الفصل الرابع

الصفات الخلقية والعقلية المشتركة بين عروق الهند المختلفة

(١) ما نشأ عن أحوال البيئة والحياة في الهند من تماثل بين شعوب الهندوس

ظهر من الفصول التي خصصناها للبحث في عروق الهند اتساعُ الفروق بين تلك العروق، فالحقُّ أن شبه جزيرة الهند الواسعة فسيفساء عظيمة مؤلفة من شعوب مختلفة إلى الغاية، ففي الهند تجد الوحش الفطري والرجل المتمدن وما بينهما من آدميي مختلف الدرجات.

وقد رأينا أن المُثُل الجثمانية لهذه العروق متباينة جدًّا، وأن كلمة الهندوس تشتمل على أناس مختلفي الألوان مترجحين بين الزنجي الأسود والرجل الأبيض، وأن تلك المثل تترجح بين الجمال الباهر وأقصى البشاعة.

وما لهذه العروق من الصفات الخُلقية والعقلية ليس بأقل من تلك الفروق الجثمانية اختلافًا، فترى هوة عميقة بين الراجبوتي المشهور بشجاعته النادرة والبنغالي المعروف بجَبَانَتِه الفاضحة، وترى مثل تلك الهوة بين جَبَلِيِّيِ راج محل الذين لا يعرفون الكذب وبعض الهندوس الذين يكذبون على الدوام.

ومن الصواب، إذن، أن نستنتج، أولَ وهلة، فقدان أيِّ صفة مشتركة بين عروقٍ ذلك مدى تباينها، بَيْدَ أننا سنرى عما قليل أن هذا زعم خاطئ، فقد نجم عن البيئات المادية والأدبية الواحدة أخلاقٌ عامة تجمع بين تلك العروق في أسرة كما يجمع العالم الطبيعي مخلوقاتٍ متباينة أشد التباين، كالفيل والفأر، في فصيلة واحدة.

فلْنَدَع الفروق التي عرضناها بدرجة الكفاية، ولنبحثْ في الصفات المشتركة بين عروق الهند المختلفة، فنرى، إذ ذاك، أن الهندوسيَّ ينال بهذه الصفات معنى معينًا، ولا يظن القارئ، مع ذلك، أنه يكون لهذا المدلول من القيمة المقرَّرة ما لكلمة «الفرنسي أو الإنجليزي أو الألماني»، فلم يقع تمازُج مختلف العناصر بدرجة الكفاية، ونحن، لكي نوضح رأينا بأحسن من ذلك، نتمثَّل أمر فرنسا في العصر الكارولوفينجي وقيمة كلمة «الفرنسي» الدالة فيه على خليطٍ من القوط والفرنج والغوليين والرومان بَدَأَ يمتزج فيكتسب بعض الصفات المشتركة.

ونرى، قبل أن ندرس الصفات المشتركة لأكثرية الهندوس فنشيرَ إلى الأسباب التي أوجدتها، أن نأتي بتقسيماتٍ قليلة أساسية للعروق الكثيرة التي وصفناها فيما تقدم على انفراد، فبعد أن نصنع هذا على طريقة التحليل نبدأ بالدرس على طريقة التركيب.

يُؤدِّي البحث الخاطف إلى إمكان تكتيل جميع تلك العروق في ثلاثة تقسيمات أساسية كبيرة، فأما التقسيم الأول فيشتمل على العروق التي لم تنلْ بصيصًا من أية حضارة فتَجَلَّت فيها آثار سكان الهند الفطريين الأصليين، فليس هؤلاء السكان الفطريون القاطنون في الجبال أو في المناطق المنعزلة إلا أقلية ضعيفة، وهم من شدة الاختلاف عن بقية سكان شِبْهِ جزيرة الهند ما لا يحتشدون بها معهم، فلهذا لا نُفكِّر في أمرهم هنا.

وأما التقسيم الثاني فيشتمل على الهندوس الحقيقيين الذين هم، كما نعلم، نتيجة توالد عروق بيض أو صُفر مع السكان السود الأصليين، فهؤلاء الهندوس إذ كانوا على شيء من التمازج في غضون القرون فإنهم مجموع من الزمر المتباينة بنسبة العناصر التي تتركب كل واحدة منها، وهذا مع القول إن البيئات المادية والأدبية الواحدة التي خضعت تلك الزمر لأحكامها منذ زمن طويل والمعتقدات الواحدة التي اعتنقتها قد وسمتها بعدد من الصفات المشتركة، وإنه على تلك الزُّمر التي تتألف منها أكثرية الهند الساحقة تنطبق هذه الصفات المشتركة التي نرى أن نبحث فيها.

