الفصل الثاني

(نفس المنظر)

(قبل رفع الستار، والأصوات الصادرة من محطة سكة حديد تكون أيضًا الافتتاحية الموسيقية، قبل الرفع وأثناء الرفع وحين تنحسر الستارة تمامًا.)

الدكتور : ست … نونو … ست … ست … نونو.
نونو … نونو … نونو … نونو.

(ثم ينهار على المكتب ممسكًا رأسه بيديه، وكأنما يمنعه من الانفجار.)

(صمت.)

صفر (مقتربًا منه في تردُّد وإشفاق) : سعادة البيه، سعادة البيه.

(الدكتور يرفع بصره إليه، محدقًا فيه، ولا يرد.)

صفر : معلش! خدها من راجل جاهل زي حالاتي، إنما المثل عندكو مش بيقول خدوا الحكمة من أفواه المجانين، كده تتعب قوي، وسعادتك زي حالاتي صاحب كوم، والبني آدم ما يستحملش، ده زي الساعة أقلها هفوة «تك» يقف، بس الساعات ليها ساعاتية بيمسحوها، إنما إحنا إذا وقفنا، خلاص «تك» هي الوقفة.
الدكتور : أمال عايزني أعمل إيه يا صفر؟
صفر : إضربها لا مؤاخذة صرمة، شوحها من ورا ضهرك، أجلها، ما كانش فيه ست ما كانش، حيِجْرى إيه؟
الدكتور : وأكدب عيني؟ أكدب وداني؟ أكدب مخي؟ أكدب الشمس طالعة في عز الضهر، وأقول لا مش طالعة؟
صفر : بيحصل يا سعادة البيه، بيحصل، أنا امبارح شفت أبويا زي مانا شايف سعادتك كده، وكلمته وبُست على إيده وحضني وباسني، وأبويا لا مؤاخذة ميِّت بقاله عشرين سنة وأكتر.
الدكتور : بس انت كنت نايم، أنا صاحي.
صفر : نايم مين يا سعادة البيه؟ ده شَوَفان عيني عينك، حقيقي وأكتر م الحقيقي، إن كان فيه حاجة أكتر م الحقيقي، لو حد ساعتها قال لي إني نايم باحلم كنت لا مؤاخذة حطيت صباعي طلعت عينه من جوه. إنما آه صحتك يا بيه، ولادك إحنا في رقابنا أكوام معلقة، لو وقعنا تتفرفط وتتبعتر وتضيع.
الدكتور : يا صفر إنت مش معايا خالص، المسألة مش إنها كانت موجودة وللا مش موجودة، ما عنها ما اتوجدت ولا اتهبِّبت من أصله. المسألة أنا، أنا عايز أرسى على بر، لو اتضح إنها ما كانتش موجودة يبقى أنا مخي لازم فيه حاجة وأبقى أكيد حصل لي خلل، ولو لقيتها واتضح إنها كانت موجودة يبقى انتو كلكو مجانين، كل الناس دي مجنونة، وانا بس الوحيد العاقل المتمتع بكافة قواه العقلية. المسألة مش هزار ده يا كده وانا مجنون والدنيا عاقلة، يا كده والناس كلها مجنونة وانا العاقل الوحيد. هي دي بسيطة؟ أنا مش بدور عليها أنا بدور على نفسي، أنا اتلخبطت خلاص وعايز حاجة واحدة بس أركز عليها علشان أعرف راسي من رجليَّه، حاجة واحدة بس أبتدي منها. علشان كده لازم ألقاها لو قعدت ألف سنة حأفضل وراها ما حاسِيبهاش.
صفر : ولما ما تلاقيهاش تنكد على نفسك وتنحر في روحك، لما مخ البعيد البعيد يطق. سيبك منها خالص يا سعادة البيه وكأنها ما حصلت، إعمل أي حاجة تانية، قوم سعادتك روح، وللا خش السينما لا مؤاخذة وللا استحمى.
الدكتور : ما اقدرش؛ ما فياش مخ أعمل أي حاجة تانية، بس والنبي يا صفر، والنبي، وحياة شرفك وشرف أبوك، وحياة الكوم اللي في رقبتك، إنت مش شايفها بعينك هنا؟ معلش، جايز حد منهم غمزك في السر علشان تنكر، إنما أنا والله مسامحك لو قلت الحقيقة. ومش أسامحك وبس، إذا كانوا غمزوك بخمسين قرش مني أنا جنيه أهه علشان خاطر تقول لي الحقيقة.
صفر : ومن غير جنيه ولا حاجة يا بيه، إذا كانت المسألة حتتعب سيادتك كده أقول الحقيقة.
الدكتور : صحيح؟
صفر : كلام شرف والله أقول الحق.
الدكتور : شفتها؟
صفر : شفتها يا بيه، شفتها.
الدكتور : طيب كانت لابسة إيه؟
صفر : كانت لابسة لا مؤاخذة، ملاية وفستان أحمر.
الدكتور : بس بس بس، مش عيب تضحك علي؟ هو أنا عيل يا صفر؟
صفر : أعمل إيه يا بيه؟ أنا قلبي عليك.
الدكتور : هو أنا عيل يا صفر؟ هي حصلت؟ بس! اقف عندك، ما تتحركش.
صفر : خير يا بيه! فيه إيه؟
الدكتور : من غير ما تتحرك لف بدماغك بس، اعمل زي ما بقولك.
صفر (مستديرًا برأسه) : أهوه يا بيه.
الدكتور : مين اللي قدامك دي؟
صفر : واحدة ست يا بيه. دي متلقحة هنا م الصبح مع الخلق اللي ماليين المكتب.
الدكتور : دي نونو يا وله (يندفع ناحيتها) نونو.
صفر : مظبوط يا سعادة البيه، مظبوط، هي دي مظبوط.
الدكتور (متوقفًا) : طب اتلهي انت واسكت، دي لو كانت راجل برضه كنت قلت عليها مظبوط، (مقتربًا منها) إنتي فين يا ست نونو م الصبح.

(السيدة صورة طبق الأصل من نونو، ولكن ملامحها تبدو أكبر بعشرين عامًا على الأقل.)

السيدة (باستغراب حقيقي) : نونو مين يا حضرة؟
الدكتور : إنتي كمان حتنكري؟ هي الناس جرى لها إيه؟ يمكن فيه موجة غبار ذري فايته علينا. إنتي يا ست مش كنتي أصغر من كده يجي عشرين سنة من ربع ساعة.
السيدة : من ربع ساعة كنت أصغر عشرين سنة! انت البعيد تعبان من حاجة؟
الدكتور : يا ناس! يا أول يا تاني يا تالت يا عسكري تعالوا شوفوا، دي مش نونو؟

(يقبلون فتظهر على وجوههم، حين يقتربون، علامة دهشة كبرى.)

م. الأول : نونو إيه يا دكتور؟ دي أمنا؛ نينا (يناديها).
م. الثالث : ماما.
م. الثاني : دي ماما فعلًا.

(يقتربون منها أكثر وأكثر بمزيج متباينٍ من الانفعالات.)

