الفصل السابع عشر

حين صار الأسيران، مع آسريهما الثلاثة، على مرمى البصر من المتطوِّعين الكنديين، رأوا مشهدًا ذا طابع أشد عسكرية بكثير من مشهد المعسكر الفينياني. أوقفتهم سَريةُ طوارئ خارجية فورًا واستجوبتهم قبل وصولهم إلى الوحدة العسكرية الرئيسة، وكان الحارس على درايةٍ كافية ليسألهم عن الإشارة السرية قبل أن يُطلق أي رصاصة. وبعدما مروا من هذه السَّرِية، أصبحوا على مرأى كلِّ أفراد القوات الكندية الذين بدَت ثيابهم العسكرية الموحدة في غاية النظافة والأناقة، والتي بدت جديدة إلى حدٍّ مُزعِج في الضوء الساطع لشمس شهر يونيو الصباحية الجميلة. كانت البنادق متراصَّة في أكوامٍ بدقة متناهية في أماكنَ متفرقة من المعسكر وكانت كل كومةٍ تعلوها مجموعةٌ من الحراب المنتصبة كشعيرات الفرشاة كانت تتلألأ مع انعكاس ضوء الشمس المُشرقة عليها. كان الرجال يُعِدُّون فطورهم بعدما طلبوا استراحةً مؤقتة من أجل ذلك. وكان المُتطوِّعون مُنتشرين على جانب الطريق وفي الحقول. ميَّز رينمارك ألوان كتيبة المتطوعين من مدينته، ولاحظ أنَّ معهم جماعة غريبة عليه. ومع أنَّه اقتيد إليهم أسيرًا، انتابه فخرٌ مُتقِد بالكتيبة ومظهرها المُهندَم، كان فخرًا وطنيًّا ومدنيًّا. وبدافع غريزي نَصَب قامته أكثر وهو يدنو منهم.

قال له ييتس وهو ينظر إليه بابتسامة: «رينمارك، إنك تَرتكِب خطأً بريطانيًّا بَحتًا.»

«ماذا تقصد؟ أنا لم أتفوَّه بكلمة واحدة.»

«صحيح، لكنِّي أراه في عينيك. أنت تَستهين بالعدو. تظنُّ أنَّ هذه المجموعة المُهندمة ستدهس تلك الزمرة من المتشرِّدين ذوي المظهر الرث الذين رأيناهم في الغابة صباح اليوم.»

«أظنُّ ذلك بالتأكيد، هذا إن لم يَهرُب المتشردون قبل أن يُدهَسوا، وهو ما أشكُّ فيه بشدة.»

«هذا بالضبط هو الخطأ الذي تَرتكبُه. فمعظم هؤلاء فتية سذَّج قليلو الخبرة، يتعلَّمون كل ما يُمكن تعلُّمه عن الحرب على ملعب كريكيت. سيتلقَّون قبل حلول الليل أشرَّ هزيمة نكراء تجرَّعها فتيان في هذا الجزء من البلاد على الإطلاق. انتظر ريثما يرَون أحد رفاقهم يسقط والدم يتدفَّق من جرح في صدره. وإذا لم يُولُّوا الأدبار ويهربوا، فأنا لا أفقه شيئًا. لقد رأيتُ مُجنَّدين قليلي الخبرة من قبل. ينبغي أن يكون معهم هنا مجموعة من رجالٍ أكبر سنًّا لهم خبرة في العمل العسكري لتنظيمهم وتثبيت أقدامهم في القتال. فالرجال الذين رأيناهم صباح اليوم كانوا يَنامُون كجذوع أشجار مقطوعة في الغابة الرطبة بينما كنا نخطو بأقدامنا من فوقهم. إنهم مُحاربون محنَّكون. وما سيكون لهم مجرَّد مناوشة سيبدو لهؤلاء الصبية أفظع مأساة أصابتهم على الإطلاق. يبدو الكثيرُون منهم كما لو كانوا طلابًا جامعيين.»

قال رينمارك بوخزة ألم: «إنهم كذلك بالفعل.»

«حسنًا، لا أستطيع أن أفهم مقصد حكومتك الغبية من إرسالهم إلى هنا وحدهم. يَنبغي أن تكون معهم مجموعة واحدة على الأقل من الجنود النظاميين.»

«ربما يكون الجنود النظاميون قادمين في الطريق.»

«ربما، ولكن سيتعيَّن عليهم الحضور بأقصى سرعة، وإلَّا سينتهي القتال. وإذا لم يُنهِ هؤلاء الأولاد وجبتهم على عَجَل، سيهجم عليهم الفينيانيون قبل حتى أن يَدرُوا بذلك. فإذا نشب قتال، فلن يمر سوى بضع ساعات، بل لن تمرَّ ساعة واحدة، وسترى نسخة مُصغَّرة من معركة بول رَن.»