وأما التقسيم الثالث فيشتمل على السكان المسلمين الذين هم نتيجة توالد العرب والأفغان والفرس والتركمان والمغول وغيرهم من الذين غزوا الهند في مختلف الأدوار فانتهوا إلى فتحها، وكان يصعب خلط هؤلاء المسلمين بزُمر التقسيم المذكور آنفًا لو ظلوا خُلَّصًا بعيدين من كل توالد، بَيْدَ أنك لا تجد بين الملايين الخمسين الذين يدينون بالإسلام في الهند سوى أناس قليلين لا تجري في شرايينهم دماء هندوسية، فهؤلاء المسلمون، وإن كانوا يختلفون عن زمر ذلك التقسيم الثاني في غير ناحية، أكثر تأثرًا بهذه الزمر من تأثيرهم فيها، فإذا كان جميع الصفات العامة التي نذكرها فيما يأتي لا ينطبق على المسلمين فإن كثيرًا من هذه الصفات مشترك بينهم وبين تلك الزمر مع ذلك.

إن المؤثرات التي أسفرت عن صفات مشتركة هي مادية وأدبية معًا.

ويمكن تلخيص المؤثرات المادية في بضع كلمات: فمن هذه المؤثرات نذكر الجوَّ الحار الذي لا يُعِدُّ الإنسان إلى الأعمال القاسية، بل يُسهِّل عليه أمر زراعة الأرض الذي وقف أكثر السكان به نفوسهم عليه من جهة، ويؤدي إلى اعتمادهم على النظام النباتي في أمر الغذاء من جهة أخرى، فالهندوسي يكاد لا يَغْتَطِي، ويقتصر في طعامه على قليل من النبات ويرتوي بماء صاف، ويعيش عن سعة ببضعة دوانق مياومة، فارتفاع درجة الحرارة في بلد الهندوسي، إذ يؤدي إلى زهد الهندوسي في الطعام واللباس، لا يجد الهندوسي به الحافز الحاجيَّ الذي يُزيل به كسله الطبيعي.

ونشأ عن تأثير البيئات المادية المتماثلة وتكرُّر الأعمال الواحدة طرقٌ للمعايش متشابهة بحكم الضرورة، ثم ثبت أمر هذه المعايش المتشابهة بمؤثرات أدبية واحدة أهمها نظام الطوائف والنظام السياسي والمعتقدات الدينية.

ونظام الطوائف هو حجر الزاوية لجميع نُظُم الهند الاجتماعية منذ ألفي سنة، وبلغ نظام الطوائف من الأهمية ما وقفنا به مطلبًا خاصًّا من هذا الكتاب على البحث فيه، فسنرى في هذا المطلب ما هي الأسباب الإثنولوجية التي أوجبته في غابر الأزمان، وما هي الأسباب التي حلت محل تلك بالتدريج فدام بها مع تتابع القرون، وسنرى كيف أسفر ذلك النظام عن تقسيم الهند إلى ألوف من الجمهوريات الصغيرة غير مبالٍ بعضها بشئون بعض، أو مُعَادٍ بعضها لبعض، ومنفصل بعضها عن بعض في المشاعر انفصالًا يتعذر معه أن تكون ذوات مآرب مشتركة، وسنرى كيف أن طائفة الهندوسي، لا الهند، هي وطن الهندوسي الحقيقي، وكيف أن طائفة الهندوسي قد أحاطته بشبكة من التقاليد والعادات إحاطةً ثَبَتَ أمرُها بالوراثة فأضحى خروجه منها صعبًا إلى الغاية.

