المركز الأول: الهند

أحمد سرهندي – شاه ولي الله دهلوي

(١) دخول الإسلام الهند وانتشاره بها

دخل الإسلامُ الهندُ عن طريقين:
  • (١)

    طريق السِّند، وقد دخل هذه المنطقة مع جيش البطل الشاب الفاتح محمد بن القاسم الثقفي في سنة ٩٢ﻫ، الذي استطاع أن يهزم مَلِك السند «داهر»، وأن يحاصر مدينة «الملتان» إلى أن استولى عليها، وحطَّم ما في معابدها من أوثانٍ وأصنام، وقد امتدت فتوح محمد بن القاسم حتى شملت إقليم السند كله وجنوب البنجاب.

    وظلَّت هذه الإمارة تابعة للخلافة، وعن طريقها انتشر الإسلام رويدًا رويدًا في المناطق الهندية المجاورة.

  • (٢)

    والطريق الثاني هو منطقة الحدود الشمالية الغربية، وعبرها انحدَرَت جيوش محمد بن سُبُكْتِكِين — أو محمود الغَزْنَوي — (٣٨٨–٤٢١ﻫ) ففتَحَت إقليم البنجاب، وتقدمت حتى استولت على دِلْهي ومعظم الأجزاء الشمالية من الهند.

وتوالَتْ على هذه المنطقة دولٌ إسلامية كثيرة، إلى أن كان القرنُ السادسَ عشر، وانحدر بابر عبر نفس الطريق بجيوشه المغولية، مكوِّنًا دولةَ الأباطرة العظام التي مدَّت سلطانها حتى شمل معظم أجزاء الهند، والتي ظلت تحكم شبه القارة الهندية نحو ثلاثة قرون.

ونتيجة لهذه الفتوح ولقيام هذه الدول الإسلامية المتتابعة؛ انتشر الدين الإسلامي في جميع أنحاء الهند، ولكننا نلاحظ أنَّ هناك عاملًا آخر كان أكثرَ تأثيرًا في انتشار الإسلام في الهند، وذلك هو سبيل الدعوة الدينية السلمية التي تسير مع ركب الحياة وتطوُّرها؛ فعن طريق التجار واتصالاتهم، وعن طريق الفقهاء والوُعَّاظ ودروسهم، وعن طريق العلماء والمتصوِّفة ورحلاتهم ومدارسهم؛ انتشر الإسلام بين الهنود، فهؤلاء جميعًا كانوا في معظمهم من العرب، أو من المثقفين بالثقافة العربية، في حين أن الفتوح الإسلامية — باستثناء الفتح الأول الذي قاده محمد بن القاسم — قامت بها جيوش وعناصر غير عربية من التُّرك والفرس والمغول.

وهذه ناحية هامة نعتبرها مفتاحَ دراسة الإسلام في الهند؛ فإن هذه الجيوش التركية والمغولية كانت في معظمها حديثةَ عهد باعتناق الإسلام، وقد نقَلَت معها معالم الثقافة الفارسية ومظاهر الحياة التركية والمغولية؛ ولهذا انتشرت في المجتمع الإسلامي بالهند اللغةُ الفارسية ثم اللغة الأوردية، ولم تنتشر اللغة العربية، وبالتالي لم تزدهر الثقافة العربية في الهند ازدهارَها في الأقاليم والدول الإسلامية الأخرى، وساعد على هذا أن معظم العلماء والمشايخ الذين وفدوا على الهند كانوا من علماء ما وراءَ النهر، وهؤلاء كانوا من أتباع مذهب أبي حنيفة، يعتمدون على كتب المتأخرين من فقهاء هذا المذهب، كما كانوا شغوفين بعلوم اليونان القديمة، ولغتهم الثقافية الأثيرة لديهم هي اللغة الفارسية؛ ولهذا اصطبَغَت الثقافة الإسلامية في الهند بهذه الصِّبغات الثلاث، ولم تقم على أسس سليمة قوية من الثقافة العربية.

ولكن ليس معنى هذا أن الهنود لم يعرفوا اللغة أو المؤلفاتِ العربية، بل لقد عرَفوها وانتشرَت بينهم، وتعلَّمها الكثيرون منهم، بل وألَّفوا بها، ولكن الذي نعنيه أنها كانت أقلَّ انتشارًا وتأثيرًا في المجتمع الإسلامي الهندي إذا قورنت بالثقافتين الفارسية والتركية المغولية.

وفي القرن السادس عشر، وفي عهد الإمبراطور المغولي جلال الدين محمد أكبر تعرَّض المجتمع الإسلامي في الهند لهِزَّة عنيفة؛ فقد كان هذا الحاكم عظيمًا حقًّا، مصلِحًا حقًّا، ويعتبر عصره من أزهر العصور التي شهدتها الهند، ولكن حركته الإصلاحية لم تقتصر على الجيش والنظم الحربية والإدارية والمالية، ونواحي الحياة العلمية والأدبية والفنية، بل تعدَّت هذا كلَّه إلى الدين؛ فقد اعتقد أكبر أنه لا يستطيع أن يحكم دولة تُعتبَر بحق متحفًا أنثرولوجيًّا (جنسيًّا) حكمًا ناجحًا؛ كانت الهند تضم خليطًا عجيبًا متباينًا من الأجناس والأديان، والعادات والتقاليد والثقافات، فتطلَّع أكبر إلى توحيد هذا المجتمع الهندي في كل شيء، حتى في الدين.

(٢) أكبر والدين الإلهي

(٢-١) أكبر، الحاكم السُّني المتديِّن

وَلِي أكبرُ العرشَ في سنة ١٥٥٦م وهو في الرابعةَ عشرة من عمره، وظل يحكم الهند خمسين عامًا، وكان في العشرين سنةً الأولى من حُكمه مسلمًا سنيًّا كأحسنِ ما يكون المسلم السُّني، يحافظ على أصول الدين، ويؤدي الصلوات في المسجد وفي أوقاتها، بل لقد كان يقوم أحيانًا مَقامَ المؤذِّن فيدعو الناس للصلاة، وكان يحترم علماء الدين والمتصوِّفةَ الزاهدين ويُبجِّلهم، ويؤْثِر صحبتهم، فيقضي في حضرتهم الساعاتِ الطِّوالَ، ولا يتردد في إجابة مطالبهم مهما ضؤلت، وكان يحجُّ في كل عام لزيارة ضريح الشيخ سليم الشِّشْتي في مدينة أجمير Ajmer فيطوف به عدة مرات، ثم يجلس في حضرته وقتًا طويلًا، وقد سمَّى ابنه سليمًا باسم هذا الشيخ، وهو الذي سيُعْرَف — فيما بعد — باسم جهانجير jahangir.

وكان أكبرُ لا يبدأ عملًا أو قولًا إلا بدأه بقوله: «يا هادي، يا معين»، وكان لهاتين الكلمتَيْن — فيما يُقال — أثر السِّحر في نفسه، كما كانتا تُثيران حماس أتباعه الشديد، فكان جنود جيشه — مسلمين وهنودًا — إذا سمعوه يدعو هذا الدعاء يردِّدونه وراءه في صوت جهوري، ثم ينقَضُّون على العدو دون خوف أو وجل.

وكان أكبر يعتقد في الفقراء والمتصوفة، ويزور زواياهم حافيَ القدمين في أغلب الأحوال، وقد دفعَته هذه الروح الدينية إلى الإقبال على دراسة القرآن والحديث، وساعدته حافظة قوية على استيعاب كل ما يُلقيه عليه أساتذته.

ولم يقنع أكبر بهذا، بل أصدر أوامره بتعيين القضاة والمفتين في كل جزء من أجزاء مملكَتِه؛ لِيَحكموا بين الناس بالعدل تبعًا لأصول الشريعة الإسلامية، وكان يستجيب لمشورة العلماء في اضطهاد المتزندقة والملحدين.

وقرَّب أكبرُ إليه عددًا من العلماء، كانوا بمثابة الرُّواد يوجِّهونه ويثقفونه؛ من أشهرهم: بيرم خان Bairam Khan، وعبد الله مخدوم المُلك Abdullah Makhdûm-ul-Mulk، والشيخ عبدون نبي Abdun-Nabi، ولكنه كان يُؤْثِر الشيخ عبدون بتقديره واحترامه وثقته، حتى إنه عيَّنه صدرًا للصدور، وكان يدعوه إلى حضرته يوميًّا؛ حيث يجلس بين يديه ليتلقى دروسًا في الحديث.

(٢-٢) عبادة خانة، والتمهيد لإعلان الدين الإلهي

هكذا بدأ أكبرُ، وهكذا ظل طَوال العشرين سنة الأولى من حكمه مسلمًا سنيًّا متدينًا مخلصًا لعقيدته؛ مما جمع قلوب السُّنة من مسلمي الهند على حبه وتأييده، ولكنه انقلب فجأة إلى رجلٍ حرِّ التفكير، ونفَض عن عقله وروحِه هذا الإخلاصَ القديم، وبدأ يفكر في إيجاد دين جديد! فبدأ في سنة ١٥٧٥م بإنشاء دار خاصة في فاتحبور سِكري Fatihpur Sikri سماها: «عبادة خانة Ibadat khanah»، ودعا الفقهاء والعلماء من السنة والشيعة مساء كل خميس لحضور هذه الدار، ومناقشة المذاهب في حضرته؛ بُغْيةَ التقريب بين الآراء المختلفة، وتوحيد الإسلام في مذهب واحد، ولكن هذه المناقشات لم تأت بالنتيجة المطلوبة، بل على العكس وسَّعت الشُّقَّةَ وزادَت في عوامل الخلاف، وراح كل فريق يتهم الفريق الآخر بالكفر والمروق.

وفي إحدى أُمْسيات الخميس في سنة ١٥٧٨م اشتد النقاش بين العلماء حتى لقد وصَم بعضُهم البعضَ الآخر بالكفر في حضرة السلطان، ولم يعد هناك أمل في تآلف العلماء — وهو الهدف الذي كان يرمي إلى تحقيقه أكبرُ — وعند ذلك أُلْقِيَ على الحاضرين سؤالٌ هام:

مَنْ يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينية الواجبِ اتباعُها إذا اشتد الخلاف بين الفقهاء؟ وتقدم واحد من الحضور وهو الشيخ مبارك وقال: إن السلطان يكون صاحبَ هذا الحق.

وتنفيذًا لهذا الاقتراح كُتِبَ محضر لإعلان أكبر «إمامي عادل Imam-I cĀdil»، أي إمامًا عادلًا، ووقَّع على هذا المحضر العلماءُ والفقهاء في رجب من سنة ٩٨٧ﻫ، ومن بينهم مخدوم الملك وعبدون نبي، ووقَّع عليها بالموافقة كذلك الإمبراطورُ أكبر.