السيدة : يعني لسه فاكريني؟ والله فيكو الخير.
الدكتور (مندفعًا ومفرقًا دائرتهم) : يا جماعة ما تجننونيش؛ إنتو مش قلتوا إن أمكم ماتت؟
م. الأول : إحنا قلنا إنها ماتت؟!
السيدة : إذا كانوا قالوا كده أنا برضه مسامحاهم.
الدكتور : مش قلتوا أبوكو مات؟
م. الأول : أيوه؛ أبونا مات صحيح، بس ما قلناش إن أمنا ماتت.
الدكتور : يا سيدة زينب، يا سانتا تريز، خليكوا معانا.
م. الثاني : إحنا مش قلنا لك إنك حتلفِّي وترجعي لنا؟
الأم : أنا مش رجعالكم، أنا جايه بس أطمن على التالت أنا، اللي عملتوه فيه إنت واخوك ده عمره ما حينمِحي.
م. الثاني : بقى إحنا ننسى اللي عملتيه فينا، وانتي ما تنسيش؟
الأم : إنتو تنسو عشان أنا ما عملتش فيكو حاجة، إنما أنا، أنا ودماغي اللي م الضرب لسه واجعاني أنسى ازاي؟
م. الأول : إحنا ما طردناكيش، إحنا خيرناكي فاخترتي إنك ما تبانيش.
الأم : إحنا حنرجع تاني؟ أنا مش جاية عشان أقلب المواجع، أنا جاية عشان خاطرك انت يا حبيبي، مالك يا تالت؟ مالك يا حبيبي؟
م. الثالث : سؤالك ده مش متأخر شوية يا ماما؟ كنت محتاجُه قوي زمان، دلوقتي بعد ما بقتش محتاجُه جاية تسأليه.
الأم : إنت اتعديت منهم؟
م. الثالث : يا ريتني اتعديت، على الأقل هم حاسين رغم كل اللي عملتيه إنك أمهم، أنا مش حاسس إن لي أم، سبتينا في وقت أنا عايزك وعايز أمومتك فيه، ودلوقتي آدي انت أهُه، قدامي بمخي شايفك وعارف إنك أمي، بعيني شايف شبهي فيكي، إنما بقلبي هنا مش حاسس، ده أفظع م اليتم، ياريتك مُتي، إنما تبقي عايشة وموجودة ومش حاسس إنك أمي، دا الفظيع.
الأم (متلفتة بيأس في وجوه أبنائها) : يعني غلطت إني جيت؟
م. الثالث : لا؛ غلطتي إنك مشيتي.
الأم : وانا مشيت بخطري، إخواتك طردوني.
م. الأول : إحنا ما طردناكيش، إحنا خيرناكي إنك تتمتعي بشبابك زي ما كنتي بتقولي بجوزك وسبتينا.
الأم : وانا اجوِّزْت الا من عمايلكو فيَّ؟ هو الجواز حرام؟
م. الأول : لما يبقى جواز تصرفي فيه مال أبونا على واحد غريب يبقى حرام، الفلوس اللي ضيع حياته وشرفه وكرامته عشانها، حرام تِصِّرِف على جوز غريب. دا أبونا عمل ده كله عشانا إحنا، فتحرمينا منه وتديه للأغراب، أظن ما حدِّش يرضى بكِده.
الأم : برضه لسه بتقول إن كان فيه فلوس.
م. الأول : أمال راحت فين؟ دانا بعيني دول بقيت أشوفه لما يقفل عليكو الباب ويطلع الرزمة من جيبه يديهالك، وتروحي انت مخبياها في درج الدولاب بتاعك وقافلة بالمفتاح، ولما مات وفتحنا الدرج ما لاقيناش فيه حاجة، أتبنك كنت بتنقليهم وما اعرفش تخبيهم فين، وآخرتها جايبالنا تُلتميت جنيه تقولي ده كل اللي حوشناه.
الأم : ولما اقعد احلف لكم من هنا ليوم القيامة مش حتصدقوا، إنما دي الحقيقة.
م. الأول : وإحنا كان هامِمْنا فلوس، إحنا في أبونا اللي مات، انقتل، فيكي لما قتلتيه.
الأم : أنا يابني قلتله؟ أمال إن ما كانش مات بالذبحة على إيديكم كنتو عملتوا إيه؟
م. الثاني : وجت له الذبحة ليه؟ مش لما ظبطوه؟
الأم : عيب يا بني ماتقولش كده على أبوك، ظبطوه يعني إيه؟ كان سارق؟
م. الأول : يا ريته كان سارق، وعيب ليه؟ وإذا كان ع الدكتور، الدكتور ما بقاش غريب. يا دكتور أُمنا دي فضلت تزن على ودان أبونا، وتقول له الولاد ومستقبلهم وحتة أرضك اللي ما تنفعش لازم نعمل لهم حاجة، يقول لها طب أعمل إيه؟ الماهية يدوبها بتكفينا. تقول له ما اعرفش، أنا ما ليش دعوة، أنا ولادي ما يتسابوش كده لايصين. يعمل إيه أبونا والفلوس محدودة والزن كتر؟ بقى يبيع أسئلة الامتحانات ويجيب لأمي الفلوس. تسألوش منين؟ ما حصلش. ولما قال لها وعرفت قالتلوش لا دا حرام، لا دا عيب، لا دي جريمة؟ أبدًا، العكس حصل، بعد شهرين تلاتة ابتدت تستشوى اللي يجيبه، وتقول له ده على كده عايزين لنا خمسين سنة عقبال ما نحوِّش تمن بيت وللا حتة أرض. اضطر يبيع لطلبة أكتر، لغاية ما الحكاية اتعرفت وشكوا فيه. وتاني يوم كان حيقبضوا عليه، يومها رجع البيت نام ما قامشي، تبقى موتته وللا لا يا دكتور؟
الدكتور : وانا مالي يا سيدي في موته، هو أنا وكيل نيابة ححقق القضية من أول وجديد؟ أنا فيها هي، طب كون إنها تيجي هنا ممكن تفسيره؟! راحت لكم البيت تسأل عليكو لقتكو هنا جت. أما كون إنها صورة طبق الأصل من نونو، وكون إنها تتوجد مطرحها كأنها جنية ده اللي حيجنني.
م. الثاني : اللي جننا أكتر إنها كتِّمت ع الفلوس. يبقى أبونا استشهد عشانها وعشان مستقبلنا، فتاخدهم هي وتستولى عليهم ويتحولوا من ضمان لمستقبلنا لطعم يخلي الرجالة تجري وراها. شايف ضمان المستقبل ازاي؟
الأم : انتو اللي انسعرتوا ونسيتوا أبوكو ونسيتوا إني أمكم، وبقى همكم كله الفلوس، كل يوم تحقيق واستجواب ينتهي بضرب. يا تاني فاكر الكراسي والقباقيب، فاكر الخنق، ناسيين لما فضحتوني وخلتوني متهومة بالفلوس؟ إنتو بعمايلكم خليتو الناس تطمع في ويلفوا عليه عايزين يجوزوني.
م. الأول : إحنا وللا انتي اللي قبل ست أشهر ما تفوت كُنتي ابتدى يجيلك العرسان. لانتي جميلة ولا صغيرة ويجيلك العرسان ليه؟ كنتي عايزانا نقف نتفرج عليكي وانتي بتتزفي، شبان زينا بشنبات يشوفوا الرجالة عايزة تجوز أمهم وعايزاهم يعملوا إيه؟ يزغرتولها؟ واللي حصل إيه؟ آدي إنت اجَّوزتي، دخل عليكي إنه عنده عمارة واجوزتيه، ومفيش سنة ابتدى يسحب منك فلوس أبونا ويصرفها على مزاجه أبو حشيشة، فلوس مستقبلنا يبَعْترها على كِيفُه واحنا محرومين منها.
الأم : كداب، والله العظيم كداب، وحياة الطيب في نومته ما وصِلُّه من فلوس أبوكم ولا مليم.
م. الأول : أمال راحوا فين؟
الأم : ما خدتوهم.
م. الأول : التُّلتميت جنيه؟ أنا بكِّلم على اللي ما ظهروش.
الأم : ولاحيظهروا أبدًا، ده كله من تخاريف مخك، إيه اللي حط في دماغك إنهم آلافات؟ ما اعرفش. الراجل نفسه اللي اتجوزته كان راخر فاكر كده، وعذبني خمس سنين ووراني الويل عشان أظهرهم، ولما في الآخر ما لقاش فيه فايدة طلقني. وبقى ولادي مش قابلينِّي وأمي ماتت وما عادليش حد على ضهر الدنيا، وما كانش قدامي إلا إني اقعد لوحدي، وجريت بصيت لقيت بعد أسبوع نط علي حرامي فاكر عندي الكنز، اضطريت أجَّوز تاني، جوز برضه فاهم إن عندي فلوس … ده جحيم يا ناس اللي عشت فيه … ده جهنم أرحم … دانا اتعذبت عذاب لو كنت عملت السبع معاصي ما كنتش اتعذبت قده، بقى أخلف وأربي وأتعب وأخدم واسهر، واصحى م الفجر واقفة على رجلي ويتحرق دمي عشان يبقى جزائي ده كله؟ ويعني أذنبت في إيه؟ إني قلت لأبوكو عايزين نضمن مستقبكلم؟ لأني بحبكم وبخاف عليكو قلت كده. أمال كنتو عايزيني اسكت؟ ده أنا لو رجع الزمن تاني حعمل كده وما اقدرش اعمل إلا كده. أنا أم والأم دايمًا خايفة على ولادها. وانتو معذورين، تعرفوا منين أيامها شعوري، تفهموا منين إحساسي؟ يمكن دلوقتي، بعد ما خلفتوا تفهموني وتعذروني.
م. الثاني : مظبوط كلامك، ابنك الأول بسم الله ما شاء الله خلف وفَهْمِك تمام.
الأم : وانا تعبت وجيت، واللي عايزين تعملوه فيَّ اعملوه. اعتبروني خدامة، دادة لعيالكم، اعتبروني كلبة مربينها في البيت إنما خلوني معاكو. أنا الدنيا ضاقت في وشي وانتو قلوبكم باينها اتحجَّرت ما عادش قادرة ترحم، (ثم بيأس قاتل) يرضيك يا طيب اللي وصلت له؟ يرجعليش يوم واحد بس من أيامك؟