وأدَّى النظام السياسي، الذي هو ثاني المؤثرات المذكورة آنفًا، وذلك في غضون القرون، إلى مثل ما أدى إليه نظام الطوائف في تكوين روح الهندوسي، ويمكن تعريف نظام الهند السياسي السائد منذ زمن طويل بأنه يتألف من جماعات صغيرة تُعرف بالطوائف، وأن هذه الطوائف متجمعة على شكل جمهوريات صغيرة تعرف بالقرى الخاضعة لسيد واحد ذي سلطان مطلق، وعلى ما اعتور اسم السيد من تبدُّلٍ لم يتغير ذلك النظام الذي بلغ من الديمومة ما وهنت به روح المقاومة في الهندوسي فتعوَّد الهندوسي مع القرون أن يطيع سلطة سيدٍ إطاعة تامة، سائرًا وفق المعتقدات الدينية.

ونذكر التعاليم الدينية، التي هي ثالثة المؤثرات، مما أوجب اتصاف الهندوس بأخلاق متماثلة، ولا يستطيع الأوربي أن يُدرك تأثير الدين العظيم في الهندوس إلا إذا حققه بنفسه، فأكثر الأوربيين تديُّنًا يفرق بين المقدس والمدنس تفريقًا لا يفهمه الهندوسي الذي يعتقد أن الآلهة تنظر في أدق شئونه وأن تعاليم الدين تهيمن على جميع أعماله، فالدين، بالحقيقة، كل حياته إن لم يكن جزءًا منها، فما السعي والأكل والنوم عند الهندوسي إلا أعمال دينية، وكل شيء ما خلا أوامر الدين باطل لديه، والدين هو الذي يوجهه، ولم يَرْضَ بلِقَاح الجُدَرِيِّ، مثلًا، إلا بعد أن اكتسب شكلًا دينيًّا، ونحن، حين البحث في تكوين أديان الهند، نُثبت مقدار الفراغ الذي تملؤه الأديان في حياة الهندوس، ومقدار عدِّ الهندوس لكل سلطة عنوان قدرة إلهية، وهنا، كما في أمور كثيرة أخرى، نتمثل الهُوَّة العظيمة التي تفصل الشرق عن الغرب في كل أمر، والتي لم تفتأ تزيد اتساعًا.

والباحث وقتما يدقق في تسليم الهندوسي وإذعانه المطلق لأوامر الآلهة فيعلم أن هذه الأوامر سيطرت عليه قرونًا كثيرة، وأن تعاليم مَنُو الدينية هي صاحبة السلطان في الهند منذ ألفي سنة يدرك درجة انسكاب أذهان الهندوس التي احتملت نِيرًا واحدًا تلك المدة في قالب واحد.

ولنبحث، بعد أن أوضحنا تأثير تلك العوامل الكبيرة، في الأخلاق العامة التي نشأت عنها.

(٢) الصفات الخلقية والعقلية المشتركة بين أكثر الهندوس

لا تجد في أمة خضعت منذ عدة قرون لمعايش وأحوال مادية وأدبية، كالتي ذكرناها آنفًا، ما تجده في الأحرار من شدة البأس ومتانة الخلق، فلو كان عند الهندوس مثل ذلك، أو أقل من ذلك؛ لخلعوا نير الأجنبي عنهم منذ زمن طويل، فلا عجب إذا رأينا في الهندوس من النقائص ما يُرى عادة في الأمم التي رَئِمت١ حُكم الأجنبي قرونًا كثيرة، فالهندوسي، على العموم، خوَّار٢ هيَّاب مكَّار ولَّاج٣ ملَّاق٤ إلى أبعد حد، وتدل أوضاعه على الخداع والإلحاف،٥ وهو بعيد من المبادئ الوطنية، وما عُرِّض له من البغي والطغيان أحقابًا٦ جعله يرى الخضوع لسيدٍ على أن يحترم هذا السيد شرائع طائفته وعقائده الدينية، فالهندوسي ينقاد سلفًا لجميع أوامر سيده ويَعُدُّ نفسه سعيدًا إذا ما نال حفنة أرز يُمسك بها رَمَقَهُ.
fig28
شكل ٤-١: كارلي. مدخل معبد مصنوع تحت الأرض في القرن الثاني قبل الميلاد.

والهندوس قوم ليِّنون صابرون مُسَلِّمون، وأشد نقائصهم وقفًا لنظر الأوربي هي، خلا ما تقدم، البلادة والغفلة والخمول.