هذه الوثيقة وضَعَت السلطة كلَّها في يد أكبر، ورفعَته إلى مرتبةٍ أعلى من مرتبة المجتهِد، وهي مرتبة الإمام العادل، وأصبح بذلك الحاكمَ المطلَق، على أن يكون عماد حكمه الرجوع إلى القرآن والسنة والقياس، وأهم من هذا أن هذه الوثيقة جعَلَت لأكبرَ — إلى جانب سُلطاته الزمنية — السلطانَ الرُّوحي على رعاياه، وبالتالي سُلِبَ العلماءُ هذا السلطانَ، ولم يَعُد لهم الحقُّ في أن يتدخَّلوا في شئون الحكم.

(٢-٣) إعلان الدين الإلهي

وبعد قليل خطا أكبرُ خطوةً أخرى أشدَّ جرأة، فبدأ يفكر في وسيلة تمكنه من توحيد المجتمعَيْن الإسلامي والهندي؛ لِيَقِلَّ الخلاف بين رعاياه، وليصبحوا أكثر تواؤمًا وانسجامًا، وهداه تفكيره إلى إنشاء دين جديد يجمع أصول الديانتَين الإسلامية والهندية ومحاسِنَهما، ولم يكن يسمح حتى ذلك الحينِ بدخول عبادة خانة إلا لعلماء المسلمين، فبدأ أكبر بدعوة علماء الأديان الأخرى لهذه الدار، والمشاركة في النقاش والجدل الديني، يدافع كل فريق عن دينه ويُبْدِي محاسنه.

وبعد هذه التمهيدات دعا السلطانُ إلى اجتماع عام حضَره كبار العلماء من كل دين وقادة الجيش، وفيه تحدَّث السلطان عن الأضرار التي تعود على المجتمع من كثرة الأديان وتعددها، وأعلن عن ضرورة إيجاد دين واحد يضم محاسنَ الأديان المختلفة الموجودة في الهند ويعتنقه الجميع، وبهذا — كما قال — «يمكن تقديس الخالق، ويمكن للسلام والرفاهية أن يَسودا بين الناس، وأن يشمل الأمنُ الدولة.»

ولقد سمَّى أكبرُ هذا الدين الجديد «ديني إلهي Din-i-Ilahi» أو الدين الإلهي، وتتلخص أصوله في: توحيد الله، وهو حجر الزاوية في الإسلام، وتقوم طقوسه على أسس من الصوفية المستمَدة من الديانتَين الهندوكية والزَّرادُشْتية.

وفرَض على أتباع هذا الدين أن يؤمنوا بوحدانية الله، وبأن أكبرَ خليفتُه على الأرض، وأن يقدموا لجلالته أربعة أشياء؛ الثروة والحياة والشرف والدين.

وفرَض عليهم أيضًا أن يمتنعوا عن أكل اللحوم بجميع أصنافها، وأن يسجدوا للإمبراطور.

ومن طقوس هذا الدين الجديد تقديس الشمس والنار.

وحُدِّد يوم الأحد ليكون يوم الاحتفال بدخول الناس في الدين الجديد، يتسلَّمون من صاحب الجلالة «الاسم الأعظم» وشعار الدين الجديد وهو «الله أكبر».

ووضع للدين الإلهي تحية جديدة تَحُلُّ محلَّ تحية الإسلام: «السلام عليكم» وردِّها: «وعليكم السلام»، وجُعِلَت التحية الجديدة: «الله أكبر» وردُّها: «جلَّ جلالُه».

وبين الحين والحين كان الإمبراطور يُصدِر لأتباع دينه الجديدِ بعضَ التنظيمات واللوائح الجديدة.

(٢-٤) الدين الإلهي بين مؤيِّديه ومُعارِضيه

فالدين الجديد — كما يتَّضح من هذه القواعد والأسس — يعكس أهداف الإمبراطور التي كان يرمي من ورائها إلى توحيد الأجناس الهندية المختلفة تحت راية دينٍ واحد وعقيدة واحدة؛ فالروح التي دفعَت أكبرَ إلى ابتداع هذا الدين هي روح الحاكم المصلِح الذي يريد أن يُزيل الفوارقَ بين رعاياه، والذي يعتقد أنه كلما زادت عوامل الأُلفة والوَحْدة بين الشعب، أدَّى هذا إلى قوة الدولة وأمنها واستقرارها.

وإذا نحن نظرنا إلى هذا الدين الجديد نظرةً فاحصة؛ وجدنا أنه اقتبس الروح من الإسلام، بينما صاغ الجسمَ من الهندوكية والزَّرادُشتية.

فالروح التي تتمثَّل في وحدانية الله مأخوذة عن الإسلام، والجسم الذي يتمثَّل في الطقوس المختلفة مأخوذةٌ عن الديانتَين الأُخرَيَين، ولم ينسَ الدين الجديد أن يُرْضِيَ المسيحيين، فجعل يوم الأحد يوم التدشين للداخلين فيه أو للمؤمنين الجدد، وبذلك خرَج هذا الدين الإلهي الجديد وهو يُمثِّل جميع الديانات الموجودة في الهند، فهو دين عالمي هندي، فيه ما يُرضي وفيه ما يَجذب أتباعَ كل دين آخر.

وقد اختلف المؤرخون في تقديرهم لهذا الدين الجديد، فأُعجِبَ به الكثيرون من الغربيين، ورأوا فيه بشيرَ نهضة أو حركة إحياء هندية كبرى، وقالوا في مجال الدفاع عن أكبرَ: إننا لكي نُحسِن فَهمه وفَهْم دينه الجديد؛ يجب أن ننظر إليه على أنه حاكم مصلح مجدِّد، مُنشئ لإمبراطورية قوية، لا على أنه نبي أو رسول جاء يبشر بدين جديد، فالعقيدة التي دعا لها لم تكن هدفًا في حد ذاتها، وإنما كانت وسيلة لهدف أكبر، هو التوحيد بين طوائف الشعب؛ لتكوين هند قوية موحدة.

وأما معارضوه فهم كثرة: بعضهم من الغربيين، والغالبية العظمى من المسلمين، وخاصة مسلمي الهند — معاصرين وغير معاصرين — وهؤلاء ينظرون إلى الدين الجديد باعتبار أنه دينٌ أولًا، وهكذا سماه صاحبه، ويحكمون على أكبرَ باعتباره مَلِكًا مسلمًا دعا إلى دين جديد، مُعظم ما فيه لا يُقِرُّه الإسلام، بل يعتبره مروقًا وإلحادًا وكفرًا.

يقول Smith أحدُ الغربيين الذين أرَّخوا لأكبر: «كان الدِّين الإلهي دليلًا على حماقة أكبر، لا على حكمته.» ويسمِّي هذا الدينَ في مكان آخر من كتابه «بالاختراع السخيف a silly invention».
أما رأيُ المجتمع الهندي الإسلامي في الدين الإلهي فيُمثِّله خيرَ تمثيل ما كتبه المؤرخ المعاصر «بداؤني Badàoni»، لقد اعتبر هذا الكاتب — وكان محقًّا في رأيه — الدينَ الإلهي كفرًا وإلحادًا، وأحصى النواحيَ التي خرج فيها عن أصول الإسلام في النقط الآتية:
  • (١)

    أباح السجود للإمبراطور، والإسلام يمنع السجود إلا لله سبحانه وتعالى.

  • (٢)

    دعا إلى عبادةِ أو تقديس الشمس والنار، وفي هذا رجوعٌ للوثنية القديمة.

  • (٣)

    سمح بوضع الحلاليف في القصر الإمبراطوري، واعتبر النظر إليها كل صباح عملًا يستحق التقدير، والإسلامُ يحرِّم أكل لحم الخنزير، وبالتالي يحض على كراهيته.

  • (٤)

    حرَّم أكل لحم البقر، والثومِ، والبصل، وهذه أشياءُ أحلَّها الإسلام، كما حرَّم تربية اللِّحى، وقد كانت اللحى الشعارَ المميِّز للمسلمين في الهند في ذلك الحين؛ لأن الهندوكيين كانوا يحلقون لحاهم.

  • (٥)
    نفى عددًا كبيرًا من الملا Mullahs — أي العلماء — والمشايخ.
  • (٦)

    منَع خِتان الأطفال قبل سن الثانية عشرة، وزواج البنات قبل سن البلوغ.

  • (٧)

    حارب دراسةَ اللغة العربية.

  • (٨)

    منع الأذانَ والصلواتِ الجامعة.

  • (٩)

    أمر بتغيير الأسماء الإسلامية من أمثال: محمد وأحمد ومصطفى؛ لأنها تسبِّب الضيق للإمبراطور.

  • (١٠)

    أوقف الحج إلى مكة وصيام شهر رمضان.

  • (١١)

    حرَّم دراسة القرآن والحديث.

  • (١٢)

    أمر بأن تُحَوَّل المساجد والجوامع إلى مَخازِنَ وأماكن للحراسة.

ويختم بداؤني نقده بقوله: إن الإسلام بهذا قد هُدِمَت أركانه، وانقضَّ بُنْيانه، ولم يَمض غيرُ خمس أو ست سنوات حتى انقلب كل شيء رأسًا على عقب، ولم يبق في نفسِ أكبرَ أثرٌ ضئيل من دينه القديم القويم الإسلام، بل لقد أبدى مَظاهر العداء الشديد للدِّين الذي آمن به في شبابه، والذي آمن به أسلافُه من قبل.

وهكذا يَعتبر بداؤني، ويوافقه في هذا Smith سنةَ ١٥٨٢م — وهي السنة التي أُعلن فيها الدين الإلهي — حدًّا فاصلًا في حياة أكبر، ويرَيان أن أكبر لا يمكن اعتباره مسلمًا بعد هذه السنة.

ولم تكن التغيُّرات التي أحدثها أكبرُ مقصورة على الدين وحده، بل أحدث تغييراتٍ أخرى تؤذي شعور المسلم؛ لأنها ذاتُ صلة وثيقة بالتشريع أو النظام الإسلامي؛ فقد تزوج أكبرُ من بنات أمراء الهندوك؛ ليرتبط وإياهم برابطة ولاء النسب، غير أنه سمح لأولئك الزوجات بالاحتفاظ بدياناتهن، وبالقيام بشعائر هذه الأديان داخلَ القصر الإمبراطوري، كما أنه استبدل التقويم الهجري بتقويم جديد سماه التقويم الإلهي، يبتدئ بسنة جلوسه على العرش، وجعل شعار أتباعه «الله أكبر»، وكان يعني به أن أكبر هو الله!