احتشد بعض المتطوعِين حول الوافدين، مُستفسرين منهم بشغف عن أخبار العدو. فقد كان الفينيانيون قد أخذوا احتياطهم بقطع كل أسلاك التلغراف المنطلقة من فورت إيري، ومن ثمَّ لم يعرف قادة الكتائب الكندية حتى أنَّ العدو قد غادر ذلك المكان. كانوا في طريقهم آنذاك إلى نقطةٍ كانوا سيلتقُون فيها كتيبةً من الجنود النظاميِّين تحت قيادة الكولونيل بيكوك؛ نقطة كان مُقدَّرًا لهم ألَّا يَصلُوا إليها أبدًا. بحث ستوليكر عن ضابط وسلَّم إليه الأسيرين مع ورقةِ الإدانة التي كان ييتس قد أعطاه إيَّاها. كان قرار الضابط مُقتضَبًا وحادًّا، كما يفترض أن تكون القرارات العسكرية عمومًا. فقد أمر الشرطي بأخذ السجينين والزجِّ بهما في السجن في بورت كولبورن. لم يكن لديه متَّسع من الوقت آنذاك لإجراء تحقيق في المسألة — من الممكن أن يُجرى لاحقًا — وما دام الرجلان بأمان في السجن، فإن كل شيء سيكون على ما يُرام. غير أنَّ الشرطيَّ طرح اعتراضَين على هذا الأمر بكل هدوء. أولهما أنَّه، كما قال، لم ينضمَّ إلى المتطوِّعين بصفته شرطيًّا، بل بصفته مرشدًا ورجلًا يعرف شعاب المنطقة. وثانيهما أنَّ بورت كولبورن ليس فيها سجن.

«أين أقرب سجنٍ إذن؟»

أجاب الشرطي: «يقع سجن البلدة في ويلاند، عاصمة المُقاطَعة.»

«ممتاز، خُذهما إلى هناك.»

فكرَّر ستوليكر قائلًا: «لكنِّي هنا مُرشدٌ.»

تردَّد الضابط لحظة. «أظنك تَحمل أصفادًا، أليس كذلك؟»

قال ييتس مُخرجًا إيَّاها من جيبه: «بلى.»

«حسنًا، إذن، فلتُصفِّدهما معًا، وسأرسل أحدًا من الكتيبة معهم إلى ويلاند. كم تبلغ المسافة إلى هناك عبر الريف؟»

أخبره ستوليكر بالمسافة.

فنادى الضابط أحد المتطوعين وقال له:

«عليك أن تشق طريقك عبر الريف إلى ويلاند، وتُسلِّم هذَين الرجلَين إلى السجَّان هناك. ستُصفَّد أيديهم معًا، لكن ستأخذ مسدسًا معك، وإذا سبَّبا لك أي مشكلة، أطلِق النار عليهما.»

احمرَّ وجه المتطوع ونصب قامته. وقال: «لستُ شرطيًّا. أنا جندي.»

«ممتاز، إذن فواجبك الأول كجنديٍّ هو إطاعة الأوامر. آمرُك بأن تأخذ هذين الرجلين إلى ويلاند.»

كان المتطوِّعُون قد احتشدوا حولهم أثناء هذا النقاش، وارتفعت بينهم همهمة حين أصدر الضابط أمره. كان من الواضح أنهم تعاطفوا مع اعتراضِ رفيقهم على أداء واجبات شُرطي. ثم شقَّ أحدهم طريقه وسط الحشد وصاح قائلًا:

«يا إلهي! إنه البروفيسور. إنه السيد رينمارك. ليس فينيانيًّا.» تعرَّف اثنان أو ثلاثة من الطلاب الجامعيين على رينمارك، وتدافعوا نحوه ثم حيَّوه بحفاوَة. من الواضح أنَّه كان الأستاذ المُفضَّل لدى صفه الدراسي. ثم تدافع آخرون إلى الأمام، وكان بينهم هوارد الصغير.

صاح قائلًا: «من الهُراء الحديث عن إرسال البروفيسور رينمارك إلى السجن! إنَّه ليس فينيانيًّا مثقال ذرة، شأنه شأن الحاكم العام مونك. كلُّنا سنَضمن البروفيسور.»

تردَّد الضابط. ثم قال: «إذا كنتم تَعرفونه، فالوضع مختلف. لكنَّ هذا الرجل الآخر لديه رسالة من قائد الفينيانيين يُوصي فيها كل أنصار القضية الفينيانية بمراعاته. لا أستطيع إطلاق سراحه.»

سأله رينمارك: «أأنت القائد المسئول هنا؟»

«لا.»

«السيد ييتس صديقي، وهو هنا معي يَقضي إجازته. إنَّه صحفي من نيويورك، ولا علاقة له بالغزاة. وإن كنتَ تُصرُّ على إرساله إلى ويلاند، فيجب أن أُطالبَ بمثولنا أمام القائد المسئول. ومهما يكن، فإما أن ننجو أنا وهو معًا أو نتأذى معًا. إنني مثله تمامًا سواءٌ أكان مذنبًا أم بريئًا.»

«لا يُمكننا إزعاج الكولونيل بكلِّ مسألة تافهة.»

«حرية الإنسان ليست مسألة تافهة. ما الذي تُقاتل من أجله، بحقِّ الحكمة، سوى الحرية؟»

قال ييتس: «شكرًا لك يا رينمارك، شكرًا لك، لكني لا أهتم بالمثول أمام الكولونيل، وسأقبل الذهاب إلى سجن ويلاند بصدرٍ رحب. لقد سئمتُ كلَّ هذا العناء. لقد أتيت إلى هنا من أجل الراحة والهدوء، وسأنالهما، حتى لو اضطُررتُ إلى الذهاب إلى السجن من أجلهما. لقد بدأت أعتقد على مضضٍ أنَّ السجن هو المكان الأكثر راحة في كندا على أيِّ حال.»

صاح البروفيسور ساخطًا: «لكنَّ هذا انتهاك شائن.»

