الفصل التاسع

سار رينمارك عبر الغابة ثم عبر الحقول حتى وصَل إلى الطريق. تجنَّب مساكن البشر قدر المستطاع؛ لأنه لم يكن ذا نزعة اجتماعية قوية ولا كثير الجوع كرفيقِه. سار بخطًى واسعة على طول الطريق غير مُبالٍ بالوجهة التي يقود إليها. وكان كلُّ مَن يُقابله يتمنَّى له «يومًا طيبًا»، وفقَ عادات أهل الريف الودية. أمَّا معظم أولئك الذين كانوا يسيرون في اتجاهِه بعربات أو مركبات أخف، فكانُوا عادة ما يَعرضُون عليه توصيله، ثمَّ يمضُون في طريقهم متعجِّبين من أن يختار رجلٌ السير دون أن يكون مضطرًّا إلى ذلك. كان البروفيسور، كمُعظم الرجال الصامتين، يجد في نفسه صُحبة جيدة، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى رفقةٍ في مسيراته. لذا انتابه شعور بالارتياح وليس الإحباط حين رفض ييتس مرافقتَه. وكان ييتس، الذي كان يتأرجَح ناعسًا في أرجوحته، مستمتعًا مثله تمامًا. فحتَّى حين يجمع بين الرجال صداقة قوية حميمة، تُشكِّل الأيام القليلة الأولى من تخييمهما معًا ضغطًا شديدًا على ما يَحمله كلاهما من ودٍّ واحترام تجاه الآخر. ولو كان دامون وبيثياس قد سكَنا خيمة واحدة معًا طوال أسبوع، ربما كان ألدَّ عدوٍّ لأحدهما أو كليهما سيُقدِم في نهاية ذلك الأسبوع على دخول الخيمة في أمان تام، وكان سيَلقى ترحيبًا أيضًا.

جالت هذه الخواطر في بال رينمارك وهو يتمشَّى. فقد أظهرت له معاشرته لييتس بضعة أيام مدى البُعد الذي صار قائمًا بينهما بسبب اتباعهما مسارين يزدادان تباعُدًا كلما مشيا فيهما. واتضح أن صداقة شبابهما لم تكن سوى مجرد صداقة عابرة قصيرة. فلم يكن أيهما الآن ليَختار الآخر صديقًا مقربًا. لقد تلاشى وهمٌ آخر.

قال رينمارك لنفسه وهو يُواصل السير: «لديَّ بالتأكيد قدْر كافٍ من رباطة الجأش لأتحمَّل تفاهته السطحية أسبوعًا آخر، دون أن أدعه يعرف رأيي فيه.»

كان ييتس في الوقت نفسه مستمتعًا تمامًا بهدوء المخيم وسكونه. «هذا الرجل مُدرِّس مُبالَغ فيه؛ إذ يحمل كل عيوب الأنواع التي تطورت تطورًا غير طبيعي. وإذا صارحته مرةً برأيي فيه، فسيعرف حقائق عن نفسه في عشر دقائق أكثر ممَّا سمعها طوال حياته. لقد صار متزمتًا صلفًا إلى حدٍّ لا يُطاق.» هكذا جالت أفكار ييتس في خاطره وهو يتأرجَح في أرجوحته ناظرًا إلى السقف من فوقه المكوَّن من الأوراق الخضراء.

ومع ذلك، لم يكن الوضع بهذا السوء الذي ظنَّه أيُّ منهما. فلو كان كذلك، لكان الزواج حينئذٍ علاقة فاشلة، بل وشبه مستحيلة. وإذا استطاع رجلان تَخطِّي أيامهما الأولى معًا في خيمة واحدة دون مشاجرة، تصير الحياة أسهل ويهدأ التوتُّر.

كان رينمارك يقطع أمياله العشرة بسرعة دون اكتراثٍ كبير بمن كان يقابلهم، لكنَّ سائق إحدى العربات المارة أوقف حصانه، ودنا من رينمارك مخاطبًا إيَّاه.