هذه الحركة هزَّت المجتمعَ الإسلامي في الهند هِزَّةً عنيفة، غير أن كل مَنْ عارضها أو قاوَمها من العلماء كان نصيبه النفي والاضطهاد والتشريد، ومع هذا فقد لقِيَت الحركةُ تأييدًا من بعض العلماء المسلمين الذين كانوا يَبْتغون الوسيلة والقُربى إلى السلطان، والحقيقة أنه لولا تأييد هذا النفر من العلماء لما استطاع أكبرُ أن يُقيم دعائمَ دينه الجديد، وفي هذا يقول أحمد سرهندي:

«ومما لا شك فيه أن كلَّ ما وقع من المداهنة والتخاذل في الأحكام الشرعية في هذا الزمان، وما ظهَر من الفساد والوَهْن في نشر الدعوة الإلهية وإبقاءِ مآثرها في هذا العصر، إنما يرجع سببه إلى علماء السوء الذين هم لُصوص الدين، وشرُّ مَن تحتَ أديم السماء، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.»

ومع هذا فإن نفرًا آخرين من العلماء المخلِصين، الثابتين على إيمانهم، المتمسِّكين بدينهم عارضوا الدين الإلهي معارضة عنيفة، كان على رأس هؤلاء هذا العالم الذي اقتبَسنا قوله الآن، السيد أحمد سرهندي، فقام هذا الرجل بحركة تجديدية مضادة، تعتبر في الواقع ردَّ فعل لحركة أكبر الإلحادية.

(٣) أحمد سرهندي (٩٧١–١٠٣٤ﻫ / ١٥٦٤–١٦٢٥م) مجدد الألف الثانية

ويُعرَف أحمد سرهندي باسم «مجددي ألفي ثاني» أي مجدد الألف الثانية، وهو واحد من كبار المسلمين والمتصوفة الذين برَزوا في تاريخ الهند، وقد بذَل جهودًا كبيرة في سبيل تجديد الإسلام، وتنقيته من الشوائب التي لَصِقَت به، وخاصة بعد حركة الهرطقة والمروق التي كان قد بدأها الإمبراطور أكبر (١٥٥٦–١٦٠٥م).

(٣-١) حياته الأولى

وُلِدَ أحمد في مدينة سرهند (إحدى مدن ولاية بتيالا Pātiala في شرقيِّ البنجاب) في سنة ٩٧١ﻫ / ١٥٦٤م، ووالده الشيخ عبد الأحد ينتهي نَسبُه إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وقد تلقى أحمدُ علومه الأولى على والده، ثم أتم دراسته بعد ذلك في مدينة سيالكوت Siyālkôt.
واتجه أحمدُ بعد ذلك إلى العاصمة أجرا Agra حيث كان دائمَ التردد على مجالس الوزير الأول أبي الفضل وأخيه فيضي (وهما من العلماء البارزين في ذلك الوقت)، ويرجِّح مؤرِّخوه أنه كَتب في هذه الفترة رسالته الصغيرة التي سماها «الرسالة التهليلية» في نقد المذهب الشيعي [وقد ترجم هذه الرسالةَ فيما بعدُ إلى العربية شاه ولي الله دهلوي،١ وأرفق بها مقدِّمة تحدَّث فيها عن التيارات الدينية في بلاط الملك الأكبر، وعن نشاط الشيخ أحمد].
وبعد سنوات قليلة عاد إلى مدينته سرهند، وفي سنة ١٠٠٨ﻫ دخل في الطريقة النَّقشبندية، بعد أن أخذ العهد على أحد شيوخها وهو الخواجة Khwadja باقي بالله (ت١٠١٢) الذي كان يقيم في مدينة دلهي في ذلك الوقت.

(٣-٢) أحمد سرهندي وجهانجير

نشأ أحمد سرهندي في الربع الأخير من القرن العاشر للهجرة (١٦م) في نفس الوقت الذي كان أكبر يدعو فيه لدينه الجديد، فأخذ يَرقُب الأحوال، وبدأ ينظم حركة واسعة لمعارضة هذه الحركة الإلحادية، وبثَّ أتباعه ومريديه في أنحاء البلاد، وكتب إلى قوَّاد الجيش وكبار الموظفين ممَّن يأنس فيهم الرُّشد والإسلام الصحيح، ينبِّههم إلى هذا الخطر الداهم، ويحذرهم عاقبة هذه الفتنة العمياء، وما قد يكون لها من آثار خطيرة على الإسلام والمسلمين في الهند.

ولم تظهر آثار دعوته إلا بعد موت أكبر، وفي عهد ابنه جهانجير (١٠١٤–١٠٣٧ﻫ)، فقد سار هذا الابن على نهج أبيه، واضطهد علماء السُّنة ونكَّل بهم، وقرب إليه علماء الشيعة، واتخذَهم بِطانة له.

وعندما اشتد حماس الشيخ أحمد في معارضة الدين الإلهي وما خلَّفه من آثار وفي مناهضة المذهب الشيعي، وعندما نشط هو وأتباعه في دعوتهم التجديدية لمحاربة البِدَع والعودة بالإسلام إلى أصوله الأولى، غضب عليه جهانجير — بإيعازِ علماء الشيعة ورجال القصر — واعتَبر نشاطه خطرًا على الدولة والعرش، وأمر بالقبض عليه، وسَجنه في حصن جواليور Gwalior، ولكنه سرعان ما عفا عنه وأمر بإطلاق سراحه، وخلَع عليه، ووصَله بمبلغ من المال.

وقد اختلفت الروايات عند ذكر الأسباب التي دفعَت الإمبراطور جهانجير إلى العفو عن الشيخ أحمد؛ تقول إحدى هذه الروايات: إن الإمبراطور رأى فيما يرى النائم أن الشيخ أحمد قد ظُلِمَ، وأن رجلًا صالحًا يقول له وهو عاضٌّ على يديه:

«ويحك! قد حبَستَ رجلًا لا تَرى مثله في الصلاح والورع.»

وتقول رواية أخرى — وهي أقربُ إلى الصحة: إنه لم يَمضِ على دخول الشيخ أحمد السجن إلا أيامٌ قليلة حتى تغير الحالُ غيرَ الحال، وأخذ الرجل يَنفُث من روحه بين المسجونين والجُناة من القتَلة والسارقين، ويُلْقِي عليهم مَواعظَه، فإذا بهم بين يوم وليلة قد انقلبوا خَلقًا آخر، وبدَءوا يأتمِرون بأوامر الشيخ في ذِلَّة وخشوع، ويؤدُّون فروضهم الدينيةَ في أوقاتها وفي حرص شديد؛ مما أثار عجب مدير السجن وإعجابه، فكتب إلى الإمبراطور يقول له: إن هذا السجين — الشيخ أحمد — ليس كغيره مِن نزلاء السجن، وإنما هو في الحقيقة مَلَك قلَّما يأتي الدهر بمثله، فإن وافق السلطان أطلقنا سراحه، وأكرَمْناه بما يستحقه.

عند ذلك ندم جهانجير على ما صدر منه في حق الشيخ أحمد، وأمر في الحال بإحضاره إلى قصره في أجرا، ولما علم بقربه من العاصمة أرسل ابنه ووليَّ عهدِه الأمير «خرم» — شاه جهان فيما بعد — لاستقباله والترحيب به، ولما دخل الشيخ أحمد على الإمبراطور حيَّاه وحيَّا حاشيته بتحية الإسلام، ولم يسجد له، فحَفِظها الإمبراطور في نفسه، وتلقَّاه رغم هذا بالترحاب، وأبقاه معه في القصر لينتفع بنصائحه.

(٣-٣) نجاح حركة السيد أحمد التجديدية

وكان لبقاء الشيخ في القصر آثارٌ طيبة؛ فقد استطاع أن يقنع الإمبراطور بإلغاء كثيرٍ من البدع التي استحدَثها أبوه أكبر، فأصدر بعد قليل أمرًا ملكيًّا نص فيه على ما يأتي:
  • (١)

    تحريم السجود للملك.

  • (٢)

    إباحة ذبح البقر وأكل لحمه.

  • (٣)

    إعادة بناء المساجد المهدَّمة.

  • (٤)

    إبطال القوانين المعارِضة للشريعة الإسلامية.

  • (٥)

    تعيين القضاة والمحتَسِبين في مختلِف المدن الهندية.

وبذلك آتَت حركة الشيخ أحمد التجديدية أكُلَها، وعاد للمجتمع الإسلامي في الهند اطمئنانه، وانتهت حركة الاضطهاد لعلماء السنة، وبدأ المسلمون يحسُّون الحرية التامة في القيام بشعائر دينهم.

(٣-٤) مؤلفات السيد أحمد المجددي

وقد كتب الشيخ أحمد جملةً من الرسائل في موضوعات دينية مختلفة، منها:
  • المبدأ والمعاد (دلهي، ١٣١١).

  • رسالة تهليلية، وقد طُبِعَت مُلحَقة بمجموعة رسائله «مكتوبات» وطُبِعَت في لكناو.

  • معارف لَدُنِّية.

  • مكاشَفات غيبية.

  • رسالة في إثبات النبوة.

  • آداب المريدين.

  • شرح رباعيات أستاذه خواجه باقي بالله.

وأشهر آثاره الفكرية جميعًا مجموعةُ رسائله المعروفة باسم «مكتوبات» التي أرسلها إلى تلاميذه ومريديه وبعض الشخصيات الأخرى المعاصرة، لشرح كثير من الموضوعات الإسلامية التي كانت موضع جدل ومناقشة، ولا زالت هذه المكتوبات تحتل حتى اليوم مكانها الجدير بها بين أهم ما خلفه الفكر الإسلامي في الهند من تراث قديم.٢

(٣-٥) السيد أحمد مجدد الألف الثانية

وقد أطلق مولانا عبد الحكيم السيالكوتي بحق على الشيخ أحمد سرهندي لقب «مجددي ألفي ثاني» أي مجدد الألف الثانية، وذلك تحقيقًا للحديث الشريف الذي يقول:

«إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يُجدِّد لها دينها» وقد عُنِي المسلمون في مختلِف الأقطار الإسلامية بهذا الحديث، كلما تأخَّرَت بلادهم، أو انتشرت فيها البدع المستحدَثة، فكانوا ينظرون إلى وراء، ويرون أنه لا صلاح لحاضرهم إلا بالعودة إلى ما كان عليه النبيُّ والصحابة في العصر الإسلامي الأول، وبالعودة إلى أصول الإسلام ومَنابعه الحقيقية من قرآنٍ وسنة، وكانوا دائمًا يُحْصون أسماء مَن ظهر من المجددين على رأس المِئينَ الماضية، ويرتقبون ظهور المجدِّد الجديد.

