الفصل السادس

فضاءات إلكترونية

قلتُ آنفًا إننا نستطيع أن نميِّز بين الإنترنت والفضاء الإلكتروني. يجب إذن التحدث قليلًا عن هذا الفرق بغرض توضيح الشكل التنظيمي المميز الذي هو موضوع هذا الجزء. الإنترنت هو وسيط للتواصل. يقوم الناس بأشياء مختلفة «على» الإنترنت، معظمها بسيط، حتى لو كان مهمًّا. يدفع الأفراد الفواتير من خلال الإنترنت، ويقومون بالحجز في المطاعم من خلاله، ويطَّلعون على الأخبار على الإنترنت، كما يتبادلون الأخبار مع أفراد العائلة من خلال رسائل البريد الإلكتروني أو برامج المحادثة الفورية. تعتبر هذه الاستخدامات مهمة من حيث إنها تؤثر على الاقتصاد، وتجعل حياة من يستخدمون الإنترنت أكثر سهولة أو صعوبة، لكنها استخدامات غير مهمة من حيث إنها لا تغيِّر الطريقة التي يحيا بها الناس. من اللطيف أن تبتاع الكتب عن طريق ضغطة واحدة عبر موقع أمازون. وأنا شخصيًّا أشتري آلافًا مؤلفة (ربما حرفيًّا) من الكتب التي لم أكن لأبتاعها من خلال طرق مختلفة، لكن حياتي لم تتغير من خلال ضغطة واحدة (حتى لو تغير حسابي في المصرف). صار القيام بالأشياء أسهل وأكثر مباشرةً، لكن طبيعة الأشياء لم تتغير جوهريًّا.

في المقابل، لا يقتصر الأمر في الفضاء الإلكتروني على جعل الحياة أكثر سهولة، فالمسألة تتعلق بجعل الحياة مختلفة، أو ربما أفضل. يتعلق الأمر بخلق حياة مختلفة (أو ثانية) تُستحضر فيها أساليب للتفاعل لم تكن ممكنة قبلًا. ولا أعني بطبيعة الحال أن عملية التفاعل هي عملية جديدة، فدائمًا ما كان لدينا مجتمعات نحن معشر البشر، مجتمعات صدر عنها دومًا شيء يقترب في طبيعته مما يصدر عن الفضاء الإلكتروني، وهو ما سأتناوله لاحقًا. في المقابل، تخلق مجتمعات الفضاء الإلكتروني هذه اختلافًا في الدرجة تطوَّر إلى اختلاف في طبيعة هذه المجتمعات. ثمة شيء فريد في التفاعلات في هذه الفضاءات، وثمة شيء فريد للغاية في الطريقة التي تُنظَّم بها هذه المجتمعات.

تُنظَّم الحياة في الفضاء الإلكتروني بصورة أساسية من خلال كود الفضاء الإلكتروني؛ لكنه ليس تنظيمًا بالمعنى الذي أشرت إليه في الجزء الأول؛ فلا أعني أن الكود يجعل من السهولة بمكان التعرف على مَن فعل ماذا، بحيث يتم توقيع العقوبات على أولئك الذين تصرفوا بصورة مخالفة. إنما أعني تنظيمًا على غرار الكيفية التي تحد بها قضبان السجن من حركة السجناء، أو كالتي تحد بها السلالم من صعود ونزول أصحاب الاحتياجات الخاصة. يعتبر الكود أداة تنظيم في الفضاء الإلكتروني؛ لأنه يحدد الشروط التي يُقدَّم من خلالها الفضاء الإلكتروني. كما يدرك أولئك الذين يضعون هذه الشروط أن الكود هو أداة لتنفيذ سلوكيات تُفيدهم أكثر من غيرهم.

هكذا هو الأمر أيضًا مع الإنترنت؛ فالكود على الإنترنت هو أيضًا أداة تنظيم، ويعيش الناس الحياة على الإنترنت وفق ذلك التنظيم. تتمثل استراتيجيتي في هذا الفصل في البدء بتناول الجوانب الأكثر غموضًا والأقل شيوعًا كوسيلة لبناء الإدراك حول الأمور الأكثر شيوعًا. وبمجرد أن ترى تطبيق الأسلوب على عوالم من غير المحتمل أن تعيش فيها، ستتعرف على الأسلوب فورًا عند تطبيقه على العالم الذي تعيش فيه طوال الوقت.

•••

الفضاء الإلكتروني ليس مكانًا واحدًا، فهو أماكن متعددة، تختلف طبيعة كل منها اختلافًا جذريًّا. تتأتى هذه الاختلافات جزئيًّا من الأشخاص الذين يتواجدون في هذه الأماكن، لكن الطبيعة الديموجرافية لا تفسر كل شيء، بل ثمة شيء ما يجري خلاف ذلك.

إليك بهذا الاختبار. اقرأ العبارة التالية ثم اسأل نفسك إذا كان الوصف فيها يبدو صحيحًا بالنسبة لك أم لا:
أعتقد أن المجتمعات الافتراضية تَعِد في نهاية القرن العشرين باستعادة الأمريكيين ما يشعر كثيرٌ منا بفقدانه في العقود الأُوَل من القرن العشرين؛ ألا وهو شعور مستقر بالجماعة وبالمكان. سَل أولئك ممَّن هم أعضاء في هذه المجتمعات الافتراضية، وسيخبرونك بأن ما يحدث هناك هو أكثر من مجرد تبادل للإشارات الإلكترونية عبر الأسلاك. لا تقتصر الحياة هناك على تربية ماشية في الفضاء الإلكتروني … بل هي أيضًا تتمثل في السلوى التي يتلقاها رجل مثل فيل كَتَلفو يعيش في مجتمع اسمه «وِل» من الآخرين، عندما يستيقظ حتى منتصف الليل من أجل رعاية طفل يعاني من مرض اللوكيميا؛ حيث يقوم هذا الرجل بتسجيل الدخول إلى مجتمع «وِل» ثم يعبِّر عن مكنون ألمه وخوفه. يهتم الناس بالآخرين حقًّا، ويقعون في الحب على الشبكة مثلما هو الحال في المجتمعات الجغرافية. وهكذا فإن الاتصال «الإلكتروني» هو إشارة حقيقية للأمل في أمة تشعر بالقلق بصورة متزايدة إزاء تشتت الحياة العامة، والاستقطاب بين جماعات المصالح، والاغتراب في حياة المدينة.1

هناك ردا فعل مختلفان إزاء العبارة السابقة، فبالنسبة لأولئك الذين يعيشون في «الفضاء الإلكتروني» منذ فترة، فهذا الحديث مألوف للغاية، فهؤلاء عاشوا في أنواع عديدة من «الشبكات» منذ البداية، ثم انتقلوا إلى الإنترنت من مجتمعات كانت أكثر انعزالًا، من عالم بي بي إس (خدمة لوحة الإعلانات)، أو وفق مايك جودوين (كاتب الفقرة السابقة)، من عنوان «راقٍ» مثل «وِل». بالنسبة إلى هؤلاء، تمثل الشبكة فضاء للحديث والتواصل والتبادل، باختصارٍ: مكان واعد بصورة غير معقولة لجعل الحياة في الفضاء الواقعي مختلفة.

في المقابل، إذا كنت مهاجرًا حديثًا إلى هذا «الفضاء» (يُطلِق عليك مَن هم أقدمُ منك «نيوبي» أو مستخدمًا مبتدئًا)، أو إذا كنت تقتصر في وجودك على الإنترنت على متابعة أسعار الأسهم أو أوقات عرض الأفلام، فمن المحتمل ألا تطيق الاستماع إلى مثل هذا الحديث. عندما يتحدث الناس عن «المجتمع»، أو عن طرق خاصة للتواصل، أو عن القدرة الهائلة لهذا الفضاء في تغيير الحيوات، فربما تتساءل: «ما فكرة الفضاء الإلكتروني هذا كمكان؟» بالنسبة للمبتدئين ممن لم يقوموا إلا بإرسال رسائل البريد الإلكتروني أو تصفح الشبكة، تعتبر فكرة «مجتمع» الشبكة ضربًا غريبًا من الصوفية. كيف يمكن أن يظن أحدهم أن هذه الصفحات الممتلئة بالإعلانات والأيقونات البرَّاقة هي مجتمع أو حتى فضاء؟ أما المستخدم المبتدئ الراشد، فلا يمثل له ذلك سوى مبالغة مفرطة في استخدام برنامج الجافا.2
يمثل المستخدمون المبتدئون الغالبية العظمى للمستخدمين في الشبكة حاليًّا.3 ومهما حاول المرء أن يتخيل صورة رومانسية للأيام الخالية التي كانت فيها الشبكة مكانًا للأحاديث وتبادل الأخبار، لم تعد تلك هي وظيفة الشبكة لمعظم المستخدمين في الوقت الراهن، فهناك الآن زيادة هائلة في مجتمعات المدونين والإبداع، لكن لا يمثل المدونون حتى الآن سوى نسبة ٣٪ من إجمالي مستخدمي الإنترنت؛ حيث لا صلة للغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت بأي من مُثُل مجتمع الإنترنت.
تغيَّر الفضاء الإلكتروني من حيث الإحساس به؛4 فشكله وما يمكن فعله فيه وكيفية التواصل مع الآخرين كلُّ هذا تغيَّر. أما «لماذا» تغيَّر كل هذا، فهذا سؤال معقَّد، لا أستطيع أن أقدم إجابة شافية له. تغيَّر الفضاء الإلكتروني جزئيًّا لأن الناس — هويتهم واهتماماتهم — تغيَّرت، وأيضًا لأن الإمكانات المتوافرة في الفضاء تغيَّرت.
بيد أن جزءًا من التغيير يرجع إلى الفضاء نفسه. فالمجتمعات، وتبادل الأخبار والمحادثات كلها تزدهر داخل نوع محدد من الفضاءات، بينما تخمد جميعها في نوع آخر مختلف من الفضاءات.5 وآمُل أن أبين الفروق بين هاتين البيئتين.

تتناول الأقسام التالية أشكالًا مختلفة من الأماكن الإلكترونية، ويتمثل الهدف منها في بناء وعي حول طريقة التفكير في الفروق التي نلحظها، وهذا الوعي سيساعدنا بدوره في معرفة إلى أين يمضي الفضاء الإلكتروني.

(١) قيم الفضاء

لكل فضاء مجموعة من القيم،6 تظهر من خلال الممارسات أو الحيوات المسموح بها أو الممنوعة. وفق مارك ستيفك:
تُشبه الحدود الموجودة داخل الفضاء الإلكتروني — مثل غرف المحادثة المنفصلة، وبوابات الشبكات الداخلية، والأظرف الرقمية، والأنظمة الأخرى التي تقيِّد عملية الدخول — في تأثيراتها الحدود الدولية، والعوائق المادية، والمسافات. تُحدد البرمجة أي الأفراد يمكنهم الاطلاع على أي عناصر رقمية، وأي العناصر الرقمية يمكنها التفاعل مع عناصر رقمية أخرى. أما كيفية تنظيم البرمجة للتفاعلات الإنسانية — ومن ثم ضبط إيقاع التغيير — فيعتمد على نوع الاختيارات المتخذة.7

تعني الخيارات أن الفضاءات التي تتشكل بصور مختلفة تسمح بسلوكيات متعددة أو تمنعها بطرق مختلفة. وهذه هي الفكرة الأولى التي سأُوضِّحها، وهذا مثال عليها.

في بداية عصر الإنترنت، كان التواصل يجري من خلال تبادل النصوص، فجميع الوسائط مثل مجموعات أخبار يوزنت، وإنترنت ريلاي تشات (بروتوكول المحادثة الفورية من خلال تبادل الرسائل النصية)، والبريد الإلكتروني، جميعها انحصر في تبادل النصوص، في كلمات على الشاشة يكتبها مستخدم (أو هكذا كنا نظن).

كان السبب وراء ذلك بديهيًّا؛ حيث كانت سرعة نقل البيانات في الأيام الأولى للشبكة بطيئة للغاية. ففي عالم كان فيه معظم المستخدمين يتَّصلون بالشبكة بسرعات لا تزيد على ١٢٠٠ بود (واحد بايت في الثانية) — هذا إذا كان المستخدمون محظوظين — في هذه الحالة كان تحميل رسوم الجرافيك والفيديو يستغرق وقتًا طويلًا للغاية — هذا إذا تمت عملية التحميل حتى منتهاها من الأساس — كان ما يحتاج إليه المستخدمون هو طريقة فعَّالة للتواصل، فكانت النصوص هي أكثرها فعالية.8

يرى كثيرون في هذه الحقيقة عن الشبكة في بدايتها قيدًا على حرية التواصل. فنيًّا، هي كذلك، لكن هذا القيد من الناحية الفنية لا يفسِّر الطبيعة القياسية للشبكة حينذاك كإطار عام حاكم يسمح بنوع محدد فقط من الحياة فيها. من هذا المنظور، قد تتمثل القيود في خواص محددة، وقد تسمح بممارسة سلوكيات محددة أو تمنع ممارسة سلوكيات أخرى. مكَّن هذا القيد بوجه خاص فئات من الناس لم تتمتع بالتمكين اللازم في حياة الفضاء الواقعي.

فكِّر في ثلاث فئات: الأكفَّاء، والصم، و«القِبَاح». يواجه هؤلاء الناس في الفضاء الواقعي مجموعة استثنائية من القيود التي تحد من قدرتهم على التواصل، فالضرير في الفضاء الواقعي تواجهه أطر عامة حاكمة تفترض فيه قدرته على الإبصار؛ حيث يتحمل تكلفة هائلة في تطويع معماريات الفضاء الواقعي، بحيث لا يصير هذا الافتراض بقدرته على الإبصار مُقصيًا تمامًا له. أما الأصم في الفضاء الواقعي فيواجه أطرًا عامة حاكمة تفترض فيه قدرته على السمع، وهو أيضًا يتحمل تكلفة هائلة في تطويع هذه المعماريات. وأما الشخص القبيح في العالم الواقعي (مثال على ذلك حانة أو نادٍ اجتماعي)، فيواجه أطرًا عامة حاكمة للأعراف الاجتماعية تجعل مظهره عائقًا في تحقيق نوع من الحميمية في العلاقات، وهو يتحمل معاناة هائلة في مواجهة هذه المعماريات.

في الفضاء الواقعي تواجه هذه الفئات الثلاث أطرًا عامة حاكمة تعيقهم مقارنةً «ببقيتنا»، لكن في الفضاء الإلكتروني في ظهوره الأول لم يكن الأمر كذلك.

يستطيع الأكفاء أن يستخدموا برامج كلامية تقرأ نصًّا (يمكن قراءته من خلال ماكينة)، كما يمكنهم الرد عن طريق الكتابة على لوحات مفاتيح؛ حيث لا يستطيع الآخرون على الشبكة تحديد ما إذا كان الشخص الذي يكتب هو شخصًا ضريرًا إلَّا إذا أقر هو بذلك، وهكذا تساوى الأعمى مع المبصر.

ينطبق الأمر نفسه مع الصُّم. في المرحلة المبكرة من الإنترنت لم تكن هناك حاجة لسماع أي شيء. للمرة الأولى استطاع العديد من الصم تبادل الأحاديث أو الأخبار؛ حيث لم يكن العنصر الأبرز في كل ذلك هو صَمَم المستخدم. مرة أخرى، تساوى الصُّم مع السامعين.

وينطبق الأمر نفسه مع «القِباح»؛ فنظرًا لأن المظهر لا ينتقل عبر كل محادثة، تمكَّن الأشخاص القِباح من تبادل محادثات حميمة مع الآخرين لا يحددها تلقائيًّا مظهر المتحدثين؛ حيث يستطيع الأشخاص القِباح المغازلة أو اللعب، أو أن يكونوا مثيرين دون أن تكون أجسادهم (بالمعنى الحرفي للغاية للفظة) عائقًا. جعلت هذه النسخة الأولى من الشبكة هؤلاء الناس متساوين مع «الحِسان». في غرفة محادثة افتراضية، لا يوجد أي اعتبار للعيون الآسرة، أو البسمة الساحرة، أو عضلات ذراع جذابة، بل كل الاعتبار للفطنة، والقدرة على اجتذاب الآخرين، والبلاغة في التعبير.

منح هذا المعمار للفضاء الإلكتروني الأصلي هذه المجموعات شيئًا لا يجدونه في الفضاء الواقعي. بصورة عامة، غيَّر المعمار من مزيج الفوائد والمتاعب التي واجهها الناس؛ حيث تم تمكين الأكثر قدرة على التعبير، فيما لم يعد للأشخاص الجذَّابين أهمية تذكر في الفضاء الإلكتروني مقارنةً بالفضاء الواقعي، وهكذا ولَّدت المعماريات أدوات التمكين والتثبيط هذه.

رويتُ هذه القصة كما لو كان الأمر يعني فقط أولئك الأشخاص «غير المُمَكَّنين» في الفضاء الواقعي. بطبيعة الحال، تعبير «غير مُمَكَّن» هو تعبير نسبي،9 فمن الأدق القول بأن الفضاء الإلكتروني غيَّر من معنى التمكين. تصف لي إحدى صديقاتي — وهي امرأة في غاية الجمال والنفوذ، متزوجة، وناجحة في عملها — لماذا تقضي ساعات في فضاءات المحادثات السياسية تتناقش مع الآخرين حول شتى الموضوعات السياسية:

أنت لا تعرف معنى أن أكون ما أنا عليه؛ لقد عشتُ طوال حياتي في عالم لا تؤخذ كلماتي فيه بمعناها؛ حيث لا يتم الإنصات إلى ما أقوله كما هو. لم يتوافر لدي قط فضاء قبل هذا الفضاء؛ بحيث تعني كلماتي ما أقوله حقًّا. دائمًا أبدًا قبل ذلك كانت عباراتي يُشار إليها على أنها صادرة عن «هذه المرأة الساحرة» أو «الزوجة» أو «الأم». لم أستطع قط أن أتحدث لأُعبِّر عن نفسي، لكن هنا أستطيع أن أتحدث كما أنا.