رَدَّ ييتس بضجر قائلًا: «إنه كذلك بالتأكيد، لكنَّ الغابة مليئة بمثله. دائمًا ما تحدث انتهاكات شائنة، لا سيما فيما يُسمَّى بالدول الحرة؛ لذا فزيادة انتهاك واحد أو نُقصانه لن يُحدِثا فارقًا. هيا أيها الضابط، مَن سيأخذني إلى ويلاند؟ أم سأُضطرُّ إلى الذهاب وحدي؟ إنني فينياني منذ أمدٍ بعيد، وأتيت إلى هنا خصيصى لإسقاط العرش والعودة به إلى الوطن. فلتَحسِم أمرك بأيِّ شكل، من أجل الرب، ودعنا نُنهي هذا النقاش.»

استشاط الضابط غضبًا. وسرعان ما أمر ستوليكر بتصفيد يد السجين بيدِه، وتسليمه إلى السجَّان في ويلاند.

اعترض ستوليكر قائلًا: «لكنِّي أريد مُساعدة. فالسجين أضخم بنيانًا مني.» فضحك المتطوِّعُون حين ذكر ستوليكر هذه الحقيقة البديهية الجلية.

«إذا أراد أيُّ شخص الذهابَ معك، فيُمكنه الذهاب. لن أُصدرَ أي أوامر لأحد.»

لم يتطوَّع أحد لمرافقة الشرطي.

فتابع الضابط قائلًا: «خذ هذا المسدَّس معك، وإذا حاول الهرب، أطلق الرصاص عليه. وفوق ذلك، فأنت تعرف الطريق إلى ويلاند، ولا أستطيع إرسالَ أيِّ شخص بدلًا منك، حتى لو أردتُ ذلك.»

أصرَّ ستوليكر قائلًا: «هوارد يعرف الطريق.» فقال ذاك الشاب بسخطٍ شديد: «نعم، لكنَّ هوارد ليس شرطيًّا، في حين أنَّ ستوليكر كذلك. لن أذهب.»

اتجه رينمارك إلى صديقه.

قال له: «مَن الذي يتصرف بحماقة الآن يا ييتس؟ لماذا لا تصرُّ على مقابلة الكولونيل؟ فمن المرجح أن يأمر بالإفراج عنك.»

«لا ترتكب أي خطأ. فمن المرجح للغاية أن يكون الكولونيل شخصًا شديد الاهتمام بالتفاصيل والمغالاة في تعظيم أهميتِه، ويُرسل فرقة من المتطوعين لمرافقتي، وأنا أريد تجنُّب ذلك. فهؤلاء الضباط دائمًا ما يَدع بعضهم بعضًا، هذا تصرُّف حتمي منهم. أريد أن أذهب مع ستوليكر وحده. بيننا حساب يجبُ أن أُسوِّيه معه.»

«أصغِ إليَّ، لا ترتكب أيَّ فعل متهور. أنت لم تفعل شيئًا حتى الآن، ولكن إذا اعتديتَ على ضابط من مُمثلي القانون، فسيختلف الأمر.»

«الشيطان يعظ. مَن الذي منعك من ضرب ستوليكر منذ وقتٍ قصير؟»

«حسنًا، كنتُ مخطئًا آنذاك. وأنت مُخطئ الآن.»

همس له ييتس قائلًا: «أصغِ إليَّ يا ريني، عُد إلى الخيمة وتأكد من أن كل شيء هناك على ما يُرام. سأكون معك في غضون ساعة أو نحو ذلك. لا تَبدُ مذعورًا هكذا. فأنا لن أُوذي ستوليكر. لكنِّي أريد رؤية هذه المعركة، ولن أستطيع ذلك إذا أرسل معي الكولونيل فرقة مُرافقة. سأستخدم ستوليكر درعًا واقيًا حين يبدأ الرصاص في التطاير.»

صدحت الأبواق بأصواتها ليَنتظِم الجنود في صفوف، وأغلق ستوليكر أحد مشبكي الأصفاد حول معصمه الأيسر على مضضٍ شديد، فيما أغلق الآخر حول المعصم الأيمن لييتس، الذي أحرجه بتعاونٍ لطيف. سار الرجلان المصفدان على الطريق حتى غابا عن الأنظار، فيما انتظم المتطوعون بسرعة في صفوفهم لمواصَلة مسيرتهم الصباحية.

نادَى هوارد الصغير البروفيسور من مكانه في الصف. ثم قال: «بالمناسبة يا بروفيسور، كيف قادتْكَ الصدف إلى هذا المكان؟»

«أخيِّم هنا منذ أسبوع أو أكثر مع ييتس، صديقي منذ أيام الدراسة.»

«يا له من عار أن تَراه يُقتاد هكذا! لكنَّه بدا معجبًا بالفكرة. أظنه رجلًا مَرِحًا. ليتني كنت أعرف أنَّك موجود هنا في هذه المنطقة. فأهلي يعيشون بالقرب من هنا. كانوا سيَسعدُون جدًّا بمساعدتك.»

«لقد ساعدوني، وكانوا لطفاء للغاية أيضًا.»

«ماذا؟ أتعرفهم؟ كلهم؟ هل قابلت مارجريت؟»

فقال البروفيسور ببطء: «نعم»، لكنَّه حادَ بنظرته الخاطفة إلى الأسفل حين التقَت بنظرات الشاب المتحمِّسة. كان واضحًا أنَّ مارجريت هي المفضَّلة لدى أخيها من بين أفراد أسرته.

صاح الضابط مخاطبًا رينمارك: «تراجَع، يا أنت!».