وقد كتب السيوطي أرجوزة أحصى فيها المجددين إلى القرن التاسع الهجري، وسماها «تحفة المهتدين بأخبار المجددين»، وجعل نفسه فيها المجدد للقرن التاسع، قال:

وهذه تاسعةُ المِئينَ قَدْ
أتت، ولا يُخلَفُ ما الهادي وَعَدْ
وقد رجَوتُ أنَّني المجدِّدُ
فيها، ففضلُ الله ليس يُجحَدُ

ونتيجةً للجهود الطيبة التي بذَلها الشيخ أحمد سرهندي لمحاربة البدع المستحدَثة، ولتجديد الإسلام وتخليصه من الشوائب التي عَلِقَت به؛ اعتبَر نفسه واعتبره معاصِروه بحقٍّ مجدِّدَ الألف الثانية، أي مجدد المئة الحاديةَ عشْرة، وقد ذاع صيته وانتشرَت طريقته وآراؤه خارج حدود الهند في أفغانستان وفي أواسط آسيا.

(٣-٦) وفاته

وتوفي الشيخ أحمد المجددي في سنة ١٠٣٤ﻫ/١٦٢٤م ودُفِنَ في مدينة سرهند، ولا يزال الناس حتى اليومِ يتوافدون على قبره؛ لزيارته والْتِماس البرَكة في رحابه.

وقد ازدادت شهرته ذيوعًا، وكثر تلاميذه وأتباعُ طريقته بعد وفاته، وهم الذين يُعْرَفون حتى اليوم باسم «المجدِّدية»، ومما ساعد على انتشار تلاميذه وكثرة عددهم الأحوالُ السيئة الناجمة بعد ذلك عن سيادة السِّيخ، وسيطرتهم على إقليم البنجاب.

(٣-٧) الجديد في طريقة الشيخ أحمد

ومع أن الشيخ اتصل — منذ شبابه — بكثير من الطرق الصوفية المعروفة على عهده — وخاصة الطريقة النقشبندية — فقد تحاشى الكثيرَ من مُغالاتهم، ولا سيما نزعاتهم وأفكارهم القائلة بوحدة الوجود Pantheism، ثم حاول في طريقته أن يقرِّب بين فريقَيِ الصوفية: القائلِين بفكرة التوحيد Monotheism، والقائلِين بفكرة وحدة الوجود، وقال هو بالأخذ بفكرة وحدة الشهود، بدلًا من فكرة وحدة الوجود؛ وذلك لأنه لاحظ أن الكثيرين من المتصوفة في عصره قد تأثروا بفلسفة البراهمة، وأخذوا بكثير من عقائدهم وأفكارهم، كوحدة الوجود والحلول والاتحاد وغيرها؛ ولذلك ركز الكثير من جهوده لتَفْنيد هذه الآراء والردِّ عليها، وخاصة آراء محيي الدين بن عربي في وحدة الوجود، ورسائل٣ الشيخ أحمد مليئة بالأدلة والمناقشات التي يهاجم فيها فكرة وَحْدة الوجود، والتي يدعو فيها لفكرة وحدة الشهود، وبهذا نستطيع أن نقول: إن هذه الفكرة تعتبر بحق الشيء الجديد الذي قدَّمه الشيخ المجدد لعالم الفكر الإسلامي الديني.

(٣-٨) جهود الشيخ أحمد في إصلاح المجتمع الإسلامي في الهند

لم تُقْصَر جهود الشيخ على هذا، بل لا بد أن نذكر له مَساعيَه الحميدة لإصلاح شأن الحكومة ورجالها؛ فقد كان يعتقد أنهم القدوة، إذا صلَحوا صلحت الرعية والبلادُ كلها، وإذا فسَدوا فسد المجتمع الذي يقومون على شئونه، كذلك كان الشيخ المجدد يعتقد أن الكثير من الفساد القائم يَرجع أسبابُه إلى العلماء الذين تهافتوا على الدنيا وعلى إرضاء السلطان؛ ولهذا بذل الكثير من جهوده لمحاربة هذا الصنف من العلماء، ومناهضة بِدَعهم والردِّ عليها.

ولقد كانت حركة أحمد سرهندي في الواقع عميقة الأثر في المجتمع الهندي الإسلامي؛ فقد تأثر بها الكثيرون بعده، وكانت ممهِّدة لحركة تجديدية أخرى قام بها مجددٌ ثانٍ في القرن الثامنَ عشر، هو العالم الهندي الكبير شاه ولي الله دهلوي.

(٣-٩) حركة عبد الحق دهلوي

وبين الحركتين ظهرَت جهودٌ أخرى سارت في نفس الطريق:

منها جهود الشيخ عبد الحق دهلوي (٩٥٨–١٠٥٢ﻫ/١٥٥١–١٦٤٢م)، وقد عاصر الشيخَ المجدد بعضَ الوقت، ولكنه تُوُفِّي بعده بنحو ثمانيةَ عشَرَ عامًا، وقد عُني الشيخ عبد الحق أكثرَ ما عُني بإحياء السنة النبوية ودراسة علم الحديث، وألَّف في هذا العلم كتبًا كثيرة، وشرح «مشكاة المصابيح» للتبريزي بالعربية والفارسية معًا، فهو بهذا يعتبر أولَ عالم وقَف جهوده في شمال الهند على نشر السنة النبوية وتدريس كتبها وشرح متونها.

وقد درَس الشيخ عبد الحق أولًا في فاتح بور، وفي سنة ٩٩٦ﻫ ذهب لمكة؛ لأداء فريضة الحج، وهناك درس على كبار العلماء (ذكرهم في كتابه زاد المتقين)، وبعد عودته أقام يدرس في دلهي مدةً تَقرب من نصف القرن، وخلال هذه المدة حاز إعجاب الإمبراطور جهانجير وابنه شاه جهان، وقبره موجود في حوضي شمسي في دلهي، ونقش على حائط القبة موجز لحياته، ونص هذا النقش موجود كاملًا في كتاب: «غلاب علي أزاد، مآثر الكرام، أجرا، ١٣٢٨، ص٢٠١».

وقد ترك عبد الحق ٤٩ مؤلَّفًا بالعربية والفارسية، هذه أهمها:
  • ديوان شعر.

  • لمحة التنقيح، وهو شرح بالعربية على مشكاة المصابيح للتبريزي، وله أيضًا شرح بالفارسية على نفس الكتاب، طُبِعَ في لكناو ١٢٧٧ﻫ.

  • أخبار الأخيار، وهو تراجمُ لأولياء الهند بصفة خاصة.

  • زبدة الآثار، وهو ترجمة لعبد القادر الجيلاني.

  • مفتاح الفتوح، وهو ترجمة فارسية مع التعليقات لكتاب الجيلاني «فتوح الغيب».

  • ذكر الملوك، وهو تاريخ مختصَر للهند منذ عهد الغوريِّين إلى عهد أكبر.

  • جذب القلوب، وهو تاريخ للمدينة، مبنيٌّ في معظمه على كتاب السمهودي.

  • مدارج النبوة، وهو سيرة للرسول.

وأهمُّ ما يؤْثَر عنه جهوده المشكورة للاهتمام بدراسة الحديث في الهند.

(٣-١٠) جهود السلطان أورنجزيب الإصلاحية

ومن هذه الجهود جهودٌ رسمية، بذلها الإمبراطور أبو الظفر محيي الدين عالم جير أورنك زيب (١٠٦٨–١١١٨ﻫ).

فقد كان هذا الإمبراطور — على عكس سابقيه من الأباطرة — متدينًا شديد التمسُّك بدينه، سُنيًّا شديد التعلُّق بمذهبه والدفاع عنه، حتى لقد عُرِفَ بالملك الزاهد، ولي الحكم في الأربعين من عمره، وطالت مدة حكمه حتى بلغَت الخمسين عامًا، وكانت سياسته الدينية تُعارض سياسة جده «أكبرَ» تمام المعارضة؛ ولهذا أصدر أوامره بإلغاء كثير من القوانين والنظم والمراسيم التي سبَق أن سنَّها «أكبرُ» والتي كانت تَدخُل في نطاق البِدَع المستحدثة التي ينكرها الإسلام. وفيما يلي أمثلة للإصلاحات الدينية التي أحدثها:
  • ألغى التقويم الإلهي الذي كان قد أصدره أكبر، وأحله محل التقويم الهجري.

  • منع الاحتفال بعيد رأس السنة الشمسية، وقد كان أكبر سنَّ الاحتفال به إرضاءً للمجوس.

  • كان من عادة السلاطين التيموريين أن يتصدَّقوا على الفقراء بوزن أجسامهم من الذهب والجواهر الغالية؛ ظنًّا منهم أن هذا الصنيع يقيهم نوائب الدهر وموبقاته، وقد ألغى أورنجزيب هذه العادة.

  • كان من عادة الملوك من أسرته أن يَظهروا للناس من شُرَفِ قصورهم كل صباح؛ لتتمتع الرعية برؤية وجوههم، واعتبر أورنجزيب هذه العادة تشبهًا بما كان يفعله الملوك الوثنيون مع رعاياهم، فألغاها.

  • كان أكبر قد أباح بيع الخمر علنًا، ثم جاء ابنه جهانجير فمنعها، ولكن أوامره لم تُنفَّذ؛ لأنه كان مدمنًا للشرب؛ ولهذا أباح للناس شربها داخل بيوتهم، ثم خلَفه ابنه شاه جهان، فتشدد في منع الخمر، ولكنه استثنى النصارى، فلما ولي أورنجزيب منع الجميع من شربها منعًا باتًّا، وتشدَّد في تنفيذ هذا الأمر، وعيَّن موظفين لمراقبة من يُقْبِل على شرب الخمر ولمعاقبتهم العقاب الصارم.

  • كذلك أصدر أورنجزيب أوامرَه بمنع المقامرة منعًا باتًّا، وبأن تُخيَّر الراقصات والبغايا بين الزواج أو مغادرة الدولة.

وقد تُوفِّي أورنجزيب في سنة ١١١٨ﻫ، ودُفِنَ في مدينة أورنج أباد — في ولاية حيدر أباد الدكن — فكان خاتمة الأباطرة العظام في الهند، وتوالى الملوك بعده من بنيه وبني بنيه، ولكنهم كانوا جميعًا ضِعاف الشخصية، فساءت أحوال البلاد، ونشطت العناصر غير الإسلامية وكثرت الثورات، ووسط هذه الفوضى الشاملة ظهر مصلح جديد، هو شاه ولي الله دهلوي.