من الواضح تمامًا أن الفضاء الإلكتروني مكَّن هذه المرأة، على الرغم من أننا لا نستطيع أن نقول إنها «لم تكن مُمَكَّنة» في الفضاء الواقعي.10
بمرور الوقت، ومع التوسع في استخدام سرعات عالية في الاتصال بالشبكة، تغيَّر المعمار مثلما تغيَّر مزيج الفوائد والمتاعب المصاحبة لذلك. عندما صارت رسوم الجرافيك جزءًا من الشبكة من خلال الشبكة العالمية، صار الأكفَّاءُ «أكفاءَ» مرة أخرى. ومع ظهور الملفات الصوتية والأحاديث المسجلة في الفضاءات الإلكترونية صار الصم «صمًّا» مرة أخرى. وحين بدَأ انقسمتْ غرفُ المحادثة إلى فضاءات تلتقط فيها كاميرات الفيديو صورًا حقيقية لأناس يتحدثون، وفضاءات يوجد فيها نصوص فقط، صار القِباح قِباحًا مرة أخرى.11 فمع تغيُّر المعماريات يتغير تعريف مَن هو الشخص «غير المُمَكَّن» أيضًا.
لا أرمي هنا إلى أن الشبكة لا يجب أن تتغير، رغم أنه لو كان بالإمكان أن تتغير بطرق تقلِّل من أثر عدم التمكين فيما يتعلق بالصوت ورسوم الجرافيك، فلا شك أنها يجب أن تتغير.12 ومهما كانت أهمية هذه النقطة؛ فإن جوهر ما أرمي إليه لا يتعلق «بعدم التمكين» على الإطلاق؛ حيث استُخدم هذا المثال ببساطة للتركيز على الصلة بين معماريات الأكواد هذه وبين العالم الذي تحدد معالمه هذه الأكواد. تؤلِّف الأكواد الفضاءات الإلكترونية، والفضاءات إما تمكِّن الأفراد والمجموعات أو لا تمكِّنها. يعتبر الاختيار بين الشفرات إذن في جزء منه هو اختيارًا لمن، وماذا. والأهم من ذلك أيُّ طرق حياة سيتم السماح بها أو منعها.

(٢) الأماكن الإلكترونية

يمكن البناء على هذه النقطة من خلال النظر إلى عدد من «المجتمعات» التي يختلف كل منها عن الآخر في التكوين، والتي يؤلِّف كلٌّ منها أشكالًا مختلفة للحياة، ومن خلال النظر في أسباب هذه الاختلافات.

(٢-١) أمريكا أون لاين

شركة أمريكا أون لاين هي شركة خدمات إنترنت، و«هي أكبر شركات تقديم خدمات الإنترنت في العالم دون منازع»؛13 حيث وصل عدد مستخدمي خدماتها حوالي ١٢ مليون مستخدم في ١٩٩٨، وإلى ٢٧ مليون مستخدم حاليًّا.14 لكن على الرغم من بلوغ عدد مستخدميها عدد سكان ولايتي نيويورك ونيوجيرسي مجتمعتين؛ فإن أمريكا أون لاين لا تزال تصف نفسها بأنها «مجتمع»، مجتمع كبير ربما، لكنه مجتمع على أي حال.
يمتلك هذا المجتمع دستورًا، لا بمعنى دستور مكتوب (على الرغم من وجود ذلك أيضًا)، لكن بمعنى طريقة حياة لأولئك الذين يعيشون هناك. تتمثل الرؤية المُؤسِّسة لهذا المجتمع في جعل هذا المجتمع عامرًا بالنشاط؛ لذا من البداية كان تركيز أمريكا أون لاين على تمكين تفاعل المستخدمين من خلال المحادثات ولوحات الإعلانات والبريد الإلكتروني. (حاليًّا، تستضيف أمريكا أون لاين عمليات تبادل للرسائل يوميًّا أكثر مما تتلقى الخدمة البريدية بالولايات المتحدة من رسائل.)15 قيَّد أو تجاهل مقدمو خدمات الإنترنت الأوائل — الذين سيطرت عليهم فكرة تقديم محتوًى أو اجتذاب الإعلانات — الإمكانات المتاحة للمحادثات وتبادل الأخبار، لكن أمريكا أون لاين رأت في عمليات التفاعل ما يجعل الفضاء الإلكتروني مختلفًا. أسست أمريكا أون لاين نفسها ببناء مجتمع وترسيخ نفسها كمكان يستطيع فيه الناس أن يقولوا ما يريدون.16
يحكم عمليات التفاعل قواعد المكان، بعض هذه القواعد رسميٌّ وبعضها الآخر عُرفيٌّ. تشمل القواعد الرسمية الشروط المنصوص عليها التي يجب على كل عضو ينضم إلى أمريكا أون لاين أن يلتزم بها. وهي شروط تُنمِّي طيفًا واسعًا من السلوكيات في هذا الفضاء، بما في ذلك سلوك أعضاء أمريكا أون لاين في أي مكان على الإنترنت.17
صارت هذه القواعد تدريجيًّا مثارًا للخلاف؛ حيث تم إطلاق تعبير ممارسات «الأخ الكبير» على سياسات أمريكا أون لاين. تؤدي المناقشات الساخنة إلى حوارات تتسم بالفظاظة، لكن الفظاظة أو التعدي غير مسموح به في مجتمع أمريكا أون لاين. وعندما يتم محو هذه المحادثات الفظة تظهر دعاوى «الرقابة».18

لا أرمي هنا إلى انتقاد قواعد «الإتيكيت» هذه. تضع أمريكا أون لاين أيضًا قواعد أخرى تنظِّم سلوك أعضاء أمريكا أون لاين، قواعد لا يتم النص عليها في عقود، بل من خلال المعمار نفسه للفضاء. تعتبر هذه القواعد هي الجزء الأكثر أهمية قي دستور أمريكا أون لاين، لكنه ربما يكون آخر جزء يُنظر إليه عندما نفكِّر في الأدوات التي تنظِّم السلوك في هذا المكان الإلكتروني.

خذ هذه الأمثلة:

على امتداد عُمر شركة أمريكا أون لاين،19 تستطيع كعضو في مجتمع أمريكا أون لاين أن تكون واحدًا من خمسة أشخاص، وهو ما كان أحد أكثر سمات هذا الفضاء إثارة. عندما تفتح حسابًا في أمريكا أون لاين، يكون لك الحق في خلق خمس هويات تمثلك؛ من خلال خمسة «أسماء شاشة» مختلفة يمثل كلٌّ منها حسابًا مختلفًا. بطبيعة الحال، استخدم بعض المستخدمين أسماء الشاشة الخمسة كلها، وذلك لمنح أفراد عائلاتهم حق الاتصال بأمريكا أون لاين، لكن عمومًا لم يستخدم الجميع حساباتهم بهذه الطريقة. تخيَّل امرأة عزباء تفتح حسابًا للمرة الأولى في أمريكا أون لاين. تمنح أمريكا أون لاين المرأةَ خمسَ هويات مختلفة تستطيع تحديد طبيعتها كما تشاء؛ خمسة شخوص تستطيع استخدامها في الفضاء الإلكتروني.
ماذا يعني هذا؟ اسم الشاشة هو مجرد بطاقة لتحديد الهوية ومكان تواجد المستخدمين على النظام. لا يستلزم الأمر (بل لا يمكن في أحيان كثيرة) أن يكون اسم الشاشة هو اسم المستخدم الحقيقي. إذا كان اسم الشاشة الخاص بها هو (القطة الشاردة) StrayCat يمكن للآخرين التواصل معها من خلال إرسال بريد إلكتروني إلى العنوان straycat@aol.com. إذا كانت متصلة بالإنترنت، يستطيع المستخدمون التواصل معها من خلال الضغط على الاسم StrayCat على نظام أمريكا أون لاين، فيظهر عندها صندوق حوار على الشاشة ويسألها إذا كانت ترغب في التحدث مع الشخص الذي قام بالاستدعاء. وإذا انضمت إلى إحدى غرف المحادثة؛ فإن قائمة المتحدثين هناك سيضيفونها إلى قائمة الأسماء لديهم باسم StrayCat.
لكن من هي StrayCat؟ هناك بعدٌ آخر من أبعاد السيطرة. إن StrayCat هي مَن تحدد شخصيتها؛ حيث تستطيع وصف نفسها كما يحلو لها. وإذا رغبت في وضع تعريف لنفسها في دليل الأعضاء؛ فإن هذا التعريف يمكن أن يكون كاملًا أو غير كامل كما يحلو لها، وقد يكون تعريفًا صحيحًا أو غير صحيح، واضحًا أو غامضًا، جذَّابًا أو غير جذَّاب. ربما يصادف عضو StrayCat عرضًا في إحدى غرف المحادثة المخصصة لهواة جمع الطوابع، ثم يقرأ أن StrayCat تعيش في كليفلاند، وأنها عزباء وأنثى. لا يمكن تخمين ما قد يحدث بعد ذلك.
لكن ما هذه إلا هوية واحدة ضمن هويات StrayCat الخمس. لنقل إن ثمة شخصية مختلفة تحب StrayCat أن تتقمصها خلال تجوُّلها بين غرف المحادثة. تستطيع إذن أن تختار اسم شاشة تقوم بتعريفه في دليل الأعضاء كما يحلو لها. ربما عندما تناقش StrayCat إحدى القضايا المهمة في إحدى مجموعات الأخبار أو قائمة موضوعات سياسية؛ فإنها تفضِّل أن تتحدث معبرة عن نفسها الحقيقية. تقوم إذن باختيار اسم شاشة يشبه اسمها الحقيقي، ثم تقوم بتعريفه وفق بياناتها الحقيقية. في أوقات أخرى، ربما تحب StrayCat أن تكون رجلًا، فتتقمص شخصية رجل افتراضيًّا. وقد يكون أحد أسماء الشاشة الخاصة بها اسم رجل، وهكذا. المغزى هنا هو التعددية التي تسمح بها أمريكا أون لاين، فضلًا عن الحريات التي تسمح بها هذه التعددية.
لا أحد سوى StrayCat نفسها يجب أن يعرف أي أسماء الشاشة تَخُصُّها، فهي غير مطالبة بنشر قائمة كاملة بهوياتها، ولا يستطيع أحد أن يعرف مَن هي (إلا إذا لم تلتزم هي بالقواعد). (بعد الكشف عن اسم أحد أعضائها للبحرية الأمريكية حتى تستطيع البحرية مقاضاة الشخص لإعلانه عن مِثْليته، تبنَّت أمريكا أون لاين سياسة خصوصية صارمة للغاية تعِد بعدم تكرار ذلك مرة أخرى.)20

وهكذا في أمريكا أون لاين يُمنح المستخدمون سلطة هائلة للجهالة شبه الكاملة لا يمنحها «كاتبو الشفرات» في الفضاء الواقعي. بطبيعة الحال، قد تحاول أن تعيش في الفضاء الواقعي الحيوات المتعددة نفسها، وإلى الحد الذي تكون فيه هذه الحيوات غير متوافقة أو غير متجانسة، تستطيع في واقع الأمر النجاح في ذلك كثيرًا. على سبيل المثال، ربما تكون أحد مشجعي فريق كَبس خلال فصل الصيف، وأن تكون من محبي الأوبرا في فصل الشتاء. في المقابل، إذا لم تتخذ خطوات استثنائية لإخفاء هويتك الحقيقية، يمكن دومًا الربط بين أي هوية تتخفى من خلالها وبين هويتك الحقيقية؛ فلا يمكنك ببساطة إظهار شخصية مختلفة عن شخصيتك الحقيقية، بل لا بد من أن تصنعها من الصفر، والأهم من ذلك (والأكثر صعوبة) أن عليك الاستمرار في الفصل بين شخصيتك المختلَقة وهويتك الأصلية.

هذا هو الملمح الأول من دستور أمريكا أون لاين، وهو ملمح تشكله شفرتها. أما الملمح الثاني فيتعلق بالتعبير، بما تقوله وأين.

في حدود اللياقة، ومتى كنت في المكان الصحيح، تستطيع قول ما شئت في أمريكا أون لاين، لكن بخلاف هذه القيود؛ فإن حرية التعبير في أمريكا أون لاين مُقيَّدة بطريقة مشوقة للغاية، لا من خلال القواعد، بل من خلال طبيعة المستخدمين المحتملين. هناك أماكن في أمريكا أون لاين يجتمع المستخدمون فيها، وهناك أماكن يذهب إليها المستخدمون لقراءة رسائل كتبها آخرون، لكن في المقابل لا يوجد فضاء يجتمع فيه الجميع في الوقت نفسه، أو حتى فضاء يجب أن يمر من خلاله المستخدمون عاجلًا أو آجلًا، لا يوجد مكان عام تستطيع من خلاله مخاطبة جميع أعضاء أمريكا أون لاين، لا يوجد مجلس مدينة أو اجتماع مجلس مدينة يستطيع المستخدمون من خلاله الشكوى علانيةً بحيث يسمع الآخرون هذه الشكوى، لا يوجد فضاء كبير بما فيه الكفاية يستطيع فيه المواطنون القيام بأعمال شغب. في المقابل، يستطيع مالكو شركة أمريكا أون لاين مخاطبة الجميع. اعتاد ستيف كيس، مؤسس أمريكا أون لاين، أن يكتب خطابات «تحمل طابع المحادثات» إلى الأعضاء مخاطبًا إياهم «كعمدة مدينة» المجتمع.21 ترك كيس أمريكا أون لاين في ٢٠٠٥، ويبدو أن أحدًا لم يحل محله في مخاطبة الأعضاء. لا تزال أمريكا أون لاين تصدر الإعلانات إلى أعضائها كما ترسل البريد الإلكتروني إليهم، لكن لا يستطيع القيام بذلك سوى مالكي الشركة ومن هم مصرَّح لهم بذلك. أما بقية أعضاء أمريكا أون لاين فلا يخاطبون المجاميع إلا إذا لاحظوا وجود إحداها، ولا يزيد أي تجمع في كل الأحوال عن ستة وثلاثين مستخدمًا (وهو العدد الذي زاد من ثلاثة وعشرين عضوًا عند نشر الطبعة الأولى من هذا الكتاب).

هذا ملمح آخر لدستور فضاء أمريكا أون لاين، وهو ملمح يحدده الكود المنظِّم أيضًا. إن الاقتصار على تواجد ثلاثة وعشرين مستخدمًا فقط في غرفة محادثة واحدة في وقت واحد هو اختيار اتخذه مهندسو الكود، وبينما تختلف أسباب وجودهم؛ فإن الأثر المترتب على وجودهم واضح للعيان، فلا يستطيع أحد أن يفكر في دفع أعضاء أمريكا أون لاين للقيام بفعل جماعي علني، مثل نقد سياسة التسعير الأخيرة. هناك أماكن يمكن الذهاب إليها للشكوى، لكن عليك تحمل مشقة الذهاب إلى هناك بنفسك؛ فلا يوجد مكان يستطيع فيه الأعضاء التعبير عن شكواهم معًا.

يختلف الفضاء الواقعي في هذا المقام؛ فالسواد الأعظم من قانون حرية التعبير مكرَّس للحفاظ على فضاءات يمكن أن يحدث فيها التعبير عن الشكاوى والتظاهر، فضاءات يمكن ملاحظتها، ويجب مواجهتها، من خلال مواطنين غير معارضين.22 هناك أماكن في الفضاء الواقعي يستطيع الناس التجمع فيها، أماكن يستطيعون فيها توزيع النشرات؛ حيث يمتلك المواطنون الحق في التظاهر في الممرات الجانبية، والشوارع العامة، والمنتديات العامة التقليدية الأخرى، كما يمكنهم التواجد في هذه الأماكن ومناقشة قضايا الشأن العام أو أي شيء آخر يحلو لهم. يحمي القانون الدستوري في الفضاء الواقعي حق المتحمسين وغريبي الأطوار في مواجهة الآخرين، لكن لا يوجد مثل ذلك في نظام أمريكا أون لاين.23 وفق دون نَنزياتو:
توضح أمريكا أون لاين في دليل إرشادات المجتمع أن «مثل أي مدينة، نعتز ونحمي مجتمعنا.» لكن بخلاف أي مدينة أخرى، تتمتع أمريكا أون لاين باستقلال غير محدود للرقابة على ممارسة حرية التعبير التي يحميها الدستور من خلال منتديات الحوار، والفضاءات الأخرى، بما في ذلك «اللغة السوقية» (وهي لغة، كما يحذر الدليل، «غير لائقة على الإنترنت مثلما هي غير لائقة أثناء عشاء عيد الشكر»)، و«المحادثات الفجة في الجنس»، و«المناقشات حول … تعاطي العقاقير الممنوعة بما يوحي بقبولها.»24
لا يعني هذا أن ننظر إلى قوة المنتديات العامة في الفضاء الواقعي بصورة رومانسية (ولا أن نتعمَّد انتقاد أمريكا أون لاين، فكما يشير نَنزياتو: «قد ينتقل المستخدمون الذين يبحثون عن حماية أكبر لحرية التعبير إلى شركات خدمات إنترنت أخرى بخلاف أمريكا أون لاين. سيجد هؤلاء في واقع الأمر محاذير مشابهة على حرية التعبير تفرضها شركات خدمات الإنترنت الكبرى»).25 لقد صرنا مجتمعًا لاسياسيًّا إلى الدرجة التي إذا أراد فيها أحدهم ممارسة هذا الحق المكفول دستوريًّا، سيظن الناس أن هذا الشخص مجنون. إذا وقفت في أحد النواصي وهاجمت آخر مشروعات القوانين الضريبية في الكونجرس، سيشعر أصدقاؤك بالقلق، لكن ليس حيال مشروع القانون الضريبي. هناك بطبيعة الحال استثناءات — حيث قد تجعل الأحداث الحاجة إلى التظاهر مسألة مهمة — لكن في عموم الأمر، على الرغم من أنه لا توجد سُبل سيطرة كثيرة في الفضاء الواقعي من خلال الكود على مَن يتحدث أين، فإن هناك قيودًا كثيرة من خلال الأعراف الاجتماعية حول مَن مِن الناس يتحدث أين. وربما يكون الفضاء الواقعي مثله مثل أمريكا أون لاين؛ حيث لا يتوافر فضاء متسع حقيقي ومهم للتعبير عن الرأي علانية. ربما كان الأمر كذلك؛ لكنني أرمي هنا إلى تحديد السمة وفصل السبب المسئول عن وجودها. مرة أخرى، يتضح أنها سمة متضمَّنة داخل الكود.

يوجد ملمح ثالث في دستور أمريكا أون لاين مصدره الكود المنظم لها؛ ألا وهو القابلية للتتبع. بينما يوجد الأعضاء في حدود فضاء محتوى أمريكا أون لاين الحصري (بعبارة أخرى، عندما لا يستخدمون أمريكا أون لاين كبوابة للاتصال بالإنترنت)، فإن أمريكا أون لاين تستطيع (وهي لا شك تفعل ذلك) أن تتتبَّع أنشطة المستخدمين وتجمع معلومات عنهم؛ مثل: أي ملفات يقومون بتحميلها، وأي مناطق يرتادونها، ومن هم «أصدقاؤك المقربون»؟ باختصار، كل ما هو متاح في نظام أمريكا أون لاين. هذه معلومات قيِّمة للغاية؛ فهي تساعد أمريكا أون لاين على هيكلة فضائها بحيث يتلاءم مع طلب المستخدمين. ولا شك في أن القدرة على جمع هذه البيانات يتطلب قرارًا بشأن تصميمها، وهو قرار كان جزءًا أيضًا من الدستور الذي يحدد هوية أمريكا أون لاين، مرة أخرى، جزء يشكله الكود المنظم لها. وهو قرار يمنح البعض سلطة المراقبة دون أن يمنحها لغيرهم.