«هل لي أن أسير معهم؟ أو هل تستطيع إعطائي مسدسًا وتدعني أشارك معهم؟»

قال الضابط بشيء من العجرفة: «لا، هذا ليس مكانًا مناسبًا للمدنيين.» فابتسم البروفيسور مرةً أخرى وهو يُفكِّر أنَّ أفراد الكتيبة كلهم، بالنظر إلى قَدرِ خبرتهم الحربية، كانوا مجرَّد مدنيِّين يرتدون زيًّا عسكريًّا، لكنَّ قسماته صارت جدية مُجدَّدًا حين تذكَّر تنبؤات ييتس المشئومة بمصيرهم.

صاح هوارد الصغير عندما بدأت الكتيبة في التحرُّك: «بالمناسَبة يا سيد رينمارك، إذا رأيت أيًّا منهم، فلا تُخبره بأني هنا، وخاصة مارجريت. فربما يُقلقهم ذلك. سأحصل على تصريح بإجازة حين ننتهي من هذا، وأزورهم.»

كان الفتى يتحدَّث بثقة الشباب المُتفائلة، وكان واضحًا أنَّه ليس قلقًا إطلاقًا حيال الكيفية التي سيفي بها بوعد لقائهم. ترك رينمارك الطريق وانطلَقَ عبر الريف قاصدًا الخيمة.

في هذه الأثناء، كان رجلان يَمشيان بخطًى ثابتة على طول الطريق الترابي نحو ويلاند: الآسر الذي كان مكتئبًا وصامتًا، والأسير الذي كان ثرثارًا ومُسلِّيًا، بل كثيرًا ما كان كلام ييتس يتجاوز التسلية ويُصبح تثقيفيًّا في بعض الأحيان. فتحدَّث عن شئون كلا البلدين، وأبدى حلولًا لكلِّ المآزق السياسية، وقدَّم أسبابًا لاستخدام الحسِّ المنطقي السليم عمليًّا في كل أزمة طارئة، وطرَح آراءً عن أساليب الزراعة المُعتمَدة في مختلف أنحاء البلاد، وروى قصصًا عن الحرب، وطرح أمثلةً لأسرى قتَلُوا آسريهم، واستنتج من هذه الحكايات حماقة مقاوَمة السُّلطة الشرعية التي تُمارَس شرعيًّا، وأظهر عمومًا أنَّه رجل يحترم السلطة ومُمارستها. ثم صاح متفرِّعًا فجأة إلى مسائلَ أكثر عملية، وقال:

«بالمناسبة يا ستوليكر، كم عدد الحانات الموجودة بين هذا المكانِ وويلاند؟»

لكنَّ ستوليكر لم يكن قد أحصاها قَط.

«حسنًا، هذا يدعو إلى التفاؤل على أيِّ حال. فما دام عددُها هائلًا إلى حدِّ أنَّه يتطلَّب جهدًا من الذاكرة لإحصائه، فمن المرجَّح أننا سنَحظى بشيء نشربُه عما قريب.»

فقال ستوليكر باقتضاب فظ: «لا أشرب الخمر في أثناء العمل أبدًا.»

«أوه، حسنًا، لا تتأسَّف على ذلك. فكل رجل له عيوبه. سأسعَد جدًّا بإسداء بعض الإرشادات إليك. فأنا قد اكتسبتُ العادة النافعة المتمثلة في القدرة على شرب الخمر في أوقات العمل وخارجها. أي شيء يُمكن فعله يا ستوليكر إذا وضعته نصب عينيك وعقدت العزم عليه. فأنا لا أُومن بكلمة «لا أستطيع» بأيِّ طريقة كُتِبَت.»

لم يرُدَّ ستوليكر فيما تثاءب ييتس في ضجر.

«أتمنَّى أن تستأجر عربةً بجوادٍ أيها الشرطي. لقد تعبت من المشْي. فأنا على قدمي منذ الثالثة صباحًا.»

«ليس من صلاحياتي استئجار عربة بجواد.»

«ولكن ماذا تَفعل إذن حين يرفُض أسير التحرُّك؟»

قال ستوليكر باقتضاب: «أجعله يتحرَّك.»

«أوه، فهمت. هذه خطة حكيمة، وتُبقي الفواتير كما هي في حظائر تأجير الخيول.»

وحين وصلا إلى تبَّة مُغرية على جانب الطريق، صاح ييتس قائلًا:

«دعنا نَجلس ونرتَح. لقد نفدت طاقتي. الشمس حارقة والطريق مُغبَرٌّ. تَستطيع أن تمنحني راحةً نصف ساعة؛ فالنهار ما زال في بدايته.»

«سأمنحك خمس عشرة دقيقة.»

وجلسا معًا. قال ييتس مُتنهِّدًا: «أتمنى أن تمرَّ أيُّ عربة بحصانين.»

«هذا مستحيل، في ظل سرقةِ مُعظَم خيول الحي، وتركُّز القوات على الطرقات.»

اتَّفق معه ييتس قائلًا بنبرة ناعسة: «هذا صحيح.»