قال له: «طاب يومك. كيف حال معيشتِك في الخيمة؟»

تعجب البروفيسور من السؤال. هل ذاع خبر تخييمهما الغريب في العراء في كل أنحاء الريف؟ لم يكن سريعًا في تمييز هوية الآخرين، بل كان يَنتمي إلى نادي «أتذكَّر وجهك لكني لا أستطيع تذكُّر اسمك»، كما حدث معه في هذا الموقف. كان يُقال عنه إنه لم يكن يعرف أبدًا، في أي وقت من الأوقات، أسماء أكثر من ستة طلاب في صفه الدراسي، لكنَّ هذا كان تشهيرًا كاذبًا به أثناء دراسته في الجامعة. كان الشاب الذي خاطبه يقود حصانًا واحدًا مربوطًا بعربةٍ أسماها «الديموقراط»، وهي عربة خفيفة ذات أربع عجلات ليست صغيرة وأنيقة كالعربة البوجيَّة الخفيفة ولا ثقيلة وخرقاء كالعربة العادية. رفع رينمارك ناظرَيه نحو السائق بجهل مُمتزِج بالحيرة، وكان منزعجًا لأنَّ شعورًا غامضًا خالجه بأنه قابله في مكانٍ ما من قبل. لكنَّ دهشته من مبادرة ذلك السائق بمخاطبته سرعان ما تحوَّلت إلى ذهول حين انتقلت عيناه من على السائق إلى حمولته. كانت «الديموقراط» محملة بكومة من الكتب المكدسة. كانت المجلدات الأكبر متراصَّة بإحكام بطول جوانب العربة ملاصقة لها، وبذلك منعت الكومة المليئة بالكتب المتنوعة من السقوط على الطريق من شدة الاهتزاز. تلألأت عيناه باهتمام جديد حين وقعت على الأغلفة المُتعددة الألوان، وميَّز من وسط الكومة الأغلفة البُنية المميزة لطبعات «هنري جورج بون» من الترجمات الكلاسيكية، التي كانت مُتناثرة كالكثير من ثمرات اللفت فوق قمة هذه التلة الأدبية. فرك عينيه ليتيقن من أنه لا يحلم. فكيف لابن مزارع أن يقود حمولة عربة من الكتب في براري الريف بلا مبالاة كأنها كمٌّ هائل من بوشلات البطاطس؟

رأى السائق الشاب، الذي أوقف حصانه لأنَّ الحمولة كانت ثقيلة والرمال كانت عميقة، أنَّ السائر الغريب عجز عن تمييز هُويته، بل ونسيَ كل شيء آخر حالما وقعت عيناه على الكتب. وبدا واضحًا أنه يجب أن يُخاطبه مرةً أخرى.

سأله قائلًا: «إذا كنت عائدًا، هلَّا تركب معي لأوصلك؟».

قال البروفيسور هابطًا من شروده إلى أرض الواقع مرَّةً أخرى ومتسلِّقًا العربة ليركب بجوار الشاب: «أظن … أظن أنني سأركب.»

قال الأخير وهو يَنطلِق بحصانه مرة أخرى: «أرى أنك لا تتذكَّرني. اسمي هوارد. لقد مررت بك في عربتي حين كنت قادمًا بخيمتِك في ذلك اليوم على طريق ريدج. ورفيقك — ماذا كان اسمه … ييتس، أليس كذلك؟ — تناول الغداء في بيتِنا منذ بضعة أيام.»

«آه، نعم. تذكرتُك الآن. كنت أظن أنني رأيتك من قبل، لكن اللقاء استمرَّ بضع لحظات فقط، كما تعلم. إن ذاكرتي سيئة للغاية في تذكُّر الأشخاص. ودائمًا ما كان ذلك أحدَ عيوبي. هل هذه كتبك؟ وكيف حصلت على مثل هذا الكم؟»

قال هوارد الشاب: «أوه، هذه المكتبة.»

«المكتبة؟»

«نعم، مكتبة البلدة، كما تعلم.»

«أوه، البلدة لديها مكتبة إذن؟ لم أكن أعرف.»

«حسنًا، هذا جزءٌ منها. إنه الجزء الخامس. أنت على دراية بشأن مكتبات البلدات، ألست كذلك؟ لقد قال رفيقك إنك كنتَ جامعيًّا.»

تورَّد وجه رينمارك خجلًا من جهلِه، لكنه لم يَجد غضاضة في الاعتراف بذلك.

«عليَّ أن أخجلَ من الاعتراف بذلك، لكنِّي لا أعرف شيئًا عن مكتبات البلدات. فلتُحدِّثني عنها من فضلك.»