لا تعتبر أمريكا أون لاين استثنائية في هذه القدرة التمكينية؛ فهي تشارك الآخرين السلطة. من الملامح الرائعة للفضاء الإلكتروني شيء يطلق عليه «قائمة الأصدقاء المقربين.» أَضف أحد المستخدمين إلى قائمتك للأصدقاء المقربين، وعندما يتصل بالإنترنت تسمع صوت صرير باب، ويتم إخطارك بوجود صديقك. (هذا «الصديق المقرَّب» لا يحتاج لمعرفة أنه تجري مشاهدته، وإن عرف هذا فبمقدوره أن يحجب مشاهدته.) إذا ذهب هذا الشخص إلى إحدى غرف المحادثة وحاولت «العثور» عليه، فسيتم إخبارك في أي غرفة هو. قد تؤدي هذه السلطة، إذا تم منحها إلى مستخدمين عاديين، إلى تداعيات معقدة. (تخيَّل نفسك جالسًا في العمل وكانت خاصية إظهار الأصدقاء المقربين تعمل، تشاهد زوجتك تتصل بالإنترنت، وتنضم إلى إحدى غرف المحادثة، ثم … أنت تعرف ما أرمي إليه.) بُنيت هذه القدرة على المتابعة في الفضاء الإلكتروني؛ حيث يستطيع المستخدمون حجب هذه القدرة على الأقل بالنسبة لمراقب واحد، لكن هذا في حال معرفتهم بهذه الخاصية ورغبتهم في تغييرها.

خذ ملمحًا أخيرًا من ملامح دستور أمريكا أون لاين، وهو ملمح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالملمح الأخير؛ ألا وهو التجارة؛ فأنت تستطيع شراء أشياء في أمريكا أون لاين، تستطيع شراء أشياء وتحميلها، أو شراء أشياء وطلب إرسالها إلى منزلك. عندما تشترى شيئًا، تقوم بذلك من خلال اسم شاشة؛ حيث تعلم أمريكا أون لاين (حتى إن لم يعرف أحد آخر) مَن تكون، فهي تعرف مَن تكون، وأين تقطن في الفضاء الواقعي، بل والأهم من ذلك، تعرف أمريكا أون لاين رقم بطاقتك الائتمانية وعناصر الأمن المرتبطة بها.

تعرف أمريكا أون لاين من أنت، وهو أحد ملامح تصميمها. فجميع سلوكيات الأفراد تجري مراقبتها وتقصِّي مسارها وصولًا إلى الأفراد كمستخدمين. تَعِد أمريكا أون لاين بألا تجمع بيانات عنك بصورة فردية، وإن كانت تأكيدًا تجمع بيانات عنك كجزء من مجموع. وهكذا تصبح أمريكا أون لاين — من خلال هذا المجموع ومن خلال الربط الذي تحققه بينك كجزء من المجموع وبينك كمستخدم — فضاءً يبيع إليك الأشياء بصورة أفضل وأكثر فعالية.

هذه الملامح الأربعة تميِّز فضاء أمريكا أون لاين كفضاء مختلف عن الأماكن الأخرى في الفضاء الإلكتروني. يصبح من الأسهل بالنسبة إلى أمريكا أون لاين أن تحدد مَن تكون، وأصعب بالنسبة إلى المستخدمين أن يعرفوا مَن أنت؛ يصبح من الأسهل بالنسبة إلى أمريكا أون لاين أن تخاطب جميع «مواطنيها» كما يحلو لها، ومن الأصعب بالنسبة للمنشقين أن ينظموا أنفسهم ضد رؤى أمريكا أون لاين حول كيف يجب أن تكون الأشياء، كما يصبح من الأسهل بالنسبة إلى أمريكا أون لاين أن تسوِّق الأشياء للمستخدمين، ومن الأصعب بالنسبة إلى المستخدمين أن يختبئوا. أمريكا أون لاين عالم مختلف يقوم على الأعراف؛ حيث تخلق أمريكا أون لاين هذا العالم لأنها تسيطر على معمار هذا العالم. يواجه الأعضاء في هذا العالم — بمعنًى من المعاني — مجموعة مختلفة من قوانين الطبيعة؛ قوانين تضعها أمريكا أون لاين.

مرة أخرى، لا أرمي إلى نقد طريقة إنشاء هذا العالم أو أقول إنه عالم غير مناسب. لا شك أن أمريكا أون لاين تعطي أعضاءها وعودًا تهدف إلى تخفيف حدة قلق الأعضاء حيال أدوات السيطرة، ولا شك أنه إذا تحوَّلت أمريكا أون لاين إلى مكان تُكبح فيه الحريات؛ فإن في السوق متسعًا لبدائل أخرى.

إن غاية ما أهدف إليه هو أن أبيِّن ما يجعل أمريكا أون لاين ما هي عليه؛ فالأمر لا يتعلق بقواعد مكتوبة فقط، ولا هي أعراف مستقرة، ولا هي أيضًا مسألة عرض وطلب يتعلق بجمهور مستهلك واعٍ. إن ما يجعل أمريكا أون لاين ما هي عليه يرجع في جزء كبير منه إلى بنية الفضاء نفسه. تدخل إلى أمريكا أون لاين فتجدها عالمًا محدد المعالم. يحدد معالم هذا العالم الكود المنظِّم له. تستطيع مقاومة هذا الكود؛ إذ يمكنك مقاومة الطريقة التي تتعامل معها بها مثلما تقاوم البرد عن طريق ارتداء رداء ثقيل، لكنك لن تستطيع تغييره؛ فأنت لا تملك سلطة تغيير كود أمريكا أون لاين، كما لا يوجد مكان تستطيع فيه حشد أعضاء أمريكا أون لاين لإجبارها على تغيير الكود. أنت تعيش حياتك في أمريكا أون لاين وأنت خاضع لشروطها، فإذا لم تَرُقْ لك الشروط، فَجِدْ لنفسك مكانًا آخر.

هناك تداعيات مهمة لهذه الملامح الخاصة بفضاء أمريكا أون لاين تتعلق بطريقة تنظيم فضاء أمريكا أون لاين. تخيَّل أن هناك مشكلة تعاني منها أمريكا أون لاين، وأنها تريد لهذه المشكلة أن تنتهي؛ فالشركة تريد أن تمنع أو على الأقل تسيطر على سلوك محدد. ما هي إذن الأدوات الموجودة في جعبة أمريكا أون لاين؟

أولًا، تمتلك أمريكا أون لاين جميع الأدوات التي يمتلكها أي نادٍ أو أخوية أو «مجتمع»، فهي تعلن عن قواعد لأعضائها (وهو ما تقوم به أمريكا أون لاين فعلًا)، أو أن تحاول أن تصم هذا السلوك بمثالب اجتماعية مستخدمةً في ذلك أعراف المجتمع بغرض تنظيم السلوك. وهو ما تقوم به أمريكا أون لاين فعلًا. في المقابل، إذا كان مصدر المشكلة هو الإفراط في استخدام مورد بعينه، يقوم مديرو أمريكا أون لاين بوضع سعر مختلف لهذا المورد عن طريق فرض ضريبة للتقليل من استخدامه، أو وضع سعر مختلف لأولئك الذين يفرطون في استخدامه.

تمتلك أمريكا أون لاين ما هو أكثر من هذه الأدوات. إذا لم ترغب أمريكا أون لاين في سلوك محدد، تقوم على الأقل في بعض الحالات بتنظيم هذا السلوك من خلال تغيير معماره. فإذا أرادت أمريكا أون لاين السيطرة على اللغة غير المحتشمة، تستطيع كتابة برامج تتبع استخدام اللغة. وإذا كان هناك اختلاط غير مرغوب فيه بين الراشدين والأطفال، تستطيع أمريكا أون لاين تتبع مَن يتحدث إلى مَن. وإذا كان هناك فيروس يرجع السبب فيه إلى تحميل المستخدمين ملفات مصابة به، تقوم أمريكا أون لاين بتشغيل الملفات تلقائيًّا من خلال برامج فحص الفيروسات. وإذا كان هناك نوع من سلوكيات التلصص أو الإيذاء أو التهديد، تقوم أمريكا أون لاين بمنع الاتصال بين أي مستخدمَين.

باختصار، تستطيع أمريكا أون لاين التعامل مع أي نوع من المشكلات من خلال تغيير الكود المنظِّم. ونظرًا لأن العالم الذي يعرفه أعضاء أمريكا أون لاين (أثناء تواجدهم فيها) يتشكل من خلال هذا الكود، تستطيع أمريكا أون لاين استخدام الكود في تنظيم سلوك أعضائها.

فكِّر قليلًا في السلطة التي أصفها. ومرة أخرى، لا أشكو أو أنتقد أو أُسائل هذه السلطة؛ حيث أكتفي بوصفها فقط. فيما تتحرك في هذا الفضاء الذي تحدد معالمه أمريكا أون لاين — مثل الانضمام إلى إحدى غرف المحادثة، أو كتابة رسالة في لوحة الإعلانات، أو الانضمام إلى أحد فضاءات المناقشة، أو إرسال رسائل فورية إلى شخص آخر، أو مشاهدة أو متابعة أشخاص آخرين، أو تحميل أو تنزيل ملفات من مواقع، أو الانتقال إلى قنوات محددة وقراءة مقالات محددة، أو تصفُّح فضاء معين في نَهَمٍ باحثًا عن صور لممثل أو ممثلة معينة — فيما تقوم بأي من هذه الأشياء، توجد أمريكا أون لاين في كل مكان. يبدو الأمر كأن النظام يمنحك حُلة فضاء تستخدمها في الملاحة في هذا الفضاء، لكنه يقوم في الوقت نفسه بمتابعة كل تحركاتك.

من حيث المبدأ، تعتبر إمكانية السيطرة هائلة. تخيَّل محاولة أمريكا أون لاين الحد من سرعة الاستجابة في خدمة معينة ترغب في إثناء المستخدمين عن استخدامها، أو توجيه المستخدم إلى إعلانات ترغب في رؤيته لها، أو تحديد أنماط السلوك التي ستراقبها أدواتها، وذلك بناءً على شعور الخوف من أن أشخاصًا يسلكون سلوكًا من نوع «س» يمثلون خطرًا على أشخاص من نوع «ص». لا أظن أن أمريكا أون لاين تنخرط في أنشطة كهذه، ولا أقول إن ثمة خطأً إن قامت هي بأي من ذلك، لكن من الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن إمكانات السيطرة في هذا «المجتمع» غير محدودة، لا من حيث إن أمريكا أون لاين ستجعل الحياة أكثر بؤسًا (حيث سيتركها الناس حينئذ)، لكن بمعنى أنها تمتلك أداة تنظيمية لا يمتلكها الآخرون سواء في الفضاء الواقعي أو الفضاءات الإلكترونية الأخرى. بطبيعة الحال تحدُّ قوى السوق من سلطة أمريكا أون لاين، لكن أمريكا أون لاين تمتلك أداة للسيطرة لا يمتلكها الآخرون في السوق خارج الفضاء الإلكتروني.

من حيث المبدأ، إذن، يجب على أمريكا أون لاين أن تختار. وفي كل مرة تقرر فيها أمريكا أون لاين أنها تريد أن تنظِّم أحد أنواع السلوك، يجب أن تختار بين أربعة أنماط: القواعد، أو الأعراف الاجتماعية، أو الأسعار، أو المعمار. وعند اختيار أحد هذه الأنماط الأربعة، يصبح اختيار المعمار كمنظِّم للسلوك هو الاختيار الأكثر منطقية.

(٢-٢) شبكة المشورة القانونية

بدأ ديفيد جونسون شبكة المشورة القانونية في عام ١٩٩٢ كملتقًى تعاوني للمحامين على الإنترنت. كانت فكرته بسيطة تتمثل في اتصال الأعضاء بعضهم ببعض، وتيسير تبادل المناقشات بينهم، ومن خلال هذا الاتصال وهذه المحادثات تنبني قيمة هذا الفضاء؛ حيث يتبادل المحامون القضايا بينهم، ويدلون بدلوهم عند إطلاعهم على فِكَر الآخرين في هذا الفضاء، وهكذا ينشأ نوع جديد من ممارسة مهنة المحاماة، ممارسة تكون أقل انعزالية، وأقل اقتصارًا على ممارسيها، وأكثر انتشارًا وشعبية.

كنت أعتقد أنها فكرة رائعة، على الرغم من اعتقاد الكثيرين أنها كانت فكرة مجنونة. في البداية كانت شركة لكزس تدعم نظام الشبكة، وفي عام ١٩٩٦ تم بيع الشبكة إلى شركة أمريكان لويار ميديا ذات الشراكة المحدودة، وفي عام ١٩٩٧ انتقلت الشركة إلى الإنترنت، ثم تم إغلاقها في عام ١٩٩٩.26 في ذروتها، كان يوجد في الشبكة آلاف المستخدمين على الرغم من صعوبة معرفة كم منهم ساهم في المناقشات الدائرة؛ حيث كان معظم المشتركين يتابعون مناقشات الآخرين مع الارتباط بثلاث أو أربع مجموعات نقاشية يهتمون بها فضلًا عن مجموعات قليلة تهمهم بصفة عامة. في المقابل، رأى كثيرون ظهور هذه الثقافة كشيء رائع وجديد (على الأقل بالنسبة للمحامين). ووفق وصف مؤسسها ديفيد جونسون: «تعتبر الشبكة مثل «مجتمع ذا وِل» بالنسبة للمحامين، وذلك في ضوء تطورها الفريد ونموها، وترسِّخ ممارسات أعضائها، وقدرتها على التكيف.»27 يعرف الأعضاء بعضهم بعضًا جيدًا. «في نهاية المطاف، أدى ذلك إلى التقاء بعض الأعضاء في الواقع … وكانت هذه المقابلات التي حضرتُ بعضها تشبه لقاء معارف قدامى على الرغم من عدم مقابلة بعضنا بعضًا من قبلُ وجهًا لوجه.»28

كانت المناقشات مقسَّمة إلى موضوعات قانونية مختلفة، وكان كل موضوع مقسَّم إلى مجموعات نقاشية؛ حيث يقود كل مجموعة قائد مناقشة. لم يكن قائد المجموعة رقيبًا على المناقشات، فهو لم يمتلك سلطة محو أي من التعليقات. كان دور قائد المجموعة ينحصر في إلهام المتناقشين وحثهم على التحدث، عن طريق تشجيعهم أو استثارة قرائحهم.

في ذروة هذه الشبكة، كان يوجد ما يقترب من ٩٠ مجموعة فيها. كان بوسع أي عضو محو أحد تعليقاته، لكنه إن لم يمحها تبقَ؛ أولًا ضمن قائمة موضوعات المناقشات، ثم في أرشيف خاص يمكن لأي عضو أن يبحث فيه عن المحتويات القديمة.

كان الأعضاء يدفعون رسومًا نظير انضمامهم؛ فيحصلون على حساب باسمهم الحقيقي. كانت جميع التعليقات تحمل أسماء الأعضاء الحقيقية، وإذا أراد أحد أن يعرف هوية أحد الأعضاء؛ فما عليه سوى البحث في دليل الأعضاء. يجب أن يكون أعضاء شبكة المشورة القانونية أعضاء في نقابة المحامين، إلا إذا كان هؤلاء الأعضاء من الصحفيين. أما الآخرون فلا يحق لهم الاتصال بالشبكة، فالمجتمع هنا مجتمع حصريٌّ.

تشبه التعليقات في هذا الفضاء كثيرًا التعليقات في مجموعات أخبار يوزنت؛ حيث يستطيع أي عضو بدء موضوع جديد، بحيث تتوالى ردود المستخدمين الآخرين في نهاية موضوعه. ونظرًا لأن الرسائل لا تُمحى من النظام، يستطيع أي مستخدم قراءة بداية أي موضوع إلى نهاية التعليقات عليه. كان يتم حفظ المحادثات بكاملها لا جزء صغير منها فقط.

بطبيعة الحال كانت جميع سمات فضاء شبكة المشورة القانونية مقصودة؛ حيث اختار مصمموها السماح ببعض الوظائف ومنع وظائف أخرى. نعدِّد فيما يلي بعض الآثار المترتبة على هذه الاختيارات:

أولًا: هناك الأثر المترتب على ضرورة استخدام الاسم الحقيقي. في هذه الحالة، تفكِّر مليًّا قبل الحديث، وتحرص على أن يكون ما تقوله صحيحًا قبل التلفظ بشيء على نحو حاسم. يقيِّد المجتمع ما تقول، فهو مجتمع يحكم على ما تقوله. وفي هذا المجتمع لا تستطيع الفكاك من الربط بينك وبين ما تقول. كانت المسئولية هي أحد الآثار المترتبة على معمار هذا الفضاء، لكن كان ثمة قدر من الإحجام أيضًا. فهل يستطيع شريك رئيس في مكتب محاماة رائد أن يسأل سؤالًا يكشف عن جهله بأحد مجالات القانون؟ لا يمكن تغيير الأسماء لحماية الجاهلين؛ لذا يلتزم هؤلاء الصمت.

ثانيًا: هناك أثر مترتب على فرض إجراء جميع المناقشات من خلال موضوعات يتوالى فيها طرح المشاركات. كانت جميع التعليقات مجمعة معًا؛ حيث تبدأ جميعها بسؤال ثم تنطلق المناقشة بناءً على السؤال. إذا أردت أن تشارك في النقاش؛ فعليك أولًا قراءة التعليقات الأخرى قبل المشاركة. بطبيعة الحال لم يكن ذلك شرطًا فنيًّا؛ حيث تستطيع المشاركة مباشرة دون قراءة أي شيء. لكن في المقابل، إذا لم تقرأ جميع التعليقات، فسينتهي بك المطاف بتكرار ما قاله الآخرون، وهو ما سيدل على أنك تتكلم دون أن تنصت. مرة أخرى، يربط استخدام الأسماء الحقيقية للأعضاء بين سلوكهم وأعراف المجتمع.

ثالثًا: هناك أثر مترتب يتمثل في السمعة؛ حيث تعتمد السمعة التي تبنيها في هذا الفضاء على نوع المشورة التي تُقدِّمها. إن سمعتك تتشكل من خلال تعليقاتك، كما تتأثر سمعتك لا شك بالتعليقات التالية لك. يتم حفظ هذه التعليقات وتصبح قابلة للبحث عنها، فإذا قلت شيئًا عن الموضوع كذا، ثم قلت عكسه في تعليق لاحق؛ فإنك لا محالة مطالب بتقديم تفسير حول هذا التعارض.

رابعًا: هناك الأثر المترتب على ربط السمعة باسم حقيقي في المجتمع الواقعي للمحامين المحترفين؛ حيث يؤثر سوء السلوك في الفضاء الإلكتروني على المستخدم في الفضاءات الأخرى. من هنا حققت شبكة المشورة القانونية الفائدة من وراء هذا المجتمع الإلكتروني؛ حيث نجحت في فرض أعراف مجتمع محدد. هذه الأعراف ربما دعمت سلوكًا مجتمعيًّا بنَّاءً بقدر ما، سلوكًا أكثر فائدة ربما من سلوك مجموعة يختلف أعضاؤها فيما بينهم جذريًّا. وهي أعراف تدعم معاقبة مَن ينحرفون عن السلوك الواجب. وهكذا استفادت شبكة المشورة القانونية من توقيع عقوبات مجتمعية من أجل السيطرة على السلوك غير المنضبط، فيما تعتمد أمريكا أون لاين على الاشتراطات الحاكمة لمحتواها؛ لضمان عدم انحراف المستخدمين عن الموضوع.