كان جليًّا أنه مُنهَك وفي أمسِّ الحاجة إلى الراحة؛ إذ سقط ذقنُه على صدره مُغمِضًا عينيه. كانت أنفاسه هادئة ومنتظمة، ومالَ جسده نحو الشرطي الذي كان منتصبًا في جِلسته بقوة. سقطت ذراع ييتس اليُسرى على ركبتي ستوليكر، ومال بثقل جسده عليه أكثر فأكثر. لم يكن الشرطي يعرف ما إذا كان ييتس يتظاهَر بالنوم أم إنَّه نعسان حقًّا، لكنَّه فضَّل عدم المخاطرة. أبقى قبضته مُحكَمة على مؤخرة مقبض المسدس. لكنَّه قال لنفسه إنَّ ييتس من المستحيل أن يفكر في سرقة سلاحِه؛ لأنَّه روى له قبل بضع دقائق حكايةً عن أسير هرب بهذه الطريقة بالضبط. كان ستوليكر متشككًا في النوايا الحسنة للرجل الذي كان في عُهدته؛ إذ كان أشد تأدبًا ولطفًا من اللازم، وفوق ذلك، راوَد الشرطي شعور غبي بأنَّ الأسير كان أذكى منه بكثير.

قال له بفظاظة: «أنت، انتصِب في جِلستك. فأنا لا أتلقَّى راتبي لكي أحملك، كما تعرف.»

قال ييتس بسرعة وهو يرمش بعينيه ويعتدل في جِلسته: «ما هذا؟ ماذا؟ ماذا حدث؟ أوه، أهذا أنت يا ستوليكر. ظننتُكَ صديقي رينمارك. هل كنتُ نائمًا؟»

«إمَّا ذلك وإما أنك كنتَ تَتظاهر بهذا، لا أعرف ولا أبالي.»

أجاب ييتس بنعاس: «أوه، لا بدَّ أنني كنت أتظاهر؛ فمن المستحيل أن أكون قد نمت. منذُ متى ونحن هنا؟»

«حوالي خمس دقائق.»

«حسنًا.» وبدأ رأس ييتس يتدلَّى مرة أخرى.

لم يراود الشرطيَّ أيُّ شك حيال الأمر هذه المرة. فلا أحد يستطيع التظاهر بالنوم بهذا الإتقان الشديد. كاد ييتس يسقط إلى الأمام عدة مرات، وكان في كل مرة يُنقِذ نفسه بحُسن الحظ الذي عادة ما يُحالف نائمًا أو ثملًا. ومع ذلك، لم يَرفع ستوليكر يده عن مسدسه قَط. وفجأة، رمى ييتس رأسه على التبة، بترنُّح أشد من المعتاد، ساحبًا الشرطي معه. فاعتصرَت العصابة الفولاذية للأصفاد مِعصَم ستوليكر، الذي سرعان ما قبض على سلسلة الأصفاد غريزيًّا ليُنقِذ معصمه وهو يتفوه بلفظٍ بذيء وصرخة متألمة. وكالقطة، صار ييتس فوقه مُبديًا خفةَ حركة مُذهِلة من رجلٍ كان قد سقط لتوِّه مكوَّمًا. وفي اللحظة التالية مباشرة أخذ المسدس ورفعه عاليًا وهو يَصيح مبتهجًا بانتصاره:

«ما قولك أيها الحكم؟ لقد هُزِمتَ حسبما أظن.»

ظلَّ الشرطي يحكُّ معصمه الجريح مطبقًا أسنانه، ومُدركًا أنَّ أي محاولة للمقاومة ستكون بلا جدوى.

قال ييتس مُصوِّبًا المسدس نحوه: «والآن يا ستوليكر، ماذا تودُّ أن تقول قبل أن أرديَك قتيلًا؟»

أجاب الشرطي قائلًا: «لا شيء، عدا أنَّك ستُشنَق في ويلاند بدلًا من أن تبقى بضعة أيام في السجن.»

ضحك ييتس. «هذا ليس سيئًا يا ستوليك، وأعتقد حقًّا أنَّ لديك قدرًا من الشجاعة، ما دُمت تعمل صائدًا للرجال. ومع ذلك، لم تكن في خطرٍ شديد، كما تعلم. والآن، إذا كنت تريد استعادة هذا المسدس، كل ما عليك أن تُراقب الموضِع الذي سيهبط فيه على الأرض.» وأمسك ييتس المسدس من فوهته ثم رماه إلى أبعد ما استطاع في الحقل.

راقب ستوليكر طيرانه في الهواء بانتباه، ثم وضَعَ يده في جيبه وأخرج شيئًا صغيرًا ورماه بالقرب من المكان الذي سقط فيه المسدس قدر ما استطاع.

سأله ييتس قائلًا: «أهذه هي الطريقة التي تُميز بها المكان؟ أم إنَّها تعويذةٌ ما ستُساعدك في العثور على المسدس؟»

أجاب الشرطي بهدوء قائلًا: «لا هذه ولا تلك. إنه مفتاح الأصفاد. فنسخته موجودة في ويلاند.»

صفَّر ييتس نغمة مطوَّلة، ونظر بإعجاب إلى الرجل الضئيل. وأدرك أنَّ الموقف ميئوس منه. فلو حاول البحث عن المفتاح وسط العشب الطويل، كان من المرجَّح جدًّا أن يعثر ستوليكر على المسدس قبل أن يعثر ييتس على المفتاح، وحينئذٍ كان الصحفي سيُصبحُ تحت رحمة الشرطة مرة أخرى.

«من الواضح يا ستوليكر أنَّك أشد ولعًا برُفقتي من ولعي برفقتك. لم يكن هذا تصرُّفًا استراتيجيًّا سيئًا منك، لكنَّه ربما يُكبدك بعض المتاعب الشخصية قبل أن أنزع هذه الأصفاد. لن أذهب إلى ويلاند في هذه الرحلة، وقد تُصيبك معرفة ذلك بخَيبة أمل. لقد ذهبت معك إلى الحدِّ الذي كنت أنويه. أمَّا الآن، فستأتي أنت معي.»