(٤) شاه ولي الله دهلوي (١١١٤–١١٧٦ﻫ/١٧٠٣–١٧٦٢م)

إحدى الشخصيات البارزة في تاريخ الهند الإسلامية، وهو علَّامة بحَّاثة، ومفكِّر متعمِّق، وفقيه واسع الفكر والأفق، ومتصوف ورِع، ومصلِح متحمس؛ ولهذا فقد تَرك في تاريخ الهند الفكري أثرًا لا يُمْحَى.

وقد حَبَتْهُ الطبيعة بمؤهلات وهِبات سخية في الفكر والعاطفة، فكان نافذ العقل خفَّاق القلب، وقد أحسن استخدام هذه المؤهلات فيما يعود بالنفع الغزير على حركة الإحياء الإسلامية في الهند.

وُلِدَ ولي الله في عصر ساده الانحلال والفوضى، ولكنه كان يتطلَّع دائمًا إلى عالمٍ يسوده السلام والتقدم.

(٤-١) المدرسة الرحيمية

ولقد أصبح المعهد الذي أسسه وأسماه المدرسة الرحيمية «مدرسائي رحيمية Madrasah-i-Rahimia» نُواةً لحركة ثورية تهدف إلى تجديد الفكر الديني في الإسلام، وقد تَوافد على هذه المدرسة الطلابُ من جميع أنحاء الهند قاصيها ودانيها، ولا شك أن حركة ولي الله تمثل فجر عصر جديد في عالم الفقه والأدب الإسلامي.

(٤-٢) جهوده في تقريب القرآن والحديث لأفهام العامة في الهند

ولقد تعلَّق شاه ولي الله بدراسة القرآن والحديث، وكان أولَ عالم هندي ترجم كتاب الله الكريمَ إلى اللغة الفارسية؛ لغة الشعب، حقيقة لقد سبقه في هذا الميدان مولانا شهاب الدين دولت آبادي الذي عاش قبل ولي الله بسنوات طويلة، وألَّف كتابه «بحر مواج»، ولكن «بحر مواج» يعتبر تفسيرًا أكثر منه ترجمة، ولقد كتبه مؤلفه للفقهاء لا للرجل العادي، أما هدف شاه ولي الله فكان مختلفًا جِدَّ الاختلاف، لقد أراد أن يجعل القرآن مفهومًا للرجل العادي ذي الثقافة البسيطة، وبهذا يعتبر كتابه «فتح الرحمن» أول ترجمة للقرآن يسهل فهمها ويمكن الوثوق بها والاعتماد عليها. كذلك يُعتبَر كتاباه الآخران: «مقدمة في تفسير القرآن المجيد» و«الفوز الكبير في أصول التفسير» دليلَيْن لهما قيمتُهما الكبرى لكل مَنْ حاول بعده أن يقوم على هذه المهمة الخطيرة؛ مهمة ترجمة القرآن.

وبذَل شاه ولي الله جهودًا أخرى موفَّقة لتقريب أحاديث الرسول — عليه السلام — لأفهام الشعب في الهند، وبذلك استحق أن يُطْلَقَ عليه لقب «محدِّث».

ويعتبر كتابه «حجة الله البالغة» الذي هو بحق خير إنتاجه الفكري أفضلَ ما أخرجَتْه الدراسات الهندية الإسلامية؛ فإن نظرات المؤلف الثاقبةَ اللمَّاحة إلى قواعد الإسلام الأساسية، وعرضه الجلي الواضح للحقائق وأدلته القوية المقنعة، كل ذلك يُضْفي على هذا الكتاب هالةً من الخلود.

(٤-٣) عرض عام لجهود شاه ولي الله الإصلاحية في الدين

ونحن لا نستطيع أن نتحدث في تفصيلٍ هنا عن شخصية شاه ولي الله وجهوده الإصلاحية في الدين والمجتمع الإسلامي الهندي، ولكننا سنشير إلى أهم هذه الجهود والآراء الإصلاحية:
  • كان التشيُّع قد صادف قَبولًا في بلاط أباطرة المغول منذ عهد همايون (ت٩٦٤ﻫ)، ودخل في هذا المذهب عددٌ كبير من الأمراء وكبار الموظفين، وعَظُم شأن هؤلاء في عهد جهانجير بوجه خاص، فاستولَوْا على المناصب الحكومية الكبرى، وكان لهذا تأثيرُه الواضح في الشعب، فمال الكثيرون إلى هذا المذهب، وقد بذل شاه ولي الله جهودًا كبيرة للدفاع عن أهل السنة، وألَّف كتابه «إزالة الخَفاء عن تاريخ الخُلفاء» وأثبت فيه فضل الخلفاء الراشدين، وفصَّل فيه القول على أسس الحكومة الإسلامية الأولى، وما بذلَتْه من جهود لنشر الإسلام ومد مفتوح وتنظيمٍ للدولة الجديدة.

  • كان علماء الهنود في عهده يعتمدون كثيرًا على علم الكلام، ويعتقدون أنه قِوام الدين وروحه، فسعى شاه ولي الله ليوضِّح لهم أهمية علمَيِ: الفقه والحديث، وضرورةَ العناية بهما وبدراستهما؛ لفَهْم حقيقة الإسلام.

  • ولم يكن علماء الهند المسلمون يُعْنَون بتَفهُّم كتاب الله، ولعل هذا راجعٌ إلى جهل معظمهم باللغة العربية، أو عدَمِ تعمُّقهم في دراستها، أما شاه ولي الله فقد كان يؤمن إيمانًا قويًّا أنَّ الفهم الصحيح للإسلام يستلزم تَفهُّم كتاب الله؛ ولهذا عُنِي عناية خاصة بوضع مؤلَّف جامع في أصول التفسير، وأبان للمسلمين وجه الخطأ في منهجهم، وأوضح لهم أن المنهج السليم يقتضي قراءة القرآن لدراسته وتدبر آياته والاهتداء بهديه، لا للتبرك به دون فَهمٍ أو وعيٍ لأسراره.

  • لم يكن شاه ولي الله رجلَ نظريات وحَسْب، بل كان يدعو الدعوة ثم يُردِفها بالوسائل العمَلية لتحقيقها، وقد أدرك أن دعوته السالفة لتَفهُّم القرآن وتدبُّر آياته وحِكَمه من العسير تحقيقُها؛ لأن العامة من مُسلمي الهند كانوا يجهلون اللغة العربية جهلًا تامًّا؛ ولهذا بادر بترجمة ألفاظ القرآن ومفرداته إلى اللغة الفارسية — وهي اللغة الرسمية وقْتَذاك — ليتمكَّن العامةُ من فَهم معاني هذه الألفاظ عند تلاوة القرآن بأصله العربي، وقد سار على نهجه أبناؤه فيما بعد، فترجم الشاه رفيع الدين (ت١٢٣٣ﻫ) والشاه عبد القادر (ت١٢٣٠ﻫ) ألفاظ القرآن ومفرداتِه إلى الأوردية، ولا زالت هذه الترجمة المرجعَ للخاصة والعامة في الهند، رغم ما ظهر بعدها من ترجمات أخرى كثيرة.

  • كان المذهبُ الحنفي هو المذهبَ المعتمَد عند مسلمي الهند، وكانت كتُب هذا المذهب تُؤخَذ على عِلَّاتها، لا يَجرُؤ أحد على معارضتها أو مناقشتها، ولكن شاه ولي الله درَس المذاهب المختلِفة، ولم يُرْضِه هذا الجمود وهذا التقليد الأعمى، فبدأ يدعو مُواطنيه إلى الرجوع إلى الكتاب والسُّنة وإلى تَرْك التقليد الجامد، وأن يَنظروا إلى أقوال الفقهاء بعين البحث والتحقيق، وشرَح لهم مسألة الاجتهاد والتقليد، وأسبابَ اختلاف المجتهِدين، وكان في دَعْواه وفي دروسه وفي مؤلَّفاته يسعى دائمًا للتوفيق بين مذاهب الأئمة، فإن تعذَّر عليه ذلك أخذ ما يوافق الأحاديث الصحيحة، ورجَّحه على غيره، وقد طبَّق طريقته هذه تطبيقًا ناجحًا في كتابه الرائع «حجة الله البالغة»، وفي كتيبه الصغير «الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف».

  • عُنِي شاه ولي الله كذلك بعلوم السُّنة، فعمل على نشرها في الهند، فكان بهذا متمِّمًا لما بدأه الشيخ عبد الحق دهلوي، وشاه ولي الله أول مَن شرح كتاب الإمام مالك «الموطَّأ» بالعربية والفارسية، وألَّف رسالة صغيرة باسم «الفضل المبين من حديث النبي الأمين»، وفي أسرار الفقه والحديث وضَع كتابه الذي أشَرْنا إليه «حجة الله البالغة».

(٤-٤) شاه ولي الله المفكر والمصلح السياسي

ومع هذا فإن نواحيَ العظَمة في شاه ولي الله ليست مقصورةً على نبوغه في عالم الأدب والعلوم الدينية، فإنه لم يكن عالمًا دينيًّا ذا شهرة وقداسة وحسب، بل لقد كان مفكِّرًا سياسيًّا نافذَ البصيرة كذلك.

ولقد تأثَّرَت نفسُه الحساسة الصافية بالأحوال السياسية المضطرِبة التي كانت تَسود الهند في القرن الثامنَ عشر، وقد عثر أخيرًا خليق أحمد نظامي على مجموعة مخطوطة تضم رسائل شاه ولي الله السياسيةَ، كتبها مولانا الشيخ محمد عاشق الفولاتي oh Phulat أعزُّ تلاميذ ولي الله وأقربُهم إليه، وقد كتب نظامي مقالًا في مجلة Islamic Culture حلَّل فيه بعض هذه الرسائل، وأشار إلى أهميتها القصوى في دراسة الأحداث السياسية للهند في القرن الثامن عشر، ثم نشر هذه الرسائل بعد ذلك في كتاب مستقل.

