خاتمة

لعلك أدركت الآن شيئًا عن الحياة في مصر الفاطمية، وكيف تطوَّرَتْ هذا التطور الخطير بعد عصر الإخشيديين، فقد كانت عقائد الفاطميين سببًا قويًّا في تطور الحياة، ذلك أن التشيع لم يكن له أثر يُذكَر في مصر منذ الفتح الإسلامي حتى دخلها دوهر الصقلي، فإذا بمصر تصبح بعد ذلك دولة شيعية، ويتخذها أئمة فرقة من فِرَق الشيعة مقرًّا لحكمهم، واجتهد الفاطميون في أن تكون مصر متميزة عن غيرها من الأقطار التي كانت تخضع للعباسيين أو لأمويي الأندلس، وأن يبسطوا سلطان مصر على ما جاوَرَها من البلدان، فاتسعت رقعة أملاك مصر الفاطمية، كما عمل الدعاة على بث تعاليم الفاطميين في كل البلاد الإسلامية، فاتجهت القلوب والأنظار ممَّنْ شملتهم هذه الدعوة إلى صاحب مصر، وأصبحت القاهرة كعبتهم التي إليها يحجون، وأصبح لمصر مكانةٌ خاصة تختلف تمام الاختلاف عن مكانتها في عصر الولاة الذي سبق العصر الفاطمي.

ورأينا شيئًا عن الحياة الاجتماعية، وكيف كانت مصر على جانب عظيم من الثراء، فالأموال والهدايا كانت تترى على الأئمة بمصر، وهؤلاء بدورهم أسرفوا الإسراف كله، وأغدقوا نعمهم على المقرَّبين إليهم وعلى الشعب في كل مناسبة من مناسباتها، وما كان أكثر هذه المناسبات في عصر الفاطميين، فهناك أعياد ابتدعها الفاطميون لم يعرفها المصريون من قبلُ، وأعياد أدخَلَها المسلمون في مصر منذ الفتح العربي، ولكنها ازدادت بهجةً في العصر الفاطمي، وهناك أعياد أخرى ليست إسلامية، وإنما هي أعياد مصرية خالصة كان المصريون منذ أقدم عصورهم يحتفلون بها، فورثها الأحفاد عن الأجداد. أضِفْ إلى ذلك أعياد المسيحيين التي اشترك فيها المسلمون في عصر الفاطميين، فكل هذه الأعياد والمواسم طبعت العصر الفاطمي بطابع الترف والبهجة والتأنُّق في كل شيء.

والعقائد الفاطمية تقوم على العلم والعمل معًا؛ لذلك اهتم الفاطميون اهتمامًا خاصًّا بألوان العلوم المختلفة، ولا سيما ما كان منها يمتُّ بصلة قريبة أو بعيدة إلى عقائدهم مثل علوم الفلسفة، فازدهرت هذه الدراسات في مصر الفاطمية ازدهارًا لم يُسمَع عنه من قبلُ، فقد احتضن الفاطميون هذه الدراسات، وشجَّعوا العلماء على المضي في أبحاثهم، فكانت نتيجة ذلك هذه المجلدات الكثيرة التي تضمها خزانة الدعوة باسم كتب الحقيقة، ولما دالت دولة الفواطم ضعفت هذه الدراسات، وقلَّ أن نجد لها أثرًا في مصر، وإني زعيم أنه لو لم تكن هناك صلة خاصة بين بعض علوم الفلسفة وبين العقائد الفاطمية، ما كانت هذه العلوم تزدهر وتقوى، فهي أثر من آثار العقائد الفاطمية، حقيقة اهتم الفاطميون بألوان العلوم المختلفة، وأسَّسُوا دار العلم، وجمعوا فيها الكتب الوافرة في جميع ألوان العلوم والمعرفة، ولكنه هذه العلوم الأخرى كانت تسير في مصر سيرها الطبيعي، وتتطور تطوُّرها الطبيعي، حتى إنها لم تتوقف بعد عصر الفاطميين، كما توقفت الدراسات الفلسفية، وكل ما في الأمر أن الفاطميين اهتموا بها اهتمامهم بكل عمل علمي، فشجَّعَ الفاطميون علماء النحو واللغة والقراءات والتاريخ، بجانب تشجيعهم لغيرهم من علماء الفلك والطب وعلوم الفلسفة الأخرى، ومن هنا ازدهرت الحركة الفكرية في مصر الفاطمية ازدهارًا عظيمًا.