رد الشرطي قائلًا بحزم: «لن أتحرَّك.»

قال ييتس وهو يَلوي يده حول سلسلة الأصفاد ليُمسكَها: «ممتاز، فلتبقَ مكانَكَ إذن.» وبعدما أحكم قبضته عليها، سار على الطريق عكس الاتِّجاه الذي كانا سائرين نحوه قبل بضع دقائق. أطبق ستوليكر أسنانه وحاول أن يثبت في مكانه، لكنَّه أُرغِم على السير وراءه. لم يقُل أيُّهما شيئًا حتى قطعا عدة مئات من الياردات. ثم توقف ييتس.

وقال: «بعدما أثبتُّ لك حقيقة اضطرارك إلى مرافقتي، آمل أن تُبيِّن أنك رجل رشيد يا ستوليكر وتأتي معي بهدوء. فذلك سيكون أقل إرهاقًا لكلينا، والنتيجة ستكون واحدة في النهاية. لا تستطيع فعل أي شيء إلى أن تَنال مساعَدة. سوف أشاهد المعركة، التي أشعر يقينًا بأنَّها ستكون قصيرة؛ لذا لا أريد إهدارَ مزيدٍ من الوقت في العودة. ومن أجل تجنُّب مقابلة الناس والاضطرار إلى شرح أنَّك سجيني، أقترح أن نَسير عبر الحقول.»

أحد الفوارق بين الأحمق والحكيم أنَّ الحكيم دائمًا ما يَقبل المَحتوم. وقد كان الشرطي حكيمًا. عَبَر الاثنان السياج ذا العوارض الأفقية إلى الحقول، وسارا معًا بسلام، كان ستوليكر صامتًا كعادته بثقةٍ متجهمة لدى رجلٍ متيقِّن من أنَّه سينتصر في النهاية، رجلٍ يحظى بدعم أمة كاملة، وكل آلاتها تعمل في مصلحته، أمَّا ييتس، فكان كلامه يَتناوب بين الثرثرة والجدال والإفادة، وأحيانًا ما كان يقطع كلامه ويشدو فجأةً بأغنية حين كان عدم تجاوب الآخر يُصعِّب الحوار معه.

«يا لَجمال هذه الحقول الساكنة العطرة المترامية الأطراف وهدوئها وسكينتها يا ستوليكر! يا للطمأنينة التي تُبعَث في رُوحٍ سئمت صخب المدينة من هذه العُزلة، التي لا يكسرها سوى تغريد الطيور ودندنة النحل الناعسة، التي تُوصَف خطأ بأنَّها «طنين»! الحقول الخضراء والأشجار الظليلة ونسائم هواء الصيف العليلة، التي لم يُلوِّثْها دخان المدينة، وفوق كل ذلك هدوء السماء الزرقاء الصافية الأبدي، كيف يُمكن للحقد والغلِّ البشري أن يكون له وجود في جنة كهذه؟ ألا يَجعلُكَ كلُّ هذا تشعر بأنَّك صرت طفلًا بريئًا مرة أخرى، بدوافعَ نقية وضمير طاهر؟»

حتى لو كان ستوليكر قد شعر بأنه طفلٍ بريء، فلم يبدُ كذلك إطلاقًا. فكان يتفحَّص الحقول الفارغة بجبين عابس ولهفة شديدة على أملِ إيجادِ أيِّ مساعدة. ومع أنَّ الشرطي لم يُبدِ أي رد، جاءت إجابةٌ صعقت ييتس وطرَدَت من ذهنه كل خواطره عن جمال الريف. ففجأة، كُسِر الصمت بفرقعة بندقية خافتة صَدَرت من على بُعدٍ أمامهما، ثم تبعتْها عدة طلقات متفرِّقة، ثم دوِي وابل من الرصاص. وقُوبل ذلك بردٍّ حادٍّ من دوِيِّ بنادقَ من على يمينهما. فاندفع ييتس راكضًا وهو يتفوَّه بلفظٍ بذيء.

صاح قائلًا: «لقد بدءوها! وبسبب عنادك اللعين، ستَفوتني مشاهدة العرض من بدايته. لقد بادَر الفينيانيون بإطلاق النيران، ولم يتأخَّر الكنديون في الرد.»

ثم صار ضجيج إطلاق النيران مُتواصِلًا آنذاك. فأيقظ ذلك رُوح المحارب القديم داخل ييتس. كان كحصانٍ حربي عجوز يشمُّ رائحة دخان المعركة المُسكِرة من جديد. وسَطَع في عينَيه اللامعتين جنون البارود.

صاح مخاطبًا الشرطي الذي وجد صعوبة في مواكبة وتيرة ركضه: «هيا أيها الأحمق المتسكِّع! هيا وإلَّا أقسم بالآلهة! لأكسرن معصمك على سياجٍ ذي قضبان وأقتلع هذا الحديد المؤلم منه.»

تحولت قسمات وجه الأسير الشرسة بفعل شغفه الطاغي بالحرب، وللمرة الأولى في هذا اليوم، خاف ستوليكر من وهج عينيه المجنون. ولكن حتى لو كان خائفًا، فلم يُبدِ خوفه لييتس.