والخمول أظهر أخلاق الهندوس، وبالخمول نفسِّر خضوع ٢٥٠ مليون هندوسي لسلطان ٦٠٠٠٠ إنجليزي من غير أن يرفعوا عَقِيرتهم،٧ مع أنه يسهل عليهم أن يُبِيدوا هؤلاء الإنجليز في يوم واحد إذا قاموا قَوْمَةَ رَجُلٍ كما يسهل على رِجْلٍ٨ من الجراد أن تهلك بُرَّ حقل، وليس هذا مما يصدر عن الهندوس، وما اضطراب فصائل من السباهي الساخطين في سنة ١٨٥٧ إلا فورةٌ محلية عارضة لم يكترث لها معظم القوم.

وسنرى أن مستوى الهندوس العقلي المتوسط ليس دون مستوى سادتهم الأوربيين العقلي المتوسط، بَيْدَ أن الهندوس أقل من هؤلاء الأوربيين أخلاقًا بمراحل، وفي هذا بيانٌ لسبب انقياد الهندوس للغربيين، والأخلاق؛ «أي الثبات والعزم»، هي، كما نعلم من التاريخ ومن دراسة الناس، تمثل دورًا في حياة الأفراد والأمم غير الذي يقوم به الذكاء، فبالأخلاق، على الخصوص، أكثر مما بالذكاء، تؤسَّس الديانات وتُشاد الدول؛ ففي صراع يقع بين شعبين يتألف أحدهم من أناس أذكياء متعلمين متصفين بالحذر الذي هو وليد الذكاء قائلين ببطلان كلِّ مَثَل عالٍ غير مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيل المُثُل العليا، ويتألف الآخر من أناس محدودي الذكاء عُنُدٍ لا يتأخرون عن بذل أرواحهم انتصارًا للدين يتم النصر لهؤلاء على أولئك لا ريب، فهذا ما قلته غير مرة في غير كتاب، ففيه مفتاح كثير من حوادث التاريخ التي يظل إدراك أمرها متعذرًا بدونه، فإذا كان الرومان قد قهروا الإغريق، وإذا كانت قبائل العرب التي هي من شِبَاه البرابرة قد خرجت من جزيرتها ففتحت العالم الإغريقي الروماني، وإذا كان المسلمون قد ملكوا الهند، ثم جاء إنجليزٌ قليلون فدَوَّخوها، لم يتفق ذلك كله لهؤلاء الفاتحين جميعهم إلا بفضل ما اتصفوا به من شدة العزم أكثر من اتصافهم بقوة الذكاء، فالعزيمة هي أقوى ما في البشر من القوى.

ويضاف إلى الخمول الذي هو أظهر صفات الهندوس عدم اكتراثهم الدالُّ على الإذعان والتسليم بالقدر فيُغضي الهندوسي هادئًا عن كل ما لا يمس تعاليم طائفته ومعتقداته الدينية، فيحتمل أقسى ضروب الجبروت عادًّا إياها أمرًا مُقَدَّرًا لا مفر منه.

وليست شجاعة الهندوسي مثل شجاعة الأوربيين، فالهندوسي يزدري الحياة ولا يَهُزُّه الموت، ولا يحاول اجتنابه؛ لما يجده من عدم استحقاقه لذلك، ولما يراه من أن كل عمل للفرار منه لا يجدي نفعًا.

وعدم اكتراث الهندوسي لأكثر ما في هذه الدنيا يؤدي إلى عدم التأثير فيه بمثل العوامل التي يؤثَّر بها في الأوربي، فكيف يؤثَّر في أناس لا يبالون بالحياة ولا بالموت ولا يشعرون بِشَيْنٍ من فرض أية عقوبة تنص عليها قوانيننا، ولا سيما السجن، ولا يطلبون في كل يوم غير وجبة أرز يسدُّون خلَّتهم بها؟ فالهندوس إذا ما نالوا مثل هذه الوجبة لم تَجِد ما يخرجهم من بَلَادَتِهم، فَعِدِ العامل الهندوسي أيَّ مبلغ من المال مقابل عمل يقوم به في وقت معين وَنَلْ منه أيَّ عهد بذلك لم يُنجِز ما عاهدك عليه، فالغد عند الهندوسي مستقبلٌ بعيد مشكوك في أمره كثيرًا، فلا يدور في خَلَدِه أن يفكر فيه، فالأوربي الذي اختبر الهندوس قليلًا يعلم جيدًا أنه يجب عليه، إذا أراد أن يعتمد على حَمَّاليهم، مثلًا، ليكونوا حاضرين في الزمن المقرر، أن يحملهم على النوم ليلًا أمام بابه.