يمكن وصف عالم شبكة المشورة القانونية الذي تشكِّله هذه السمات بطريقتين مختلفتين، تمامًا مثلما يمكن وصف العالم الذي تمثله أمريكا أون لاين بطريقتين مختلفتين؛ إحدى هاتين الطريقتين تتمثل في الحياة التي جعلتها سمات شبكة المشورة القانونية ممكنة، وهي حياة تتسم بثراء الحوار والصلات، لكنها حياة مُراقَبة وتترتب عليها تداعيات. أما الطريقة الأخرى، فتتمثل في القابلية للتنظيم من خلال إدارة الحياة التي تجري في فضاء شبكة المشورة القانونية، وهنا يمكن أن نرى فرقًا جوهريًّا بين هذا الفضاء وأمريكا أون لاين.

كان بمقدور شبكة المشورة القانونية الاستعانة بأعراف أحد المجتمعات بغرض التنظيم بصورة أكثر فاعلية مما هو الحال في أمريكا أون لاين. استطاعت شبكة المشورة القانونية الاستفادة من أعراف المجتمع القانوني؛ حيث كانت تعلم أن هذا المجتمع سيقوم بمعاقبة أي سلوك غير منضبط. بطبيعة الحال، كان هناك «سلوك» أقل في هذا الفضاء مما هو في أمريكا أون لاين (حيث تقوم بأشياء قليلة في هذا الفضاء)، لكن في حالته تلك، كان ينظِّم السلوك في شبكة المشورة القانونية، بصورة كبيرة، سمعة الأعضاء، وتداعيات استخدام أسمائهم الحقيقية.

أثَّرت هذه الفروق معًا في قدرة شبكة المشورة القانونية على تنظيم سلوك أعضائها؛ حيث فتحت هذه الفروق الباب أمام نوع من التنظيم من خلال أنماط السيطرة لا من خلال كود منظِّم. جعلت هذه الفروق السلوك في شبكة المشورة القانونية أكثر قابلية للتنظيم، من خلال الأعراف، من السلوك في أمريكا أون لاين. وربما كانت شبكة المشورة القانونية تمتلك أدوات سيطرة أقل مما لدى أمريكا أون لاين (حيث تقتصر أعراف السيطرة على أعراف المجتمع القانوني)، لكنها في المقابل تتحمل عبئًا أقل في تنظيم سلوك أعضائها. تعتبر أدوات مثل: تقليص عدد الأعضاء، وجعل سلوك الأعضاء سلوكًا علنيًّا، وربط سلوكهم بأسمائهم أدوات للتنظيم الذاتي في هذا الفضاء الإلكتروني.

في المقابل، تشبه شبكة المشورة القانونية أمريكا أون لاين في جانب مهم، فكلتاهما غير ديمقراطيتين؛ حيث تسيطر الإدارة في كلتا الحالتين على ما يجري في فضائها. مرة أخرى، هي سيطرة في حدود؛ حيث تعتبر قوى السوق عاملًا مهمًّا؛ ففي كلا الفضاءين لا يمتلك «الناس» السلطة اللازمة للسيطرة على ما يجري في الفضاء. ربما يمتلكون هذه السلطة بصورة غير مباشرة في شبكة المشورة القانونية أكثر مما في أمريكا أون لاين؛ حيث تنظِّم أعراف الناس في شبكة المشورة القانونية سلوكَ المستخدمين، لكنها أعراف لا يمكن استخدامها ضد شبكة المشورة القانونية مباشرة. ربما تتأثر قرارات المديرين في شبكة المشورة القانونية وأمريكا أون لاين بقوى السوق؛ حيث يوجد مستخدمون، ويسرق المنافسون العملاء، لكن عملية التصويت لا تحدد وجهة أمريكا أون لاين مثلما لم تحدد وجهة شبكة المشورة القانونية.

وهو ما لا ينطبق على المكان الإلكتروني التالي، أو على الأقل ليس بعد.

(٢-٣) لامدا إم أو أو

لامدا إم أو أو هو فضاء افتراضي يقوم على التواصل من خلال تبادل النصوص؛ حيث يقوم المستخدمون عبر العالم (يقترب عددهم الآن من ستة آلاف مستخدم) بالاتصال بهذا الفضاء، والتواصل بالطرق التي يسمح بها. يصبح الفضاء نتاج هذا التفاعل؛ حيث يستطيع المستخدمون المشاركة في بناء هذا الفضاء ربما لأكثر من ثماني ساعات أسبوعيًّا. بالنسبة إلى البعض، يعتبر التفاعل في هذا الفضاء هو أكثر التفاعلات الإنسانية تواصلًا في حياتهم بأسرها؛ وبالنسبة لمعظم المستخدمين، فإن التفاعل في هذا الفضاء لا يشبه أي شيء آخر يعرفونه.

على وجه العموم، يتحدث الناس في هذا الفضاء، لكنه ليس مثل حديثهم في إحدى غرف المحادثة في أمريكا أون لاين؛ حيث يصب الحديث في فضاء إم يو دي (أي فضاء إم أو أو) في مصلحة البناء؛ بناء شخصية وبناء مجتمع. يتفاعل المستخدمون جزئيًّا من خلال تبادل الأحاديث، وهذا الحديث مرتبط باسْم، وهذا الاسم — وما يرتبط به من ذكريات — يعيش في الفضاء، وبمرور الوقت يتعرف المستخدمون على الشخص من خلال ما تستحضره هذه الذكريات.

تختلف الحياة في هذه الفضاءات من نمط إم يو دي فيما بينها. تصف إليزابيث ريد «أسلوبين»29 مختلفين للحياة في هذه الفضاءات؛ فضاء إم يو دي الاجتماعي وفضاء إم يو دي للمغامرات أو اللعب. أما فضاء إم يو دي الاجتماعي، فهو ببساطة عبارة عن مجتمعات افتراضية يتبادل فيها المستخدمون الأحاديث، ويقومون ببناء الشخصيات أو الأشياء. أما فضاء إم يو دي للمغامرات أو اللعب، فهي عبارة عن ألعاب تتوافر فيها جوائز (افتراضية)، أو يمتلك فيها المستخدمون السلطة من خلال إظهار المهارات اللازمة لاستغلال الموارد أو القضاء على عدو. وفي أي من الفضاءين، تدعم المجتمعات أنماطًا محددة من التفاعلات؛ حيث تصبح هذه الفضاءات أندية افتراضية وإن اختلف الغرض منها. يقوم الأعضاء ببناء سمعتهم من خلال سلوكهم في هذه الأندية.
تُخصَّص لك شخصية من خلال الانضمام إلى مجتمع إم أو أو (وإن كانت قائمة الانتظار في مجتمع لامدا إم أو أو تمتد شهورًا). عندما تنضم إلى الفضاء، تقوم بتعريف الشخصية التي تمثِّلك، أو على الأقل تقوم بتحديد سمات محددة في شخصيتك؛ تقوم باختيار اسم ونوع («لا يوجد نوع» هو أحد الاختيارات)، ثم تصف هذه الشخصية. بعض هذه الأوصاف عادية للغاية (مثل Johnny Manhattan «طويل ونحيف، شاحب مثل الجُبن المُضفَّر، يرتدي قبعة محلية»).30 بعض الأوصاف الأخرى غير عادية (مثل Legba روح مشاكسة من هايتي، لا نوع له، بني البشرة، يرتدي حُلة لونها رمادي لؤلؤي، يعتمر قبعة ويضع عوينات).31
كشف جوليان ديبل عن قصة هذا الفضاء للعالم غير الافتراضي في مقالة في مجلة «فيليدج فويس».32 كانت قصة ديبل تدور حول شخصية تسمى السيد بَنجل الذي اتضح لاحقًا أنه مجموعة من طلاب جامعة نيويورك يتشاركون هذه الهوية معًا. دخل بَنجل إحدى الغرف متأخرًا في إحدى الأمسيات، فوجد مجموعة من الشخصيات معروفة جيدًا في الفضاء. في واقع الأمر، لا يمكن رواية القصة بكاملها بصورة أفضل مثلما يعرضها ديبل. سنكتفي هنا بالحقائق فقط.33

كان لدى بَنجل قوة من نوع خاص؛ حيث استطاع اكتساب مكانة خاصة في مجتمع لامدا إم أو أو من خلال قوة «سحرية دينية سوداء»، يستطيع من خلالها الاستيلاء على أصوات وأفعال الشخصيات الأخرى، ويجعلها تبدو كما لو كانت تقوم بأشياء لا تقوم بها في واقع الأمر. قام بَنجل بذلك في تلك الليلة مع مجموعة من النساء وشخص واحد على الأقل ملتبس النوع. قام بَنجل باستحضار قوته في هذا الفضاء العام، ثم قام بالاستيلاء على أصوات هؤلاء الناس. بمجرد وقوعهم تحت سيطرته، قام بَنجل «باغتصاب» هؤلاء النساء في عنف وسادية، وجعل الأمر يبدو كأنهن يستمتعْنَ باغتصابهن.

كانت عملية الاغتصاب افتراضية، بمعنى أن الأحداث وقعت عبر الأسلاك. وفق وصف ديبل، «لم يتم لمس أي جسد»:
اقتصر التفاعل الفيزيقي على اختلاط الإشارات الإلكترونية الصادرة عن مواقع تمتد بين نيويورك وسيدني (أستراليا) … بدأ هجومه دون أي استفزاز من أحد في تمام، أو حوالي، الساعة العاشرة مساءً بتوقيت الساحل الغربي … بدأ باستخدام دميته للسحر الأسود لإجبار إحدى شاغلات الغرفة على ممارسة الجنس معه بطرق متعددة تتفاوت في درجة تقليديتها. وبمجرد الانتهاء من exu … حوَّل انتباهه إلى Moondreamer … مجبرًا إياها على ممارسة علاقات جنسية غير مرغوب فيها مع أشخاص آخرين متواجدين في الغرفة … تحولت أفعاله تدريجيًّا إلى العنف … حيث أجبر Moondreamer على جرح نفسها عن طريق أداة قطع منزلية. لم يستطع أحد إيقافه حتى استدعى أحدهم Iggy … الذي جلب معه بندقية ذات قدرات سحرية، بندقية لا تقتل لكنها تضع ضحيتها في قفص، حتى دمية السحر الأسود لا تستطيع اختراقه.34

لفظة اغتصاب لفظة من الصعب استخدامها في أي سياق، خاصة هنا. سيعترض البعض بأنه مهما كان ما حدث في هذا الفضاء الإلكتروني فلا علاقة له بالاغتصاب، لكن في المقابل، حتى لو لم يكن «ذلك» «اغتصابًا» فسيرى الجميع علاقة بين الاغتصاب وبين ما جرى لأولئك النساء في هذا الفضاء. استخدم بَنجل قواه السحرية ضد هؤلاء النساء لتحقيق رغباته الجنسية (ضد رغباتهن)؛ حيث قام بطبع العنف ضدهن بطابع جنسي، وحرمهن من حق التعبير عن اعتراضهن.

وسواء يعتبر ما حدث هنا اغتصابًا أو لا؛ فإن ذلك ليس مما يهمنا في هذا المقام، فما يهم حقًّا هو كيف استجاب المجتمع. شعر المجتمع بالغضب العارم إزاء ما قام به بَنجل، ورأى كثيرون ضرورة القيام بشيء كرد فعل على ذلك.

اجتمع أعضاء مجتمع لامدا إم أو أو في غرفة افتراضية في وقت محدد لمناقشة ما هم بصدد فعله. حضر ما يقرب من ثلاثين مستخدمًا، وهو أكبر اجتماع عرفه المجتمع. رأى البعض ضرورة طرد بَنجل، أو «أن يتم التخلص منه»، وفق التعبير المستخدم؛ أي قتله لخدمة غايات مجتمع إم أو أو، ورأى آخرون أنه لا يمكن القيام بأي شيء. كان بَنجل بكل تأكيد شخصًا غريب الأطوار، وكانت الطريقة المثلى للتعامل مع غريبي الأطوار هي تجاهلهم. أما البعض الآخر فقام باستدعاء سحرة النظام — المبتكرون، الآلهة — للتدخل من أجل التعامل مع هذه الشخصية. رفض السحرة؛ حيث تقتصر وظيفتهم، كما جاء في ردهم، على خلق العالم. أما الأعضاء فعليهم تعلُّم كيفية العيش فيه.

لم يوجد قانون في واقع الأمر يعاقب على ما فعله بَنجل. لا يوجد قانون في الفضاء الواقعي يعاقب على مشاغبات جنسية كتلك، مثلما لا توجد أي قاعدة واضحة في فضاء لامدا إم أو أو للتعامل مع هذا الأمر.35 أزعج ذلك الكثيرين ممن أرادوا أن يقوموا بشيء. بالرجوع إلى المثل في الفضاء الواقعي حول الإخطار المسبق المناسب وسلامة الإجراءات، وجد هؤلاء أنه لا يمكن معاقبة بَنجل على مخالفة قوانين لم تكن موجودة في وقتها.

ظهر في النهاية رأيان على طرفي نقيض: رأى جانب ضرورة القصاص الذاتي، فبَنجل شخص سيئ السلوك، ويجب القيام بأي شيء للتعامل معه، لكن ما لا يجب القيام به، وفق هؤلاء، هو أن يستجيب مجتمع لامدا إم أو أو عن طريق خلق عالم يسيطر عليه التنظيم. لا يحتاج مجتمع لامدا إم أو أو إلى الدولة، فكل ما يحتاج إليه هو مجموعة من المقتصين الطيبين، هو يحتاج إلى أناس ينفذون رغبة المجتمع دون تدخل دائم من قوة مركزية اسمها الدولة. يجب طرد أو قتل أو «التخلص من» بَنجل، وعلى أحدهم القيام بذلك، لكن هذا في حال رفض المجموعة الدعوة لتنظيم أنفسها بحيث تتحول إلى دولة.

أما الجانب الآخر، فكان يدعو إلى فكرة أخرى؛ ألا وهي الديمقراطية. عن طريق الاستعانة بالسحرة، يجب على فضاء لامدا إم أو أو الاتفاق على وسيلة للتصويت على القواعد الحاكمة لسلوكيات الناس في الفضاء، بحيث تخضع أي مسألة لصندوق الاقتراع، فلا يوجد أي دستور يستطيع تقييد مقررات العملية الديمقراطية. ينفِّذ السحرة ما يقرره الصندوق، وبعدها يصبح ذلك قاعدة.

كلا الطرفين لهما مميزاتهما، كما أنهما يستدعيان مجموعة من المثالب. تهدد العدمية في الحالة الأولى بفوضى عارمة؛ حيث يمكن تخيُّل مجتمع ينقلب على أشخاص دون تحذيرهم، أو حتى في وجود تحذير مسبقٍ غير كافٍ. يستطيع المرء تخيُّل المقتصين هائمين في الفضاء لا يقيدهم قيْد، «يتخلصون من» أناس صَدف أن بدت جرائمهم للمقتصين «نكراء». بالنسبة لأولئك الذين اتخذوا هذا الموقف بصورة أقل جدية في هذا الفضاء مما في الفضاء الواقعي، فإن هذا الحل الوسط لا غضاضة فيه، لكن ما لا غضاضة فيه بالنسبة إلى البعض هو أمر غير مقبول مطلقًا للآخرين، كما يدرك بَنجل ذلك جيدًا.

بدت الديمقراطية طبيعية، لكن قاومها كثيرون. بدت فكرة حضور السياسة في مجتمع لامدا إم أو أو مبددة لصفاء الفضاء، كما بدت فكرة أن يتم مناقشة الفِكَر أولًا ثم التصويت عليها عبئًا إضافيًّا. بطبيعة الحال، سيتم الإعلان عن القواعد، وسيتم تنظيم السلوك، لكن كل شيء في مجمله بدا كالعمل. سلب العمل شيئًا من مناخ المرح الذي كان عليه الفضاء.

في نهاية المطاف، تحققت وجهتا النظر. انتهى النقاش الذي استمر تلك الأمسية بعد حوالي ثلاث ساعات. لم يخرج النقاش بقرار واضح، لكن كان ثمة قرار على أي حال. وكما يصف ديبل القرار:
توصل TomTraceback عند هذه النقطة على الأرجح إلى قراره. كان TomTraceback أحد السحرة، شخصًا قليل الحديث جلس مطرقًا طوال الأمسية على هامش الاجتماع. لم يقل الكثير، لكن ما قاله دلَّ على أنه أخذ الجريمة التي ارتكبت في حق exu وMoondreamer على محمل الجد، وعلى أنه لم يُبدِ أي تعاطف مع الشخصية التي ارتكبت الجريمة، لكنه في المقابل، أشار بوضوح إلى النظر في مسألة طرد أحد اللاعبين على محمل الجد، كما أبدى عدم رغبته في العودة إلى الأيام التي كان يحدث فيها تدخلات سحرية. لا بد أن الأمر كان صعبًا إذن أن يوفِّق بين هذه الدوافع المتصارعة المختلطة داخله آنذاك. في حقيقة الأمر، كان الأمر مستحيلًا؛ لأنه … بقدر ما كان يريد أن يصنع من نفسه أداة لتحقيق إرادة مجتمع إم أو أو الجماعية [لا بد أنه أدرك ذلك في ظل الظروف الحالية]، فإنه وجب عليه في نهاية المطاف أن يتصرف وحده، أو لا يقوم بأي شيء على الإطلاق.
وهكذا تصرف TomTraceback وحده.
أخبر TomTraceback اللاعبين المتبقين في الغرفة برغبته في الانصراف ثم مضى. كان ذلك قبل دقيقة أو دقيقتين من الساعة العاشرة مساءً. قام بما قام به في هدوء وسرية، لكن لم يكن على من أراد أن يعرف ما فعله سوى كتابة الأمر @who («عند من»). هذا الأمر يُكتب عادةً لمعرفة موقع أحد اللاعبين في الوقت الحالي ووقت تسجيله للدخول. إذا قمت بكتابة هذا الأمر للبحث عن السيد بَنجل بعد وقت ليس بكثير من مغادرة TomTraceback غرفة emmeline، فستخبرك قاعدة البيانات بشيء مختلف:

«لا يوجد لاعب اسمه السيد بَنجل»، هكذا ستخبرك قاعدة البيانات.

