الفصل الثاني عشر

لم تُقابل مارجريت في حياتها رجلًا مولعًا بالكتب كالبروفيسور رينمارك، سوى والدها. فمعارفها من الشبان كانوا نادرًا ما يَقرءون أيَّ شيء سوى الصحف الأسبوعية، وكانوا يُبدُون بعض الاهتمام بمطالعة الكتيب الأصفر، الذي كان يُوزَّع مجانًا ويَحمل اسم البقَّال مطبوعًا على ظهره. صحيح أنَّ العلاجات العجيبة المدوَّنة في هذا الكتيب لم تكن مُثيرةً للاهتمام، وكان معظم قرائها من كبار السن، لكنَّ الشباب كانوا يَستمتعُون بالدعابات الموجودة أسفل كل صفحة، وكان عيبها الوحيد أنَّ المرء لم يكن بإمكانه إلقاء تلك الدعابات في تجمُّعات تقشير التفاح من أجل تجفيفِه وحفظه أو أي تجمع اجتماعي آخر؛ لأنَّ كل فرد في هذا الجمع يكون قد قرأها سلفًا. كانت قلَّة قليلة من الشباب تأتي إليها على استحياء لاستعارة كتاب من المَكتبة، ولكن كان واضحًا أنَّهم ليسُوا مُهتمِّين بالكتاب قدر اهتمامهم بأمينة المكتبة، وحين كانت هذه الحقيقة تتجلَّى للفتاة، كانت تستاء من ذلك. كان شباب الحي يظنُّون مارجريت فتاة باردة ومغرورة، أو «مُتغطرسة»، على حد تعبيرهم.

لذا كان رجل مثل رينمارك بمثابة مفاجأة سارَّة لفتاةٍ كهذه. فقد كان يستطيع التحدُّث عن أشياءَ أخرى غير الطقس والماشية والتوقُّعات المتعلِّقة بالمحاصيل. صحيح أنَّ المحادثة في بدايتها لم تشمل مارجريت، لكنَّها أصغت إلى كل كلمة فيها باهتمام. كان أبوها وأمها مُتلهِّفَين لسماع أخبار ابنهما، ثم سرعان ما انجرفَت المحادثة من هذا الموضوع الذي حاز كل اهتمامهم إلى الحديث عن الحياة الجامعية، والاختلافات بين المدينة والريف. وأخيرًا، نهض المُزارع مُتنهِّدًا ليرحل. فلا يوجد متسع من الوقت للأحاديث المسلية في مزرعةٍ ما دام في ضوء النهار بقية. وبدأت مارجريت، حين تذكَّرَت واجبات أمانة المكتبة، في نقل الكتب من العربة إلى الغرفة الأمامية. أمَّا رينمارك، الذي كان بطيئًا في معظم تصرفاته، فكان سريعًا كفاية لعرض مساعدته هذه المرة، لكنَّه احمرَّ خجلًا بعض الشيء وهو يفعل ذلك؛ لأنه لم يكن معتادًا المكوث برُفقة النساء.

قال لها: «أتمنَّى أن تسمحي لي بنقل الكتب. وأودُّ أن تمنحيني حقَّ الاطلاع على هذه الكتب في بعض الأحيان، مع أنني لا أملك امتياز استعارتها؛ لأنني لستُ من سكان البلدة الدافِعين لضرائبها.»

أجابت مارجريت بابتسامة: «يبدو أنَّ أمينة المكتبة لديها حرية التصرف في مسألة الإعارة. ولا أحد لديه صلاحية مراجعة سجلاتها أو توبيخها إن أعارت الكتب بشيء من التهور. لذا فإن كنت تريد استعارة كتب، فكل ما عليك أن تطلبها.»

«يُمكنُكِ أن تكوني على يقين من أنني سأستفيد من هذه الرُّخصة. لكن ضميري سيكون أكثر ارتياحًا إذا سُمِح لي بحملها إلى الداخل.»

«مسموح لك بالمساعدة في حملها. فأنا أيضًا أحبُّ حملها. فلا شيء أمتع من أن يحتضن المرء حَفنة من الكتب ملء ذراعيه.»

وبينما كان رينمارك يتأمل الفتاة الحسناء، ووجهُها متقد بالحماسة، خطرت بباله فجأةً فكرة مُربِكة بأنَّ عبارتها ربما لا تكون دقيقة. لم تخطر بباله فكرة كهذه من قبل، فملأته آنذاك بارتباك ممزوج بالذنب. قابلت عيناه نظرة عينيها الصافية الصادقة للحظة، ثم قال متلعثمًا تلعثمًا أخرق:

«أنا … أنا أيضًا مغرم بالكتب.»