ويجب على الباحث أن يدرس أحوال الهندوس عن كثب؛ ليعلم جهلهم بعض مشاعرنا البسيطة التي انتقلت إلينا بالوراثة كالدقة والضبط، ومن ذلك أن الهندوس في بدء إدخال الخطوط الحديدية إلى بلادهم كانوا يَصِلُون إلى محطاتها بعد ساعتين أو ثلاث ساعات من الوقت المقرَّر لذهاب القُطُر، فلما علموا بالتجربة أن القُطُر تمضي من غير أن تنتظرهم صاروا اليوم يفدون إلى المحطات قبل الميعاد بساعتين أو ثلاث ساعات، فمن ثم ترى أن خُلُق عدم الضبط فيهم لم يتغير، بل بدَّل دليله على حسب تعبير علماء الجبر.

وقد عاملتُ هندوسًا من جميع الطبقات ومنهم خرِّيجوا الجامعات الأوروبية، فلم يحدث أن أتاني واحد منهم مرة واحدة في الوقت المعين، مع أنني لم أجد في الهند إنجليزيًّا واحدًا يُخلف الميعاد.

ونحن، بعد أن درسنا أخلاق الهندوس العامة، نرى، للوصول إلى حكم صائب، أن نبحث في صِلاتهم بالأوربيين وفي علاقات بعضهم ببعض.

يألم الأوربيون ذوو الصلات بالهندوس من مُداجاة هؤلاء وعدم صدقهم، وهم ينسون أن هذه النقائص من مقتضيات علاقات العبد بسيده، فصِلات الهندوس بعضهم ببعض هي على خلاف ذلك، وإذا ما اتخذنا احترامَ المرء لطبائع بلده وعاداتها وشرائعها وما ينطوي عليه هذا المرء من التقوى وروح التسامح مقياسًا أمكننا أن نقول: إن عوامَّ الهندوس أفضلُ من عوامِّ الأوربيين، وإننا كلما صعدنا في السُّلَّم الاجتماعية بدا لنا العكس فرأينا فقدان الأخلاق في الهندوس الذين تخرجوا على الطريقة الأوربية، فثبت لنا بذلك فساد النظرية القائلة إن التعليم يرفع مستوى أخلاق الناس، وعلمنا بذلك أن التربية التي تلائم احتياجات أمةٍ فتصلُح لها تأتي بنتائج سيئة عند تطبيقها على أمة أخرى سلكت طريقًا أخرى في التطور.

وتقتصر تقوى الهندوسي على أبناء طائفته، ولا تنسَ أن هذا من مقتضيات أوامر دينه القائلة إن العمل يكون ذنبًا على حسب أهمية المجنيِّ عليه، فمع أن شريعة مَنُو تَعُدُّ شتم البرهمي جنايةً تنصُّ على أن أكبر جناية على الشودريِّ من اللَّمَم.٩
ولا أرى أفضل من قول الأستاذ الإنجليزي مستر مونير وليامز الخبير بأحوال سكان الهند في أخلاق الجمهور الهندوسي، قال هذا الأستاذ:

لم أرَ في أية ناحية من أوروبا شعبًا، كالهندوس، متدينًا متمًّا لواجباته خاضعًا لأولياء الأمور محترِمًا، مع خفض جناح، للسن والعلم مطيعًا لأبويه، أجَلْ، إن للهندوس نقائص ومعايب، ولكن ذلك دون ما في الأوربيين، وإني لأشك في أن يكون أسوأ الهندوس ذا مساوئ وشوائب كما في طبقات الأوربيين التي تقابل طبقته.

ذكرنا صفات الهندوس الخلقية المشتركة على العموم، فنرى الآن أن نقدِّر مستوى أهلياتهم العقلية، ويتطلب هذا التقدير مقياسًا فنتخذ الأوربيين مثالًا.

ولكي تكون المقابلة ممكنة يجب أن تتناول عناصر متماثلة يقاس بعضها ببعض؛ فنقابل بين هندوس الطبقات الوسطى بأوربيي الطبقات الوسطى، ونقابل بين هندوس الطبقات العليا وأوربيي الطبقات العليا.