أما التاريخ، كما تصادف، فكان الأول من أبريل، لكن لم تكن هذه مزحة؛ حيث توفي السيد بَنجل حقًّا وذهب إلى الأبد.36
عندما رأى السحرة ذلك انتقلوا إلى الطرف النقيض. ودون أي قرار رسمي من المواطنين، دعا السحرة إلى تطبيق الديمقراطية. ابتداءً من الأول من مايو من عام ١٩٩٣،37 يجب الاتفاق على أي شيء من خلال صندوق الاقتراع؛ بحيث يتحول أي اقتراح تكون الأصوات المؤيدة له ضعف تلك المعارضة له إلى قانون.38 تساءل كثيرون فيما إذا كان ذلك خطوة إلى الأمام أم لا.
هناك الكثير للتفكير فيه في هذه القصة، حتى في هذه النسخة المختصرة للغاية التي عرضتها للقصة.39 أريد أن أركِّز على الشعور بالفقد الذي انتاب قرار السحرة. هناك بالتأكيد بعض الرومانسية تتعلق بفكرة ترسيخ الديمقراطية، مثل إعلانات شركة كوداك التي يظهر فيها أبناء برلين الذين تبلل أعينهم الدموع مع انهيار الحائط وما إلى ذلك. يتمثل البعد الرومانسي هنا في فكرة الحكم الذاتي، ووضع أسس لتيسير ذلك. في المقابل، لا يعتبر انتقال مجتمع لامدا إم أو أو إلى الحكم الذاتي، من خلال الأسس الديمقراطية، مجرد إنجاز؛ فقد كان الأمر فشلًا أيضًا. لقد فشل الفضاء، فشل الفضاء في تنظيم نفسه، فشل الفضاء في ترسيخ القيم اللازمة في سكانه بحيث يتم تجنب الشرور التي ارتكبها بَنجل. أظهر النقاش انتقال الفضاء من نوع إلى نوع آخر من الأماكن، من فضاء ذاتي التنظيم إلى فضاء تنظمه الذات.
قد يبدو غريبًا أن يكون ثمة مكان يُحبِط فيه بزوغ الديمقراطيةِ الناسَ إلى هذا الحد، غير أن هذا النوع من ردود الفعل معتاد في الأماكن الإلكترونية. تروي كيتي هَفنر وماثيو لَيون قصة ظهور «تطبيق» يسمى أمر FINGER (الأصبع) في نظام يونيكس للتشغيل، يسمح للمستخدمين بمعرفة آخر مرة استخدم فيها مستخدم آخر الكمبيوتر، وما إذا كان المستخدم قرأ بريده الإلكتروني. ظنَّ البعض (وهو أمر غير مستغرب كما أظن) أن في هذا نوعًا من اختراق الخصوصية. مَن يهمه أن يعرف آخر مرة استخدمت فيها الكمبيوتر؟ أو لماذا يريدون معرفة ما إذا كنت اطَّلعت على بريدي الإلكتروني أم لا؟
قام مبرمج في جامعة كارنيجي ميلون، يدعى إيفور دورهام، بتغيير الأمر بحيث يتمكن المستخدم من تفادي هذه الأصبع المتجسسة. النتيجة؟ «انصب جام الغضب على دورهام دون رحمة، وتم سبُّه بكل سُبة ممكنة — من شخص إمعة إلى شخص غير مسئول اجتماعيًّا، إلى سياسي تافه، بل وأسوأ من ذلك — لكن لم يكن ذلك لسبب يرجع إلى حماية الخصوصية؛ فقد انتُقد دورهام للعبث بمدى انفتاح الشبكة.»40

كانت قيم عالم نظام يونيكس مختلفة؛ حيث كانت جزءًا أصيلًا من كود يونيكس، وحتى يمكن تغيير هذا الكود كان لا بد من تغيير هذه القيم، وهو ما قاومه أعضاء المجتمع بقوة.

وهكذا الأمر أيضًا مع مجتمع لامدا إم أو أو، فقبل عملية التصويت كان مجتمع لامدا إم أو أو منظَّمًا من خلال الأعراف الاجتماعية؛ حيث كان يتم الحفاظ على الأدوات المنظمة للأسس الاجتماعية من خلال مراقبة المواطنين الأفراد للسلوكيات في المجتمع. كان المواطنون الأفراد هم الأدوات التنظيمية للمجتمع، وكان صعود الديمقراطية علامة على سقوط هذا المجتمع. وعلى الرغم من استمرار الأعراف في وجود الديمقراطية، فإن طبيعة هذه الأعراف تغيَّرت إلى الأبد. فقبل تطبيق الديمقراطية، كان يمكن حل الصراع حول أي الأعراف تسود من خلال الإجماع؛ أي من خلال سيادة آراء معينة بأسلوب لا مركزي. أما الآن، صار يحسم هذا الصراع من خلال سلطة الأغلبية، لا من خلال ما تقوم به الأغلبية، بل من خلال طريقة تصويتها.

لقد قدمت هذا العالم الصغير الغريب بصورة رومانسية أكثر من اللازم. لا أعني أن عالم لامدا إم أو أو قبل الديمقراطية كان بالضرورة أفضل منه بعدها. أريد فقط أن أشير إلى تغيير من نوع خاص. مثل شبكة المشورة القانونية، وبخلاف أمريكا أون لاين، يعتبر مجتمع لامدا إم أو أو مكانًا تقوم فيه الأعراف بعملية التنظيم، لكن بخلاف شبكة المشورة القانونية، يعتبر مجتمع لامدا إم أو أو مكانًا يسيطر فيه الأعضاء حاليًّا على عملية إعادة تشكيل الأعراف.

تُغيِّر هذه السيطرة الأشياء. تصبح الأعراف مختلفة عندما تصبح الكلمة لصناديق الاقتراع، كما يصبح الكود مختلفًا عندما تملي صناديق الاقتراع على السَّحرة تغيير العالم. تشير هذه التغييرات جميعًا إلى الانتقال من نوع من الفضاء تسود فيه أعراف معينة إلى فضاء آخر تسيطر عليه أعراف أخرى، من نوع من التنظيم إلى نوع آخر.

في جميع هذه الأماكن الإلكترونية يكون الكود هو أداة التنظيم، لكن في المقابل هناك اختلافات مهمة بين الأماكن الثلاثة. تمتلك الأعراف أهمية خاصة في فضاء شبكة المشورة القانونية وفضاء لامدا إم أو أو، فيما لا يكون لها هذه الأهمية في فضاء أمريكا أون لاين. في المقابل، تمتلك الديمقراطية أهمية خاصة في فضاء لامدا إم أو أو فيما لا يكون لها نفس الأهمية في فضاءَي شبكة المشورة القانونية وأمريكا أون لاين. تمتلك عملية المتابعة أهمية خاصة في فضاء أمريكا أون لاين فيما لا يكون لها نفس الأهمية في فضاءَي لامدا إم أو أو وشبكة المشورة القانونية (حيث لا تُستخدم في أي من الفضاءين الأخيرين بيانات شخصية لأغراض تجارية، سواء أكانت هذه البيانات خارجية أم داخلية). يشكِّل الكود هذه المجتمعات الثلاثة. وفق إشارة جنيفر نوكن إلى فضاء لامدا إم أو أو: «تُنفَّذ السياسة من خلال التكنولوجيا».41 تشكِّل الاختلافات في الكود الاختلافات بين الفضاءات الثلاثة، لكن بعض الأكواد تجعل بعض المجتمعات أكثر حميمية من غيرها بصورة كبيرة، ومتى صار المجتمع أكثر حميمية صار من الممكن تنظيم السلوك من خلال الأعراف.

يتشكل الفضاء التالي في هذا المسح الشامل من خلال الكود أيضًا، على الرغم من انخفاض قدرة «الإدارة» في هذه الحالة على تغيير معماره الأساسي. هذا الكود هو كود الشبكة، أحد بروتوكولات الإنترنت التي لا يمكن تغييرها بسهولة من خلال مستخدم واحد، أو على الأقل هذا ما لم أجده سهلًا.

(٢-٤) مجموعة الأخبار law.cyber

كان اسمه آي بي إي إكس ولم يعرف أحد من هو. ربما استطعت أن أعرفه — حيث حصلت على البيانات اللازمة لملاحقته — لكن بعدما فعل ما فعل، لم أرغب في معرفة من هو. ربما كان طالبًا في أول درس عن الفضاء الإلكتروني قمت بتدريسه، كنت سأجعله يرسب في مادتي؛ لأنني كنت أشعر بالغضب العارم ممَّا فعله. كان اسم المادة التي أُدرِّسها «قانون الفضاء الإلكتروني». كانت النسخة الأولى من هذا الصف في جامعة ييل.

أقول النسخة الأولى لأنني حظيت بالفرصة الاستثنائية لتدريس هذه المادة في ثلاث كليات حقوق مرموقة: أولًا، كلية الحقوق في جامعة ييل، ثم كلية الحقوق في جامعة شيكاجو، وأخيرًا كلية الحقوق في جامعة هارفرد. كانت هذه ثلاثة أماكن مختلفة للغاية، وكان الطلاب في كل منها مختلفين للغاية، لكن كان هناك جزء من المادة هو نفسه في هذه الأماكن جميعًا. في كل عام دراسي، كانت هناك «مجموعة أخبار» ترتبط بالمادة، لوحة إعلانات إلكترونية يقوم الطلاب بكتابة تعليقات فيها حول أسئلة تمت إثارتها أثناء الصف، أو حول أي شيء آخر. كانت هذه التعليقات تفضي إلى مناقشات، موضوعات مناقشة، تعليق تلو الآخر يناقش أو ينقد التعليق السابق عليه.

تُشكِّل مجموعات الأخبار هذه ما يطلق عليه الفلاسفة «المجتمعات الحوارية»؛ حيث كانت هذه المجتمعات عبارة عن فضاءات تدور فيها المناقشات يتم تدوين ما كان يُقال ليقرأه الآخرون، كما هو الحال في شبكة المشورة القانونية. كان هذا هو الجزء الحواري. تكون المجتمع خلال فترة من الزمن حيث بدأ الناس في التعارف، في هذا الفضاء وفي الفضاء الواقعي. في إحدى السنوات، اجتمع طلاب من الصف وطلاب من خارج الصف (ممن كانوا يتابعون تطوُّر مناقشات مجموعة الأخبار .law.cyber) في حفل. في سنة أخرى، تم دعوة الطلاب من خارج الصف لحضور درس واحد. خلال السنوات الثلاث، في كليات ثلاث مختلفة، كان من الواضح تكوُّن مجتمعات ثلاثة، كل منها وُلد في موعد محدد، وعاش كل منها مدة لا تقل عن شهرين.

قصتي هنا مصدرها جامعة ييل. تعتبر كلية الحقوق في جامعة ييل كلية عجيبة، وإن كانت عجيبة بصورة محببة؛ فهي كلية صغيرة وتعج بالطلاب الأذكياء الذين لا يرغبون في أن يصبحوا محامين. تعتبر كلية الحقوق في جامعة ييل نفسها بمنزلة مجتمع، وكل من في الكلية من العميد إلى أدنى الدرجات (ليست هذه طريقة «ييل» في وصف الأشياء) يبذل قصارى جهده في دعم واستمرار روح الجماعة هذه بين الطلاب. ينجح الأمر في ييل إلى حد كبير، ولا يعني ذلك أن هناك سلامًا بين الجميع على الدوام، لكن بمعنى أن الجميع في ييل يدركون روح الجماعة هذه. البعض يرحب بهذه الروح والبعض الآخر يرفضها، وهو رفض — كالترحيب — يدل على وجود شيء؛ فلا أحد يرفض روح الجماعة بين الناس مثلًا على متن حافلة جراي هاوند.

إحدى السمات المميزة لكلية الحقوق في ييل هو «الحائط»، وهو مكان يستطيع أي شخص كتابة تعليقات عن أي شيء يرغبه عليه؛ حيث يمكن مثلًا كتابة خطاب عن حقوق المِثْليين في ييل، أو الاعتراض على معاملة ييل للعمال النقابيين. يتم وضع رسائل سياسية فضلًا عن موضوعات تتعلق بالقانون. كل تعليق يؤدي إلى مزيد من التعليقات، سواء تعليقات سريعة تُكتب على التعليقات الأصلية، أو تُرفق أسفل التعليق.

يوجد الحائط، الذي يعد علامة مميزة لأي زائر، وسط كلية الحقوق. وسط هيكل قوطي مقلَّد توجد مساحة صخرية عليها عشرات من الأوراق ملصقة في عشوائية. يتجول الطلاب حول التعليقات، يقرءون ما كتبه الآخرون. هذا هو ركن ييل للتعبير عن الرأي، على الرغم من أن المتحدثين كتَّاب، وأن المواد المكتوبة ثابتة، لا يمكن تحقيق أي مكسب على الحائط من خلال البلاغة الطنَّانة، فحتى تكسب احترام الآخرين يجب أن تقول شيئًا مهمًّا.

تحكم قاعدة واحدة هذا الفضاء؛ حيث يجب توقيع جميع التعليقات. أي تعليق دون توقيع يتم إزالته. في البداية، لا شك، كان الغرض من القاعدة هو أن يُوقِّع التعليقَ كاتبُه، لكن نظرًا لأن هذه هي ييل حيث لا توضع قاعدة دون إثارة آلاف الأسئلة، ظهر إلى الوجود تقليد يستطيع بموجبه أن يقوم أي شخص بلصق تعليق وتوقيعه دون أن يكون هو صاحب هذا التعليق («وقَّعه لكن لم يكتبه فلانًا»). هذا التوقيع يمنح التعليق الاعتماد اللازم حتى لا يتم إزالته من الحائط.

أسباب هذه القاعدة واضحة، مثلما هي المشكلات المترتبة عليها. لنقل إنك تريد انتقاد عميد الكلية بشأن قرار اتخذه. العميد، مهما كان شخصًا لطيفًا، هو صاحب نفوذ، وربما تُفضِّل لصق تعليق دون كتابة اسمك عليه، أو هَبْ أنك طالب تمتلك رؤًى سياسية تجعلك منبوذًا، أن تلصق تعليقًا يتضمن هذه الرؤى وعليه توقعيك سيؤدي ذلك إلى نفور زملائك منك. لا تعد حرية التعبير تعبيرًا دون وجود آثار مترتبة؛ فالنفور أو الإحساس بالعار أو الإقصاء هي جميعًا آثار مترتبة على كثير من أشكال التعبير.

تعتبر الجهالة، إذن، أحد أساليب التحايل على هذه المعضلة، فمن خلال الجهالة تستطيع أن تقول ما تشاء دون خوف. في بعض الحالات، وبالنسبة إلى البعض، يصبح الحق في التحدث دون الكشف عن الهوية مسألة منطقية.

في المقابل، ربما يريد أحد المجتمعات أن يناهض هذا الحق، فمثلما تمنح الجهالة القوة للتعبير عن رأي لا يلقى قبولًا واسعًا، فهي تحمي صاحب التعليق في حال التعبير عن رأي غير مسئول، أو ينال من السمعة، أو ضار. ربما تريد أن تنقد سياسات العميد، وربما تريد أن تتهم عن غير حق أحد زملائك بالغش. يستفيد كلا الرأيين من الجهالة، لكن يظل هناك سبب وجيه للمجتمع لرفض رأي مثل الرأي الثاني.

في حدود علمي، لم يكتب آي بي إي إكس أي شيء على الحائط؛ حيث كان يكتب تعليقاته في مجموعة الأخبار الخاصة بالمادة التي كنت أدرسها. كانت مجموعة الأخبار متاحة عن قصد للجميع في ييل ممن يريدون التعبير عن آرائهم. على خلاف الحائط، سمحت التكنولوجيا للمستخدمين بإطلاق أي أسماء يرغبون بها على أنفسهم. كان «آي بي إي إكس» بطبيعة الحال اسمًا مستعارًا. في حالة الحائط، كان الاسم المستعار مثل حديث صاحبه غير معروف؛ حيث لم يكن هناك داعٍ لاستخدام الاسم الحقيقي. أما في حالة مجموعة أخبار؛ فإن التعليق الذي يحمل صاحبه اسمًا مستعارًا يختلف تمامًا عن التعليق المُجهَّل. بمرور الوقت تستطيع التعرُّف على شخصية صاحب الاسم المستعار. في تلك السنة، كانت هناك أسماء مستعارة، بخلاف آي بي إي إكس، من شاكلة SpeedRacer، وMadMacs، وCliffClaven، وAliens، وblah، وChristopher Robbin. بينما قد يعرف طلاب الصف هوية هؤلاء المشاركين (كنا جميعًا نعرف مَن كان MadMacs، لكن لم يتعرف سوى قليل للغاية منا على هوية SpeedRacer)، يحمل كل اسم مستعار شخصية مستقلة.

كانت شخصية آي بي إي إكس سيئة، وكان هذا واضحًا من البداية. قبل ظهور آي بي إي إكس، كانت الحياة في الفضاء مزدهرة. في البداية، كان المستخدمون يشاركون على استحياء لكن في أدب. كان المشاركون الشجعان يبدءون بكتابة فكرة أو مزحة ثم تدور حولها المحادثات لفترة. بعد مرور أسبوعين صارت المناقشات أكثر سخونة. بدأت في الظهور أنماط محددة في المناقشات. بعض الأشخاص يطرحون أسئلة، وبعضهم الآخر يُقدِّم إجابات. تعثَّر المستخدمون في البداية، لكنهم ما لبثوا أن بدءوا في الحديث في بطء.

كانت هناك أشياء ظاهرة للعيان في الحال في الطريقة التي كانوا يتحدثون بها: أولًا؛ كانت الطالبات تتحدث في هذا الفضاء أكثر مما كنَّ يتحدثن في الصف، ربما ليس أكثر بالمعنى الإحصائي لكن أكثر.42 ثانيًا؛ برزت الفروق بسرعة بين مَن يُقدِّمون يد العون وبين من يتلقونه. نشأ صف على الإنترنت في سرعة بالغة، صف حقيقي يقدِّم نفسه بهذه الصورة، ويتحدث كصف واحد بطريقة يحلم بها أي مدرس في الفضاء الواقعي، وبطريقة لم أعهدها قط من قبل.

لا أستطيع أن أُفسِّر لماذا حدث ذلك. ربما كانت أونا سميث حافزًا على ذلك. قلتُ إنني قمت بتدريس هذه المادة ثلاث مرات. في كل مرة (دون أي تدخل مني على الإطلاق) كانت هناك أونا سميث تشارك في مجموعة الأخبار. كانت شخصًا حقيقيًّا في ييل، لكن بعد انتهائي من التدريس في ييل صرت أفكِّر بها كنمط. كانت دومًا امرأة من خارج الصف، وكانت دومًا على قدر عظيم من المعرفة عن الشبكة ويوزنت، وكانت دومًا تتجول في صفي (الإلكتروني) وتقول للآخرين كيف يتصرفون. وعندما كان أحد المستخدمين يخالف أحد الأعراف في الشبكة، كانت أونا تقوم بتصويبه. لم يتلق كثير من الطلاب في كثير من الأحيان هذه التعليمات بصورة حسنة (كان هؤلاء طلاب قانون على أي حال)؛ حيث كان الصف يصطف مدافعًا عن الشخص الذي كان يتم توجيه التعليمات إليه، وتحدي أونا لتدافع عن قواعدها. بطبيعة الحال، ولأنها خبيرة، كانت أونا تمتلك عادةً إجابة تدافع بها عن القواعد التي أمْلَتْها. سرعان ما يتحول تبادل الأسئلة والإجابات مع أونا إلى محور اهتمام الصف. نجحت أونا في استثارة غضب الطلاب الذين ازداد تلاحمهم نتيجة لذلك.

