باب من أحب من نظرة واحدة

وكثيرًا ما يكون لُصوق الحب بالقلب من نظرة واحدة، وهو ينقسم قسمين، فالقسم الواحد مخالف للذي قبل هذا، وهو أن يعشق المرء صورةً لا يعلم من هي، ولا يدري لها اسمًا ولا مستقرًّا. وقد عرض هذا لغير واحد.

خبر

حدثني صاحبنا أبو بكر محمد بن أحمد بن إسحاق عن ثقة أخبره — سقط عني اسمه، وأظنه القاضي ابن الحذاء — أن يوسف بن هارون الشاعر المعروف بالرَّماديِّ كان مجتازًا عند باب العطارين بقُرطبة — وهذا الموضع كان مجتمعَ النساء — فرأى جاريةً أخذت بمجامع قلبه، وتخلَّل حبُّها جميعَ أعضائه، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يَتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة، فجازتها إلى الموضع المعروف بالرَّبَض. فلما صارت بين رياض بني مروان — رحمهم الله — المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خَلْف النهر، نَظرت منه مُنفردًا عن الناس لا همَّة له غيرها، فانصرفت إليه فقالت له: ما لك تمشي ورائي؟ فأخبرها بعظيم بليَّته بها، فقالت له: دَعْ عنك هذا ولا تطلُب فضيحتي؛ فلا مطمع لك في النِّية، ولا إلى ما ترغبه سبيل. فقال: إني أقنع بالنظر. فقالت: ذلك مُباح لك. فقال لها: يا سيدتي، أحُرَّة أم مملوكة؟ قالت: مملوكة. فقال لها: ما اسمك؟ قالت: خلوة. قال: ولمن أنت؟ فقالت له: علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه؛ فدع المحال. فقال لها: يا سيدتي، وأين أراكِ بعد هذا؟ قالت: حيث رأيتَني اليومَ في مثل تلك الساعة من كل جُمعة. فقالت له: إما أن تَنهض أنت وإما أنهض أنا. فقال لها: انهضي في حفظ الله. فنهضت نحو القَنطرة ولم يمكنه اتباعها؛ لأنها كانت تلتفت نحوه لترى أيُسايرها أم لا، فلما تجاوزت باب القنطرة أتى يقفوها فلم يقع لها على مسألة.

قال أبو عمر، وهو يوسف بن هارون: فوالله لقد لازمت باب العطَّارين والرَّبض من ذلك الوقت إلى الآن، فما وقعتُ لها على خبر، ولا أدري أسَماءٌ لَحَستْها أم أرضٌ بلعتْها، وإن في قلبي منها لأحَرَّ من الجمر. وهي خلوة التي يَتغزَّل بها في أشعاره.

ثم وقع بعد ذلك على خَبرها بعد رحيله في سببها إلى سَرَقسطة في قصة طويلة. ومثل ذلك كثير، وفي ذلك أقول قطعةً، منها:

عَيْنِي جَنَتْ فِي فُؤَادِي لَوْعَةَ الفِكَرِ
فَأُرسلُ الدَّمْعَ مُقْتَصًّا مِنَ البَصَرِ
فَكَيْفَ تُبْصِرُ فعل الدَّمْع مُنْتَصِفًا
مِنْهَا بِإغْرَاقِهَا فِي دَمْعِهَا الدُّرَرِ
لَمْ أَلْقَهَا قَبْلَ إِبْصَارِي فَأَعْرِفَهَا
وَآخِرُ العَهْدِ مِنْهَا سَاعَةُ النَّظَرِ

والقسم الثاني مخالف للباب الذي يأتي بعد هذا الباب إن شاء الله، وهو أن يعلق المرءُ من نظرةٍ واحدةٍ جاريةً معروفة الاسم والمكان والمَنشأ، ولكن التفاضل يقع في هذا في سُرعة الفناء وإبطائه، فمن أحب من نظرة واحدة وأسرع العلاقة من لمحة خاطرة؛ فهو دليل على قلَّة الصبر، ومُخبرٌ بسرعة السلو، وشاهد الظرافة والملل، وهكذا في جميع الأشياء أسرعُها نموًّا أسرعها فناءً، وأبطؤها حدوثًا أبطؤها نفاذًا.

خبر

إني لأعلم فتًى من أبناء الكُتَّاب ورأته امرأة سرية النشأة، عالية المنصب، غليظة الحجاب، وهو مُجتاز، ورأته في موضع تَطلَّعَ منه كان في منزلها، فعلقتْه وعَلقها، وتهاديا المراسلة زمانًا على أرق من حد السيف، ولولا أني لم أقصد في رسالتي هذه كشفَ الحيل وذكر المكائد لأوردتُ مما صحَّ عندي أشياء تُحيِّر اللبيب وتدهش العاقل. أسبل الله علينا ستره وعلى جميع المسلمين بمَنِّه، وكفانا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