حمَلا معًا الكتب التي بلغت عدة مئات، ثم شرعا في ترتيبها.

سألها قائلًا: «أليس لديكِ فهرس بالكتب؟».

«لا. لم يبدُ قَط أننا نحتاج إليه. فالناس يأتون ويَستعيرُون أي كتاب يعجبهم.»

«نعم. ولكن يظل من الضروري فهرسة محتويات كل مكتبة. فالفهرسة فنٌّ في حدِّ ذاتها. لقد كنت أمنحها اهتمامًا جمًّا، وسأوضح لك كيفية إجرائها، إن كنتِ تُريدين المعرفة.»

«أوه، أود ذلك.»

«كيف تحتفظين بسجل الكتب المستعارة؟»

«أكتفِي بكتابة اسم الشخص وعنوان الكتاب والتاريخ في هذا الدفتر الفارغ. وحين يُعاد الكتاب، أشطب بياناته المسجلة.»

قال رينمارك بارتياب: «فهمت.»

«ليست طريقة صحيحة، أليست كذلك؟ أتُوجَد طريقة أفضل؟»

«حسنًا، في حالة مكتبة صغيرة، يُفترَض أن تفيَ هذه الطريقة بالغرض، ولكن إذا كنتِ تتولِّين مسئولية الكثير من الكتب، فأظن أن هذه الطريقة قد تُحدثُ التباسًا.»

«هلَّا تخبرني بالطريقة الصحيحة. أودُّ أن أعرف، حتى وإن كانت مكتبة صغيرة.»

«توجد عدة طرق، لكنِّي لستُ متيقنًا على الإطلاق من أنَّ طريقتك ليست الأبسط؛ ومن ثمَّ الأفضل في هذه الحالة.»

قالت مارجريت ضاحكة: «لن تتخلَّص من إلحاحي هكذا. فمجموعة الكتب تبقى مجموعة من الكتب، سواءٌ أكانت كبيرة أم صغيرة، وتستحقُّ الاحترام وأفضل معاملة. والآن، ما الطريقة المتبعة في المكتبات الكبيرة؟»

«حسنًا، أقترح نظام البطاقات، وإن كانت القصاصات الورقية ستَفي بالغرض. حين يُريد أي شخص استعارة كتاب، اجعليه يَصنع بطاقة، ويذكر فيها التاريخ واسم الكتاب أو رقمه، ثم يَجب عليه أن يُوقِّع على البطاقة، وهكذا فقط. لن يستطيع إنكار أنَّه استعار الكتاب؛ لأنَّ لديكِ توقيعَه الذي يثبت ذلك. وتُرتَّب القصاصات في صندوق حسب التاريخ، وحين يُعاد الكتاب، تُمزقين ورقة التسجيل.»

«أظنها فكرة ممتازة، وسأتَّبعها.»

«إذن، دعيني أرسِل إلى تورنتو وأحضر لكِ بضع مئات من البطاقات. ستصل إلينا هنا في غضون يوم أو اثنين.»

«أوه، لا أريد أن أُكبِّدك هذا العناء.»

«لا عناء إطلاقًا. والآن، وقد انتهينا من تلك المسألة، فلنَشرع في الفهرسة. ألديك دفتر فارغ في أي مكان هنا؟ سنُعِد أولًا قائمة أبجدية، ثم سنُرتِّب الكتب تحت عناوين التاريخ والسِّير الذاتية والأدب القصصي، وما إلى ذلك.»

ومع أنَّ إعداد الفهرس يبدو بسيطًا، فقد استغرق وقتًا طويلًا. كان كلاهما منهمكًا في مهمته. صحيح أنَّ طريق الفهرسة في حدِّ ذاته مستقيم وضيق، لكنه شهد في هذه الحالة قدرًا هائلًا من الانحرافات الجانبية اللطيفة جعلت التقدم السريع فيه مُستبعدًا. فمجرد ذكر عنوان كتاب أمام قارئ من شأنه أن يثير لديه ذكريات. كانت مارجريت تُملي الأسماء على رينمارك، الذي كان يُدوِّنها بدَوره على قصاصات ورقية كانت كلٌّ منها تحمل حرفًا.

