الفصل الثاني

مراتب الدعوة الفاطمية ومراكزها

رتَّبَ الفاطميون لدعوتهم نظامًا دقيقًا محكمًا لا أكاد أجد له مثيلًا في تاريخ الدول والدعوات، حتى في عصرنا هذا الذي عُرِف فيه للدعاية قدرها ومكانتها، ولعل الفاطميين هم أول مَن أقاموا للدعاية مناصب رسمية في دولتهم، ومن الحق علينا أن نذكر أنه كان للعباسيين نقباء يدعون لهم قبل أن يستولوا على الحكم، ولكن هؤلاء النقباء لم يظهر لهم شأن بعد أن تم الأمر للعباسيين، وكان للمعتزلة دعاة يدعون لآرائهم في الأقطار الإسلامية، ولكن المعتزلة لم يكن لهم كيان سياسي، ولم تكن لهم دولة لها حكومتها. أما الفاطميون فكان لهم نظم لدعوتهم قبل ظهور دولتهم على مسرح السياسة وبعد ظهورها، بل لا تزال هذه النظم قائمة إلى اليوم بين مَن ورث دعوتهم، وهم المعروفون بالبهرة، والمعروفون بالإسماعيلية الأغاخانية.

وكما أنهم في تأويلهم الديني يطبِّقون نظرية المثال والممثول التي تحدَّثنا عنها في الفصل السابق، كذلك نراهم قد طبَّقوا هذه النظرية أيضًا على نظم الدعوة، أي إنهم أخذوا هذه النظم من المشاهدات المحسوسة، أي من نظام دورة الفلك، وتقسيم السنة إلى شهور وأيام وساعات، فالسنة اثنا عشر شهرًا، والشهر ثلاثون يومًا، واليوم أربع وعشرون ساعة، منها اثنتا عشرة بالنهار واثنتا عشرة بالليل، فكذلك قُسِّمت مراتب الدعوة. فالسنة التي تجمع الشهور والأيام مثل على النبي في عصره أو الإمام الذي يجمع جميع مراتب الدعوة، والاثنا عشر شهرًا مثل على رؤساء الدعوة في الجزائر،١ ويسمون حجج الجزائر، ولكلٍّ من هؤلاء الحجج ثلاثون داعيًا أو نقيبًا، ولكل داعٍ من هؤلاء الدعاة أربعة وعشرون داعيًا مأذونًا أو مكاسرًا، ولكل مرتبة من هذه المراتب عمل خاص به، فالإمام يختار من شيعته أقواهم لسانًا، وأصدقهم جنانًا، وألحنهم بالحجة، وأغزرهم علمًا؛ فيجعله في مرتبة داعي الدعاة أو باب الأبواب، وهذه المرتبة أعلى مراتب الدعوة؛ لأنها تلي مرتبة الإمام مباشَرَةً من الناحية المذهبية، فهو المالك لجماعة الحجج والدعاة، وإليه الإشراف على الدعوة في جميع الأقطار. وقد وصف أحد علماء المذهب هذه المرتبة بقوله: «وحد الباب هو من الحدود الصفوة واللباب، فهو أفضل الحدود، وهو حد العصمة، ولا ينتهي إلى ذلك إلى الآحاد والأفراد.»٢ وقال آخَر: «هو باب صاحب الزمان الذي يؤتى منه إليه، وحجته على الخلق، وحامل علمه، وصاحب دعوته.»٣ فنسبة الحجة إلى الإمام كنسبة الوصي إلى الناطق، والحجة هو صاحب التأويل في عصر الإمام، فهو الذي يعقد مجالس الحكمة، ويتلو على المستجيبين علوم أهل البيت، أي علم الباطن.