صاح وهو يقفز إلى الأمام متجاوزًا إيَّاه ويلوي الأصفاد الْتواءةً مألوفة لدى أولئك الذين يُضطرُّون إلى التعامل مع مجرمين مقاوِمين: «بل هيَّا أنت! فأنا متلهِّف مثلك تمامًا لرؤية المعركة.»

أعاد الألم الحاد ييتس إلى رُشده مجددًا. ثم ضحك وقال: «هذا هو عين الصواب، أتفق معك. لكنَّك ربما لن تكون في عجالة من أمرك هكذا لو علمت أنني سأكون في خضمِّ غمار المعركة وأنوي استخدامك درعًا واقيًا من الرصاص.»

فأجاب الشرطي الضئيل لاهثًا: «لا بأس. فالجانبان يُطلقان النيران. سأكون درعًا واقيًا لك من جانب، وستضطر إلى أن تكون درعًا واقيًا لي من الجانب الآخر.»

ضحك ييتس مجددًا، وركضا معًا في صمت. ظلَّا يركضان مُتجنِّبَين البيوت حتى خرجا من الحقول إلى طريق ريدج. كان الدخان يتصاعَد فوق الأشجار، موضِّحًا موقع المعركة على بُعد مسافةٍ ما على الجانب الآخر منها. جعل ييتس الشرطي يَعبُر وراءه السياج والطريق ويدخل الحقول الواقعة على الجانب المُقابل، ثمَّ وصل به إلى مقربةٍ من الجهة الخلفية لدار بارتليت ومخزن حبوبه. لم يُرَ أحدٌ بالقرب من الدار سوى كيتي بارتليت، التي كانت واقفة خلف الدار تُراقب الدخان المتصاعد بوجهٍ شاحب قَلِق، وكانت تغطِّي أذنَيها بيديها بين الحين والآخر كلما هاجمهم صوت وابلٍ مُدوٍّ للغاية. رفع ستوليكر صوته وصرَخ مُستغيثًا.

فصاح ييتس قابضًا على حنجرته: «لو كرَّرت ذلك، فسأخنقك!»

لكنَّه لم يكن بحاجة إلى تكرار ذلك. فقد سمعت الفتاة الصرخة والتفتت بنظرة مذعورة، وبينما كانت على وشك الفرار سريعًا إلى داخل البيت، ميَّزت هوية الرجلين. وحينئذٍ اتجهت نحوهما. وأنزل ييتس يده عن حلقوم الشرطي.

سألها الشرطي: «أين أبوكِ أو أخوكِ؟».

«لا أعرف.»

«أين أمُّك؟»

«إنها هناك في بيت السيدة هوارد، المصابة بوعكة صحية.»

«أأنتِ وحدك تمامًا؟»

«نعم.»

«إذن آمرك باسم الملكة ألَّا تُقدِّمي أيَّ مساعدة لهذا الأسير، بل تَفعلي ما سأخبرك به.»

فصاح ييتس قائلًا للشرطي: «وأنا آمرك باسم الرئيس أن تَخرس، وألَّا تخاطب امرأةً راقيةً هكذا.» ثم أردف بنبرة ألطف: «كيتي، هلَّا تخبريني من أين أستطيع الحصول على مَبرَد، كي يتسنَّى لي كسر هذه الأساور؟ ليس عليك أن تُحضريه لي. ليس عليك أن تفعلي أي شيء. كل ما عليكِ أن تخبريني بمكان المبرد. يجب ألَّا تحصل الشرطة على دليل يجعل لديها سطوةً عليكِ، كما يبدو أنَّ لديها سطوة عليَّ.»

سألته كيتي: «لماذا لا تجعله يفتحها؟».

«لأنَّ الوغد رمى المفتاح بعيدًا في الحقول.»

«لا يمكن أن يكون قد فعل ذلك.»

حبس الشرطي أنفاسه.

«بل فعل. لقد رأيته.»

«وأنا رأيته يفتحها عند الفطور. كان المِفتاح في طرف سلسلة ساعته. وهو لم يَرمِ هذه السلسلة.»

هَمَّت بإخراج سلسلة ساعته لكنَّ ييتس أوقفها.

قال لها: «لا تلمسيه. فأنا أتولَّى كل شيء هنا بنفسي دون مساعدة.» وانتزع السلسلة بقوة، وتدلَّى منها المفتاح الحقيقي.

قال: «حسنًا يا ستوليكر، لا أعرف ما الذي يستحق إعجابي أكثر؛ ذكاؤك وجرأتك أم غبائي، أم قوة ملاحظة الآنسة بارتليت. هل يمكننا دخول الحظيرة يا كيتي؟»

«نعم، ولكن إيَّاك أن تؤذيه.»

«اطمئنِّي. فأنا مُعجب جدًّا به. لا تدخُلي معنا. سأخرج في غضون لحظة كما يخرج الوسيط بين الأرواح من خزانة روحانية مُظلمة.»

وبعدما دخلا مخزن الحبوب، ثبَّت ييتس الشرطي عنوةً على العمود البلوطي المربع الذي كان جزءًا من هيكل المبنى، وكان يُشكِّل أحد جانبَي السُّلَّم العمودي الذي كان يؤدي إلى قمة مستودع أكوام التبن.