(٤-٥) الحالة في الهند في القرن ١٨

كان القرن الثامن عشر في الهند تسوده الفوضى ويَشيع فيه التَّرف؛ إذ لم يكد أورنجزيب ينتقل إلى العالم الآخر (١٧٠٧م) حتى ظهرَت عوامل الانقسام والتفكُّك واضحة، وعجز خلفاؤه البُلْه الضِّعاف عن السيطرة على العناصر الجامحة في الوقت المناسب، ونتيجة لهذا سادَت الدولةَ عواملُ الفوضى والاضطراب، وأصبح التاج المغولي ألعوبةً تتداولها أيدي الأطراف المتنافسة، وتتابع عددٌ من الملوك الصغار كالدُّمَى على مسرح السياسة في سرعة عجيبة، لا يكاد يظهر واحد منهم حتى يختفيَ وشيكًا، وأصبح تاج شاه جهان وأورنجزيب طيفًا لمجد غابر.

ولقد أثار ضعفُ الحكومة المركزية أطماعَ الأمراء وحكام الأقاليم، وتبع ذلك سباقٌ جنوني في سبيل الحصول على السلطة السياسية؛ كذلك أفسدَت مؤامراتُ النبلاء ودسائسُ البلاط حياةَ الشعب.

ولقد أفادت الطوائفُ المنقسِمة المختلفة الفائدةَ الكبرى من ضعف الحكومة المركزية، وخاصة طوائف المراتا Marathas، والسيخ Sikhs، والجات Jats، فبدأت تثور — بعد أن استعادت ثقتها بنفسها — على إمبراطورية المغول المترنِّحة.
أما المراتا فقد حجبوا الحكومة الشرعية تمامًا في جوجَرات Gujrat ومَلْوا Malwa وبُنْدِلْخاند Bundelkhand، واستعملوا السلاح في البِنْغال Bengal وبِهار Bihar ودواب Daob، بل لقد طرَقوا أبواب دلهي، حتى أثارت آثامهم وشرورهم الرعب في قلوب الشعب.
كذلك عاث السيخُ في البنجاب سلبًا ونهبًا، وعبَرَت عصاباتهم نهر جُمْنَة Jumna، وخرَّبَت المدن الهامة، وأشاعوا الذُّعر والفزع في كل مكان حتى اضطُرَّ بعض الأفراد إلى تغيير أسمائهم؛ لِيَحموا أنفسهم من فظائع السِّيخ.
أما ثورات الجات فقد خلَقَت للحكومة المركزية مشكلةً شائكة؛ فقد كانوا — بحكم قُربهم الشديد من العاصمة — مصدرَ فزع دائم لسكَّان دلهي، وليس أحسنَ مِن وصف Harcharam Das لِمَا فعَله الجات؛ فقد قال:

«كان سكان دلهي يتَنقَّلون من بيت إلى بيت، ويتدافعون من حارة إلى حارة في يأس قاتل وحيرة مميتة، كأنهم سفينة محطَّمة تتقاذَفُها الأمواج، كل فرد كان ينطلق مذهولًا بلا غاية، وكأنه قد أصيب بمَسٍّ من الجنون.»

وكأن هذه الهِزَّاتِ الداخليةَ لم تكن كافية لتُصيب كِيانَ الحكومة المغولية بالشلل، فإنَّ نادر شاه مَلِكَ الأفغان لم يلبَثْ أن أغار على الهند في سنة ١٧٣٩م، وكانت غارته هذه القشَّةَ التي قصَمَت ظهر البعير، فقد تلاشت نهائيًّا كرامة الإمبراطورية المغولية، وسُلِبَت الهندُ كلَّ ثرواتها، وجمعَت الحركات المعادية للمغول قُواها، وأشاعت مَناظرُ المجاعات والتخريب غيرُ المتوقَّعة عواملَ الرعب واليأس في قلوب الشعب.

كانت دلهي قلبَ الإمبراطورية؛ ولهذا كان لزامٌ عليها أن تتحمَّل نتائج الصدمة التي يُحدِثها كلُّ اضطراب داخلي أو ضغط خارجي، وقد غمرَت هذه المحنُ والبلايا سكانَ مدينة دلهي، بحيث أصبحوا يُحسُّون أن الحياة ذاتَها عبءٌ ثقيل لا يُحتمَل، بل إن بعض المسلمين فكَّروا أمام هذه الظروف العصيبة أن يحرقوا أنفسهم ليتخلَّصوا من الحياة، وبدأ اليأس والتشاؤم يَنخَر في أرواحهم كما يَنخر السُّوسُ العظامَ!

•••

كانت هذه الأحداث جميعًا تدور أمام ناظِرَيْ شاه ولي الله، فتَعصر قلبه عصرًا وتَلفح روحَه بالنيران، ولقد عبر عن أحزانه الكامنة في قلبه بهذا البيت الرائع من الشعر:

كأنَّ نجومًا أوْمَضَتْ في الغَياهِبِ
عيون الأفاعي، أو رءوس العَقاربِ

ولكنه لم يكن بالرجل الذي يسمح لليأس أن يُغشِّي بصَره أو بصيرته، فبينما كان كل فرد غيره قد نال منه الرعبُ والاضطراب، استعان هو بذهنه الواضح وبشجاعته النادرة، وراح يبحث عن أسباب هذه المتاعب جميعًا، وقد استطاع كدارسٍ ذكي نَقَّادٍ للتاريخ الإنساني أن يَكتشف هذه الأسبابَ وأن يضع أصبعَه على مواطن الداء.

(٤-٦) عقيدة شاه ولي الله أنه مجدد عصره

وكان شاه ولي الله يعتقد أن العناية الإلهية قد اختارته لإصلاح هذا النظام السياسي والاجتماعي الفاسد؛ فقد كتب مرةً في «فيوض الحرمين» يقول:

«رأيتُني في المنام قائمَ الزمان، أعني بذلك أن الله إذا أراد شيئًا من نظام الخير جعَلني كالجارحة لإتمام مُراده.»

ولعل ولي الله كان يَعتبر نفسه لهذا مجدِّدَ عصره؛ تحقيقًا للحديث المعروف: «إن الله يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ مَنْ يجدِّد لها أمر دينها.»

وهو يكرر هذه الفكرة أكثر من مرة وفي أكثرَ من مؤلَّف من مؤلفاته؛ فهو يقول في موضع آخر من نفس المرجع «فيوض الحرمين»: «وأقرب الناس إلى المجددية: المحدِّثون القدماء كالبخاريِّ ومسلمٍ وأشباهِهم، ولما تمت دورة الحكمة ألبسَني الله تعالى خلعة المجددية، فعلمتُ علمَ الجمع بين المختلِفات، وعلمتُ أن الرأي في الشريعة تحريفٌ وفي القضاء مَكْرَمة، وأشار إليَّ رسولُ الله إشارة روحانية أن مراد الحق فيك أن يجمع شملًا من شمل الأمة المرحومة بك.»

وفي كتابه «التفهيمات»، يقول بالفارسية ما ترجمتُه:

لقد أُلْهِمْتُ (أو كُلِّفْتُ) أن أنقل هذه الحقيقة إلى الناس: هذا الوقت وقتك، وهذا الزمان زمانك، وإنه لمسكين ذلك الذي لا يَنْضوي تحت لوائك.

وفي موضع آخر من نفس المرجع يقول:

ومن نِعَم الله عليَّ — ولا فخر — أن جعلني ناطقَ هذه الدورة وحكيمها، وقائدَ هذه الطبقة وزعيمَها.

بهذه العقيدة الراسِخة في نفسه تَقدَّم شاه ولي الله بشجاعة يعمل على إصلاح المفاسد السياسية والاجتماعية التي سادت المجتمعَ الهندي في القرن الثامنَ عشر.

ولا بد لنا لكي نفهم آراءَ وليِّ الله وجهودَه الإصلاحية أن نُلْقِي نظرة سريعة على آرائه التي حلَّل بها الموقف في الهند في القرن الثامن عشر.

(٤-٧) تحليل شاه ولي الله للموقف في الهند في القرن ١٨

درس شاه ولي الله الموقف في الهند في ذلك الوقت دراسةً تحليلية، ونظَر إليه نظرة السياسي الواقعي، وبذلك استطاع أن يُشخِّص كل الأدواء التي تصيب كيان الدولة السياسي، وهو في كتابه «حجة الله البالغة» يشير في «باب سياسة المدينة» إلى أسباب الفوضى والمِحَن، فيقول:

«وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان:
  • أحدهما: تضييقهم على بيت المال بأن يعتادوا التكسُّب بالأخذ منه؛ على أنهم من الغزاة، أو من العلماء الذين لهم حقٌّ فيه، أو مِن الذين جرَت عادة الملوك بصِلَتهم: كالزُّهاد والشعراء، أو بوجهٍ من وجوه التكدِّي، ويكون العمدةُ عندهم هو التكسُّبَ دون القيام بالمصلحة، فيدخل قومٌ على قوم، فينغصون عليهم، ويصيرون كَلًّا على المدينة.
  • والثاني: ضرب الضرائب الثقيلة على الزُّراع والتجار والمتحرِّفة، والتشديد عليهم حتى يُفضيَ إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وإلى تَمنُّع أولي بأس شديد وبغيهم، وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة، وإقامة الحَفَظَة بقدر الضرورة، فليتنبَّه أهل الزمان لهذه النكتة.»

(٤-٨) مقترحات شاه ولي الله لعلاج هذه الحالة

هذه هي أسباب الخراب كما صوَّرها ولي الله، وقد وصَف السُّبل لعلاجها في مؤلَّف آخرَ من مؤلفاته، وهو كتاب «التفهيمات الإلهية»، فهو في هذا الكتاب يقترح وسائلَ محددةً لإعادة السلام إلى الدولة، وللقضاء على عوامل الفساد، يقول ولي الله مقدِّمًا النصيحة للملوك:

«فرضاء الملأ الأعلى أن تُنصِّبوا في كل ناصبةٍ وفي كل مسيرةِ ثلاثة أيامٍ أو أربعة أيام أميرًا عادلًا؛ يأخذ للمظلوم حقَّه من الظالم، ويُقيم الحدود، ويجتهد أن لا يحصل فيهم بغيٌ ولا قتال، ولا ارتدادٌ ولا كبيرة، ويَفشو الإسلام، ويُظهِر شعائره، ويأخذ بفرائضه كلُّ أحد.

ويكون لأمير كل بلد شوكةٌ يَقدر بها على إصلاح بلده، ولا يكون له شوكة يتمتَّع بسببها ويَعْصى على السلطان.

وينصب في كل إقليم كبير أميرًا يقلده القتال فقط، يكون جَمْعَه اثنا عشَر ألفًا من المجاهدين، لا يخافون في الله لومة لائم، يقاتلون كل باغٍ وعادٍ.