ولكل إقليم أو جزيرة من الجزائر التي قسَّموا إليها العالَمَ حجةٌ، هو كبير دعاة الإقليم والمشرف على الدعوة فيه، وهو الذي ينوب عن باب الأبواب في عقد مجالس الحكمة وتلاوة المجالس، وهذا الحجة على صلة وثيقة بباب الأبواب الذي اختاره الإمام، ولكي ندرك مكانة حجة الجزيرة هذا في نفوس أتباعه أنقل ما كتبه أحدهم، وهو المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي في سيرته، وهو يحادث الوزير بشيراز: «معلوم ما بيني وبين الديلم من الأحوال الممهدة، والأسباب المؤكدة، وأن أحدهم إذا اختصم مع أهله ليلًا فإنه يباكرني شاكيًا إليَّ، وموردًا جملة أمره وتفصيله عليَّ.»٤ فمكانة حجة الجزيرة في جزيرته لا تقل عن مكانة الوالي أو القاضي؛ ولكل حجة جزيرة ثلاثون داعيًا نقيبًا يقومون بهدايةِ الناس وبثِّ الدعوة في نفوس المستجيبين، وهم الذي يفاتحون الذين دخلوا في الدعوة بالعلم بعد أن يأخذوا عليهم العهد والميثاق، وهم الذين يجمعون النجوى منهم، ويكون أمرهم لحجة الجزيرة. ولكل نقيب من هؤلاء النقباء أربعة وعشرون داعيًا مأذونًا مكاسرًا، وهو الداعي الذي يشكِّك المسلمين في عقائدهم المذهبية، ويُوقِع الوهم في نفوس المتدينين أنهم على ضلال، ولا يزال بهم حتى يطلبوا إليه أن يدلهم على الصواب المبين، ولكنه يحاورهم ويداورهم حتى إذا وثق من اقتناعهم بأنهم على ضلال، أحالهم على الداعي أو النقيب الذي يبدأ في مفاتحتهم بأسرار الدين شيئًا فشيئًا، بعد أن يأخذ عليهم العهود والمواثيق، وهكذا يصبح المستجيب أو الطالب في زمرة الدعوة، ومن ذلك يتبيَّن أن الداعي المأذون هو الذي يكاسر الناس بأن يمطرهم بأسئلة لا يستطيعون الإجابة عنها؛ ولذلك يُشترَط في مَن يتولَّى هذه المرتبة أن يكون على علم وافر بمذاهب الفرق الإسلامية جميعها، وموضع الضعف في كل مذهب من المذاهب، وأن يكون متمكِّنًا من أصول مذهبه، وأن يكون لَسِنًا مجادلًا، وقد حدَّد الفاطميون الصفات التي يجب أن تتوافر في الداعي، نلخِّصها في سعة العلم والثقافة وشدة التقوى والورع والعمل بأحكام الشريعة، وأن يكون حسن السياسة مع مَن يتصل بهم ولا سيما أتباعه، وهذه المرتبة هي أقل مراتب الدعوة، فما بالك بالشروط التي يجب أن تتوافر في مراتب الحدود التي هي أعلى شأنًا من مرتبة المكاسر.
ويحدثنا الداعي أحمد حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل عن الحدود الجسمانية الذين إليهم أمر الدعوة، ورتبهم بالترتيب الآتي:
  • (١)

    الناطق: وله رتبة التنزيل.

  • (٢)

    الأساس: وله رتبة التأويل.

  • (٣)

    الإمام: وله رتبة الأمر.

  • (٤)

    الباب: وله رتبة فصل الخطاب.

  • (٥)

    الحجة: وله رتبة الحكم فيما كان حقًّا أو باطلًا.

  • (٦)

    داعي البلاغ: وله رتبة الاحتجاج وتعريف المعاد.

  • (٧)

    الداعي المطلق: وله رتبة تعريف الحدود العلوية والعبادة الباطنية.

  • (٨)

    الداعي المحدود: وله رتبة تعريف الحدود السفلية والعبادة الظاهرة.

  • (٩)

    المأذون المطلق: وله رتبة أخذ العهد والميثاق.