(يبلغ التأثر إلى حد أن يدمع الثلاثة بينما تنخرط الأم في نهنهة، يأخذها م. الأول على صدره ويهدهد عليها.)

م. الأول : مين قال لك إن قلبنا اتحجر؟ دا إحنا اللي فاكرينك بعتينا واشتريتي الدنيا تعيشيها زي مانتي عايزة.
م. الثالث : يا ريت باعتنا … الحقيقة إنتي خنتينا يا ماما أفظع خيانة مش إن ست تخون جوزها، أفظع خيانة إن الأم تخون ولادها، إنها وهُمَّ محتاجينها تفضَّل عليهم حد تاني. الزوج يمكن يغفر خيانة مراته، إنما الولاد غصب عنهم ما يقدروش، ده بيبقى عرق انقطع.
م. الأول : يتوصل تاني يا تالت معلش.
م. الثالث : جايز بالعقل، بالشفقة يتوصل، إنما كله لحام صناعي، أنا لا يمكن أنسى إنها سابت البيت وانا عيان وحرارتي أربعين وراقد في السرير أنادي: يا ماما، وهي سامعاني ولامه هدومها، وجوزها يقول لها شوفيه عايز إيه؟ فتقول أهو عنده أخواته هو مش صغير؛ لحام صناعي.
م. الأول : مهما كان أحسن م البتر، أحسن من ما فيش.
الأم : أنا ما كنتش أعرف إنك قاسي يا تالت كده.
م. الثالث : أنا مش قاسي؛ أنا بتألم، أنا بعمل كده من ألمي. أنا الأول كنت أشوفك فأحس إني شايف نفسي اللي بحبَّها أكتر من نفسي، شايف الإنسانة الوحيدة في العالم اللي ما اعرفش هي بتنتهي فين وانا بابدأ منين؟ الاتصال اللي بقيت أحس إنه أقوى وأعظم وأروع حاجة في الدنيا، إن الدنيا من غيره عالم كئيب غريب ماليش دعوة بيه، أشوف في عينيكي عيني أنا لما بتشوف، وفي وشك ملامح من كتر مانا عارفها وحاببها مانيش شايفها ما اقدرش أشوفها، ما اعرفشي أشوفها لأنها ملامحي أنا، وملامحك وملامح الحياة وسر الحياة كلها مع بعض. إنما راح دا كله، انقطع، بوحشية اتبتر، مين المسئول إن أهم جزء من روحي ينشف ويموت؟ مين المسئول إني مرة واحدة أفقد الونس وابقى وحيد في عالم ماليش به أي اتصال؟ انكسر الكوبري اللي بيوصلني به، وانتهى الحنان اللي كان بيربطني ويحميني منه ويحميه مني. مين المسئول عن شعور التوحش اللي انتابني؟ مين المسئول عن إني باستمرار حاسس إني مجروح وإني مطعون وإني فقدت الأمان؟ عمري كله مستعد أضيعه عشان استريح مرة واحدة بس، وأبص لك فيها فأحس إنك أمي.
الأم : يا حبيبي، مهما قلت فمش حاقدر أرد عليك، كل اللي أقدر أقوله إن العذاب اللي اتعذبته يغفر لي أي حاجة في رأيكم عملتها أنا وعملها ألف زيي.
م. الثالث : أنا بقول مين المسئول؟ لأن المسئولية كبيرة. مش انتي بس، كلكم مسئولين. أنا كمان مسئول، بس بيتهيألي أكتر حد مسئول هو الطريقة اللي بنعيش بيها، لازم طريقتنا غلط، لازم فيه طريقة أحسن للحياة، لازم فيه طريقة تخلي الإخوات إخوات على طول، وماالإخوات إخوات على طول،تخليش أم تغدر بولادها ولا ولاد يتنكروا لأهليهم، طريقة تنمي العواطف الحلوة دي مش تخربها وتحطمها وتخلينا نعيش. إنتِ سايبانا إخوات، وفاكرة إنك راجعالنا زي ماالإخوات إخوات على طول،سبتينا! إنت راجعالنا وإحنا خلاص، ماسكين لبعض السكاكين، دي مش عيشة أبدًا، مستحيل.

(يتعالى صوت صفر كالمنبه المفاجئ لتتركز الأبصار عليه، وتترك الركن الذي كانت فيه الأم، لا نعرف إن كان صفر قادمًا من الخارج، أو أنه انتصب فجأة في مكانه زاعقًا.)

صفر : يا سعادة البيه، يا سعادة البيه.
الدكتور : مالك يا غراب البين فيه إيه؟
صفر : فيه واحدة ست برة بتقول إنها مدام محمد الأول.
م. الأول : مراتي؟!
الدكتور : إيه؟ بتقول إيه؟ مدام الأول؟ طب ما دي نونو اللي بندور عليها، ياما انت كريم يا رب. أخيرًا ظهرت نونو. ياما انت كريم يا رب. ده بس عشان ما اجننش. أشكرك أشكرك يا سانت تريز، أشكرك يا سيدة زينب.

(تدخل الأم وقد صغرت عشرين عامًا على الأقل.)