وكذلك نقول عن الحياة الأدبية؛ فقد كان الشعراء المقرَّبون إلى الأئمة، وهم شعراء القصر أو شعراء الحضرة، يُجهِدون أنفسهم في أن يلمُّوا بالعقائد الفاطمية في مدائحهم، بحيث أصبحنا لا نستطيع أن نفهم مدائح الشعراء أو سجلات الكتَّاب، إلا إذا طبَّقْنا النظرية التي أطلقت عليها «نظرية المثل والممثول»، وهي تقوم على فهم دقيق للعقائد الفاطمية، حتى ندرك ما أراده الشاعر من مدحه، وإلا كان فهمنا لهذا الشعر قاصرًا غير صحيح، فالعقائد أثَّرَتْ تأثيرًا قويًّا في الحياة الأدبية تأثيرها في جميع نواحي الحياة.

وهنا نقف لنتساءل: هل مُحِيت الدعوة الفاطمية من مصر بعد زوال دولة الفاطميين؟ والجواب عن ذلك يعيدنا إلى الحديث عن مدى قبول المصريين لدعوة الفاطميين؛ ذلك أن أكثر المؤرخين يذهبون إلى القول بأن مصر رفضت مذهب التشيُّع، إلى أن هدَّدهم المعز بسيفه وأغراهم بذهبه، فاعتنقوا عندئذٍ التشيُّع، وعلى الرغم مما في هذا القول من مبالغة، فإننا لا ننكر أن من المصريين مَن اعتنق الدعوة الفاطمية رغبةً أو رهبةً، وأن البعض الآخَر استمَرَّ على مذهبه السني. وذكرنا أن من أسباب انقراض الدولة الفاطمية تهاون القائمين بالأمر فيها بالإمامة التي هي عماد الدعوة، فانهارت الدعوة بسبب ذلك، وسهل على صلاح الدين أن يديل الدولة، وعلى الرغم من ذلك فقد حدثنا بعض المؤرخين عن شخصيات كانت تدين بالدعوة الشيعية في عهد الأيوبيين والمماليك، ونظرة إلى كتاب الطالع السعيد للأدفوي، أو كتاب الضوء اللامع للسخاوي، ترينا عددًا من أماثل المصريين كانوا يتشيعون، من ذلك ما ذكره الأدفوي عن إبراهيم بن محمد بن علي بن مطهر بن نوفل الإدفوي: «ثم عكف على حفظ كتاب الله العزيز، فاستحق به التمييز، واستمر إلى آخِر عمره على إقراء القرآن ملازمًا للصلاة والتلاوة والعبادة، وهو كل يوم من الخير في زيادة، مع صدق لهجة وصيانة، إلا أنه كان من أتباع الشيعة، أصحاب تلك البدع الشنيعة، شاهدته لما حضر داود الذي يدَّعِي أنه ابن سليمان بن العاضد إلى إدفو في سنة سبع وتسعين وستمائة، وهو بين يديه، وقد أخذ العهد عليه، وهو ينشده قصيدة نظمها، منها:

ظهر النور عند رفع الحجاب
فاستنار الوجود من كل باب
وأتانا البشير يخبر عنهم
ناطقًا عنهم بفصل الخطاب١

ويروي الإدفوي أيضًا قصة قطنبة الأسفوني الشاعر، عندما شكاه بعض أهله إلى الوالي بقوص، فجاء الوالي ومعه الناظر الشمسي الآمري وكان شيعيًّا، فلما رآه قطنبة قال: يا آلَ أبي بكر! فاغتاظ الناظر، فأنشد قطنبة:

حديث جرى يا مالك الرق واشتهر
بأسفون مأوى كل مَن ضل أو كفر
لهم منهم داعٍ كتيس معمم
وحسبك من تيس تولى على بقر
ومن نحسهم لا أكثر الله منهمُ
يسبوا أبا بكر ولم يشتهوا عمر
فخذ مالهم لا تختشي من مآلهم
فإن مآل الكافرين إلى سقر٢

