلى مراهق مثليٌّ في مدينة صغيرة متعصبة عن الأعراف الاجتماعية لتلك المدينة من خلال غرفة محادثة للمثليين على شبكة أمريكا أون لاين،25 وهو هروب عندما يهرب أحد المعتدين على الأطفال من الأعراف الاجتماعية للمجتمع العادي، ويستدرج طفلًا في أحد فضاءات ممارسة الجنس الافتراضية.26 تسمح معماريات الفضاء الإلكتروني كما نعرفه في كلتا الحالتين بعملية الهروب. أما مواقفنا حيال كل مثال فهي في واقع الأمر مختلفة للغاية. أُسمي الهروب الأول تحررًا، والثاني إجرامًا. وفي المقابل، هناك من يرون في المثالين إجرامًا كما يرى آخرون في المثالين تحررًا. لا تتمثل المعضلة في التسمية، بل في تداعيات العيش في عالم نستطيع فيه شَغل الفضاءين معًا في نفس الوقت. عندما يقضي ٥٠ شخصًا ينتمون إلى ٢٥ ولاية قضائية مختلفة حول العالم ألفي ساعة يقومون فيها ببناء مجتمع «الحياة الثانية» الإلكتروني الذي تستضيفه خوادم في سان فرانسيسكو، فأي ادعاءات تملكها الولايات القضائية للعالم الواقعي حيال مثل ذلك النشاط؟ وأي من هذه المجتمعات الخمسة والعشرين أكثر أهمية؟ بل أي الفضاءات يجب أن يسود؟

•••

ترسم هذه الموضوعات الأربعة ملامح كل شيء أناقشه في هذا الكتاب، كما تضع خارطة للفهم الذي أرغب أن يقدمه هذا الكتاب. يساعدنا تنظيم الفضاء الإلكتروني على رؤية شيء مهم عن كيف تعمل كل صور التنظيم. وهذه هي خلاصة الموضوع الأول «القابلية للتنظيم». كما سيساعدنا فهم تنظيم الفضاء الإلكتروني في التعريف بنوع جديد من المنظِّمين («الكود») الذي لا ندرك مدى أهميته بصورة كاملة بعد. وهذا هو الموضوع الثاني «التنظيم عن طريق الكود». وهذا النوع من التنظيم سيجعل بعض القيم الأساسية في تقاليدنا ملتبسة، ومن هنا ننتقل إلى الموضوع الثالث «اللَّبس الكامن»، وهذا اللبس سيحتم علينا — أي الولايات المتحدة — أن نتخذ قرارًا. لكن هذا القرار ما هو إلا قرار واحد ضمن قرارات عديدة تتنافس على اتخاذها فضاءات متعددة. وفي الختام، ستتمثل المعضلة الكبرى في تقييم هذه «الفضاءات المتنافسة»؛ حيث يسعى كل منها لطبع هذا الفضاء الإلكتروني بطابعه القيمي المميز.

أناقش هذه الموضوعات الأربعة في ظل خلفيةٍ — كما ذكرت في البداية — تغيَّرت كثيرًا منذ الطبعة الأولى لهذا الكتاب. عندما كتبت هذا الكتاب، كان يبدو أن هناك فكرتين تتسوَّدان النقاش حول الشبكة؛ أولًا: أن الحكومة لن تستطيع مطلقًا تنظيم الشبكة، وثانيًا: أن هذا شيء طيب. أما في الوقت الحالي فقد تبدلت المواقف. بطبيعة الحال، لا تزال الفكرة الشائعة بأن الحكومة لا تستطيع تنظيم الشبكة موجودةٌ، لكن في عالم غارق في البريد الإلكتروني المزعج، والفيروسات، وسرقات الهوية، وقرصنة حقوق التأليف والنشر، والاستغلال الجنسي للأطفال، فَتُر عزم مناهضة عملية التنظيم. يحب جميعنا الشبكة، لكن إذا استطاعت إحدى الحكومات الوفاء بعهدها لإزالة جميع مثالب هذا الفضاء، سيوافق أغلبنا على ذلك بكل سرور.

وعلى الرغم من أن المواقف إزاء الشبكة تطورت، فإن آرائي لم تتغير. فما زلت مؤمنًا بإمكانية تنظيم الشبكة، وأُومِن أيضًا بأن الآثار الواضحة للعيان المترتبة على عوامل التأثير الجلية سَتُزيد من قدرة الحكومات كثيرًا على تنظيم الشبكة. ما زلت أُومِن أيضًا من ناحية المبدأ أن هذا ليس شيئًا سيئًا، فلستُ ضد التنظيم إذا تم على النحو المناسب؛ حيث أُومِن بأن التنظيم ضروري للحفاظ على بعض الحريات الأساسية والدفاع عنها. في المقابل، ما زلت أُومِن بأن الشوط لا يزال طويلًا أمامنا حتى يحين الوقت الذي تستطيع فيه حكومتنا على وجه الخصوص القيام بعملية التنظيم كما يجب في هذا السياق. يرجع ذلك إلى شك عام حيال الحكومات — مبني على ازدراء صورة الفساد التي تميِّز الطريقة التي تعمل بها حكومتنا — وإلى شك خاص حيال الحكومات، ويقوم على أساس عدم إدراكها بصورة كاملة للطريقة التي يجب أن يكون عليها التنظيم في العصر الرقمي.

لا شك في أن هذا المزيج الخاص للرؤى سيستمر في جعل البعض حائرين؛ إذ كيف أُومِن، كما يُحدِّث هؤلاء أنفسهم، بالتنظيم وأكون متشككًا إلى هذه الدرجة في الحكومات؟ لكن الأمر لا يحتاج إلى خيال خصب لإدراك أن هاتين الرؤيتين المتناقضتين ظاهريًّا يمكن التأليف بينهما. أدرك أننا جميعًا نؤمن بالإمكانات التي يقدمها لنا الطب، لكن تخيَّل، مثلًا، موقفك تجاه «طبيب» يعالج مرضاه بالعلقات. لا يزال أمامنا الكثير في هذا السياق، أو على الأقل، هذا ما أراه. وفي المقابل، هناك سبب وجيه للغاية يدفعنا لئلا تكون لنا أية صلة بمثل هذا الطبيب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