الدكتور : يا ستي حرام عليكي، إحنا عينينا اتقلعت يا نونو هانم، دا كان ناقص أمشي في الشارع أزعق عليكي زي الهِبل والمجانين، رحتي فين؟
م. الأول : لا مؤاخذة يا دكتور؛ دي مراتي نوال … (ثم للسيدة) إيه اللي خلاكي تسيبي البيت؟ أنا مش قايلك ما تتنقليش من جنب الولد، دا سخن ممكن ياخد التهاب رئوي على طول.

(حين تجيل السيدة نظراتها في الحاضرين، تتوقف عند م. الثالث الذي يفاجأ بدخولها، ولكنه يتصرف وكأنه لا يعرفها وغير ملقٍ لها أي اهتمام.)

الدكتور : نوال مين يا أستاذ؟ دي نونو بعنيها، إنت حتَّوِّهني عنها.
م. الأول : يا دكتور عيب حد حيتوه عن مراته؟ دي ما تحصلش أبدًا.
الدكتور : إنتي نونو، مش كده؟
السيدة : نونو؟ أنا؟ (تتبادل هي ومحمد الثالث النظرات).
الدكتور : لا، أرجوكي، والنبي بلاش، أنا في عرضك (تسمع الموسيقى التصويرية لصوت خشب ينكسر ويطقطق) مهما كان السبب اللي حتنكري عشانه فأنا أبدى، مخي أبدى، حاسس به بيطقطق، أهو حيتهد أهه، دانا غلبان وصاحب كوم (يكاد يختنق بالبكاء) أنا حاسس به حيطربق، أنا في عرضكم يا ست، الحقيه قبل ما يدشدش حتت. إنتي نونو، مش كده؟ طب، على الأقل، أمهم، آه اللي كنت هنا، أمهم والنبي؛ يا نونو يا أمهم.
السيدة : أنا متأسفة قوي، أنا لا دي ولا دي. (ناظرة ناحية محمد الثالث).
م. الأول : بقول لك دي نوال مراتي يا دكتور.
السيدة : برضه آسفة أنا مش نوال.
الدكتور : أمال مين؟ أرجوكي، المرة اللي فاتت وقلنا الأم، يمكن تبقى الأم شبه مرات ابنها باعتبار الابن في أحيان كتيرة بيحب البنت اللي شبه أمه، ويجوزها يمكن من غير ما يحس. إنما المرة دي، أرجوكي، إنتي نونو، آه والنبي نونو.
م. الأول : ما تنطقي يا زفت يا نوال، وتقولي للدكتور إنك مراتي وتخلصينا.
السيدة : قلت لك أنا مش نوال ولا مراتك خالص، ثم حتى لو كنت بتكِّلم اللي اسمها نوال دي، فما حدش بيكلم الستات بالطريقة قليلة الذوق دي.
م. الأول : معلش، أنا لي تصريف معاكي أما نرجع البيت.
السيدة : بيت إيه؟ هي تلاقيح، قلت لك مانيش مراتك يا أخينا، بالعافية وللا إيه؟
الدكتور : أمال قلتي إنك مرات محمد الأول ليه؟
السيدة : أيوه أنا جوزي اسمه محمد الأول (تنظر ناحية محمد الثالث بنظرات ذات معنى).
الدكتور : طب ما ده محمد الأول.
السيدة : لا؛ دُكها واحد تاني خالص، راخر اسمه محمد الأول، تبقى المسألة بسيطة قوي، مجرد تشابه في الأسماء.
الدكتور : هو فيه محمد الأول تاني؟ يا مخي، بقى إذا خلصنا من محمد الأول ييجي التاني، إذا خلصنا م الثاني ييجي محمد الأول تاني. ومين عارف، يمكن لسه فيه محمد الأول تالت، ومحمد الخامس سادس، ولويس العاشر الحادي عشر، يا ألطاف الله! يا مخي يا كبير، والنبي انت الكبير، أمال حضرتك عايزاني ليه إن شاء الله؟
السيدة : أنا اللي عايزة؟ الدكتور هو اللي عايزني.
الدكتور : دكتور مين؟
السيدة : دكتور الصحة، الله، هو راح فين، دا من ربع ساعة مديني الحقنة، وقال لي أجيله بعد الساعة اتناشر علشان آخذ الشهادة.
الدكتور : مين اللي عمل ده كله؟
السيدة : الدكتور مفتش الصحة.
الدكتور : عمله فين؟
السيدة : هنا.
الدكتور : يا ستي حرام عليكي، أنا شفتك من ربع ساعة وللا أربع ساعات؟ أنا من الصبح هنا مع الجماعة دول لا شُفتك، ولا شفت غيرك.
السيدة : ما هو مش سيادتك، ده الدكتور.
الدكتور : طب مانا الدكتور.
السيدة : لا، دُكها دكتور تاني صغير في السن، ومن غير نظارات.
الدكتور : يعني انتي جيتي هنا ولقيتي دكتور تاني أدالك حقنة، وقال لك تعالي بعد ربع ساعة أديلك الشهادة، هنا في المكتب ده؟
السيدة : هنا يا دكتور أيوه، دانا حتى ماسبتش المكتب، فضلت قاعدة بره في أوضة الانتظار.
الدكتور (وقد انتابته حالة عصبية شديدة) : دي مؤامرة. حد بيتآمر على مخي. دي عصابة منظمة. ده جهاز سري، مجرمين مخربين جواسيس لصوص قطاع طرق؛ أنا مخي خلاص. الحقوه. نار. ريحة شياط. طفوه. أنا خلاص، خلاص، خلاص.
(ينهار على المكتب منكفيًا بوجهه.)
صفر (وهو يجري ناحيته هو ومحمد الثاني) : هدي نفسك يا دكتور، هدي نفسك الله يجازي ولاد الحرام. حد حافض آية الكرسي يا جدعان يقراها على دماغه، ما قلت لك حتتعب يا سعادة البيه، وانت غلبان زي حالاتي صاحب كوم.
م. الثاني : سيبه يستريح شوية وهو حيفوق على طول.
صفر (للسيدة) : إنما مقلتليش أوعي تكوني شفتي تمرجي تاني كمان.
م. الأول (مسرعًا إلى حيث السيدة) : بقى حصلت إنك تتنكريلي.
السيدة : يا أستاذ أرجوك، إنت غلطان خالص (تحادثه وهي تتبع م. الثالث بعينها، ثم ترفع صوتها مخاطبة إياه) ما تقول له يا دكتور تالت، قول له أنا مين.
م. الثالث (بغير حماس) : دي طليقتي يا أول، الطالبة اللي في بكالوريوس زراعة، زهرة، مش فاكرها وللا إيه؟
م. الأول : زهرة إيه بس؟ حد يتوه عن مراته يا ناس؟ هي نوال بعينها دي حاجة تلخفن العقل، يا نوال عيب.
زهرة (وقد اقتربت من م. الثالث مخاطبة نفسها) : دا باينه مجنون الجدع ده. (ثم ﻟ م٣) أشكرك.
م. الثالث : على إيه؟
زهرة : على إنك لسة مانسيتنيش.
م. الثالث : العفو (ثم بعد نظرة إليها) أمال إيه حكاية مدام محمد الأول دي؟
زهرة : جوزي اسمه كده.
م. الثالث : جوزك! إنتي اجوزتي؟
زهرة : أمال يعني كنت فاكر لما طلقتني حابور؟ دا الجواز بعد الطلاق ألذ بكتير.
م. الثالث : واتجوزتي مين بقى؟
زهرة : محمد الأول.
م. الثالث : زميلك بتاع الكراسة؟
زهرة : أيوه زميلي بتاع الكراسة.
م. الثالث : شفتي بقى؟ يبقى أكيد كان بينكم حاجة.
زهرة : بالعكس الحاجة اللي بينا كنت انت السبب فيها.
م. الثالث : وحقنة إيه وشهادة إيه اللي جاية عشَانهم؟
زهرة : تطعيم ضد الحمى الصفرا والجدري.
م. الثالث : ليه؟
زهرة : مانا مسافرة.
م. الثالث : فين؟
زهرة : غانا، رايحة المؤتمر الآسيوي الأفريقي.
م. الثالث : عضوة وللا إيه؟
زهرة : لا في السكرتارية، الناس اللي كانوا بيشتغلوا هنا عايزينهم هناك عشان يساعدوهم.
م. الثالث : كويس والله، يعني عايشة؟
زهرة : أمال كنت عايزني انتحر.
م. الثالث : تنتحري؟ عشان اطلقنا؟
زهرة : أنا فعلًا فكرت مرة انتحر، بس مش عشان طلقتني.
م. الثالث : أمال عشان إيه؟
زهرة : عشان كنت مجنونة، كنت بحبك.
م. الثالث : كده؟
زهرة : كده.
م. الثالث : إنتو عندكو الحب إيه؟ لب بتقزقزوه.
زهرة : على كل حال مش أنا اللي كنت بتسلى.
م. الثالث : أمال محمد الأول ده إيه؟
زهرة : ما ميت مرة قلت لك كان جاي يجيب كراسة العملي، أنا لو فيه حاجة ما كنت اقابله بره، عمرك ما فهمتني أبدًا.
م. الثالث : أنا كنت غبي فعلًا.
زهرة : عمرك ما حسيت أبدًا إني بحبك. إنت كنت أول راجل في حياتي، عبدتك عبادة ولما اطلقنا ضِعت تهت، لولا جاني محمد الأول وطول عمري أحس إنه أخويا. إنت عارف ماليش أخوات صبيان، وعرف إني اطلقت بسببه وعرض علي الجواز، كنت في حاجة لأخ جنبي، أخ بأي ثمن، ولو بتمن إني أعمل له زوجة، ورضيت، إنما انت لسة انت، الراجل اللي بصته بتخليني أنثى قد كدهه، أنثى ضعيفة خايفة مستعدة أبوس التراب اللي يمشي عليه. إنت مش عارف إنت عملت في إيه؟ أنا كنت بنت مراهقة عامْيَة، في شهر صحيتني وفتحت لي باب عالم واسع جميل، وكان أملي وسعادتي إني حأتْفرَّج على كل حاجة فيه معاك، إنما اتلفت لقيتك إختفيت من حياتي، هربت.
م. الثالث : أنا ما هربتش ولا المسألة مسألة الكراس، الحقيقة أنا بعد ما عشت معاكي إكتشفت إنك مش نوعي، أنا عايز ست ناضجة تريحني وتحبني وتمتعني، نفس اللي إنتي عايزاه. إحنا الاتنين عايزين ناخد، عايزين حد يدي.
زهرة : أنا عايزاك زي ما انت، وكنت مستعدة أعمل معجزات عشان أغير نفسي وابقى الست اللي إنت عايزها.
م. الثالث : ما جراش حاجة، لسه المستقبل طويل عريض قدامك، ودي مجرد تجربة فاشلة.
زهرة : أنا عايزاك زي ما انت، وكنت مستعدة أعمل معجزات بعدها حألقى للدنيا طعم.
م. الثالث : بتهيألك.
زهرة : أرجوك، إديني فرصة تانية، أنا ما اجوزتوش لسه ولا حاتجوزه، أنا بقول كده بس لأني حاسة إن كرامتي مجروحة، إني منبوذة. أنا لسه كلي لك، مستنياك، عايزاك.
م. الثالث : أنا ما انفعكيش، الحياة بالنسبة لك بتبتدي، أنا بشطب.
زهرة : وانت ٢٩ سنة؟
م. الثالث : إضربيهم في عدد المرات اللي كان عندي أمل فيها، وخاب أملي. أنا شيخ في التسعة وعشرين، لما إجوزتك كانت آخر محاولة إني أعيش سني وعواطفي وجسمي، محاولة نتيجتها إني اكتشفت إني مسجون وإني عشان أعيش ده كله لازم أحس إني حر قبل ما أحس إني شاب عايز حبيبة وأوضة نوم، طول ما ماليش في الحياة طول مانا حاسس بالسجن، فمالياش في الحياة ولا في الأكل، ولا في أي متعة في الدنيا.
زهرة : إنت اللي ساجن نفسك، وأنانيتك بتمنعك حتى إنك تفتح صدرك لحد تاني معاك. خدني معاك، ومع بعض لازم حنكسر السجن وللا على الأقل نحوله لعيش وجنة.
م. الثالث : ماتقدريش، ماتستحمليش، دا سجن فظيع.
زهرة : بكرة تشوف بس خلينا نجرب. إدي نفسك واديني فرصة أخيرة.
م. الثالث : ما اقدرش أغامر وآخدك، ويمكن أحبك وارتبط بيكي، فلما ييجي اليوم اللي تزهقي فيه وتسبيني أطِّعن طعنة تخلص علي، أتذل، وكل ما اتزللك أو أترجاكي حتنفري أكتر وأتلوي أنا م الألم. أرجوكي خليني حر في سجن، كتير علي سجنين.
زهرة : يعني ما فيش فايدة خلاص؟
م. الثالث : ما تعيِّشيش نفسك في مأساة، أنا برضه أقدر أقول إني حبيتك، إنما قسيت على نفسي، وركزت إرادتي كلها في إني أقفل أي طاقة أمل، خليت الفشل أمر واقع لا يمكن تغييره. إعملي انتِ رخرة كده، يمكن تتعبي شوية إنما حتستريحي على طول.