فإذا كان ذلك، فرضاء الملأ الأعلى أن يفتِّش حينئذٍ عن النظامات المنزلية والعقود ونحوهما؛ حتى لا يكون شيء إلا موافق الشرع، حتى يأمن الناسُ من كل وجه.»٤

(٤-٩) رسائل ولي الله كمرجع أصيل لدراسة الحالة في الهند في القرن ١٨، ومشروعاته واقتراحاته وجهوده لإصلاحها

هذا ما ذكره ولي الله في كتبه وتصانيفه المختلفة بطريقة ضمنية لَمَّاحة غير مباشرة، ولكن رسائله المكتشَفة حديثًا تعتبر وثائقَ خطيرة لها أهميتها القصوى لدراسة أحوال الهند وأحداثها في القرن الثامن عشر، كما أنها تكشف عن الدور الخطير الذي لعبه رجل الدين والفيلسوف المتصوِّف في توجيه الأحداث، وعن محاولاته الجديَّة لتحديد أسباب الفساد، وعن مقترحاته لإصلاح الدولة وحكامها وساستها.

المحاولة الأولى: مقترحات مقدَّمة إلى الملك والوزراء والأمراء

ففي خطابٍ من هذه الخطابات يوجِّه شاه ولي الله الحديثَ إلى الملك والوزراء والأمراء، ويبين لهم الأسباب الحقيقية للفوضى، ثم يقدِّم لهم مقترحاته لعلاجها؛ يقول بالفارسية ما ترجمته:

إنَّ من المنتظر من فضل حضرتكم أنكم إذا عَمِلتُم بموجب هذه الكلمات لكانت النتيجةُ تقويةَ أمور السلطنة وبقاءَ الدولة ورِفْعة منزلتها.

ثم يلخِّص خطته الإصلاحية في النقط الآتية:
  • أولًا: يجب أن تشدَّد الرقابة على حصون الجات jats وقلاعهم، ويجب أن يُلَقَّن الأشرار درسًا قاسيًا حتى لا يعودوا إلى إحداث الشغب والاضطرابات.
    وقد خصَّ شاه ولي الله حركات الجات بعناية كبرى تفوق عنايته بحركات السِّيخ Sikh والمراتا Maratha؛ لأن الجات كانوا قريبين جدًّا من العاصمة، وبهذا كان لتمردهم ولنشاطهم تأثيرٌ مباشر على الأداة الحكومية المركزية.
  • ثانيًا: يجب أن تمتدَّ أراضي الخالصة حتى مدينة أكبر أباد من ناحية، وحتى مدينة سرهند Sarhind من ناحية أخرى؛ لأن «موجب ضعف أمور السلطنة» كما يقول ولي الله: «هو نقصان أراضي الخالصة وقلة أموال الخزانة»؛ فقد تحقق لديه أنه لا يمكن أن يوجد استقرار اقتصادي ما لم تتكاثر أراضي الخالصة، وبغير هذا السبيل يصبح الإمبراطور دائمًا تحت رحمة حكام الأقاليم والجاجير دارية Jagirdars (أصحاب الإقطاعات).
  • ثالثًا: الجاجير Jagirs (الإقطاعات) يجب أن لا تُعْطَى إلى صغار المنصبدارية Mansabdars؛ لأنهم لا يستطيعون إدارتها والإشراف عليها، ويُضطَرُّون أن يَعهدوا بها إلى الملتزِمين، وبهذا يتضاعف شقاء الفلاحين وتَزيد متاعب الدولة.
  • رابعًا: يجب أن يعامل الخونة والمارقون بمنتهى الحزم، وأولئك الذين يعاونون الأعداء يجب أن يؤخذوا بالشدة، وأن ينزل بهم العقاب الصارم الرادع، وأن يُجَرَّدوا من إقطاعاتهم ومناصبهم.
  • خامسًا: يجب أن يُعاد تنظيم الجيوش، وأن تُدَرَّب تدريبًا صالحًا، ولتحقيق هذا الهدف الأخير تُتَّبَع الوسائل الآتية:
    • (أ) يُراعى في الضُّباط أن يكونوا شجعانًا وعلى ولاء تام للإمبراطور.
    • (ب) مَنْ بدَرَت منه بادرة خيانة من الأجناد يجب أن يُفْصَل.
    • (جـ) يجب أن تُدْفَعَ رواتب الأجناد بنظام؛ لأنهم يُضطرُّون عند تأخير رواتبهم إلى الاقتراض بالرِّبا، وفي هذا مَفسَدة لهم.
  • سادسًا: يجب أن يُسْتَغْنَى عن طريقة الالتزام في جمع إيرادات أراضي الخالصة؛ لأن هذا النظام — كما يقول ولي الله — يؤدي إلى خراب الأراضي، وإلى إرهاق الرعيَّة والفلاحين.
  • سابعًا: يجب أن يُخْتَارَ القاضي والمحتسِب من بين الرجال الذين عُرِف عنهم النزاهة والاستقامة، ويجب أن يكونا فوق المظانِّ والشبهات.
  • ثامنًا: يجب أن لا يَصرِف الإمبراطورُ والنبلاء أوقاتهم في الملاهي والمسرَّات، ويجب أن يَتوبوا عن آثامهم الماضية، وأن يعَفُّوا عن حياة التَّرف في المستقبل.

ويختم شاه ولي الله هذا الخطاب بقوله: إن الإمبراطور لو اتبع هذه الأقوال والنصائح «فإن نصيبه يكون بقاء السَّلطَنة وتأييدَ الغيب ونصرة الله.»

المحاولة الثانية: الاستعانة بنظام الملك

ولكن مع هذا فإن العجز والضعف كانا قد بلَغا من حُكام المغول مَداهما؛ ولهذا لم تُصادِف دعوة شاه ولي الله إلا آذانًا صمَّاء؛ فقد كان هؤلاء الحكامُ أضعفَ من أن يستطيعوا إيقاف عوامل الفوضى والفساد، أو القضاءَ عليها.

فقدَ شاه ولي الله الأمل في الإمبراطور المغولي، واعتقد أنه إذا كان للسلام والهدوء أن يعودا إلى الدولة، وإذا كان من الممكن القضاءُ على عوامل الفساد، وإذا كان من الممكن إنقاذُ المجتمع الهندي من الانحلال الروحي والانحطاط الخلقي، فإنه يجب عليه أن يبحث عن قُوًى أخرى فَعَّالةٍ تستطيع أن تقوم بهذا الواجب.

وإلى هذا فإن أهداف شاه ولي الله الأساسيةَ لم تكن تَرمي إلى إنقاذ الإمبراطورية المغولية والمحافظة عليها، بل إنه كان يهدف إلى إنقاذ التجانس الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي اللَّذَين كانا موجودَين في الأيام الطيبة السالفة، وتحقيقًا لهذه الأهداف؛ أرسل شاه ولي الله بعضَ رسائل أخرى إلى نظام الملك.

وفي واحدة منها يتقدَّم إليه بالرجاء أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد؛ للقضاء على ارتفاع أسعار الغَلَّة (القمح)، وعلى أسباب الخراب والفوضى التي شاعت في أطراف العالم الهندي؛ فإنه إن فعل يكون قد قام بعمل جليل هام.

وفي رسالة أخرى يُحرِّض شاه ولي الله نظامَ الملك أن يستخدم نفوذه في وضع حدٍّ لعناصر الفوضى والاضطراب، وهو في هذه الرسالة يضع كل ثقته في نظام الملك، ويُفضي إليه في صراحة تامة بما لا يستطيع أن يُفْضي به إلى غيره، فهو يقول له:

«إن الأشياء التي أُلْقِي بها إلى خاصتي بطريق غير مباشر أتحدَّث إليك عنها الآن بصراحة؛ حتى لا يكونَ لك عذرٌ فيما بعد.»

ولكن نظام الملك كان قد وجَّه نشاطه عن الشمال إلى الجنوب، وعزَف كذلك عن العناية بأمور العاصمة؛ حيث كانت المنافسات بين الأمراء قد ملأت الجوَّ بالغش والخديعة والاحتيال.

المحاولة الثالثة: الاستعانة بنجيب الدولة وقوى الروهلا

وللمرة الثانية لم ييئَسْ شاه ولي الله، بل ولَّى وجهَه شَطْر فِرَق الروهلا Rohillas، وهي فِرَق في الجيش وفيرة العدد، ولها هيبة كبيرة ترجع إلى تنظيماتها العسكرية وإلى خصائصها الجنسية الحربية.
ولم تكن الشرور التي أفسدَت الأداة الحكومية والعسكرية المغولية قد أصابت الروهلا، ويُضاف إلى هذا أنهم كانوا يتمتَّعون بمكانة حربية عُظْمى، كما أنهم سايَروا الثورة التي غيَّرَت كثيرًا من وسائل الحرب في الهند؛ يقول عنهم Sarkar:

«إن حماسهم المنظَّم للقتال، والعمل النشيط القائم على ذكاء الجنود الفردي لم يكن له مثيلٌ في الهند في ذلك الوقت.»

لهذا حاول شاه ولي الله أن يتصل بنجيب الدولة قائد الروهلا؛ عساه يستطيع أن يقوم بما لم يستطع الإمبراطور المغولي ونظام الملك عملَه.

وفي إحدى رسائله إليه يقول:

إني أعلم أن تجديد الملَّة والأمة يعتمد عليك.

وكانت خُطَّته تتلخَّص في أن يَستخدم الروهلا؛ ليكونوا كالدِّرع الواقية ضد هجوم القوى المسبِّبة للقلاقل.

كان نجيب الدولة قائدًا ممتازًا، وكان شاه ولي الله يُعزُّه ويُقدره؛ لما يتَّسِم به من صفات طيبة، فقد كان يمتاز ببصيرة مستشِفَّة لحقائق السياسة، وبمهارة دبلوماسية فائقة، وإرادة حازمة صارمة؛ ولهذا كان يؤْثِره عالمنا المتصوف ولي الله بالتشجيع والتوجيه، ويُضْفِي عليه الكثيرَ من بركاته وإلهامه.

وهناك بين مجموعة الرسائل المشار إليها ثماني رسائلَ تُلْقي أضواءَ جديدة على العلاقات بين شاه ولي الله وسردار — أو قائد — الروهلا (نجيب الدولة).

يقول ولي الله في إحدى هذه الرسائل:

يوجد في الهند ثلاث فرق موصوفة بالشدة والصلابة، وإذا لم تُسْتَأْصَل هذه الفرق الثلاث فلن يَشعر الإمبراطور أو الأمراء أو الرعية بالاطمئنان.