  • (١٠)
    المأذون المحدود، الذي هو المكاسر: وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة.٥

هكذا ذهب الكرماني في ترتيب الحدود الجسمانية، ولكننا نتساءل عن الطريقة التي رتَّبوا بها هذه الحدود بعد وفاة الناطق والأساس، ولا سيما وقد ذكر الفاطميون في كتب الدعوة أن الإمام يقوم مقام الناطق بعد وفاته، ثم نتساءل مرة أخرى عن مرتبة الإمام في عهد الناطق؛ إذ المعروف أن الناطق له جميع المراتب، وأن الإمامة كانت له، فما معنى وجود الإمام مع وجود الناطق؟

وضع هذا النظام للدعاة بحيث لا يخلو بلد من دعاتهم، وفي ذلك قال المعز لدين الله الفاطمي: «إن أكثر الناس يجهلون أمرنا، ولا يظنون أنَّا لا نعنى إلا بمَن شاهدناه وكان بحضرتنا، ولو كان ذلك لكنَّا قد ضيعنا مَن بَعُدَ عنَّا، وقد أوجب الله على جميع خلقه ولايتنا ومعرفتنا واتِّبَاع أمرنا والهجرة والسعي إلينا من قرب ومن بعد، ولكنا للرأفة بهم، ولما نرجوه ونحبه من هدايتهم، قد نصبنا بكل جزيرة لهم مَن يهديهم إلينا ويدلهم علينا.»٦
وعلى الرغم من أن الدعوة كانت سرية قبل العصر الفاطمي، وكان الأئمة ودعاتهم يتخذون الستر تقية على أنفسهم خوفًا من بطش العباسيين، فقد استطاع الباحثون المحدثون بفضل الكشف عن بعض مخطوطات الفاطميين أن يعثروا على أسماء بعض الدعاة الذين كانوا في دور الستر الأول، نذكر من هؤلاء الدعاة الحسين بن حوشب بن زادان الملقَّب بمنصور اليمن، وهو الذي أوفده الإمام الثالث من أئمة دور الستر — الحسين بن أحمد بن عبد الله — للدعوة باليمن، وهو الذي أوفد تلميذه أبا عبد الله الشيعي داعية إلى المغرب،٧ ومنهم الداعي فيروز، وكان داعي الدعاة في زمن المهدي قبل ظهوره بالمغرب، وكان من أجَلِّ الناس عند الإمام، ومن أعظمهم منزلةً، والدعاة كلهم أولاده، ومن تحت يده، وهو باب الأبواب إلى الأئمة،٨ ومنهم أبو جعفر الجزري، وكان له أيضًا محل جليل عند المهدي؛ لأنه كان من كبار الدعاة، ووكَّلَه المهدي بالحريم عندما فرَّ من سلمية،٩ وتوفي هذا الداعي برقادة بعد أن فتحها المهدي، وكان الداعي بمصر في وقت فرار المهدي إلى المغرب رجلًا يُعرَف بأبي علي الداعي، وكان رأس الدعاة بمصر، وأبو علي هذا هو الذي ذكره جعفر بن منصور اليمن في كتابه: «الفترات والقرانات» مُلقَّبًا بالشيخ الأجل المفيد، وهو أحد تلاميذ فيروز وزوج ابنته،١٠ وأنجب ابنه محمدًا أبا الحسين بن أبي علي الداعي الذي بلغ مع الأئمة المهدي بالله والقائم بأمر الله والمنصور بالله والمعز لدين الله، المحلَّ الجليلَ العظيم، وكان داعي الدعاة،١١ وجاء في كتاب استتار الإمام أن عددًا من الدعاة اجتمعوا للبحث عن الإمام المستور، وهم: أبو غفير، وأبو سلامة، وأبو الحسن بن الترمذي، وجياد الخثعمي، وأحمد بن الموصلي، وأبو محمد الكوفي،١٢ وهؤلاء جميعًا لا نعرف عنهم شيئًا. أما في دور الظهور — الذي يبدأ بظهور المهدي بالمغرب إلى انقراض الدولة الفاطمية — فقد وصلت إلينا أسماء عدد كبير من الدعاة، كما وصلت إلينا بعض كتبهم.١٣

قلنا: إن من أهم أعمال داعي الدعاة، عقد مجالس الحكمة التأويلية لقراءة علوم أهل البيت على جمهور المؤمنين، فاتخذت مراكز لإلقاء هذه المجالس التأويلية، ولعل أهم هذه المراكز في مصر هي: (١) المساجد. (٢) القصر. (٣) دار العلم.