قال بجدية: «والآن يا ستوليكر، لعلك تُدرك بالطبع أنِّي لا أُريد أن أُوذيك، لكنَّك تدرك أيضًا أنِّي مضطر إلى إيذائك إذا حاولتَ الإتيان بأي حيل خادعة. لا أستطيع المجازفة إطلاقًا، أرجو أن تتذكر ذلك، وتتذكَّر أنِّي سأكون في ولاية نيويورك بحلول الوقت الذي ستَستعيد فيه حريتك. لذا لا تُجبرني على تهشيم رأسك في هذا العمود.» ثم فتَحَ قفْل الصفد الذي يُقيِّد معصمَه، مُتكبِّدًا بعض العناء في سبيل ذلك، ثمَّ سحب يد ستوليكر اليُمنى حول العمود، وأغلق القفل نفسه على معصمها الذي كان حرًّا حتى هذه اللحظة. فصار الرجل التعيس الحظ، الذي كان خده مُلتصقًا بالعمود، في وضعية مثيرة للضحك إذ بدا كأنَّه يُعانق العمود بحُبٍّ شديد.

«سأحضر لك كرسيًّا من المطبخ كي تَشعر بارتياح أكبر، إلَّا إذا كنت تستطيع هدَّ دعامات المبنى بساعديك مثل شمشون. ثم سأضطرُّ إلى توديعك.»

خرج ييتس إلى الفتاة التي كانتْ تَنتظرُه.

وقال لها: «أريد استعارة كرسيٍّ من المطبخ كي يَرتاح عليه ستوليكر المسكين يا كيتي.»

سارا نحو البيت. ولاحظ ييتس أنَّ إطلاق النار قد توقف، باستثناء طلقة عابرة هنا وهناك عبر المنطقة.

تابع قائلًا: «عليَّ التراجع إلى الجانب الآخر من الحدود بأقصى سرعة مُمكنة. فهذه البلدة صارت أخطر ممَّا أحتمل.»

قالت الفتاة بعينين مُنكَّستَين في الأرض: «لكنَّك أكثر أمنًا بكثيرٍ هنا. لقد جاء رجلٌ بنبأ مفاده أنَّ زوارق الولايات المتحدة الحربية تُبحِر عبر النهر جَيئةً وذهابًا، وتأخذ كلَّ مَن يُحاول العبور من هذا الجانب أسيرًا.»

«حقًّا! حسنًا، لقد توقَّعت ذلك. ولكن ماذا عساني أن أفعل بستوليكر إذن؟ لا أستطيع أن أُبقيَه مُقيَّدًا هناك. لكنِّي سأَهلَك حالَما يَتحرَّر من قيده.»

«ربما تَستطيع أمي أن تُقنعه بعدم فعل أي شيء آخر. هل أذهب إليها؟»

«لا أظن أنَّ ذلك سيُجدي أيَّ نفع. فستوليكر حيوان عنيد. لقد ذاق على يدي مُعاناة أشدَّ من أن تجعله يتسامَح معي. سنَجلب له كرسيًّا على أيِّ حال، ونرى تأثير المعاملة الطيبة عليه.»

حين وُضِع الكرسي في متناول ستوليكر، جلس عليه وهو ما زال يُعانق العمود بحماسة اضطرارية كادت تجعل كيتي تَضحك، رغم جدية الموقف، وأضاءت عينيها بنظرة التلذُّذ بإزعاج الآخرين التي دائمًا ما كانت تُسعِد ييتس.

سأل الشرطي قائلًا: «كم من الوقت سأُضطرُّ إلى البقاء هنا؟».

أجاب ييتس بمرح: «أوه، ليس طويلًا، لن تبقى لحظةً أطول من الوقت اللازم. سأرسل البرقية حين أصل سالِمًا إلى ولاية نيويورك؛ لذا لن تبقى هنا أكثر من يوم أو اثنَين.»

لم يبدُ أنَّ هذه الطمأنة قد بثَّت الكثير من الراحة في نفْس ستوليكر.

قال: «أصغِ إليَّ، أظنُّني أعي الهزيمة جيدًا حين أتعرَّض لها كأيِّ إنسان آخر. لقد كنتُ أفكِّر مليًّا في الأمر برمَّته. إنني تحت إمرة قائد شرطة المنطقة، ولست تحت إمرة ذاك الضابط. لا أعتقد أنَّك قد ارتكبت أي جُرم على أيِّ حال، وإلَّا ما كنتَ لتتصرَّف كما تصرفت. لو كان قائد الشرطة هو مَن أرسلني، لكان الوضع مُختلفًا. ولكن بناءً على الوضعِ الحالي، فإذا فتحتَ هذه الأصفاد، أعدك بأنِّي لن أفعل شيئًا آخر إلَّا إذا أُمِرت به. الأرجح أنَّهم سيكونُون قد نسوك تمامًا بحلول هذا الوقت، ولا شيء مُسجَّل على أيِّ حال.»

«أأنت صادق في قولك؟ ألن تأتي بأي خدع؟»

«بالتأكيد لن آتيَ بأي خدع. ولا أظنك تشكُّ في ذلك. لم أطلب أي خدمة من قبل، وفعلت كلَّ ما بوسعي لأبقيَك في عُهدتي.»

فصاح ييتس قائلًا: «لنكتفِ بهذا القدر من الحديث. سأخاطر بإطلاق سراحك.»

مدَّ ستوليكر ذراعيه فوق رأسه بإنهاك حين حُلَّت أصفادُه.

قال وقد رحلت كيتي آنذاك: «تُرى هل يوجد أي شيء يُؤكَل في البيت؟»

فصاح ييتس وهو يمدُّ يدَه إليه: «لنتصافح! فها هو شعور متبادل وعظيم آخر يجمعنا يا ستوليكر. لنذهب ونرى.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