وهذه الرسائل تبيِّن في وضوح أن شاه ولي الله لعب دورًا هامًّا في رفع الروح المعنوية بين الروهلا وفي نفس قائدهم نجيب الدولة؛ ففي رسالة أخرى يطلب من نجيب الدولة أن لا يدَع للصدمات الوقتية فرصة لإشاعة اليأس في نفسه، وينصحه أن يُثابر دائمًا على القيام بالواجبات التي أُلْقِيَت على كاهله وإتمام ما بدأ به، ثم يسأله أن ينبئه دائمًا بتحرُّكات جيوشه؛ ليتمكن من دعاء الله، وأن يطلب له من فضل الكريم النصرَ والفتحَ القريب.

وحدث أن بعض طوائف الخونة من المسلمين تخلَّوْا عن نجيب الدولة وانضموا إلى الجات Jats؛ مما دفع نجيب الدولة إلى التشاؤم، فكتب إليه شاه ولي الله يقول:

إذا كانت جماعة من بين المسلمين انضمَّت إلى الجات فيجب أن لا يستولي عليك الوسواس، وإني أعتقد أنه ولو أن الظاهر أن العدو يفوق جيشَك عددًا، فإنه لن يُصيبَك ضررٌ ما.

المحاولة الرابعة: شاه ولي الله وأحمد شاه أبدالي

بذَل نجيب الدولة كل ما استطاع بذله لمقاومة قوى الفوضى والاضطراب، ولكن الجوَّ في البلاط لم يكن يوحي البتَّة بأي نوع من التجانس أو الثقة، والأمراء كانوا جِدَّ حريصين على تضحية مَصالح الدولة على مذبح أطماعهم الشخصية، وفي نفس الوقت كان ضغط المراتا يزداد تباعًا على الأجزاء الشمالية، واستطاعوا — بعد تحالفهم مع الجات — أن يهزموا نجيب الدولة، وأن يستولوا على إقليم البنجاب.

عند ذلك بدأ شاه ولي الله يدرس الموقف من جديد، وقرر أن يدعوَ أحمد شاه أبدالي حاكمَ الأفغان ليأتي بجيوشه؛ لإنقاذ الهند المسلِمة.

أرسل ولي الله خطابًا مطوَّلًا في أربعة عشر صفحة إلى أحمد شاه أطلعه فيه على تطوُّرات الموقف السياسي في الهند، ورجَاه أن يسرع لإنقاذ المسلمين من خطر سيطرة الماراتا، وهذا الخطاب يعتبر بحقٍّ وثيقةً من أهم الوثائق التاريخية لدراسة الحالة في الهند في القرن الثامن عشر.

في القسم الأول من هذا الخطاب يقدِّم شاه ولي الله وصفًا تفصيليًّا للانقلاب السياسي الذي أصاب الأجزاء الشمالية، ثم يحلِّل العوامل التي ساعدَت على قيام القوى المعارضة، وهي قوى: الماراتا والسيخ والجات.

ومما يثير إعجابَ دارسِ التاريخ في هذا الخطاب إدراكُ شاه ولي الله الفائقُ للدوافع وردود الأفعال للقوى السياسية التي كانت تعمل في الهند في القرن ١٨.

كما أنه لا ينسى — عند مناقشته للأحداث السياسية الهامة — أن يشير إلى أثر العوامل الجغرافية في كل مرحلةٍ من مراحل التطور.

وفي نفس الخطاب يُعطي شاه ولي الله تقديراته لمدى قوة جيوش المارتا والجات.

وبعد كل هذه التفصيلات عن الجات والماراتا أطلع شاه ولي الله أحمد شاه أبدالي على الأزمة الاقتصادية التي تُعانيها الإمبراطورية المغولية؛ يقول: «هناك مائة ألف روح في خدمة الإمبراطور، بعضهم يمنح المرتبات، والبعض الآخر جاجاردارية (أي مقطَّعين)، ونتيجة الأحوال المضطرِبة لا يستطيع هؤلاء الجاجاردارية السيطرةَ على إقطاعاتهم (jagirs)؛ ولهذا فهم يعانون كثيرًا من المشاق.

أما أصحاب المرتبات فإنهم لا يتَقاضَونها؛ لأن الخِزانة خاوية.»

وبعد أن عرَض على أحمد شاه أبدالي أحوالَ الهندِ السياسيةَ والاقتصادية والأوضاعَ المؤلمة البائسة التي يُعانيها المسلمون، يتقدَّم إليه بالرجاء قائلًا: «ولا جرَمَ أنه أصبح من فروض العين على حضرتكم أن تُسرِعوا بقصد هندستان؛ لِتَقضوا على تسلُّط الكفار هناك.»

(٤-١٠) تحذير ولي الله لأحمد أبدالي أن لا يكرر ما فعله نادر شاه عند غزوه الهند

وهناك شيء آخر لم ينسَ شاه ولي الله أن يشير إلى أهميته وهو يتحدث إلى هذا القائد الأجنبي، لقد رأى بعينيه المصائبَ التي حلَّت بالشعب إبَّان غارة نادر شاه على الهند، وإليه يرجع الفضلُ في إقناع الناس بعدم الإقدام على إحراق أنفسهم، ولقد أدرك شاه ولي الله أيضًا أن النتائج السياسية لغزوة نادر شاه لم تأتِ بفائدة للمسلمين أو للإمبراطورية المغولية؛ ولهذا فقد حذَّر أحمد شاه أبدالي أن يكرِّر ما فعل نادر شاه، فيقول في خطابه له: «وأستعيذ بالله أن يتكرَّر ما حدث أثناء غزوة نادر شاه.

لقد شتَّت شمل المسلمين وحطمهم، وفي نفس الوقت ترك المراتا والجات سالمين غانمين يفعلون ما يشاءون، وبعد هذا زادت دولة الكفار قوة، بينما تفرَّقت جيوش الإسلام، وأصبحَت سلطنة دلهي بمنزلة لعب الصبيان.»

(٤-١١) احتياطات ولي الله لحماية سكان دلهي

لقد تأثر شاه ولي الله بالآلام التي كان يعانيها سكان دلهي تأثرًا بالغًا، فاتخذ جميع الاحتياطات لإنقاذ دلهي من أيِّ فوضى قد تأتي نتيجة لازمة لأي نضال مسلَّح، فكتب إلى نجيب الدولة يقول:

عندما تَعبُر أفواج الجيوش الشاهانية إلى دلهي يجب أن تبذل الاهتمام الكلِّي؛ لتحميَ أهل المدينة من أي ظلم يَحيق بهم.

لقد خضعوا أكثر من مرة لِنَهب أموالهم وهتكِ ناموسهم، إنَّ آهات المظلومين لا تضيع هباءً، فإذا كنتَ تريد أن يُيسَّر لك النجاح في أداء هذا الواجب، فاحذر أن يُصابَ أحدٌ من المسلمين أو أهل الذمة في دلهي بأذًى.

(٤-١٢) إعداد الرأي العام للغزو المرتقب

ولكي يُعدَّ الرأي العامُّ لهذا النضال الأعظم؛ أرسل شاه ولي الله الرسل لتلاميذه ومريديه وأقربائه، ينبئهم بغزوة أحمد شاه أبدالي المتوقَّعة، فكتب — على سبيل المثال — إلى الشيخ محمد عاشق الفولاتي of Phulat يقول له: «وصل إلى علم الفقير أن أبدالي سيأتي ثانيةً لإزالة الكفار وإبادة دولتهم.»
ولقد وجدَتْ دعوةُ شاه ولي الله أذنًا صاغية، وسرعان ما استجاب لها أحمد شاه، وخرَج بجيوشه متجهًا إلى الهند، وانتصر في موقعة بانيبات Panipat.

وجميعُ دارسي التاريخ يَعلمون أن هذه الموقعة الحاسمة غيَّرَت تاريخ الهند سياسيًّا تغييرًا أساسيًّا في القرن الثامنَ عشر، ولكن القلة هم الذين يعرفون أن هذه المعركة التاريخية أتت نتيجةً لإيعاز شاه ولي الله دهلوي.

لقد كان معلم المدرسة الرحيمية يُحِس إحساسًا قويًّا بحاجات العصر السياسية، فلقد كتب هو نفسُه قبل معركة بانيبات بسنوات يقول:

فلو فُرِضَ أن يكون هذا الرجل في زمان، واقتضت الأسباب أن يكون إصلاح الناس بإقامة الحروب، ونفث في قلبه إصلاحهم؛ لقام هذا الرجل بأمر الحرب أتم قيام، وكان إمامًا في الحرب لا يُقاس.

(٤-١٣) الرأي في شاه ولي الله وحركته الإصلاحية

وبعد، فإن كل المؤرخين الذين ترجَموا لشاه ولي الله ركَّزوا جهودهم للحديث عن جهود الرجل في ميدان الإصلاح الفكري والديني، وتكلَّموا بإسهابٍ عن مؤلفاته، وبخاصة «حجة الله البالغة»، ولكنَّ أحدًا منهم لم يَفطِن إلى الدور الهام الذي لعبه الرجلُ في ميدان الإصلاح السياسي، ومحاولاته المتكررة لإنقاذ الهند من براثن الفوضى التي كانت تريم عليها، تلك المحاولات التي انتهَت باستعانته واستغاثته بملِكٍ مسلم مجاوِر، هو أحمد شاه أبدالي، بعد أن جرَّب كل الوسائل الممكنة لإتمام هذا الإصلاح على أيدي القوى الداخلية، فشاه ولي الله لم يكن — كمعظم مفكِّري الإسلام السياسيين — يُفرِّق بين الإصلاح الديني والإصلاح السياسي، بل كان يرى أنهما كالجناحين لطائر واحد، ولا يستطيع الطائر أن يَقْوَى وأن يحلق في السماء إلا إذا قَوِيَ الجناحان جميعًا.

ولم تَمُتْ حركة شاه ولي الله الإصلاحيةُ التجديدية بموته، بل كانت كبَذْرة طيبة أُلْقِيَتْ في أرض طيبة؛ فقد رعى حركتَه الإصلاحيةَ من بعده أولادُه وأحفادُه وتلاميذُه، وكانوا رُوَّادَ الحركات الإصلاحية التجديدية في الهند الإسلامية في القرن التاسع عشَر، ولا بد لإيفاء الحديث عن جهودهم الإصلاحية من فصل آخر مستقل.

١  انظر الفصل الثانيَ فيما يلي هنا.
٢  ناقش مصطفى صبري (موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، ج٣، ص٢٧٥–٣١٥) الكثيرَ من آراء الشيخ أحمد عند معالجته لموضوع «وحدة الوجود».
٣  انظر: المكتوبات للشيخ أحمد سرهندي؛ ومصطفى صبري: المرجع السابق.
٤  التفهيمات الإلهية، ص٢١٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١