المساجد

كانت المساجد تقوم مقام المدارس والجامعات في أيامنا الحديثة، فقد كان الناس يتحلقون في المساجد حول العلماء يستمعون إلى ما يلقيه هؤلاء عليهم من علوم وآداب، على النحو الذي نراه إلى الآن في بعض المساجد في مصر؛ فالمساجد على هذا النحو لم تكن مكانًا لإقامة الشعائر الدينية فحسب، بل كانت دور علم أيضًا، وعرف الفاطميون هذه الحقيقة فلم يتوانوا في اتخاذ المساجد مجالًا لنشر دعوتهم الدينية وبث عقائدهم المذهبية، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله أكثروا من بناء المساجد، وجعلها تتناسب مع عِظَم ملكهم أولًا، وما أرادوه من اتخاذها وسيلة من وسائل نشر دعوتهم ثانيًا؛ لذلك نرى القائد جوهر الصقلي عندما وضع أساس مدينة القاهرة لم ينسَ أن يبني مسجده العتيد — الجامع الأزهر — أنشأه بأمر مولاه الإمام المعز لدين الله، وشرع في بنائه في يوم السبت، لِسِتٍّ بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة،١٤ وتم بناؤه لتسعٍ خلون من رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم جدد فيه العزيز بالله والحاكم بأمر الله الذي وقف عليه رباعًا بمصر، ثم جدده المستنصر بالله والحافظ لدين الله الذي أنشأ فيه مقصورة بجوار الباب الغربي، وهكذا كان هذا المسجد في العصر الفاطمي محل رعاية الأئمة وعنايتهم، فلم يقصروا في تجديده والزيادة فيه، حتى قيل إنه كان يصدر في محرابه منطقة فضة قلعها صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٦٩ﻫ، فكان وزنها خمسة آلاف درهم سوى قناديل الفضة وتنورين من الفضة، ووقفوا لمؤذنيه وخدمه ووسائل نظافته وإنارته وفرشه ما هو مذكور في كتب التاريخ.
والذي يهمنا الآن هو أن الفاطميين كانوا يشجعون العلماء والفقهاء للتحليق في هذا المسجد العتيد، واتخذوا منه جامعة علمية، فعُدَّ بحق أقدم جامعة عرفها التاريخ، ففي هذا المسجد اتخذت الدعوة الفاطمية مكانًا لها بين أماكن أخرى، ففيه عُقِد أول اجتماع بمصر للاحتفال بعيد الغدير، وفي ذلك يروي المقريزي عن المسبحي أنه في يوم الغدير ثمانية عشر من ذي الحجة سنة ٣٦٢ﻫ، اجتمع الناس بجامع القاهرة والقرَّاء الفقهاء والمنشدون، فكان جمعًا عظيمًا أقاموا إلى الظهر، ثم خرجوا إلى القصر، فخرجت إليهم الجائزة، وكان هذا أول ما عُمِل بمصر،١٥ وبالجامع الأزهر كان داعي الدعاة يعقد مجلسًا للنساء يلقي عليهن شيئًا من علوم أهل البيت،١٦ وفيه جلس القاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان، وابتدأ في قراءة كتاب جده: «اختلاف أصول المذاهب.»