(تنظر إليه طويلًا، ثم إلى الدكتور، ثم إلى الجميع وتعود تلقي عليه نظرة خاطفة، وتقول جبان وتندفع خارجة في غضب.)

الدكتور (وكأنما يفوق لنفسه) : هي راحت فين؟
صفر : مشيت يا بيه.
الدكتور : وبتقولوا طلعت مين المرة دي؟
م. الثالث : دي زهرة اللي كنت متجوزها يا دكتور.
الدكتور : هيه؛ تطلع زي ما تطلع، المسألة حرية. كل واحد يطلع زي ما هو عايز، حتى أنا راخر أطلع زي مانا عايز. أمال أمكم راحت فين هي رخرة؟ وللا إياك تطلع في دماغكو كالعادة وتقولوا إنكو ما شوفتوهاش.

(الثلاثة يتبادلون النظرات، وهم يرمقون الطبيب في شك.)

م. الثاني : شفناها ازاي بس يا دكتور، مش ممكن نكون شفناها، دي تبقى معجزة بقى.
الدكتور : اسمع انت وهو، معجزة، ليلة قدر، علم، حلم، شفتوها، والله العظيم شفتوها، عليَّ الطلاق بالتلاتة شفتوها، وانا شفتها معاكو وكلمتوها وكلمتكم، وإن ما اتعدلتوا بقى لمرتكب جناية.

(يمد يده ويخرج بالمسدس من درج المكتب، ويضعه أمامه على المكتب.)

م. الأول : يا دكتور سيادتك لازم تستريح، إنت مرهق شوية.
الدكتور : أنا وللا انتم؟ دا انتم باينكم هربانين من مستشفى العباسية، حتى أساميكم أسامي مجانين؛ إيه اللي محمد الأول ومحمد التاني ومحمد التالت، وشركة مظبوتكس ومينا ماركة مينا، والرصاصة اللي في المليان جابت انهيار عصبي، ودوا يوفر سبعين مليون، وأبوكو حرامي الامتحانات، وأمكم اللي اتجوزت عشان متهومة بالفلوس، والسكينة وعقدة الفرخة، وانتم نهاركم مش فايت النهارده. هات التليفون.