بعد مرور شهر ونصف الشهر على بدء تدريس المادة، وصلت مجموعة الأخبار إلى الذروة؛ حيث صارت أفضل ما يمكن أن تكونه. أتذكر تلك اللحظة جيدًا. في ظهيرة أحد أيام الربيع، لاحظت أن أحد الطلاب كتب البيت الأول في قصيدة. مع نهاية اليوم، دون أي تنسيق، أكمل الصف القصيدة. كان هناك إيقاع ما يتخلل مناقشات الطلاب، والآن صارت هناك قافية. كانت الأشياء تطنُّ في مجموعة الأخبار، وكان الناس يشعرون بدهشة حقيقية إزاء هذا الفضاء.

عندها ظهر آي بي إي إكس. أظن أن ذلك حدث بعد مناقشة موضوع الجهالة في الصف؛ لذا ربما كانت ادعاءاته اللاحقة بتحقيق أهداف تعليمية صحيحة. لقد ظهر عقب أحد صفوفنا، ظهر — فيما يبدو — للهجوم على أحد طلاب الصف. لم يكن هجومًا على فِكَره، بل هجومًا يستهدف الشخص نفسه. كان الهجوم شريرًا وشاملًا حتى إنني عندما قرأته لم أعرف كيف أفسره. هل كان هجومًا حقيقيًّا؟

توقفت المناقشات على الفور في المجموعة. فقط توقفت. لم يعلق أحد بأي شيء كما لو أن الجميع كان يخشى من أن الوحش الذي اقتحم فضاءنا سيصب جام غضبه على أحدهم في المرة القادمة، حتى تقدَّمت الضحية وبدأت في الرد، كانت إجابته تشي بجراح الهجوم. شقَّت كلمات آي بي إي إكس جرحًا بالغًا. كانت ضحيته غاضبة ومجروحة، فقامت بهجوم مضاد.

لكن هذا الهجوم ألهم آي بي إي إكس بجولة أخرى من الأفعال الشريرة، أكثر شرًّا من المرة الأولى. وهكذا، لم يستطع أعضاء الصف مقاومة المشاركة. هاجم آي بي إي إكس مجموعةٌ من الشخصيات في الصف واصفين إيَّاه بالجبان لتخفيه خلف اسم مستعار، وبأنه شخص مريض بسبب ما قاله. لم يُؤتِ هذا بأي أثر. عاد آي بي إي إكس مرات ومرات في منتهى القبح والإصرار.

تغيَّر الفضاء. تناقصت المحادثات، وبدأ الجميع في الانصراف. انصرف البعض بطبيعة الحال؛ نظرًا لما شعروا به من اشمئزاز لما رأوه، فيما خاف البعض الآخر أن يكون هدف آي بي إي إكس التالي. كانت هناك فترة قصيرة من الحياة في الفضاء عندما اصطف الجميع لمهاجمة آي بي إي إكس، لكن عندما عاد آي بي إي إكس مرة بعد أخرى أكثر شرًّا في كل مرة؛ انصرف معظم المشاركين. (عاد آي بي إي إكس في إحدى المرات للاعتراض على ارتكاب أخطاء بحقه، وفي الأسبوع السابق، ادَّعى بأنه لم يكتب أي تعليق لكن أحد المشاركين ارتدى عباءة آي بي إي إكس البيضاء وقام بكتابة التعليقات منتحلًا اسمه؛ بحيث تضررت سمعته هو؛ أَيْ آي بي إي إكس. لم يُبدِ الصف تعاطفًا كبيرًا مع أي من ذلك.)

لم يقتصر التغيير على المشاركين في الفضاء الإلكتروني، فعندما كنا نلتقي أسبوعيًّا وجهًا لوجه، شعرت بتغيير المناخ العام. شعر الجميع بوجود المخلوق في قاعة الدرس، لكن لم يستطع أحد تصديق أنه طالب في كلية الحقوق بجامعة ييل. كان هذا المخلوقُ أحدَ زملائهم في الصف، يختبئ خلف ابتسامة أو مزحة في الفضاء الواقعي، لكنه شرير في الفضاء الإلكتروني. كانت هذه الفكرة ذاتها — أن يختبئ الشر وراء ابتسامة — هي ما غيَّر نظرة المشاركين إلى الابتسامات.

أطلق البعض على ذلك «أثر ديفيد لينش»، في إشارة إلى المخرج الذي يرسم فساد مجتمع يتخفى وراء واجهات برَّاقة. شعرنا جميعًا في هذا الصف بفساد مجتمعنا تحت ستار الابتسامات والطلاب الملتزمين. كان ثمة جيك بيكر (مروَّض نسبيًّا) بين ظهرانينا. سمح الفضاء بسلوك أدى إلى دمار المجتمع، مجتمع قام الفضاء ذاته بخلقه. تم خلق هذا المجتمع جزئيًّا من خلال القدرة على التخفي، التخفي وراء اسم مستعار طيب، أو لإخفاء التردد، أو لإخفاء العدول عن كتابة شيء، أو لإخفاء رد فعل معين، أو لإخفاء عدم الانتباه إلى ما يقوله الآخرون. أدَّت هذه السلوكيات المُجهَّلة إلى أن يكون المجتمع ما هو عليه. لكن الجهالة نفسها التي خلقت المجتمع هي نفسها التي أدت إلى ميلاد شخصية آي بي إي إكس؛ وهو ما أدى إلى موت هذا المجتمع.

(٢-٥) حياة (حيوات) ثانية

وصفت هذه الأماكن الأربعة التي انتهيت للتوِّ من وصفها في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، كل باستخدام التعبيرات نفسها. إنها قصص قديمة، لكن لا تزال الدروس التي يخرج المرء منها بها هي الدروس نفسها التي يهدف هذا الفصل إلى إيصالها. لا أعني بطبيعة الحال أن أشير إلى عدم وجود تقدم في الفضاءات الإلكترونية التي ألهمها الإنترنت؛ حيث شهدت السنوات الخمس السابقة تزايدًا عظيمًا في الفضاءات الإلكترونية بصورة تتخطى أي شيء تصورته عندما كتبت الطبعة الأولى من هذا الكتاب.

بمعنًى من المعاني، لا تعتبر هذه الفضاءات جديدة حقًّا؛ حيث تمتلك هذه الفضاءات تكنولوجيا جديدة تعمل بصورة أفضل كثيرًا من نسخها المبكرة؛ نظرًا لأن أجهزة الكمبيوتر صارت تعمل بصورة أسرع، فضلًا عن زيادة سرعة الاتصال بالإنترنت. في المقابل، يظل عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي، الذي وصفته في الفصل الثاني، مستوحًى من فضاءات واقعية.

ما تغير في واقع الأمر هو الحجم. وكما أوضح جوليان ديبل الأمر لي، فإن السؤال هو:
هل يصنع الحجم فارقًا في أنواع الفضاءات هذه؟ أعتقد ذلك. بطبيعة الحال، يعتبر الفضاء الإلكتروني القائم على تبادل النصوص عالمًا محدودًا من ناحية الحجم؛ حيث لا تقتصر المحدودية هنا على توافر النصوص فقط في أحد الفضاءات في مقابل رسوم الجرافيك في فضاء آخر، بل الأمر يتعلق بمحدودية التواصل الثقافي في مقابل تواصل ثقافي أكثر اتساعًا، وهو ما يصب في صالح الفضاءات الأكبر حجمًا.43

تكون نتيجة ذلك «شيء أكثر ثراء اجتماعيًّا بطرق عديدة»، «ولا يقتصر الأمر هنا على صور الجرافيك ثلاثية الأبعاد، التي ستصبح بدورها فجة في وقت لاحق.»

صارت ألعاب الأدوار الإلكترونية شديدة التعدد (مرة أخرى ألعاب فيديو إم إم أو جي، أو ألعاب فيديو إم إم أو آر بي جي) صناعة قائمة بذاتها. يقضي الملايين مئات وربما آلاف الساعات حرفيًّا كل عام في هذه الفضاءات؛ حيث ينفقون مليارات الدولارات حرفيًّا ليحيوا هذه الحيوات الثانية. بطبيعة الحال، بينما يعيش هؤلاء هذه الحيوات الثانية فهم أيضًا يعيشون حيواتهم في الفضاء الواقعي. فبينما يلعب هؤلاء مثلًا لعبة عالم الحرب المعروفة باسم وورلد أوف وور كرافت، فهم يلعبون أيضًا أدوار الآباء أو الأمهات في الفضاء الواقعي. لم يترك هؤلاء إذن الحياة في العالم الواقعي للعيش في هذه الأماكن الأخرى، لكنهم جعلوا الأماكن الأخرى جزءًا لا يتجزأ من حيواتهم في العالم الواقعي. وقد شهدت السنوات الخمس الأخيرة زيادة عظيمة في معدلات الحيوات الواقعية التي يحياها أصحابها في الفضاء الإلكتروني.

يمكن تقسيم هذه «الألعاب» إلى نوعين. في أحد هذه الأنواع، «يلعب» المستخدمون لعبة يحددها الآخرون، وهي «ألعاب لعب أدوار». ومن هنا فإن لعبة مثل لعبة عالم الحرب تعتبر لعبة لعب أدوار؛ حيث يتنافس اللاعبون على زيادة ثرواتهم ومكانتهم (وهو ما يجعلها لعبة تختلف كليةً عن الحياة الواقعية). أما جراند ثفت أوتو فهي لعبة يمارس فيها اللاعبون نوعًا من الجريمة الإلكترونية. تمتلك هذه الألعاب جميعها نمطًا خاصًّا، لكنها تختلف في درجة قدرة اللاعبين على خلق شخصيات أو بيئات ذات صفات خاصة. تعتبر الغالبية العظمى من ألعاب الإنترنت ألعاب لعب أدوار بهذا المعنى. يُقدِّر أحد المواقع الذي يتتبع هذه المجتمعات نسبة ألعاب لعب الأدوار بحوالي ٩٧٪ من جميع الألعاب.44

يتضمن النوع الثاني مزيدًا من عمليات الإنشاء والتصميم؛ حيث توفِّر هذه الفضاءات مجتمعات يستطيع المستخدمون التواصل من خلالها، فضلًا عن أنشطة إبداعية وتجارية أخرى، ويختلف مزيج هذه الأنشطة بصورة كبيرة حسب كل لعبة؛ لكنها جميعها تهدف إلى خلق عالم افتراضي يوحي بوجود مجتمع واقعي فيه. تعتبر هذه الألعاب امتدادًا لألعاب إم أو أو التي وصفتها آنفًا، لكن هذه الألعاب تشمل أكثر من مجرد الأشخاص الذين لا يشعرون بالارتياح إلا عن طريق التواصل باستخدام النصوص. هذه الفضاءات حقيقية من الناحية التصويرية، حتى وإن كانت فضاءات افتراضية.

بطبيعة الحال داخل هذين النوعين من العوالم ثمة مجال متسع للإبداع. يتمثل الاختلاف بينهما في الدرجة في المقام الأول. وفي داخل كل عالم منهما توجد التجارة. يحقق موقع الحياة الثانية — وهو ما أصفه بمزيد من التفصيل لاحقًا — أرباحًا تصل إلى ما يزيد على «٤ ملايين دولار أمريكي في التعاملات التجارية بين الأفراد»45 شهريًّا. وبجمع هذه المكاسب في جميع الألعاب، على حد قول إدوارد كسترونوفا، نجد أن هناك حجمًا هائلًا من التجارة في هذه العوالم الإلكترونية.
«يصل حجم التجارة بين أشخاص يشترون ويبيعون أموالًا وعناصر أخرى افتراضية (مثل العصي السحرية، وسفن الفضاء، والدروع) إلى ما لا يقل عن ٣٠ مليون دولار أمريكي سنويًّا في الولايات المتحدة، و١٠٠ مليون دولار أمريكي عالميًّا.»46
بل إن الأكثر تشويقًا (وغرابة) هو تقدير كسترونوفا لإجمالي الناتج المحلي لكل نسمة في هذه العوالم الإلكترونية. يصل إجمالي الناتج المحلي لموقع EverQuest على سبيل المثال إلى نصف إجمالي الناتج المحلي في «جزيرة جمهورية الدومينيكان الكاريبية».47 بينما يصل إجمالي الناتج المحلي لموقع Norrath لكل نسمة إلى «حوالي نفس إجمالي الناتج المحلي لدولة بلغاريا، وأربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لكل نسمة في الصين أو الهند.»48
أرغب في التركيز هنا على النوع الثاني من عالم ألعاب فيديو إم إم أو جي، وبصفة خاصة لعبتين. كانت اللعبة الأولى لعبة رائدة في وقت مبكر في هذا الفضاء؛ ألا وهي لعبة There (هناك). أما اللعبة الثانية فهي لعبة تنمو نموًّا هائلًا، وتحقق نجاحًا مذهلًا؛ ألا وهي لعبة Second Life (الحياة الثانية).
تعتبر «الحياة الثانية»، كما يصفها موقعها، «عالمًا افتراضيًّا ثلاثي الأبعاد يقوم سكانه ببنائه وامتلاكه بالكامل.» يشير تعبير «ثلاثي الأبعاد» إلى أن ممارسة اللعبة تبدو كما لو كانت ثلاثية الأبعاد؛ حيث تظهر الشخصيات والأشياء في ثلاثة أبعاد، وتشير لفظة «افتراضي» إلى أن أجهزة الكمبيوتر تقوم بعرض الأشياء والأشخاص، كما يشير تعبير «بنائه» عن طريق سكانه إلى أن «الحياة الثانية» توفر فضاءً يقوم سكانه ببناء عالم «الحياة الثانية» من خلاله (وهم سكان غير قليلين؛ حيث يقوم ما لا يقل عن ١٥٪ من سكان هذا العالم بتحرير الشفرة التي يعمل بها عالم «الحياة الثانية».49 كان عالم «الحياة الثانية» في بدايته يقوم بعرض حقول خضراء جميلة؛ حيث كان السكان يمتلكون قطعًا من الأراضي يقومون ببناء أشياء عليها)، ويشير تعبير «امتلاكه» عن طريق سكانه إلى أن الأشياء التي يقوم سكان «الحياة الثانية» ببنائها هي ملك لهم، سواءٌ الأشياء «المادية» نفسها (السيارات، أو ألواح التزلج، أو المنازل)، أو حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بأيٍّ من الأشياء التي قاموا ببنائها.

تتعارض هذه السمة الأخيرة بشدة (على الأقل بالنسبة لي) مع نوع ألعاب فيديو إم إم أو جي الآخر الذي ذكرته توًّا، عالم لعبة «هناك»؛ فهذا العالم هو أيضًا موقع مجتمعي، لكنه مختلف اختلافًا جذريًّا عن عالم «الحياة الثانية» (وأقل نجاحًا منه). يتمحور هذا العالم حول التوكيلات التجارية لماركات شهيرة؛ حيث تقوم سوني أو نايكي، على سبيل المثال، بفتح متجر لها في عالم لعبة «هناك»، كما يُسمح للمستخدمين بخلق أشياء فيه، وعندما يقررون بيع أو التخلي عن هذه الأشياء يحصل عالم لعبة «هناك» على نسبة من هذه العمليات. وعلى الرغم من أن معظم عناصر هذا العالم مُعدة سلفًا، فإن ثمة فرصة هائلة لإدخال تعديلات خاصة عليها.

صاغ مؤسسو عالم لعبة «هناك» رؤيتهم لهذا العالم حول المثل العليا للولايات المتحدة (أو على الأقل حول فهمهم لها)، فكان سعر الصرف دولارات هذا العالم مثلًا هو ١٧٨٧ إلى ١؛ حيث الرقم ١٧٨٧ هو تاريخ كتابة دستور الولايات المتحدة. وعلى حد وصف رئيس مجلس إدارة عالم لعبة «هناك» حينئذٍ لأحد الصفوف التي كنت أدرِّس لها: تُستمد قيم عالم لعبة «هناك» من قيم الجمهورية الأمريكية.

تشكَّك طلابي في ذلك. وأحرَجتْ طالبة لامعة لي، كاثرين كرَمب، الرئيس التنفيذي؛ حيث وجهت إليه سؤالًا حول ما إذا كان عالم لعبة «هناك» يحترم مبادئ التعديل الأول من الدستور الأمريكي. رد الرئيس التنفيذي: «بالطبع.» «وهل يُسمح لأحد مواطني عالم لعبة «هناك» بوضع لافتة على أرضه؟» «بالطبع.» «وهل يُسمح لهذا المواطن بشراء أرض ملاصقة، لنَقُل: لنايكي؟» «بالطبع.» «وهل يُسمح لهذا المواطن بوضع لافتة على أرضه الملاصقة لنايكي تقول: «نايكي تستخدم العمالة رخيصة الثمن تحت ظروف عمل غير عادلة»؟» «امم. لست متأكدًا من الإجابة.» وهكذا لنَقُل على التعديلِ الأولِ السلامَ.

أو فيما يتعلق بفضاء «الحياة الثانية»، سألت كرَمب: «من يمتلك بروتوكول الإنترنت [الملكية الفكرية] في التصميمات التي يبتدعها المواطنون؟» عالم لعبة «هناك». «ومن يمتلك بروتوكول الإنترنت في التصميمات التي تبتدعها نايكي؟» «نايكي، بالطبع. كيف يكون الأمر خلاف ذلك؟» ربما كان الأمر مختلفًا إذا التزمت مبادئ الدستور الأمريكي، على حد قول كرَمب للرئيس التنفيذي، التي تقول بأن حقوق بروتوكولات الإنترنت هي حقوق أصيلة «للمؤلفين أو المبتكرين»، لا الشركات.

هناك مشكلة هيكلية حقيقية، وهي المشكلة نفسها التي تواجه أي اقتصاد مخطَّط أو مركزي. يتم بناء عالم لعبة «هناك» من خلال شركة There المتحدة، وهنا مكمن المشكلة؛ حيث تكون الأسس الرئيسة لبناء هذه العوالم الإلكترونية في غاية التعقيد، ويتكلف بناؤها تكلفة طائلة، ومن هنا فإن شركة There المتحدة تتحمل تكلفة رأسمالية عالية في إدارة عالم لعبة «هناك».

قامت «الحياة الثانية» (مثل جميع الأمم الجديدة) بتعهيد تكلفة البناء إلى مواطنيها، فعندما تشتري أرضًا في «الحياة الثانية»، تحصل على مساحة خالية أو جزيرة غير مأهولة. عليك إذن أن تشتري أشياء، أو أن تقايض أشياء، أو تبني أشياء بغرض تعمير الأرض. هناك دورة اقتصادية كاملة فيما يتعلق بعملية البناء، وربما كان ذلك عملًا شاقًّا. في المقابل، تستطيع بيع ما قمت ببنائه، كما تصبح التصميمات التي ابتدعتها ملكك أنت. يقطن ويبني الآن أكثر من ١٠٠ ألف شخص عالم «الحياة الثانية». بالنسبة إلى هؤلاء، فإن اللعبة تقدم لهم ما تعدهم به بالفعل.