١٧ ويذهب المقريزي إلى أن أول ما عُرِف من إقامة درس من قِبَل السلطان بمعلوم جارٍ لطائفة من الناس بديار مصر في خلافة العزيز بالله نزار، وعمل ذلك بالجامع الأزهر،١٨ ويقول القلقشندي: إن الوزير أبا الفرج يعقوب بن كلس سأل العزيز بالله في حمله رزق جماعة من العلماء كانوا بمسجد القاهرة، وأطلق لكلٍّ منهم كفايته من الرزق، وبنى لهم دارًا بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حلقوا بالجامع بعد الصلاة، وتكلموا في الفقه، وأبو يعقوب قاضي الخندق رئيس الحلقة والملقي عليهم إلى وقت العصر، وكانوا سبعة وثلاثين نفرًا،١٩ وجاء في خاتمة النسخة الخطية من رسالة مباسم البشارات: «تمت رسالة مباسم البشارات بالإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين عليه السلام، وصلواته وبركاته وتحياته على رسوله وخيرته من خلقه محمد وآله الأئمة الطاهرين، وهي الرسالة التي كتبها علي بن حسين بن أحمد الأصبهاني المؤذن بالجامع الأزهر، عن الداعي أحمد بن عبد الله بن محمد الكرماني مؤلِّفها قدَّس الله روحه. كُتِبت من نسخته وقُرِئت عليه وعلى جمهور المؤمنين.»٢٠ ويحدِّثنا الكرماني في مقدمة هذه الرسالة أنه وفد إلى مصر — ويُخَيَّل إليَّ أنه جاء مصر إبَّان ثورة الدرزي — فاضطر إلى تأليف هذه الرسالة وقراءتها على الناس، فنقلها عنه مؤذن الجامع الأزهر. فهذا كله يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الفاطميين اتخذوا من المسجد الجامع الأزهر مركزًا من مراكز دعوتهم، ومعهدًا تُلقَى فيه علوم أهل البيت.
وهنا نقف لنتساءل: هل كان هذا المسجد معهدًا لتعليم الدعوة الفاطمية فحسب، فلا نجد أثرًا لحلقات الشافعية والمالكية والحنفية؟ يُخَيَّل إليَّ أن الفاطميين كانوا يتسامحون مع علماء أهل السنة بأن أذنوا لبعض فقهاء أهل السنة أن يُلقِي دروسه وتعاليمه في الجامع الأزهر؛ فقد قيل: إنه في سنة ٣٨٣ﻫ رتب رجل جعفري للجلوس في الجامع للفتوى على مذهب أهل البيت، فشغب عليه الفقهاء من أهل الجامع، فبلغ القاضي ذلك فقبض على بعضهم.٢١ فمن هذا النص نستطيع أن نتبين أنه كان بالجامع فقهاء يخالفون العقيدة الفاطمية، وأنهم كانوا يفتون على حسب مذهبهم وعقيدتهم، فلما جاء هذا الفقيه للفتيا على المذهب الفاطمي شغبوا عليه، فاضطر القاضي إلى أن يقبض على بعضهم لا لشيء سوى أنهم لم يتسامحوا مع هذا الفقيه مثل ما تسامحت الدولة معهم. ويُروَى أيضًا أن الحاكم بأمر الله أمَرَ بطلب فقيهين، وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع، ثم بدا له فقتلهما بعد ذلك.٢٢ أَضِفْ إلى ذلك أن مصر شاهدت في العصر الفاطمي عددًا من فقهاء الشافعية والمالكية، كذلك وفد على مصر عبد السلام بن محمد بن بندار أبو يوسف القزويني شيخ المعتزلة، وأقام بها أربعين سنة٢٣ يلقي تعاليمه التي تخالف تعاليم الفاطميين، وسنتحدث عن ذلك كله في الفصل الخاص بفقهاء أهل السنة؛ وإذن نستطيع أن نقول إن الفاطميين كانوا يسمحون لأصحاب المذاهب الأخرى بإلقاء تعاليمهم بجانب ما كان يُلقَى من تعاليم الفاطمية، وقد تكون هذه سياسة وُضِعت لأن تقام المناظرات بين علماء هذه المذاهب وبين دعاة الفاطميين، حتى يستطيع جمهرة المستمعين أن يتبيَّنوا بعض المآخِذ على المذاهب غير الفاطمية، وأن يقتنعوا بحجج الدعاة وأدلتهم، وتبهرهم فصاحتهم فيدخلوا في الدعوة.