كان يقول رافعًا ناظريه حين تَذكُر مارجريت عنوانًا ما: «أوه، ألديكِ ذلك الكتاب؟ هل قرأتِه من قبل؟»

«لا؛ لأنَّ هذا الجزء من المكتبة كله جديد عليَّ كما ترى. عجبًا، يوجد هنا كتاب لم تُفصَل أوراقه عن بعضها حتى. لم يقرأه أحد. أهو كتاب جيد؟»

فيقول رينمارك آخذًا الكتاب: «إنه من أفضل الكتب. نعم، أعرف هذه الطبعة. دعيني أقرأ لكِ فقرة منه.»

كانت مارجريت تجلس على الكرسي الهزاز بينما كان البروفيسور يفصل أوراق الكتاب الجديد ويجد مكان الفقرة المرادة. وبالطبع كانت فقرة واحدة تُشير إلى أخرى وهلمَّ جرًّا، وكان الوقت يَمضي قبل أن يُكتب عنوان الكتاب في القصاصة الورقية المناسبة. كانت هذه الانحرافات الجانبية إلى أغوار الأدب مثيرةً جدًّا لاهتمام كِلا خائضَيها، لكنها كانت تتداخل مع عملية الفهرسة وتُعرقلُها. فكان رينمارك يقرأ باستغراق ودون توقُّف ليشرح نقطةً ما، أو يقتبس ما قاله شخص آخر عن الموضوع نفسه، مُحدِّدًا موضع توقُّفه المؤقَّت عن القراءة في الكتاب بإدخال سبابته بين الصفحات. كانت مارجريت تتأرجَح جَيئةً وذهابًا في الكرسي الهزاز الوثير، وتُصغي باهتمام مُحدقةً بعينَيها الداكنتَين الواسعتين إليه بجدية شديدة كانت تجعلُه يرتبك للحظة بين الحين والآخر عندما كان يقابلهما بعينيه. لكن الفتاة لم تلاحظ ذلك. وفي نهاية إحدى أطروحاته، أسندت مرفقها إلى ذراع الكرسي واضعةً وجنتها على يدها، وقالت:

«أنت تجعل كل شيء واضحًا للغاية يا سيد رينمارك.»

قال مبتسمًا: «أتظنِّين ذلك حقًّا؟ هذا عملي، كما تعرفين.»

«أظن أنَّ من العار حرمان الفتيات من الالتحاق بالجامعة؛ ألا تظنُّ ذلك؟»

«في الحقيقة لم أُفكِّر في هذا الموضوع قَط، ولستُ مُستعدًّا تمامًا للإدلاء برأيي بشأنه.»

«حسنًا، أراه جائرًا للغاية. فالجامعة مدعومة ماليًّا من الحكومة، أليس كذلك؟ فلماذا يُحرَم نصف السكان من مزاياها إذن؟»

«يؤسفني القول إنَّ التحاق الفتيات بالجامعات غير مقبول.»

«لماذا؟»

فأجاب مُراوِغًا: «تُوجد عدة أسباب.»

«ما هي؟ أتظنُّ أنَّ الفتيات لا يستطعن التعلم، أو أنَّهن غير قادرات على المذاكرة بجدٍّ واجتهاد مثل …»

فقاطعها قائلًا: «الأمر ليس كذلك، يوجد الكثير من مدارس البنات في الريف، كما تعلمين. بل وتوجد بعض المدارس المُمتازة في تورنتو نفسها لهذا الغرض.»

«نعم، ولكن لماذا لا يحقُّ لي الالتحاق بالجامعة مع أخي؟ يوجد الكثير من مدارس البنين أيضًا، لكنَّ الجامعة تَبقى هي الجامعة. أظن أنَّ والدي يُسهِم في دعمها ماليًّا. فلماذا إذن يُسمَح لأحد أبنائه بالالتحاق بها ويُحرَم الآخرون من ذلك؟ هذا ليس عدلًا على الإطلاق.»

قال البروفيسور بحزمٍ أكبر حين فكَّر مليًّا في الأمر: «هذا غير مقبول.»

«هل ستعتبر ذلك سببًا مُقنعًا إذا سمعته من أحد طلابك؟»

«ما هو؟»

«عبارة «هذا غير مقبول».»

ضحك رينمارك.

ثم قال: «لا مع الأسف، لكنِّي على أيِّ حال شخص شديد التدقيق في تعاملي مع الطلاب. والآن، إذا أردتِ أن تعرفي، فلماذا لا تسألين أباك؟»

«لقد ناقشت مع أبي هذه المسألة مرارًا، ويتَّفق معي تمامًا في أن ذلك الوضع جائر.»