ونذكر أنه عندما تحركت الشيعة حول داود بن شعبان الذي تحدَّثنا عنه من قبلُ في سنة ٦٩٧ﻫ، ادَّعَى هذا الدعي لمَن استجاب له أنه يتحمَّل عنهم الصلاة، فقبل كلامه، وفي هذا يقول علاء الدين علي بن أحمد الأسفوني لبعض أهل بلدته من قصيدة أنشدها:

ارجع ستلقى بعدها الأهوالَا
لا عشت تبلغ عندنا آمالَا
يا مَن تجمع فيه كل نقيصة
فلأضربن بسيرك الأمثالَا
وزعمت أنك للتكلف حامل
وكذا الحمار يحمل الأثقالَا٣
ويقول الإدفوي أيضًا عن الشيخ بهاء الدين القفطي، المتوفى سنة ٦٩٧ﻫ: «وفتح إسنا فإنه كان بها التشيع فاشيًا، فما زال يجتهد في إخماده، وإقامة الدلائل على بطلانه، وصنف في ذلك كتابًا سمَّاه «النصائح المفترضة في فضائح الرفضة»، وهموا بقتله فحماه الله منهم.»٤ ويذكر عن عبد القادر بن مهذب الإدفوي المتوفى سنة ٧٢٥ﻫ أنه كان إسماعيلي المذهب، مشتغلًا بكتاب دعائم الإسلام.٥ معنى ذلك أن التشيُّع لم يُقتلَع من مصر بزوال دولة الفاطميين، ووجود حكومات سنية متعصبة لمذهبها، بل أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن المصريين الآن لا يزالون متأثِّرين ببعض العقائد الفاطمية التي كانت في مصر منذ ألف عام تقريبًا، فأهل السفه من المصريين إذا أرادوا سبَّ شخص قالوا: يا عمر! وهذا بقية من بقايا سَبِّ السلف الصالح في العصر الفاطمي، وأهل مصر إلى الآن إذا زاروا ضريح «السيدة زينب»، وضعوا نماذج لسفن على الضريح، وهذا أثر آخَر من تأثير العقائد الفاطمية الآن في المصريين، فهم يتبعون الحديث المنسوب إلى النبي : «أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومَن تركها غرق.» ولا يزال المصريون إلى اليوم يلتمسون البركة والشفاعة من أهل البيت، ويطوفون بأضرحتهم لقضاء الحاجات! على نحو ما كان يُفعَل في أيام الفاطميين، والمصريون إلى اليوم يذكرون عليًّا والحسن والحسين وفاطمة أكثر مما يذكرون أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة الأبرار. ومن ناحية أخرى نرى المصريين اليوم يحتفلون برؤية الهلال على نحو ما كان يفعله الفاطميون، وإنْ كنَّا نخالفهم في أننا الآن نأخذ برؤية البصر، وكان الفاطميون يأخذون برؤية الاستبصار. ولا نزال إلى اليوم نحتفل بمواسم الفاطميين، مثل أيام عاشوراء التي اتخذناها فرحًا، وكانت في أيام الفاطميين أيام حزن، ونحتفل بليلة نصف شعبان، وليلة السابع والعشرين من رجب، وهي أعياد فاطمية لم يعرفها المصريون قبل العصر الفاطمي، ونرى الخطب المنبرية الآن في بعضها طابع التشيُّع الذي كان في العصر الفاطمي.

وإذن فمصر لم تستطع إلى الآن أن تتخلَّص كل التخلُّص من آثار التشيُّع الذي نشره الفاطميون.

وبعدُ، فهذا الكتاب الذي نقدِّمه الآن صورةٌ من صور الحياة الأدبية والعلمية في مصر الفاطمية، ولا أدَّعِي أنها صورة كاملة صحيحة؛ لأن آثار الفاطميين الأدبية والعلمية فُقِدَتْ، ولم يَبْقَ منها إلا النزر اليسير، وهو الذي اعتمدتُ عليه في هذا البحث، ولعَلِّي وُفِّقْتُ.

١  الطالع السعيد: ص٣١.
٢  المصدر نفسه: ص١١٨.
٣  الطالع السعيد: ص١٩٧.
٤  المصدر نفسه: ص٣٩٧.
٥  المصدر نفسه: ١٧٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