وإلى جانب الجامع الأزهر نرى الفاطميين قد بنوا جامع الحاكم خارج باب الفتوح، وجامع راشدة، وجامع المقس، وجامع القرافة، والجامع الأقمر، وكثيرًا من المساجد التي لا يزال بعضها ماثلًا أمام أعيننا الآن، وقد نقل الفاطميون إليها المصاحف، وجلس فيها الفقهاء والعلماء ودعاة المذهب الفاطمي، فكانت هذه المساجد بمثابة مدارس لتلقين الدعوة الفاطمية.

القصر

يحدِّثنا القاضي النعمان بن محمد بأنه: «لمَّا فتح المعز لدين الله (ص) للمؤمنين باب رحمته، وأقبَلَ عليهم بوجه فضله ونعمته، أخرج إليَّ كتابًا من علم الباطن، وأمرني أن أقرأه عليهم في كل يوم جمعة في مجلس في قصره المعمور بطول بقائه، فكثر ازدحام الناس وغصَّ بهم المكان، وخرج احتفالهم عن حد السماع، وملئوا المجلس الذي أمر باجتماعهم فيه.»٢٤
وفي موضع آخَر قال القاضي النعمان: وسمعته صلى الله عليه — أي سمع المعز — يقول لبعض الأولياء: ما تنظرون اليوم في شيء تنتفعون به، ما تقرءون شيئًا، ما تسمعون شيئًا؟ فسكتوا، وكنت قبل ذلك قد سمعت بعضهم يحرض بعضًا في الاجتماع لقراءة كتاب دعائم الإسلام الذي بسطه المعز لدين الله (صلع)، وجعله في مجلس من مجالس قصره، وأباح لهم حتى أحبوا استماعه وقراءته وانتساخه والتعلُّم منه والتفقُّه فيه، وقال بعض مَن حرَّض على ذلك: ويحكم! أما تخافون إن قصرتم في هذا أن يكون حجة من الله ومن وليه عليكم أن يختبركم فيه، وقد أباحه لكم دهرًا طويلًا فيختبركم فيه أو في بعض أبوابه، فلا يجدكم حفظتم شيئًا منه ولا انتفعتم به، فيقال لكم: إذا كنتم لم تقوموا بما أعطيناكم من ظاهر دينكم الذي تعبدكم الله بالقيام به، فكيف ينبغي لنا أن نعطيكم من باطنه؟٢٥
ولعل هذه القاعة التي أشار إليها النعمان، والتي ألقى فيها هذا العلم الباطن، هي المكان نفسه الذي خصَّصه الفاطميون للدعوة وعُرِف باسم المحول … فكان المحول في العصر الفاطمي أشبه شيء بقاعات المحاضرات العامة في عصرنا الحديث، وكان يؤم المحول الخاصة وشيوخ الدولة وخدم القصر والطارئون على مصر وعامة الناس،٢٦ وهكذا جعل الفاطميون جزءًا من قصرهم للدعوة لمذهبهم، ومكانًا يلقي فيه العلماء والدعاة علوم أهل البيت، وهي المجالس التي عُرِفت بمجالس الحكمة التأويلية. ولم يكتفِ الأئمة الفاطميون بأن يكون المحول في قصرهم، بل نراهم يهتمون اهتمامًا خاصًّا بمكتبة القصر، حتى عُدَّتْ هذه المكتبة من مفاخر الفاطميين، فقد تميَّزَتْ عن جميع مكتبات العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ويقول المقريزي نقلًا عن ابن أبي طي بعد ما ذكر استيلاء صلاح الدين الأيوبي على القصر: «ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دارُ كتبٍ أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري، إلى غير ذلك. ويقال: إنها كانت تشتمل على ألف وستمائة ألف كتاب.»٢٧ ويقول المقريزي: ومما يؤيد ذلك أن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي لما أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة، جعل فيها من كتب القصر مائة ألف مجلد.٢٨ ويروى عن المسبحي أن عدة الخزائن التي برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة، بعضها داخل القصر لا يتوصَّل إليها أحد، وبعضها في خزائن القصر البرانية، وكانت هذه الخزائن تشتمل على مجلدات في كل فن من فنون العلوم الإسلامية؛ فمن فقه على سائر المذاهب، إلى نحو ولغة وكتب حديث وتاريخ ونجامة، وروحانيات وكيميا، غير المصاحف الكثيرة. ويقال: إن العزيز بالله ذُكِر عنده كتاب العين للخليل بن أحمد، فأمر خزان دفاتره فأخرجوا من خزائنه نيفًا وثلاثين نسخة من كتاب العين منها نسخة بخط الخليل نفسه، وحمل إليه رجل نسخة من كتاب تاريخ الطبري اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز خازنه فأخرج له من الخزانة ما ينيف عن عشرين نسخة منها نسخة بخط ابن جرير … إلخ.٢٩