كان هوارد الصغير متحمِّسًا لتقديم المعلومات إلى رجلٍ جامعي، لا سيما عن موضوع الكتب، الذي كان يعتبره جزءًا من اختصاص أولئك الرجال الذين تعلموا في الجامعة. وكان سعيدًا كذلك باكتشاف أنَّ سكان المدينة لا يَعرفون كل شيء. فلطالَما كان يظنُّهم كذلك، وتأكَّد لديه ذلك الظن بطريقةٍ مُزعِجة حين رأى الثقة المُفرِطة التي تصرَّف بها ييتس. كان واضحًا أنَّ البروفيسور رجل مهذب، لم يتظاهر بأنه ذو معرفة موسوعية شاملة. وكان هذا مُشجعًا. لذا أُعجِبَ الشاب برينمارك أكثرَ مما أُعجِب ببيتس، وكان سعيدًا بأنه عَرَض عليه توصيله، صحيح أنَّ هذا كان هو العرف السائد بالطبع، ولكن قد يُعفَى منه الشخص حين يقودُ حصانًا واحدًا ويجرُّ حمولة ثقيلة على طريق رملي.

قال شارحًا: «حسنًا، أصغِ إليَّ، الوضع هكذا: تُقِر البلدة مبلغًا من المال بالتصويت، لنقُل مائة دولار أو مائتَين على سبيل المثال، حسب الظروف. ويُخطرُون الحكومة بهذا المبلغ، فتُضيف الحكومة إليه المقدار نفسه. إنه أشبه باللعبة القديمة: فكِّر في رقم، وهُم سيُضاعفُونه. تملك الحكومة مستودَع كتب في تورنتو حسبما أظن، وتبيعُها بسعر أرخص من متاجر الكتب. على أيِّ حال، تُشترى كتب بقيمة أربعمائة دولار، أو أيًّا كان المبلغ، وتُصبحُ مِلك البلدية. ثم يُختار خمسة أشخاص في البلدة ليكونوا أمناء مكتبات، ويتولَّون مسئولية الحفاظ عليها. والدي هو أمين المكتبة المعني بهذا القسم من البلدة. تُقسَّم المكتبة إلى خمسة أجزاء، ويَحصُل كل أمين مكتبة على حصة معينة. أذهب مرة في السنة إلى القسم التالي وآخُذ كلَّ كتبِهم. وهُم يذهبون بدورهم إلى القسم التالي ويأخذون كل الكتب الموجودة هناك. سيأتي رجل إلى بيتِنا اليوم ويأخذ كل الكتب الموجودة لدينا. وهكذا نُجري تغييرًا كاملًا كل عام، وفي خمس سنوات، نَستعيد الدُّفعة الأولى من الكتب، التي نكون قد نسيناها تمامًا بحُلول ذلك الوقت. واليوم هو يوم التغيير في كل الأقسام.»

سأله البروفيسور: «وهل تُعار الكتب إلى أيٍّ مَن يُريد قراءتها في كل قسم؟»

«نعم. تَحتفظ مارجريت بسجلٍّ، ويستطيع أي شخص استعارة أي كتاب لمدة أسبوعين، وتُفرَض عليه غرامة إذا لم يُعِد الكتاب بنهاية هذه المدة، لكنَّ مارجريت لا تُغرِّم أحدًا أبدًا.»

«وهل يجب على الناس دفع شيء مقابل استعارة الكتب؟»

قال هوارد بازدراء طفيف رقيق: «لا بالطبع! لا تَقُل إنك تتصوَّر أن يدفع الناس شيئًا مقابل قراءة الكتب، أتتصور ذلك حقًّا؟»

«كلا، لا أتصور ذلك. ومَن اختار الكتب؟»