(يجذب التليفون من الحاجز بين الغرفتين.)

م. الأول : يا دكتور أرجوك هدي نفسك شوية، أيوه شفناها شفناها.
الدكتور : شفتوها ما شفتهاش، أنا اللي علي لازم أعمله.
م. الثاني : وشرفي وشرف سيادتك شفناها، وبالأمارة حضنتنا وباستنا.
الدكتور : عشان تعرف بس إنك أكبر كداب، أهو ده ماحصلش.
م. الثالث : قصده إن إحنا حضناها وبسناها.
الدكتور : وانت بالذات اللي بتقول كده؟ نسيت انتي خنتينا يا ماما وانا يتيم أمه عايشة؟

(يتبادلون النظرات.)

م. الأول : معلش؛ أصله، ما انت سيادتك عارف.
م. الثالث (عن عمد) : الشمس، الشمس تعباني قوي.
الدكتور : ولو؛ والله لو قلت القمر راخر والمريخ والمشترى لمبلغ. آلو …

(يضغط على آلة التليفون ليستحضر الخط، ثم يدير رقمًا من ثلاثة.)

م. الثاني : يا دكتور إحنا غلطنا في إيه؟ ما قلنا لسيادتك إننا شفناها.
الدكتور : شفتوها وللا بتقولوا كده وكده.
م. الأول : حقيقي يا بيه حقيقي.
الدكتور : طب قالت لكم إيه على جوزها الأولاني.
م. الثاني : قالت إنه كان باسطها خالص، وخلاها تنسانا.
الدكتور : حلاوتك، آلو … اسمع من فضلك، إحنا عايزين تيجو لنا هنا حالًا، في مكتب الصحة ومعاكو قوة كافية.
م. الثاني : يا دكتور.
الدكتور (يشير له إشارة حاسمة أن يغلق فمه) : أنا مفتش الصحة. الحنفية؟ حنفية إيه؟ دا أنا ببلغ عن جناية، إنت مش بوليس النجدة! حتى انت راخر، طلع مطافي (يضغط على ريشة التليفون ليلغي الخط) متأسف (ويدير رقمًا ثلاثيًّا آخر).
م. الأول : بس مستحيل يا دكتور، أمنا تعيش من تلات سنين. (متقدمًا ناحية الدكتور) طب دقيقة واحدة يا دكتور، دقيقة واحدة، الطريقة دي مش حتنفعنا، إنت سيادتك بتقول شفت أمنا هنا، وإننا شفناها معاك.
الدكتور : ده ما فيش، من خمس دقائق بس.
م. الأول : هنا في المكتب؟
الدكتور : أُمال يعني في المتحف.
م. الأول : بس أُمنا ماتت.
الدكتور : ماتت؟
م. الأول : بقول لسيادتك من تلات سنين.
الدكتور : أمال مين اللي كنتوا بتتكلموا معاها دي، أمي؟
صفر : وللا يمكن أمي أنا.
م. الثاني : وإذا كانت أُمنا ماتت بقى من تلات سنين، يبقى إيه الحل؟
الدكتور : إنت كداب، يا صفر، يا صفر الزفت. كانوا بيكلموا مع واحدة وللا لا.
صفر : واحدة بس؛ دول ييجوا تلاتة يا سعادة البيه.
الدكتور : يا جدع التانية دي، مش كانت أمهم؟
صفر : أيوه أمهم يا سعادة البيه.
الدكتور : طب كانت لابسة إيه؟
صفر : لابسة خاتم يا سعادة البيه.
الدكتور (لميم ٢) : يا بني يا حبيبي دي كانت جاية حتى، عشان تعيش معاكم.
م. الثاني : يا ريتها جت يا دكتور، دا جوزها الأخراني فضل وراها لما ماتت.
الدكتور : ماتت؟! ماتت ودفنتوها يعني؟!
م. الثاني : إلا دي! دا إحنا بالأمارة مطلعين لها تصريح الدفن من هنا.
الدكتور : كده، طيب، تبقى وقعت يا بطل؛ المسألة بسيطة، هي ماتت بتاريخ إيه؟
م. الثاني : يوم وفاة النيل سنة ١٩٦٢، قصدي وفاء النيل.
الدكتور : هات لي يا صفر دفتر الوفيات بتاع ١٩٦٢.
صفر : دو بيبقوا الإحصا في الإدارة يا بيه، ما عندناش إلا بتاع السنة اللي فاتت بس.
الدكتور : برضه بسيطة. آدي قسم الإحصا. (يدير القرص خمسة أرقام) آلو … الإحصا، صباح الخير، أيوه، إيه الذكاء ده كله؟ برافو عليك … طب اسمع بقى … شوف لي دفتر وفيات ١٩٦٢ بتاعنا هنا … قدامك عالمكتب؟ دا ربنا مسهلها خالص … طيب هات لنا يوم وفاء النيل اللي في ١٨ أغسطس … مش وفاء النيل في ١٨ أغسطس برضه؟ عظيم … اقرا لي أسامي المتوفين … غيره، غيره، لا … واحدة ست، ست، اسمها إيه … (ناظرًا لمحمد الأول).
م. الأول : كنانة محمد عيسى.
الدكتور : لا؛ مش هي، اللي بعده … مافيش؟ إزاي الكلام ده. (لمحمد الثاني) إنت مش بتقول إنها ماتت يوم ١٨ أغسطس؟!
م. الثاني : أنا بقول يوم وفاء النيل.
الدكتور : بقى تفتكر وفاء النيل ولا تفتكرشي التاريخ؟
م. الثاني : أصل كان عطلة، وقالوا لنا الدكتور بتاع هنا النهارده أجازة وفاء النيل، فرحنا مضينا التصريح من مكتب الصحة اللي جنبكم.
الدكتور (في التليفون) : خليك معايا، هو مش وفاء النيل يبقى يوم ١٨ أغسطس، إنت متأكد امال ازاي مش موجودة؟ طب شوف لنا اليوم اللي قبله واللي بعده وخد الاسم أهه؛ كنانة محمد عيسى، أيوه يا أخي كده امال، الدفتر خلص إنما اليوم ما خلصشي، والدفتر الثاني فين؟ وحياتك؟ معلش … معاك أهو … (ثم مخاطبًا م. الثاني) تعرف لو طلعت إنها مش متقيدة في دفتر الوفيات وما ماتتش؛ أقسم بشرفي لضاربكم بالنار انتو التلاتة، دا انتم تبقوا مش بني آدميين خالص. لا يمكن تكونوا بني آدميين، دا أنا كل ما آجي أمسك حاجة أو أوصل لحاجة أبص ألاقيكم بتتزفلطوا. وشرفي لأضربكم بالنار على طول. (يمسك المسدس وبسرعة يصوبه في وجه م. الأول) اتأخروا ورا لغاية ما تحصلوا الحيطة، ياللا بسرعة انت وهو. (وحين يصلون الحائط) وشك في الحيطة منك له، إيديك فوق دماغك بسرعة.
م. الأول : يا دكتور مش طريقة دي، إحنا أذنبنا في إيه؟ هي جريمة إن أمنا ماتت؟!
الدكتور : لما تكون ماتت زي ما بتقولوا، وما تكنش متقيدة في دفتر الوفيات، مع إنكم مطلعين التصريح من هنا تبقى مش جريمة؛ تبقى مأساة، فاجعة مصيبة كبيرة، تبقى لازم حيحصل للدنيا حاجة. يا الكون يخرب، يا القيامة تقوم (ثم للتليفون) أيوه؛ كنانة محمد عيسى، الساعة خمسة بعد الظهر، سبب الوفاة شيخوخة بدون جنون، متشكرين جدًّا. مع السلامة (يضع السماعة ويضع المسدس جانبًا).
م. الأول : اتأكدت بقى سيادتك إنها ماتت؟!
الدكتور : اتأكدت، ويارتني ما اتأكدت، هو أنا مشكلتي إنها ماتت وللا ما ماتتش، مصيبتي السودة إنها كانت هنا من ربع ساعة، منين ماتت من اربع سنين، ومنين شايفها بعينيه هنا من ربع ساعة؟
م. الثاني : يمكن مش هي يا دكتور، ممكن سيادتك توصفها لنا كده.
الدكتور : أوصف إيه بس؟ ما هي صورة طبق الأصل من نونو وزهرة اللي بتقولوا عليها، كل اللي أنا فاكره إني لمحت حسنة كبيرة في رقبتها.