قال رينمارك متفاجئًا: «أوه، أيظن ذلك حقًّا؟» لكنه أدرك حين فكَّر قليلًا أنَّ الأب بالتأكيد لا يعرف سوى القليل عن أخطار المدينة مثل ابنته.

«وما رأي والدتك؟»

«أوه، أمي ترى أنَّ الفتاة إذا كانت مُدبِّرة منزل بارعة، فلا شيء آخر ينقصها. لذا سيتوجَّب عليك أن تعطيني سببًا وجيهًا، إن وُجِد أصلًا؛ لأنه لا أحد في هذا المنزل يؤيد رأيك في هذه المسألة.»

قال رينمارك مُحرَجًا: «حسنًا، إذا لم تَعرفي بحُلول عامك الخامس والعشرين، أعِدُك بأنني سأناقش المسألة برمَّتها معكِ.»

تنهَّدت مارجريت وهي تتكئ إلى الوراء في كرسيها.

ثم صاحت قائلة: «الخامس والعشرين؟» وأضافت بالدقة اللاإرادية التي تُميِّز الشباب: «هذا سيجعلني أنتظر سبع سنوات. شكرًا لك، لكني أظن أنني سأعرف قبل ذلك الوقت.»

رَد رينمارك: «أظنك ستَنجحين في ذلك.»

قاطعهما دخول شقيقها المفاجئ بلا سابق إنذار.

صاح قائلًا بالألفة الفظَّة التي عادةً ما يتَّسم بها الصبية: «مرحبًا بكما! يبدو أنَّ ترتيب المكتبة يستغرق وقتًا أطول من المعتاد.»

نهضت مارجريت بوقار.

وقالت بحدة: «نحن نفهرس.»

«أوه، أهذا هو الاسم الذي تُطلِقانه على ذلك حقًّا؟ هل يُمكنني تقديم أي مساعدة، أم إنَّ الفهرسة تتطلب شخصين فقط؟ أتعرفين كم صار الوقت الآن؟»

قال البروفيسور وهو ينهض: «أنا مضطرٌّ إلى الرحيل مع الأسف. فرفيقي في المخيم لن يعرف ما حلَّ بي.»

قال هنري: «أوه، إنه بخير حال! إنَّه في أسفل البلدة عند كورنرز، وسيَبقى هناك ليَحضُر الجلسة الليلة. لقد مرَّ بنا بارتليت الصغير منذ بعض الوقت؛ إذ كان يُركِّب حدوات لحصانَيه، وذهب صديقك معه. أظن أن ييتس يستطيع الاعتناء بنفسه يا سيد رينمارك. بالمناسبة يا أختاه، هل ستذهبين إلى الجلسة؟ أنا ذاهب. وبارتليت الصغير ذاهب، وكيتي أيضًا. ألن تأتي أنت أيضًا يا سيد رينمارك؟ إنه مسلٍّ جدًّا.»

قالت أخته عابسة: «لا تتحدَّث هكذا عن تجمُّع ديني يا هنري.»

«حسنًا، هذه هي ماهيته على أي حال.»

سأل البروفيسور ناظرًا إلى الفتاة: «أهو مُلتقًى للصلوات؟».

صاح هنري بحماس، حارمًا أي أحد سواه من فرصة التحدث: «بالطبع! إنها جلسة صلاة، وكل أنواع الجلسات الأخرى مجتمعة في جلسة واحدة. إنها جلسة تجديد ديني؛ أي جلسة مطولة، تلك هي ماهيتها. من الأفضل أن تأتيَ معنا يا سيد رينمارك، وتستطيع حينئذٍ أن ترى ماهيتها. ثم يُمكنك أن تسير إلى المخيم مع ييتس.»

لم يبدُ أنَّ البروفيسور استحسن هذه الخاتمة الشارحة الجذابة بالقدر الذي توقَّعه الصبي؛ لأنَّه لم يردَّ.

ألحَّ الصبي قائلًا: «ستأتين يا أختاه؛ أليس كذلك؟».

«هل أنت متأكد من أنَّ كيتي ذاهبة؟»

«ستذهب بالتأكيد. أتظنين حقًّا أنها قد تُفوِّت حضور الجلسة؟ سيأتيان إلى هنا قريبًا أيضًا، من الأفضل أن تذهبي وتستعدِّي.»

ردَّت مارجريت وهي تُغادِر الغرفة: «سآخذ رأي أمي.» ثم عادت بعد قليل مرتدية ثيابها وجاهزة للذهاب إلى الجلسة، واستقر البروفيسور في النهاية على أن يذهب أيضًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