«حسنًا، تستطيع البلدية اختيار الكتب إن شاءت، أو يُمكنها إرسال لجنة لاختيارها، لكنهم رأوا أنَّ الأمر لا يستحق العناء والتكاليف. فقد تذمَّر بعض الناس آنذاك تذمُّرًا كافيًا بالفعل من إهدار المال على الكتب، إن جاز التعبير، مع أنَّ البلدية اشترتْها بنصف الثمن. ومع ذلك، قال البعض الآخر إنَّ عدم أخذ أموال من الحكومة في ظل وجود فرصة سانحة لذلك سيكون أمرًا مؤسفًا. لا أظن أنَّ أيًّا منهم كان مهتمًّا كثيرًا بالكتب، باستثناء أبي وبضعة أشخاص آخرين. لذا اختارت الحكومة الكتب بنفسها. سيفعلون ذلك لو تركتَ لهم الاختيار. وقد أرسلوا كمًّا غريبًا من النفايات، إن كنت تُصدِّقُني. أعتقد أنهم ألقَوا إلينا بكل الكتب التي ما كان أيُّ شخصٍ آخر ليشتريها. وحتى حين انتقَوا روايات، كانت صعبة ككتب التاريخ تمامًا. كانت إحداها هي رواية «آدم بيد». يقولون إنها رواية. لقد حاولت قراءتها، لكنِّي أفضِّل قراءة تاريخ جوزيفوس عنها بأي حال من الأحوال. فهو على الأقل يحوي بعض المعارك والقتال ما دام تاريخًا بالفعل. ويوجد كذلك قدْر هائل من كتب السيرة الذاتية. إنها ليسَت جيدة. ويوجد بينها كتاب «تاريخ نابليون». لقد أخذه بارتليت العجوز، ولن يتركه. يقول إنه دفع ضرائب تكوين المكتبة رغمًا عنه. ويتحدَّاهم للجُوء إلى القانون في هذا الشأن، غير أنَّ القيام بذلك من أجل كتاب واحد لا يستحقُّ العناء. كل الأقسام الأخرى تطلب هذا الكتاب؛ ليس لأنهم يُريدونه، لكنَّ أهالي البلدة كلهم يعرفون أنَّ بارتليت العجوز متشبِّث به؛ لذا يريدون بعض التسلية. لقد قرأ بارتليت هذا الكتاب أربع عشرة مرة، وهذا كلُّ ما يعرفه. أقول لمارجريت إنها يجب أن تُغرِّمه، وتُواظِب على تغريمه عن كل تأخير، لكنها لن تفعل ذلك. أتصور أنَّ بارتليت يظن أنَّ الكتاب صار مِلْكَه الآن. إن مارجريت تُحب كيتي والسيدة بارتليت، كما يحبهما الجميع، لكنَّ بارتليت العجوز فظٌّ مكروه. ها هو يجلس الآن في شرفته، ومن العجيب أنه لا يقرأ «تاريخ نابليون».»

كانا يمرَّان بمنزل بارتليت، وصاح هوارد الصغير بعلوِّ صوته قائلًا:

«أيا سيد بارتليت، نُريد كتاب نابليون ذاك. فاليوم هو يوم التغيير، كما تعرف. أأصعد إليك لآخذه أم ستُنزِله إليَّ؟ إذا أحضرتَه إلى البوابة، فسأنقله بالعربة إلى البيت الآن.»

لم يكترث الرجل العجوز بما قيل له، لكن السيدة بارتليت أتت إلى الباب بعدما جذبها صياح الشاب.

صاحت وهي تنزل إلى البوابة حين رأت البروفيسور: «ارحَل من هنا مع كتبك أيها الوغد الصغير! تلك طريقة رائعة لنقل الكتب المُغلفة، كأنها حمولة هائلة من الطوب. أجزم أنك فقدت دزينة منها بين مالوري وهنا. لكنَّ ما يُنال بسهولة يزول بسهولة. يبدو واضحًا أنها لم تُكلِّفك شيئًا. لا أعرف إلى أين تذهب بنا الدنيا حين تُنفق البلدة أموالها على الكتب، كأنَّ الضرائب ليست باهظة كفايةً بالفعل. ألن تَدخُل يا سيد رينمارك؟ الشاي على الطاولة.»

قال هوارد الصغير قبل أن يَحظى البروفيسور بوقت للرد: «السيد رينمارك يَصحبُني في هذه الرحلة يا سيدة بارتليت، ولكن إذا دعوتِني، فسأدخل وأحتسي الشاي حالَما أعقِل الحصان.»

فقالت له: «ارحل من هنا مع هرائك؛ فأنا أعرفك.» ثم سألته بصوتٍ أخفض: «كيف حال أمك يا هنري، ومارجريت؟»

«إنهما بخير، شكرًا لكِ.»

«أخبِرهما بأنني سآتي لزيارتهما يومًا ما قريبًا، لكنَّ هذا يجب ألَّا يَمنعهما من زيارتي. فالعجوز ذاهب إلى البلدة غدًا»، وبعدما ألقت هذا التلميح، ودَعَت البروفيسور مرةً أخرى إلى تناول وجبة معهم، تركت الطريق وصعِدت إلى المنزل.

قال رينمارك وهو في منتصف الطريق بين البيتين: «أظنُّني سأنزل هنا. أنا في غاية الامتنان لك لتوصيلي، ولِما أخبرتَني به عن الكتب أيضًا. لقد كان شائقًا جدًّا.»