هذه القواعد الحالية نتاج تطور الحياة في «الحياة الثانية»، ففي الاختبار النهائي العام الأول للموقع قبل إطلاقه باسم «الحياة الثانية»، لم يوجد مفهوم ملكية الأراضي. كل شيء كان مشاعًا. بدأ مفهوم ملكية الأراضي مع الاختبار الثاني، عندما كان يستطيع المستخدمون الحصول على قطة أرض عامة مقابل دفع سعر محدد. عند امتلاك الأرض، كان مالكها يقرر ما إذا كان الآخرون يستطيعون صنع أشياء، أو كتابة شفرات، أو وضع علامات على الأرض، ثم تم زيادة الخيارات لاحقًا.

في الإصدار رقم ١٫١، كانت هناك تغييرات هائلة في طبيعة الأراضي، فبينما كان المستخدمون يستطيعون في البداية الانتقال عبر الأثير دون أي قيود إلى أي مكان، صار المالكون يقررون حاليًّا ما إذا كان الآخرون يستطيعون «انتهاك حرمة» أراضيهم أم لا؛ وذلك لتفادي وقوع أضرار، سواءٌ أكان ذلك عن طريق ضبط خاصية أساسية تسمح أو تمنع من دخول الأرض، أم عن طريق إنشاء قائمة بالأشخاص المسموح لهم بالزيارة دون قيود. كانت هذه القيود تنطبق حتى مسافة ١٥ مترًا فوق سطح الأرض. أما خلاف ذلك، فيستطيع أي مستخدم الطيران دون أي قيود فوق الأرض، حتى لو لم يرغب مالك الأرض في وجود هذا المستخدم في محيط أرضه.

يشبه هذا القيد الأخير قيدًا مشابهًا في تاريخ القانون الأمريكي، فكما أُشير في كتاب «الثقافة الحرة»،50 كان قانون تملك الأراضي في التقليد الأمريكي يعتبر مالك الأرض هو مالك الفضاء الذي يمتد من الأرض إلى «مسافة غير محدودة فوق الأرض».51 ظهر خلاف واضح مع ظهور الطائرات. فهل يصبح قائد الطائرة متعدِّيًا على حرمة إحدى الأراضي إذا قام بالطيران فوقها؟

كان الحل الذي توصلت إليه صياغة القانون هو تقدير مسافة الطيران المنخفضة للغاية والمرتفعة للغاية؛ حيث لا يعد الأمر تعدِّيًا في حال الطيران فوق إحدى الأراضي على ارتفاع كبير للغاية، فيما يعتبر الطيران على ارتفاع منخفض للغاية فوق إحدى الأراضي نوعًا من الإزعاج. وهكذا توصل عالم «الحياة الثانية» إلى حل مشابه للحل الذي أوجده القانون.

لاحظ الفارق المهم: في الفضاء الواقعي، يعني وجود قانون توقيع العقوبة عليك لمخالفة قاعدة الطيران «المرتفع/المنخفض». أما في عالم «الحياة الثانية»، فلا تستطيع ببساطة مخالفة قاعدة الطيران لأقل من ١٥ مترًا؛ حيث إن القاعدة جزء من الكود المسيطر على سلوكك في عالم «الحياة الثانية». لا يوجد خيار بشأن الالتزام بالقاعدة أو عدم الالتزام بها مثلما لا يوجد خيار بشأن الجاذبية.

وهكذا فإن الكود هو القانون هنا. يؤكد الكود/القانون على سيطرته مباشرة، لكن هذا الكود (مثل القانون) يتغير. محك الأمر هنا هو إدراك أن هذا التغيير في الكود (على خلاف قوانين الطبيعة) هو كود موضوع ليعكس اختيارات وقيم واضعيه.

خذ مثلًا آخر لتوضيح النقطة عينها. كما ذكرت، تمنح «الحياة الثانية» مبتكري الملكية الفكرية في عالم «الحياة الثانية» حق هذه الملكية، داخل وخارج عالم «الحياة الثانية».52 (وكما يشير أحد المؤسسين: «أشاح محامونا رافضين هذه الفكرة، لكننا قررنا أن مستقبل شركتنا لا يرتبط بامتلاك ما يبتكره الآخرون».)53 وهو ما ينطبق في حال امتلاك بروتوكولات الإنترنت في الفضاء الواقعي، فإذا لم تتخل عن حقوقك لصالح إحدى الشركات (لا تفعل!) يمنحك القانون الحق تلقائيًّا في حقوق التأليف والنشر المتعلقة بإبداعك، وذلك عندما تقوم بابتكار أي شيء في العالم الواقعي. أقوم بإدارة مشروع غير هادف للربح اسمه المشاع الإبداعي، يجعل من السهل بالنسبة للمبتكرين منح حرية تداول ابتكاراتهم. في الفضاء الواقعي، عندما تستخدم رخصة المشاع الإبداعي، تُميِّز محتواك عن طريق الرخصة التي ترغب بها، ومن ثم يعرف المستخدمون الحريات المسموح لهم بها في استخدام ابتكاراتك. وفي حال مخالفة القانون، يتم التعامل مع الأمر من خلال القانون.

توسَّعت «الحياة الثانية» في تطبيق هذه الفكرة؛ حيث يستطيع المبتكرون في هذا العالم تمييز محتوياتهم من خلال الرخصة التي يرغبون بها، لكن سحرة هذا العالم ينظرون في فكرة تأثير الرخصة التي اختارها المبتكرون تأثيرًا مباشرًا على كيفية استخدام الآخرين للابتكارات. في حال كانت رخصة المشاع الإبداعي تُميِّز محتوًى ما، يستطيع أحد المستخدمين نسخه دون تصريح مباشر. أما في حال عدم تمييز المحتوى من خلال الرخصة، فإنه إذا حاول أحد المستخدمين نسخ المحتوى، فسيصبح المحتوى غير مرئي. مرة أخرى، يعبِّر الكود عن القانون بصورة أكثر فعالية مما يستطيع القانون في العالم الواقعي أن يفعل.

(٢-٦) الإنترنت

كما ذكرت، نستطيع التمييز بين الفضاء الإلكتروني والإنترنت، لكن يظل الطرح المقدم في هذا الفصل، مهما كان واضحًا بالنسبة إلى الفضاء الإلكتروني، قائمًا بالنسبة إلى الإنترنت. هناك قيم محددة تستبطن سمات معماريات الإنترنت. وهي سمات قد تتغير أيضًا، وإذا تغيرت فستتغير القيم التي يُسوِّقها الإنترنت بدوره.

يتجلى المثال الأهم على هذا فيما ذكرته في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهو ما كان محور كتاب «مستقبل الأفكار». إنه مبدأ «الطرف إلى الطرف» الذي وصفه مهندسو الشبكات جيروم سُلتزر، وديفيد كلارك، وديفيد ريد في عام ١٩٨١.54 هذا المبدأ عبارة عن فلسفة تصميم طرق بناء الشبكات. يُوصي هذا المبدأ ببقاء تصميم الشبكات في أبسط صورة ممكنة، وأن تتوافر المعلومات المطلوبة في بناء شبكة على الحافة — أو أطراف الشبكة — إذا كان ذلك ممكنًا.

كما ذكرت آنفًا، جسَّد الإنترنت هذا المبدأ من خلال تركيز وظيفة بروتوكول تي سي بي/آي بي، بصورة أساسية، على أفضل سُبل نقل حزم البيانات. أما ما تقوم به هذه الحزم، أو الغرض منها، فليست من وظائف البروتوكول؛ حيث يكون نقل البيانات هو الهدف الأساسي والوحيد.

كانت إحدى النتائج المترتبة على هذا التصميم، إذن، هي أن صار المستخدمون قادرين على الابتكار دون الحاجة إلى التنسيق مع أي مالك للشبكة. فإذا أردت أن تطوِّر تطبيقًا لنقل الصوت عبر أحد بروتوكولات الإنترنت لنقل الصوت، فكل ما عليك القيام به هو كتابة كود التطبيق بغرض استخدام بروتوكولات تي سي بي/آي بي لنقل البيانات عبر الشبكة بطريقة تجعل التطبيق يعمل.

يتضمن هذا التصميم قيمة تشجيع ابتكار التطبيقات لاستخدامها في الشبكات، وهو تصميم يدفع إلى الابتكار؛ لأن ذلك يقلل من تكاليف تطوير تطبيقات جديدة (لست في حاجة إلى سؤال أحد أو الحصول على تصريح لتطوير تطبيق)، ولأن تشجيع الابتكار يتفادى اتخاذ مالك الشبكة خطوات استراتيجية تؤثر على سلوك المستخدمين. خذ مرة أخرى مثلًا في تطوير تطبيق نقل الصوت عبر أحد بروتوكولات نقل الصوت عبر الإنترنت. في حال امتلاك شركات الهواتف للشبكات، فلن تتحمس هذه الشركات — بطبيعة الحال — لفكرة التطبيق الذي سيلتهم حصتها من مشتركي خدماتها الهاتفية. من هنا، إذا كان يجب الحصول على تصريح قبل استخدام تطبيق نقل صوت عبر بروتوكول إنترنت، فلا نتوقع نشر هذا البروتوكول من الأصل؛ وذلك نظرًا لأن أحد المُطوِّرين قام بتطويره لكن تم حجب التطبيق، أو أن المطورين الأذكياء رأوا في ذلك إهدارًا للوقت؛ حيث سيتم حجب التطبيق على أي حال. وعلى حد قول سوزان كروفورد: «يرجع النمو المذهل للإنترنت — في جانب كبير — إلى عدم التمييز ضد المستويات العليا … حيث استطاع المبتكرون عند مستوى طبقة التطبيقاتِ الحفاظَ على ثبات الطبقات السفلى من التطبيقات.»55

تتمثل القيمة هنا في الابتكار والمنافسة؛ حيث تُمكِّن الشبكة أكبر عدد ممكن من المبتكرين — مستخدمي الشبكة — وتمنحهم جميعًا الصلاحيات اللازمة للابتكار لصالح الشبكة. يمكن استخدام أي تطبيق على الشبكة (ما دام يلتزم ببروتوكولات تي سي بي/آي بي). وإذا أعجب التطبيق مستخدمي الشبكة، يصبح تطبيقًا ناجحًا.

في الوقت نفسه — طالما تم الالتزام بمبدأ الطرف إلى الطرف على الأقل — يحرم هذا التصميم أقوى لاعب في الشبكة؛ مالكها، من فرصة الابتكار داخلها. ربما لا يحب مالك الشبكة التطبيقات التي يتم تطويرها، لكن مبدأ الطرف إلى الطرف لا يعطيه فرصة حجب استخدام هذا التطبيق.

لكن مثلما يمكن تغيير طبيعة الشبكة التي تعتمد على بروتوكولات تي سي بي/آي بي بحيث يتم سد «فجوات» المعلومات في الشبكة، يمكن أيضًا تغيير طبيعة شبكة تي سي بي/آي بي بحيث يتم التخلص من مبدأ الطرف إلى الطرف. في الواقع، يمكن استخدام الأدوات التي تناولتها في الفصل الرابع للقيام بهذه المهمة. على سبيل المثال، يستطيع مالك الشبكة إجراء مسح لحزم البيانات التي تنتقل عبر شبكته، وحجب أي بيانات لا تأتي عن طريق تطبيق معروف أو معتمد. وحتى يتم إدراج أحد التطبيقات ضمن قائمة مالكي الشبكات، يجب على مطوري التطبيقات الاتصال بالمالكين لإدراجهم في القائمة. يعتبر هذا التغيير في طريقة عمل الإنترنت ممكنًا من الناحية الفنية، بل ثمة أنماط من طرق السيطرة هذه يتم تطبيقها بالفعل لأغراض تنافسية وأمنية. على سبيل المثال، تستطيع بعض الشبكات التي تريد السيطرة على بعض التطبيقات المستخدمة في الشبكة لأغراض تنافسية استخدام هذا الأسلوب في السيطرة؛ لحجب التطبيقات غير المرغوب فيها (مرة أخرى، فكِّر في نموذج شركات الهواتف التي تحجب تطبيقات نقل الصوت عبر بروتوكولات الإنترنت)، كما تستطيع بعض الشبكات التي تريد تجنب أي فيروسات أو مشكلات في شبكتها أن تحجب جميع التطبيقات الأخرى؛ ما يُسهِّل من عملية السيطرة. وأيًّا ما كان السبب فإن النتيجة واحدة؛ ألا وهي تقييد حرية الابتكار في الإنترنت.

ومثلما هو الحال مع القصص حول «الفضاء الإلكتروني»، فإن هذه الحالة عن الإنترنت توضح أيضًا العلاقة بين المعمار والسياسة المتبعة. يعتبر مبدأ الطرف إلى الطرف نموذجًا مرجعيًّا لتكنولوجيا تستبطن قيمًا محددة. ويعتمد اختيارنا للمعماريات التي نشجعها على السياسة التي نناصرها، وهو ما ينطبق حتى في الحالات التي لا يعتبر فيها الإنترنت «مكانًا»؛ أي حتى لو كان الإنترنت «مجرد» وسيط.

(٣) كيف تختلف المعماريات والفضاءات

تختلف الفضاءات التي وصفتها توًّا بعضها عن بعض. يُوجِد المجتمع في بعض الأماكن مجموعة من الأعراف التي يتم تطبيقها ذاتيًّا (من خلال أعضاء المجتمع). وتُسهم سمات كالعلانية (في مقابل الجهالة) والديمومة في خلق هذه الأعراف، فيما تجعل الجهالة، وعدم الديمومة، والتعددية عملية تشكيل المجتمع أكثر صعوبة.

في الأماكن التي لا يكون فيها المجتمع منظَّما ذاتيًّا بصورة كاملة، تُستكمل الأعراف من خلال القواعد المفروضة، سواء من خلال الكود أو سلطة مُنظِّمة. قد تخدم هذه القواعد تحقيق أهداف تتعلق بترسيخ أعراف محددة، لكن قد تتعارض هذه الأهداف أحيانًا مع هدف بناء المجتمعات.

إذا كان علينا أن نُبسِّط هذه التعددية في الفضاءات عن طريق البحث عن بُعد نستطيع من خلاله تصنيفها؛ فإن هذا البعد هو ميل كل جماعة إلى السيطرة. يمكن السيطرة على بعض هذه الجماعات في هذه القائمة من خلال الأعراف فقط، .law.cyber على سبيل المثال؛ حيث كانت التكنولوجيا الوحيدة لتغيير السلوك هناك — بالنظر إلى التزامي بألا أراقب وألا أعاقب السلوك السيئ — هي أعراف الطلاب في صف كلية الحقوق. على الجانب الآخر، هناك جماعات أخرى تميل إلى تكنولوجيات أخرى للسيطرة. عندما ننتقل من .law.cyber إلى شبكة المشورة القانونية إلى لامدا إم أو أو إلى أمريكا أون لاين؛ فإن القدرة على استخدام تكنولوجيات السيطرة تزداد، على الرغم من أن هذه القدرة تحدُّها المنافسة، ففي حال جعل الكود المكان غير جذاب سينصرف الناس عنه.

من هنا يستطيع مهندسو المعماريات في شبكة المشورة القانونية وأمريكا أون لاين استخدام التكنولوجيا لتغيير السلوك، لكن إذا صار التغيير عميقًا بحيث ابتعد كثيرًا عما يظن الأعضاء أنه السلوك الأصلي المتبع في الفضاء، فسيترك الأعضاء الفضاء ببساطة. تعتمد مدى خطورة تهديد هذا القيد على توافر البدائل المتاحة بطبيعة الحال. فمع ازدهار المدونات، يصبح فضاء كشبكة المشورة القانونية ذا قوة سوقية منخفضة نسبيًّا. أما قوة أمريكا أون لاين فهي أكثر تعقيدًا. هناك بطبيعة الحال العديد من شركات تقديم خدمات الإنترنت الأخرى، لكن بمجرد الانتقال للانضمام إلى إحداها تكون تكاليف الانتقال باهظة.

أما في لامدا إم أو أو فإن المسألة أكثر تعقيدًا؛ حيث لا يوجد حقًّا ما يربط بين الناس في عوالم إم أو أو (هناك المئات من هذه العوالم ومعظمها مجاني)، لكن نظرًا لأن الشخصيات في أحد عوالم إم أو أو هي شخصيات مكتسبة لا شخصيات جاهزة، ونظرًا لأن خلق هذه الشخصيات يتطلب وقتًا، كما لا يمكن استبدال الشخصيات، يَصعُب على أعضاء أحد عوالم إم أو أو الناجحة بصورة متزايدة الانتقال إلى فضاء آخر؛ فهؤلاء لهم حق الوجود مثلما أن المواطنين السوفييت لهم الحق في الوجود؛ أي إن لهم الحق في الوجود لكن دون الأصول التي قاموا ببنائها من خلال انتمائهم لهذا العالم الذي كانوا ينتمون إليه.

أخيرًا، يقدم فضاء «الحياة الثانية» النموذج الأوفر حظًّا للسيطرة؛ حيث ينظِّم الكود الحياة في «الحياة الثانية» أكثر مما هو الحال في أي من الفضاءات الأربعة الأخرى، كما أن حميمية الحياة في «الحياة الثانية» تجذب المستخدمين إليها، وتجعل الفكاك منها مُكلفًا. مرة أخرى، هناك قيود على السيطرة، لكن أدوات السيطرة تتميز بالإحكام فيها عنها في سائر الفضاءات الأخرى. وإذا صدقنا فيليب روزديل، رئيس مجلس إدارة «الحياة الثانية»، ستصبح السيطرة من خلال الكود هنا بطريقة غير مباشرة أكثر فأكثر. وفق روزديل:
نشعر … أننا يجب أن نستخدم الكود بكثافة كلما أمكن ذلك؛ نظرًا للقدرة التي يمنحنا إياها في تنظيم حجم ونوع المستخدمين، ولا يجب أن ننفذ أي سياسة دون استخدام الكود إلا إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك، أو كان استخدام الكود لا يحقق الجدوى المطلوبة من استخدامه. هناك أشياء ننظر إليها ونقول: «سنستطيع تغيير ذلك عن طريق الكود يومًا ما، لكننا سنقوم بذلك يدويًّا في الوقت الحالي.»56

(٤) تنظيم الكود من أجل تنظيم أفضل

قمتُ بإجراء عملية مسح لمجموعة من الفضاءات لاستبيان عناصر التنظيم في كل منها. يعتبر الكود أحد العناصر المهمة بصورة متزايدة. في الفضاء الإلكتروني بصفة خاصة، وعبر الإنترنت بصفة عامة، يتضمن الكود مجموعة من القيم، فهو يسمح أو يمنع أنماطًا محددة من السيطرة على السلوك. ومثلما كان هو الشغل الرئيس لهذا الجزء؛ فإن الكود أداة للسيطرة أيضًا — لا السيطرة الحكومية، على الأقل في الحالات التي قمت بإجراء مسح حولها — لكنها سيطرة تخدم أغراض أيِّ منظِّم يضع الكود.