(يتبادل م. الثاني وم. الثالث النظرات في دهشة شديدة.)

م. الثالث : هي ماما كانت عندها حاجة زي كده، أنا فاكر برضه.
م. الأول : أمال، قد القرش صاغ بالضبط، في رقبتها فين يا دكتور؟
الدكتور (مشيرًا إلى جانب العنق الأيمن) : هنا هه (بانزعاج شديد متزايد).
م. الأول : تمام، تمام، يا نهار منيل! ازاي ده يحصل؟ دا يبقى الدكتور شافها فعلًا، دا شغل أرواح بقى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! مسألة لا يمكن نسكت عليها.
الدكتور (يدق جرس التليفون) : آلو … يا قسم الإحصا … خير … أيوه … أيوه … إيه … بتقول إيه؟ كنت بتقرا من دفتر غلط؟ دفتر ٦٥ يعني متقيدة الساعة ٥ يوم ١٨ أغسطس ١٩٦٥ السنة اللي فاتت يعني … طب استنى دقيقة من فضلك، (مخاطبًا الأول) هي أمكم ماتت السنة اللي فاتت وللا سنة ١٩٦٢؟
م. الأول : اللي فاتت ازاي يا دكتور؟ ماتت سنة ٦٢ من تلات سنين.
الدكتور : متأكد؟
م. الأول : إلا متأكد! ما تقولوا له، يا جماعة ساكتين ليه؟
م. الثاني : دانا بنفسي اللي مبلغ عنها يا دكتور من تلات أربع سنين.
م. الثالث : دي اتوفت قبل ما ينقبض عليَّ يا دكتور، وانا ممسوك سنة ٦٣.
الدكتور : متأكدين يعني؟
م١، م٢، م٣ : تمام التأكد، زي ما إحنا شايفين سيادتك كده. دي ما فيهاش أي كلام.
الدكتور (مخاطبًا التليفون) : إنت متأكد يا درش إنك بتقرأ من دفتر ٦٥؟ راجع تاني … مرة تانية كمان … كمان مرة تالتة عشان خاطري، كده؟ طيب. (يضع السماعة).
الدكتور : بقى الأول تكون هنا وتقولوا أبدًا ما كنتش دي ميتة، وبعدين تقولوا إنها ماتت سنة ٦٢، وبعدين تلاقيها متقيدة في نفس اليوم اللي قلتوا عليه بس سنة ٦٥ (ثم فجأة بزعيق هائل) النجدة. دا شيء أكتر من طاقتي. النجدة لغاية هنا وما اقدرشي. الحقونا، انجدونا يا بوليس النجدة، يا ناس (يرفع السماعة ويطلب بوليس النجدة) آلو … ادوني القائد … القائد بنفسه … أيوه … أنا مفتش الصحة … إلحقونا … تعالوا لنا بسرعة ومعاكو قوة … دا مش بلاغ واحد … دا كوم بلاغات وجنايات. أنا في عرضكم. (فاصل موسيقي صوتي) الحقونا (يضع السماعة).
صفر : المدام يا سعادة البيه.
الدكتور : مالها؟
صفر : أدخلها لسيادتك؟
الدكتور : مدام مين؟
صفر : المدام بتاعة سيادتك؟
الدكتور : المدام بتاعة سيادتي أنا؟ إيه اللي يجيبها هنا يا أخينا؟ دانا بقالي عشر سنين في المكتب ده، عمرها ما دخلته ولا حتى كلمتني بالتليفون فيه. اسألها كويس، هي مين؟ وعايزة إيه؟ واصحى كده وفوق جتك البلى.
صفر (مغمض العينين) : اللهم فوقك يا روح، أنا اللي أفوق.
السيدة (من على الباب) : استنى عشان أدخل، لازم كنت بتعمل حاجة وعايز تخبيها.
الدكتور : حنيفة؟ (يبدو عليه ذعر مفاجئ شديد وذهول، ويبتلع ريقه من حلق جاف).
السيدة : الله، مالك؟! لازم فيه حاجة، أنا قلبي بيقول لي إن فيه حاجة حصلت، كان مين هنا يا باش تمرجي؟
صفر : ما حدش يا سعادة … يا مدام.

(الدكتور لا يزال في ذهوله يحدق في حنيفة بطريقة غريبة، ومن زوايا متعددة ويهز رأسه بشدة.)

السيدة : الله، مالك؟ لازم فيه حاجة، أنا قلبي بيقول لي إيه؟ إيه اللي حصل؟ فيَّ إيه غريب؟ بتبصلي كده ليه؟
الدكتور : أنا أصلي اتقرصت كام مرة، وبيتهيألي قرصة كمان حتخلص علي، إنتي حنيفة صحيح؟
حنيفة (تندفع ناحيته) : يا نهار اسود يا حكيم! دا انت خارج الصبح كويس! إيه اللي جرالك؟ مفاجأة كويسة تقوم تنكبس كده، ولا كأنك شفت.
الدكتور : بس أرجوكي؛ خليكي كده، إستني، اقفي عندك كده عشان أشوفك كويس.
حنيفة : إيه الهزار البايخ بتاعك ده؟ بقى أنا جاية أعملك عزرائيل.
الدكتور : عزرائيل أهون.
حنيفة : أهون مني يا حكيم؟ مش حاسيبهالك دي.
الدكتور : أهون م اللي بيحصل النهارده.
حنيفة : وإيه اللي حصل النهارده؟
الدكتور : خلينا فيكي الأول، شكلها صوتها، دبتها على صدرها، الورم اللي في شدقها، مطرح قرصة الدبور، هي ما فيش كلام (وكأنما يرد على نفسه) مادكهم كانوا برضه هم هم ما فيش كلام.
حنيفة : يا داهية دقي! يا مصيبتي! يا خيبتك خيبة قوية يا حنيفة، حتشمتي فيكي العدو والحبيب.
الدكتور : مالك؟
حنيفة : مالك انت؟ قاعد تكلم في روحك كده ليه؟ عينيك زايغة زي اللي قتل قتيل وللا ظبطوه سارق غسيل كده ليه؟ حصل إيه قول لي، في تلات اربع ساعات ألقاك كده؟ سايبني وانت فاطر وشارب شايك وقاري جرايدك وبعقلك تمام أربعة وعشرين، آجي ألاقيك كده.
الدكتور : هو أنا باين علي إني مش طبيعي؟
حنيفة : مش طبيعي وبس؟ دا انت باين عليك إنك خلاص، وصلت.
الدكتور : لا؛ اطمني أنا كويس، بس حصلت حاجات كده حابقى أقولها لك بعدين.
حنيفة : أمال بتسألني وكأنك شاكك إني حنيفة ليه؟
الدكتور : والحقيقة لسه شاكك.
حنيفة : الحقوني بكباية ميه (في شبه ولولة).