صاح هوارد الصغير قائلًا: «هراء! لن أسمح لك بشيء كهذا. ستأتي معي إلى البيت. تريد أن ترى الكتب، أليس كذلك؟ حسنًا جدًّا، إذن تعالَ معي؛ فمارجريت دائمًا ما تكون متلهِّفة في يوم التغيير وتنتظر رؤية الكتب بفارغ الصبر، وعادة ما يعود أبي من الحقول مبكرًا للسبب نفسه.»

وبينما كانا يدنوان من ضيعة آل هوارد، أبصرا مارجريت في انتظارهما عند البوابة، ولكن حين رأت الفتاة شخصًا غريبًا في العربة، استدارت ودلفت إلى البيت. وعندما رأى رينمارك هذا الانسحاب، ندِم على عدم قبول دعوة السيدة بارتليت. فقد كان رجلًا حساسًا، ولم يُدرِك أن ثمة آخرين أحيانًا ما يكونون خجولين مثله. شعر بأنه يتطفَّل، بل وأنَّه يفعل ذلك في لحظة مقدَّسة؛ لحظة وصول المكتبة. فقد كان عاشقًا للكتب، وكان يُقدِّر قيمة الاختلاء بها بشدة إلى حدِّ أنه تخيل في انسحاب مارجريت المفاجئ الاستياء نفسه الذي كان سيشعر به لو تطفَّل عليه زائر في خلوته المفضلة في الغرفة الجميلة التي تحوي مكتبة الجامعة.

وحين توقَّفت العربة في الممر المؤدِّي إلى بوابة البيت، قال رينمارك بتردد:

«أظنني لن أستطيع البقاء، إن كنت لا تمانع. فصديقي يَنتظرني في المخيم، وستُؤرقه التساؤلات عمَّا حل بي.»

«مَن؟ ييتس؟ دعها تؤرِّقه. أظنُّه لا يشغل باله أبدًا بأي شخص، ما دام هو نفسه يشعر بالراحة. هذا هو الانطباع الذي أخذته عنه على أي حال. وفوق ذلك، لن تُخلِف وعدك بحمل الكتب إلى الداخل أبدًا، أليس كذلك؟ لقد اعتمدت على مساعدتك. فأنا لا أريد فعل ذلك، ولا يبدو من العدل ترك مارجريت لتُدخلَها كلها وحدها، أليس كذلك؟»

«أوه، إن كنت أستطيع تقديم أي مساعدة، فسوف …»

«تستطيع بالتأكيد. وفوق ذلك، أعرفُ أنَّ والدي يُريد أن يراك، على أي حال. ألا تريد ذلك يا أبي؟»

كان الرجل العجوز آتيًا نحوهما من جانب المنزل الخلفي لمقابلتهما.

سأل قائلًا: «أريد ماذا؟»

«قلت إنك تُريد رؤية البروفيسور رينمارك حين أخبرتكَ مارجريت بما قاله لها ييتس عنه.»

احمرَّ وجه رينمارك قليلًا حين عرف أنَّ كثيرين كانوا يتحدَّثون عنه، وخالجه بعض الشك في الوقت نفسه في أنَّ الصبيَّ كان يسخر منه. مَد السيد هوارد يده بحرارة ليصافحه.

«إذن، أنت البروفيسور رينمارك، ألست كذلك؟ أنا سعيدٌ للغاية برؤيتك. نعم، كما قال هنري، كنت أود رؤيتك منذ أن تحدَّثت ابنتي عنك. أظن أنَّ هنري أخبرك بأن شقيقَه واحد من تلاميذك؟»

صاح رينمارك شاعرًا فجأة بالحيوية والألفة: «أوه! هل آرثر هوارد ابنك؟ لم أكن أعرف ذلك. يوجد شُبان كُثُر في الكلية، وليس لديَّ أدنى فكرة عن مساقط رءوسهم كلهم. صحيح أنَّ المعلم ينبغي ألَّا يكون لديه تلاميذ مُفضَّلُون، ولكن عليَّ الاعتراف بأنني معجب جدًّا بابنك. إنه فتًى نجيب، وهذا لا يُمكن أن يُقال عن كل طالب في صفِّي.»

«دائمًا ما كان آرثر مجتهدًا؛ لذا ارتأينا أن نمنحه فرصة. أنا سعيد بسماع أنه يُحسن السلوك في المدينة. فالزراعة عمل شاق، وآمل أن يَحظى أولادي بحياة أسهل ممَّا عشتها. ولكن هيا تفضَّل بالدخول، هيا. ستَسعد زوجتي ومارجريت برؤيتك، وسماع مدى ما يُحقِّقُه من تقدم في الدراسة.»

وهكذا دخلُوا معًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