أشكُّ في تأدية المقايسة بين طبقات كِلا الفريقين الوسطى إلى تفوق يُذكر للأوربيين مهما بُولِغ في التدقيق، نعم، إن الهندوسي دون الأوربي مبادرةً وأبطأ منه عملًا، ولكنه يستطيع أن يقوم بمثل ما يقوم به الأوربي من غير عناء وبآلات أقل من آلات الأوربي، فيصنع كأحسن عامل أوربي أنواع المصنوعات الخشبية والحجرية والمعدنية، وما يؤدي إليه التخصص من إضعاف مستوى الأوربي لم يؤثر في الهندوسي بعد، والهندوس مثل الأوربيين، إن لم يفوقوهم، في القيام ببعض الفنون كفن العمارة.

والهندوس مساوون للأوربيين في أكثر الأعمال التي تستلزم غيرَ أهليات عقلية متوسطة، فتجد بين الهندوس محامين وأطباء ومهندسين يَعْدِلون مَن هم في المستوى المتوسط بيننا؛ فالهندوسي يستطيع كالأوربي أن يرسم صورة بناء وأن يسوق قاطرة وأن يُدير جهازَ بَرْق، وتجد الهندوس في الإدارات الإنجليزية بالهند يقومون بأكثر وظائف البريد والمصارف والمالية والخطوط الحديدية، إلخ.

ويبدو قصور الهندوس وعجْزُهم عند الصعود في أعلى درجات المقياس العقلي حيث قوة المبادرة وروح الإبداع والقدرة على التأليف بين الأفكار الكثيرة وتفريق ما ائتلف منها وما اختلف، فالهندوسي يتعذر عليه أن يدير مشروعًا صناعيًّا عظيمًا وأن يقود الرجال وأن يقوم بالمباحث العلمية وأن يأتي بالاكتشافات وما إلى ذلك كله من الأعمال التي تتطلب استقلالًا وحرية سير، فالهندوسي، وإن سَهُل عليه أن يدير قاطرة أو جهاز برق، يستحيل عليه اختراعهما، وتقريبًا للذهن نقول: إننا إذا جمعنا اتفاقًا ألْف أوربي وجدنا بينهم ٩٩٥ على الأقل لا يفوقون ألف هندوسي يُجمعون اتفاقًا أيضًا، وإن الذي لا نجده في الهندوس هؤلاء هو واحدٌ أو أكثر من ذوي المواهب العالية والأهليات النادرة.

fig29
شكل ٤-٢: أجنتا. منظر عام لمداخل قسم من الأديار والمعابد التي نُحتت تحت الأرض في منحدر الجبل بأجنتا بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن السابع بعد الميلاد.

هذه مسألة مهمة قد فصَّلتها في كتاب آخر فذكرت أن الفروق بين العِرْق العالي والعرق المتأخر لا تقوم على تفاوت في مستوى كلا ذَيْنِكَ العرقين العقلي المتوسط، بل تقوم على عَطَل العِرْق المتأخر من رجال قادرين على مجاوزة ذلك المستوى، وهذا أمر أساسي يُمكن الاستدلال عليه في العوامل النفسية، وهذا أمر أساسي قد سعيت في استنتاجه من العوامل التشريحية أيضًا، فقد أثبتُّ، بما قمت به من المباحث في عدة جماجم من عروق مختلفة، أن العروق العالية تحتوي على الدوام ما لا تجده في العروق المتأخرة من الجماجم الكبيرة الواسعة.

ولنترك تلك المبادئ الفلسفية العامة، ولْنُعيِّن ما يختلف به هندوسي الطبقات العليا عن أوربي الطبقات العليا، لنبصر أن ذلك الهندوسي يفترق عن ذلك الأوربي، على الخصوص، في عَطَلِه من روح الضبط والدقة وروح النقد وخُلُق المبادرة وأصالة الرأي وقوة البرهان وفي سعة خياله وفي عجزه عن رؤية الأمور كما هي عليه، وما إلى ذلك من النقائص التي لا يطفو عليها قدرته على الإدغام وما فيه من المنطق الذي لا يعدو به حد استنباط عدة نتائج من الأمر الواحد فلا يستطيع أن يقابل بين المتشابهات والمختلفات التي تُستخرج من مقايسة شتى الأمور.