(صفر يسرع ليحضر الماء.)

الدكتور : أرجوكي يا حنيفة، اركزي امال، عمايلك دي بتلخبطني أكتر. أنا عايزك تساعديني مش تلخبطيني.
حنيفة : حاضر؛ أساعدك قوي، (لنفسها) هو أنا حخلص من أمه واخواته؟ حيقولوا فضلت وراه لما جننته. أساعدك يا خويا يا حبيبي، أساعدك (تقترب منه).
الدكتور : خليكي عندك.
حنيفة : حاضر؛ وعيب يعني إني جيت؟ عيب إني أعمل لك سربريز؛ مفاجأة؟
الدكتور : أبدًا لا عيب ولا حرام ولا حاجة، بس أصلي كويس واعرف إنك لا بتاعة هزار ولا سربريزات فلازم فيه سبب جد!
حنيفة : بقول لك ما فيش، أنا كنت هنا عند واحد بتاع سجاجيد قالولي إنه عنده حاجات لقط تجنن، لما جيت ولقيته قافل، ولقيت نفسي قريبة قلت أفوت عليك.
الدكتور : تفوتي فوتان؟ من غير سبب؟
حنيفة : سربريز بقول لك.
الدكتور : يعني ما نتيش عايزة فلوس؟
حنيفة : لا.
الدكتور : ما فيش حد م العيال تعبان؟
حنيفة : كلهم في المدرسة زي البمب.
الدكتور : ما افتكرتيش عملة نسيتي تأنبيني عليها امبارح فجابة تحاسبيني زي عوايدك، قبل ما يفوت عليها ٢٤ ساعة وتنسيها؟
حنيفة : لا.
الدكتور : يعني بجد وحق وحقيق جاية كده لله في لله.
حنيفة : يمكن مش لله في لله قوي، يمكن اشتقت لك يا سيدي وجاية أشوفك.
الدكتور : أنا بكلم جد، تحلفيلي بأغلى يمين عندك وشرف باباكي إنك مانتي جاية لسبب محدد؟
حنيفة : وشرف بابايا مانا جاية لأي سبب خالص.
الدكتور (بزعيق) : تبقي مش حنيفة مراتي، تبقي منهم.
حنيفة : منهم مين يا حبيبي؟ اسم الله عليك.
الدكتور : م اللي بيروحوا ويتغيروا ويجوا دول، ماللِّي حيجنني إني مش عارف إن كانوا جننوني فعلًا وللا لسة حيجننوني.
حنيفة : إخص عليك انت عايز تخضني وللا إيه؟ بلاش الهزار ده وحياتك أنا ما احبش كده.
الدكتور : هزار إيه؟ أنا ما بهزرش، أنا جد خالص، أنا ستين جد، أنا مفيش بعد كده جد.
حنيفة : بقى ده جزائي إني جاية أبسطك؟
الدكتور : وانا ذنبي إيه انه يطلع النهارده بالذات إنك تعملي عملة عمرك ما عملتيها؟

(يعطس بشدة فتخرج حنيفة منديلها الصغير، وتمسح له وجهه وعينيه.)

حنيفة : كله من الهباب الشغل، عمرك ما بترحم نفسك.
الدكتور : بلاش نخرج برة الموضوع، خلينا فيكي، أرجوكي ساعديني.
حنيفة : أساعدك يا حبيبي، أساعدك يا ضنايا يا روح قلبي (تقبله قبلة خاطفة على جانب فمه).
الدكتور : مش دي المساعدة اللي أنا عايزها؛ اللي أسألك عليه جاوبيني ودُغري، إنتِ حنيفة مراتي مش كده؟
حنيفة : مراتك وحبيبتك وخدامتك، حنيفة اللي انت جوزها وراجلها واللي من غيرك ما تسواش بصلة.
الدكتور : أهو ده الكلام اللي يرعب. ما نتيش لاقية غير اليوم المهبب ده تبوسيني وتدلعيني فيه؟ دانتي ما بُستنيش من أيام حرب السويس، دي حاجة تمخول يا ناس. إسمعي؛ إذا كنتي حنيفة مراتي فقوليلي النهارده الصبح حصل إيه قبل ما أخرج على طول؟
حنيفة : ما حصلش حاجة والحمد لله، إيه؟
الدكتور : يوهوه، وانا بزرر زرار الجاكتة حصل إيه؟
حنيفة : اتقطع وركبتهولك.
الدكتور : وانتي بتركبيه حصل إيه؟
حنيفة : يا ناس حتجنن، حصل إيه بأه؟ الأولاد وقعوا سلم المطبخ؟
الدكتور : لا لا لا؛ حصل بيني وبينك إيه؟
حنيفة : حيكون حصل إيه يعني؟ دانا على قرافيصي بركب لك الزرار وانت واقف، يعني لا تطولني ولا أطولك.
الدكتور : أمال كنا ساعتها بنعمل إيه؟
حنيفة : كنا بنعمل إيه؟ كنا بنكلم.
الدكتور (متنهدًا بارتياح) : الحمد لله، كنا بنكلم، دي مش حاجة حصلت دي؟ فاكرة كنا بنكلم في إيه؟
حنيفة : إلا فاكرة؟ طبعًا فاكرة، ودي حاجة تتنسي؟ كنت بطلب منك فلوس الشهر.
الدكتور : ما حصلش، مش ده الموضوع اللي كنا بنتكلم فيه.
حنيفة : آه، افتكرت، كنا بنتكلم ع البهدلة اللي بهدلتهالك مرات أخوك ليلة العزومة.
الدكتور : حنيفة، مش ده الموضوع، حنيفة؛ الحكاية مش هزار، حنيفة افتكري كويس.
حنيفة (مرتبكة ارتباكًا شديدًا) : يمكن، يمكن، كنا بنتكلم في … في إيه بس يا ربي؟ آه؛ هو ده معقول نكلم كلام فارغ زي ده ع الصبح، أيوه يا أخي افتكرت؛ في اللي عملته البت الشغالة، لا؛ مش كده، إسمها إيه دي.
الدكتور (بصوت غريب) : اسمها إيه دي مين؟
حنيفة (بيأس) : اسمها إيه دي.
الدكتور : إنتي تعرفي نونو؟
حنيفة : نونو إيه يا حكيم؟ اسم الله على مخك، نونو دي إيه، إنت بتخرف؟
الدكتور : وللا تكونيش انتي رخرة جاية عايزة دكتور غيري. تكونيش رايحة باندونج، تقربيش لزهرة؟ تعرفيش أمهم كتمت ع الفلوس فين؟ إنتي بعتي أسئلة الامتحانات؟
حنيفة (ترقع بالصوت) : الحقوني! حكيم إجنن.
الدكتور (بهدوء مشحون) : يا صفر، طلع الولية دي برة، ما عادش ناقص إلا مراتي، إنت يا صفر إحدفها م الشباك، حطها مع الحقن واغليها في الغلاية، بخرها في المبخرة. مش عارفة كنا بتكلم في إيه وعايزة تبقى مراتي؟ على مين الكلام ده؟ على حكيم؟ ده ما تخلقش اللي يضحك عليه، برة.
حنيفة : حكيم.
الدكتور : لا انتِ حنيفة ولا أنا حكيم ولا حد حاجة، إمسكوها؛ دي منهم، دليل مادي أهه، اقبضوا عليها كمموها لحسن تعض.
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