تشي هذه القصص بأسلوب في السيطرة، وبمجرد أن ندرك الفكرة، سندرك الأسلوب في سياقات مختلفة للتنظيم. إذا استطاعت «الحياة الثانية» استخدام الكود للسيطرة بصورة أفضل على السلوك، فماذا عن الحياة الأولى؟ إذا كانت أمريكا أون لاين (أمريكا على الإنترنت) تستخدم الكود للسيطرة على عمليات الاحتيال بصورة أفضل، فماذا عن أمريكا خارج الإنترنت؟ إذا كان الإنترنت يستخدم تصميم الطرف إلى الطرف بغرض تشجيع المنافسة بصورة أفضل؛ فماذا يتعلم المُنظِّمون على الأرض من ذلك؟ كيف تستمد ممارسات صانعي السياسة الفِكَر من أساليب سياسة السيطرة هذه؟

الإجابة هي: يقوم صانعو السياسات بالشيء نفسه منذ فترة طويلة، فمثلما وصف الفصل الخامس كيفية استخدام المنظمين للكود من أجل تنظيم السلوك أكثر؛ فإن المنظمين أيضًا استخدموا الكود للسيطرة على السلوك مباشرةً. خذ بعض الأمثلة البديهية على ذلك.

(٤-١) الأشرطة

تعتبر السمة الأبرز في الوسائط الرقمية هي تطابق النسخ بصورة كاملة، فالوسائط الرقمية مجرد بيانات، والبيانات ليست سوى شرائط تتألف من رقمي ١ وصفر. تحتوي أجهزة الكمبيوتر على خوارزميات معقدة للتحقق من نَسخ شريط من البيانات نَسخًا طبق الأصل تمامًا.

تمثل هذه السمة خطرًا جديدًا لمُقدِّمي المحتوى، فبينما كان كود النَسخ عن طريق التكنولوجيا التناظرية (أنالوج) يؤدي إلى انخفاض جودة النسخة مقارنةً بالأصل، فإن كود التكنولوجيات الرقمية ينتج نسخة مماثلة للأصل تمامًا. هذا يعني أن الخطر المحيق بمقدمي المحتوى من جانب «النسخ» أعلى في العالم الرقمي منه في عالم التكنولوجيا التناظرية.

كانت التكنولوجيا السمعية الرقمية هي التكنولوجيا الأولى من نوعها التي تكشف عن مثل هذا الخطر، فمثل أي تكنولوجيا تسجيل رقمية تستطيع هذه التكنولوجيا، نظريًّا، نسخ المحتوى بصورة مطابقة تمامًا. من هنا خشي مُقدِّمو المحتوى من أن عمليات القرصنة باستخدام شرائط التكنولوجيا السمعية الرقمية ستؤدي إلى تدمير صناعتهم؛ لذا سعوا لدى الكونجرس للضغط من أجل إصدار تشريعات جديدة لحمايتهم من التهديد الرقمي.

كان الكونجرس يستطيع الاستجابة لمطالبهم من خلال وسائل عدة؛ حيث كان من الممكن إصدار قانون لتنظيم السلوك مباشرةً، عن طريق تغليظ العقوبة على عمليات النسخ غير القانونية، وكان يستطيع تمويل حملة إعلانات عامة ضد عمليات النسخ غير القانونية، أو تمويل برامج مدرسية لإثناء الطلاب عن شراء نسخ مقرصنة من التسجيلات الرائجة، وكان الكونجرس يستطيع فرض ضريبة على الأشرطة الفارغة، ثم تحويل عوائد الضرائب إلى مالكي المواد التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر،57 أو ربما حاول الكونجرس تنظيم التكنولوجيا السمعية الرقمية للتقليل من مخاطر التهديد الذي تمثله هذه التكنولوجيا للمواد التي تتمتع بحقوق التأليف والنشر.
لجأ الكونجرس إلى الوسيلتين الأخيرتين؛ حيث فرض قانون تسجيلات المنازل السمعية ضريبة مخففة على الشرائط الفارغة، كما نظَّم كود تكنولوجيات إعادة الإنتاج الرقمي مباشرةً. يشترط القانون على منتجي أجهزة التسجيلات الرقمية وضع شريحة في نظم التسجيل تتضمن نظامًا يحتوي على كود يقوم بتتبع النسخ التي تم أخذها من أي نسخة موجودة على الجهاز.58 تسمح الشريحة بأخذ عدد محدود من النسخ الشخصية، لكن عند أخذ نسخ من نسخ أخرى؛ فإن جودة التسجيلات تنخفض بشدة. اشترط الكونجرس، إذن، تغيير كود تكنولوجيا النسخ الرقمي بغرض استعادة العيوب التي كانت «طبيعية» في تكنولوجيا الشفرات المبكرة.

ها هو الكونجرس مرة أخرى ينظم الكود من أجل تنظيم السلوك؛ حيث يفرض قانونه أن تكون النسخ المتعددة منخفضة الجودة كوسيلة للحد من عمليات النسخ غير القانونية. ومثل تنظيم الخدمات الهاتفية ينجح أسلوب التنظيم هذا؛ لأن هناك عددًا قليلًا نسبيًّا من مُصنِّعي التكنولوجيا السمعية الرقمية. مرة أخرى، في وجود هدف محدد يمكن أن يصبح التنظيم الحكومي فعَّالًا؛ حيث يتمثل أثر التنظيم في جعل السلوك الأساسي المستهدف أكثر قابلية للتنظيم؛ ألا وهو سلوك مخالفة حقوق التأليف والنشر.

(٤-٢) التليفزيونات

بحلول منتصف تسعينيات القرن العشرين، أثارت مخاوف الآباء فيما يتعلق بأثر مشاهد العنف في التليفزيون على أطفالهم انتباه الكونجرس، وكان رد فعله من خلال التشريع، لكن نظرًا لاشتراطات التعديل الأول في الدستور الأمريكي، كان من الصعب على الكونجرس منع مشاهد العنف في التليفزيون مباشرةً، وهكذا بحث الكونجرس عن طريقة يتم بها حجب مشاهد العنف بطريقة غير مباشرة. اشترط الكونجرس على مقدمي المحتوى التليفزيوني الإشارة إلى محتوى العنف من خلال عبارات تدل على مستوى العنف في الفيلم، كما اشترط الكونجرس تطوير القائمين على صناعة التليفزيون تكنولوجيا تحجبُ محتوى العنف بناءً على هذه العبارات.

كانت هذه هي تكنولوجيا V-Chip (الشريحة في) التي فرضها الكونجرس كجزء من قانون الاتصالات عن بُعد في عام ١٩٩٦.59 تُيسِّر «الشريحة في» حجب المحتويات التليفزيونية تلقائيًّا بناءً على معايير للمحتوى لم يتم تحديدها تمامًا بعدُ. تشمل أكثر الاقتراحات فجاجة فيما يتعلق بهذه المعايير اقتراح جمعية الصور المتحركة وضع نظام تقييم للأفلام، فيما تشمل المقترحات الأخرى الأكثر تعقيدًا تصورات مختلفة بناءً على مجموعة من العوامل الأكثر ثراءً.
ها هو الكونجرس ينظم الكود مجددًا بغرض التأثير على سلوك مستهدف (تقديم برامج بها محتوى عنف) بدلًا من تنظيم هذا السلوك مباشرةً. يعتبر القيد على التنظيم المباشر هنا مشكلة تتعلق بالقابلية للتنظيم، لكن غياب القابلية للتنظيم في هذا السياق تتأتى من خلال القيود الدستورية، لا من خلال عدم القدرة على تتبع هؤلاء ممن تنظِّم سلوكهم التكنولوجيا. من هنا، دفعت القيود الدستورية الكونجرس إلى اشتراط تطوير تكنولوجيا لتمكين الآباء. فعن طريق منح الآباء سلطة أكبر لتمييز المحتوى، يُثني الكونجرس عن ممارسة خطيئة (التعرُّض للعنف) بصورة غير مباشرة، وهو ما لا يستطيع تنظيمه دستوريًّا بصورة مباشرة.60

(٤-٣) ضد التحايل

مهما كانت المشكلات التي واجهها القائمون على صناعة المحتوى مع أشرطة التكنولوجيا السمعية الرقمية، فلا شك أن هذه المشكلات تتضاءل كثيرًا مقارنةً بالمشكلات التي واجهها القائمون على صناعة المحتوى مع المحتوى الرقمي والإنترنت. فعلى الرغم من أن التكنولوجيا السمعية الرقمية تسمح بأخذ نسخ مماثلة تمامًا للأصل، فهي لا تجعل توزيع هذه النسخ مسألة سهلة، وهو شيء يقوم الإنترنت بعمله. حاليًّا، لا تسمح التكنولوجيا الرقمية فقط بصنع نسخ مماثلة تمامًا للنسخة الأصلية، بل جعلت مسألة توزيع هذه النسخ الرقمية مجانًا مسألة في غاية السهولة.

كما أتناول بمزيد من التفصيل في الفصل العاشر، يتمثل أحد ردود الأفعال حيال هذه «الخاصية» للتكنولوجيات الرقمية في تكنولوجيا «إدارة الحقوق الرقمية»؛ حيث تضيف تكنولوجيات إدارة الحقوق الرقمية كودًا إلى المحتوى الرقمي يَحُول دون القدرة على صنع نسخ أو توزيع هذا المحتوى، على الأقل دون تصريح من تكنولوجيا إدارة الحقوق الرقمية ذاتها.

من هنا، فإن الأغاني التي اشتريتها وقمت بتنزيلها من موقع أبل آي تيونز تحميها تكنولوجيا أبل لإدارة الحقوق الرقمية «للعب العادل». تسمح لي هذه التكنولوجيا بصنع نسخ من الأغاني في عدد محدود من أجهزة الكمبيوتر، لكنها تحد من قدرتي على صنع نسخ منها على نطاق واسع.

يُطبَّق هذا القيد من خلال الكود؛ حيث تأتي وظيفة «انسخ» من خلال شفرة النسخ، فيما تقوم تكنولوجيا إدارة الحقوق الرقمية بتغيير أو إضافة خواص إلى وظيفة «انسخ». هذا إذن مثال تقليدي على استخدام الكود/الشفرة في استعادة السيطرة على شيء قام كود (آخر) بمنع السيطرة عليه.

تقوم الشركات والأفراد بابتكار أنظمة إدارة الحقوق الرقمية هذه. في عام ١٩٩٨ حصلت هذه التكنولوجيات على دعم حمائي مهم من الكونجرس، ففي قانون حقوق التأليف والنشر الرقمي للألفية، حظر الكونجرس ابتكار وتوزيع تكنولوجيات «يتم إنتاجها بغرض التحايل على تكنولوجيات أخرى تسيطر على استخدام» مواد تحميها حقوق التأليف والنشر، أو أن «يتم تصميم أو إنتاج تكنولوجيات بصورة أساسية بغرض التحايل على الحماية التي يتمتع بها أحد مالكي حق التأليف والنشر، من خلال تكنولوجيا أخرى تنظِّم هذا الحق.»61 من خلال حظر هذا الكود، يهدف الكونجرس إلى دعم الكود الذي يقوم مبتكرو المحتويات المختلفة بتوزيعه لحمايتها. وهكذا من خلال تنظيم الكود بصورة مباشرة، ينظِّم الكونجرس أي مخالفات في حقوق التأليف والنشر بصورة غير مباشرة.
منذ تمرير هذا القانون، توالت سلسلة لانهائية من المشكلات والتقاضي في كل ما يتعلق به. ابتداءً من عام ١٩٩٩، بدأت جمعية تنظيم أقراص دي في دي في مقاضاة الأفراد والمواقع التي تسهِّل عملية الحصول على برنامج DeCSS الذي يستطيع فك شفرة البيانات على أقراص دي في دي.62 في يوليو ٢٠٠١، تم القبض على مبرمج روسي يدعى دميتري سكلياروف يبلغ من العمر ٢٧ عامًا خلال عرض تقديمي في لاس فيجاس؛ وذلك لأن الشركة التي كان يعمل بها في روسيا أصدرت برنامجًا يسمح بالتحايل على تكنولوجيات حماية المحتوى في نظام شركة أدوبي للكتب الإلكترونية.63 قضى سكلياروف ستة أشهر في أحد السجون الأمريكية قبل السماح له بالعودة إلى عائلته في روسيا.
يصعُب قياس أثر هذا القانون. قامت مؤسسة الحدود الإلكترونية بتسجيل ملاحظاتها حول أثر القانون بعد مرور خمسة أعوام على تمرير القانون.64 ربما لا يشارك الجميع وجهة نظر مؤسسة الحدود الإلكترونية، لكن يتفق الجميع في دهشتهم حول عدد القضايا في ظل هذا التشريع (أشك في أن واضعي قانون حقوق التأليف والنشر الرقمي للألفية تصوروا أن تقوم شركات صناعة أبواب الجراجات بمقاضاة المخالفين؛ لحماية منتجاتهم من أبواب الجراجات الأوتوماتيكية من المنافسة وفق هذا القانون (وقد خسروا).)65

(٤-٤) أعلام البث

مع تحوُّل التليفزيون التقليدي إلى تليفزيون رقمي، صار مالكو حقوق التأليف والنشر أكثر قلقًا بشأن المخاطر التي يواجهونها في بث محتويات تحميها حقوق التأليف والنشر. فعلى خلاف التليفزيون التقليدي، يتمتع البث الرقمي بجودة مذهلة؛ لذا فإن النسخ الرقمية من المواد المذاعة تماثل المواد الأصلية في جودتها. يرتعد حاملو حقوق التأليف والنشر خوفًا من نشر نسخ تتمتع بجودة فائقة تماثل أصول المواد الرقمية المُذاعة على شبكة رقمية مجانية (الإنترنت).

يشبه رد فعل مالكي حقوق التأليف والنشر رد الفعل حيال التكنولوجيات السمعية الرقمية. أولًا، في هيئة الاتصالات الفيدرالية ثم في الكونجرس، ضغط مالكو الحقوق على الحكومة من أجل تنظيم أي تكنولوجيا يمكن من خلالها إعادة إنتاج مواد رقمية مذاعة تتضمن «علم بث». في حال استخدام هذا العلم، تقوم التكنولوجيا بمنع صنع نسخ من المحتوى؛ حيث يمكن الاطلاع على المحتوى لكن لا يمكن إعادة إنتاجه. وعلى حد تعبير سوزان كروفورد:
تعتبر قاعدة علم البث، في نهاية المطاف، بمنزلة أمر لجميع مصنعي الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية وشركات تكنولوجيا المعلومات؛ لضمان أن أي جهاز يلامس محتوى تليفزيوني رقمي «يتعرَّف ويفعِّل» خاصية علم البث، عن طريق حماية المحتوى من التوزيع المستمر غير المُصرَّح به. ادَّعت هيئة الاتصالات الفيدرالية أن هذه القاعدة ستحمي المواد المذاعة عن طريق التليفزيون الرقمي من عمليات إعادة التوزيع على الإنترنت.66
يمكن الإسهاب في الحديث عن علم البث، وإذا كنت أنا المتحدث، فسيغلب على حديثي عنه الأشياء السيئة.67 على أي حال، ما يهمنا في هذا المقام هو شكل لا موضوع علم البث، فهذا هو أكثر الأمثلة مباشرةً على تنظيم الكود بغرض السيطرة على سلوك أساسي؛ أي قانون ينظم الكود لتحسين السلوك.

•••

في كل حالة من هذه الحالات، تقوم الحكومة بتوجيه جهة وسيطة تمتلك سلطة تغيير الكود بغرض تغيير السلوك. ويعتمد ما إذا كان هذا التغيير في الكود سيؤدي إلى تغيير في السلوك أو لا على سلطة الوسيط نفسه. في حالة عوالم إم أو أو — أو فضاء نقاش افتراضي مثل شبكة المشورة القانونية — فإن سلطة السيطرة على السلوك سلطة محدودة للغاية. وفي حالة أمريكا أون لاين أو «الحياة الثانية»، فإن تكلفة مغادرة الفضاء نهائيًّا ترتفع كثيرًا بالنسبة إلى المستخدمين، وهكذا يصبح مجال التنظيم أكثر اتساعًا. وإذا كان الوسيط هو الإنترنت أو أي تكنولوجيا رقمية يتم إنتاجها أو بيعها داخل الولايات المتحدة، تصير سلطة المنظِّم أكبر. يصبح الكود هو القانون حتى لو ظلت هناك مساحة لتفادي تنظيم الكود.

تشير هذه الأمثلة إلى سؤال عام بشأن طريقة عمل التنظيم، وهو سؤال يتطلب إفراد تفصيلات كثيرة للإجابة عليه. يتطلب فهم أثر متطلبات كود محددة على أي سياسة تنظيمية فهمًا يتَّسم ﺑ «المرونة الهائلة»،68 كما يشير بولك واجنر. تعتبر المقاومة بطبيعة الحال جزءًا من هذه المرونة؛ حيث قد تتمثل ردة فعل الأفراد في مقاومة الكود بصورة مباشرة، أو مقاومة الكود من خلال كود آخر. وكما يشير تيم وو: لا يكون الكود نفسه بالضرورة أداة لدعم التنظيم؛ فقد يكون أداة لإحباط هذا التنظيم. تعتبر البندقية مثالًا على الكود، فهي تؤدي عملًا غير عادي في تدمير حالة السلام، كما تعتبر تكنولوجيات التحايل بمنزلة كود؛ فهي تُضعف قواعد تطبيق السيطرة. بالمثل، تعتبر بروتوكولات الند للند لتبادل الملفات بمنزلة كود؛ فهي تقلص — إلى حد كبير — من فعالية الأدوات التنظيمية لحقوق التأليف والنشر، التي تحد من حرية توزيع الأعمال التي تتمتع بحقوق تأليف ونشر. يتطلب أي إجراء تنظيمي فعَّال إذن أخذ هذه التفاعلات في الاعتبار، فضلًا عن أي مقاومة باستخدام الكود قد تنطوي عليها هذه التفاعلات. ووفق وو:
يرجع سبب أهمية الكود في تطبيق القانون إلى قدرته على تحديد أنماط السلوك على نطاق واسع، وهي قدرة قد تعني وضع قيود على السلوك، وفي هذه الحالة ينظِّم الكود السلوك. في المقابل، قد تعني هذه القدرة تشكيل السلوك في صور تفيد البعض من الناحية القانونية.69
في هذه الحالة الثانية، يعمل الكود «كآلية ضد التنظيم، كأداة لتقليل الآثار المترتبة على تطبيق القانون لصالح جماعات محددة تستخدمه لصالحها.»70

تشير هذه التعقيدات إلى الحاجة إلى إطار عام أكثر شمولًا. أشرتُ في هذا الفصل إلى التفاعل بين التكنولوجيا والسياسة والقانون، وهو تفاعل ينبئ بنموذج أكثر شمولًا. وفي الفصل التالي، أعرض هذا النموذج، ثم في الفصل الذي يليه سنعود مجددًا إلى المرونة في عملية تنظيم الكود من أجل تدبر ملمح آخر مهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