عَطَلُ الهندوسي من روح الضبط واضح، فالأمور تتموَّج عنده، كالضَّباب، من غير ضابط، فتبدو له كما لو كانت من خلال عَدَسَاتٍ كالمرايا المشوِّهة التي يعرفها علماء الفيزياء، فترى نُظُمه الدينية وأقاصيصه التاريخية وقصائده القومية مبهمة متناقضة، ولهذا التناقض وعدم الضبط تجد أديان الهندوسي، ولا سيما البُدَّهِيَّة، غامضة لدى علماء أوروبا الذين تعوَّدوا دقة المنطق فلا يكون للكلمات عندهم سوى معانٍ صريحة معينة، ولذلك يلوحُ الإلحاد والشرك للأوربي، مثلًا، أمرين تفصل أحدهما عن الآخر هُوَّة عميقة مع أنهما لا يبدوان للهندوسي إلا أمرين يمكن التوفيق بينهما فتقرأ في كتبه فرضهما عليه.

وأمور كفقدان الضبط وتموُّج الفكر، وإن كانت تُحتمل في الإلهيات والأشعار والقصائد الدينية، تُضْحِي ثقيلة غير سائغة عند تطبيقها عل الموضوعات التي لا بد لها من الضبط، وأمور كتلك حالت دون مجاوزة الهندوس أدنى المراحل في العلوم الصحيحة، أَجَلْ، قد هضم الهندوس ما علَّمهم إياه العرب فيما مضى وما يُعَلِّمهم إياه الأوربيون في الزمن الحاضر، ولكنهم لم ينتهوا إلى اكتشافٍ واحد في ميدان المعرفة.

ومن آية عدم الضبط ذلك أنك لا تجد بين ألوف الكتب التي وضعها الهندوس في ثلاثة آلاف سنة من سنوات الحضارة كتابًا واحدًا يشتمل على تواريخ صحيحة، فاضطرَّ العلم الحديث إلى اتخاذ بعض الطرق المصنوعة كي يُعيِّن تعيينًا تقريبيًّا الأزمنة التي ظهر فيها أشهر ملوكهم، ولا تسأل عن أنبائهم التاريخية، ففيها يتجلى لك استعداد الهندوس، عن حسن نية، لرؤية الأمور على غير ما هي عليه ورواية ما يشاهدونه محرَّفًا مبدَّلًا.

وإذا أردنا إجمال ما ورد في هذا الفصل عن الأخلاق المشتركة بين أكثرية الهندوس قلنا إن عوامَّهم ليسوا دون عوام الأوربيين، وإنه ليس عندهم ما عند الأوربيين من أصحاب النفوس العالية، وإن معظمهم عاطلٌ من النشاط والثبات والإرادة، وإنهم مقسومون إلى عدة طوائف مؤلفة من ألوف الزُّمَر التي ترى لكل واحدة منها جنسية خاصة ذات مصالح تختلف عن مصالح الأخرى، وإن أحوالًا كهذه تُفسِّر الدور الذي مثلته الهند على مسرح العالم والذي ستمثله، فالهند، إذ كانت أَمَةً منذ الأزل كُتِبَ عليها أن تخضع لسادةٍ من الأجانب على الدوام.

تم البحث في البيئات والعروق التي هي عوامل حضارة إحدى الأمم الأساسية، وقد تجد عوامل أخرى في تطور هذه الحضارة، ولكنها تستند إلى البيئات والعروق على الدوام، ونحن، إذ فرغنا من بحثنا التمهيدي، ندرس الحضارات التي أينعت في الهند والتطورات التي اعتورتها في غضون الأجيال.

هوامش

(١) رَئِم الشيءَ: أَلِفَهُ.
(٢) الخوَّار: الضعيف الرخو.
(٣) ولَّاج: كثير الولوج.
(٤) ملاق: كثير التملق.
(٥) ألحف: ألحَّ.
(٦) أحقاب: جمع حقب وهو ثمانون سنة أو أكثر.
(٧) العقيرة: الصوت.
(٨) الرِّجْل: القطعة العظيمة من الجراد خاصة، وهو جمع على غير لفظ واحده.
(٩) اللمم: صغار الذنوب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