وهكذا كانت خزانة كتب القصر، ولعلنا نستطيع أن ندرك من هذه اللمحة القصيرة مدى عناية الخلفاء الفاطميين باقتناء الكتب في كل فن، وحرصهم على أن تجمع خزائنهم الطرائف والنفائس في كل علم، وذلك تشجيعًا منهم للعلم والعلماء، ولا غرو في ذلك، فإن مذهبهم الديني يدعو إلى العلم والعمل، وإلى الاستزادة من جميع العلوم والآداب، حتى يتسنَّى لدعاتهم أن يكاسروا خصومهم بأدلة علمية، وأن يتخذوا من سعة أفقهم ومداركهم وثقافتهم مجالًا يجلون فيه حتى يبزوا غيرهم، فلا نعجب إنْ رأينا داعيًا من دعاتهم مثل هبة الله بن موسى الشيرازي المعروف بالمؤيد في الدين كان يلم بجميع ألوان العلوم التي كانت معروفة في عصره، واستطاع بما حصَّلَه من علم أن يردَّ على جميع المذاهب والفِرَق الإسلامية، وأن يدحض رأي الزنادقة المارقين أمثال ابن الراوندي والثغوري، وأن يناظر بعض الشاكين أمثال أبي العلاء المعري، وأن يجادل خصومه هؤلاء بأدلة علمية منطقية وحجج قوية، فلولا ما أوتيه من علم، لما استطاع أن يعرف مواطن الضعف عند هؤلاء جميعًا، فيهاجمهم ويدحض حجتهم نثرًا وشعرًا، ويترك لنا هذه الذخيرة في مجالسه وديوانه، ونستطيع أن نقول كذلك عن الداعي أحمد حميد الدين الكرماني، وعن الداعي أبي حاتم الرازي، وعن السجستاني وغيرهم من فحول دعاة المذهب الذين تمَّ على أيديهم فلسفة المذهب، وتبلورت عقائده.

لكن هذه الكنوز العلمية من نفائس الكتب التي حافَظَ عليها الفاطميون في قصرهم، أصابها ما أصاب الفاطميين أنفسهم، وكان ابتداء هذه المحنة التي نكبت بها مكتبات القصر إبَّان الشدة العظمى التي حلَّتْ بالبلاد أيام المستنصر بالله الفاطمي، وقد شاهَدَ المسبحي المؤرخ المصري شيئًا من هذه المحنة، وصفها بقوله: «وكنت بمصر في العشر الأول من محرم سنة إحدى وستين وأربعمائة، فرأيت فيها خمسة وعشرين جملًا موقرة كتبًا، محمولة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي، فسألت عنها، فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر هو والخطير بن الموفق في الدين بإيجاب وجبت لهما عمَّا يستحقانه وغلمانهما من ديوان الجبليين، وأن حصة الوزير أبي الفرج منها قومت عليه من جاري مماليكه وغلمانه بخمسة آلاف دينار، وذكَرَ لي مَن له خبرة بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونهب جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر في صفر من السنة المذكورة، مع غيرها مما نُهِب من دُورِ مَن سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما، هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية، ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب، وسوى ما ظفرت به لواتة محمولًا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النيل والإسكندرية، في سنة إحدى وستين وأربعمائة وما بعدها، من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحةً وحسنَ خطٍّ وتجليدٍ وغرابة التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم، وأحرق ورقها، تأولًا منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره، وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، سوى ما غرق وتلف، وحُمِل إلى سائر الأقطار، وبقي منها ما لم يُحرَق، وسفت عليه الرياح التراب فصار تلالًا باقية في نواحي آثار تُعرَف بتلال الكتب.»٣٠

هذا ما عاينه هذا المؤرخ المصري الكبير وذكره في كتبه، وعنه أخذ مَن جاء بعده عن هذه الذخيرة العلمية، ومقدار ما أصابها إبَّان الشدة المستنصرية من تلاعب الوزراء والخدم، بعد أن ضعف أمر الخلافة الفاطمية، وأصبح الوزراء والأمراء أصحاب الحول والطول في البلاد، ومع ذلك كله بقي في مكتبات القصر عدة آلاف من الكتب.

ويحدثنا ابن ميسر أنه وجد في ثروة الأفضل بن بدر الجمالي خمسمائة ألف مجلد من الكتب،٣١ لا أشك أن أكثرها كان في خزائن القصر، وأبادها صلاح الدين الأيوبي كما أباد دولة الفاطميين، وقد ذكرنا ما أخذه القاضي الفاضل من خزائن القصر لمدرسته الفاضلية. ويذكر المقريزي أن ابن صورة دلَّال الكتب باع منها جملة في مدة أعوام،٣٢ وكذا ضاعت كنوز الفاطميين العلمية بيدِ التعصب الممقوت.
كان في هذه الخزائن كتب الدعوة، وما ألَّفَه الأئمة، وكانت هذه الكتب مما يحافظ عليه الفاطميون أشد المحافظة حتى لا يصيبه الفساد، ويحدثنا منصور الجوذري الكاتب أن المنصور بالله أرسل إلى جوذر الصقلبي رسالة نسختها: «بعثتُ إليكَ كُتُبي وكُتُب الأئمة آبائي الطاهرين. وقد ميزتها فأقررها عندك مصونة من كل شر، فقد وصل الماء إلى بعضها فغيَّر فيه، وما من الذخائر شيء هو أنفس عندي منها، فأمر محمدًا كاتبك ينسخ لك منها ثلاثة كتب، ففيها من العلوم والسِّيَر ما يسرك الله به.»٣٣ فهذا يدل على شدة العناية التي كان يوجِّهها الفاطميون إلى كتب الأئمة، وهي كتب الدعوة ومحافظتهم عليها؛ فلا شك أن مثل هذه الكتب العزيزة لديهم كانت تُحفَظ داخل القصر فلا يقربها إلا الأئمة والدعاة فقط، أما المكتبات التي عبَّر عنها المسبحي «بالبرانية»، فأرجِّح أنها كانت كالمكتبات العامة في عصرنا هذا، ولا سيما في تلك الأيام التي كان يجتمع فيها الناس بالقصر لسماع مجالس الحكمة التأويلية.
فهذه المكتبات التي كانت في القصر لعبت دورًا هامًا في الدعوة ونشرها، فحرص الفاطميين على اقتناء الكتب على اختلاف فنون العلم والآداب، وشغفهم بالمحافظة عليها سهَّلَ للدعاة الاطلاع وإدمان النظر فيها، والمجادلة فيها بينهم، والمناظرة في هذه العلوم حتى يتخذوا منها وسيلة لغايتهم، وسلاحًا من أسلحة دعوتهم. حقًّا لم يذكر لنا القدماء أن الفاطميين استخدموا هذه المكتبات التي كانت بالقصر في خدمة الدعوة، فلم يعقد فيها الدعاة مجالس الحكمة، ولكن هذه الكتب الكثيرة لم توجد في القصر عبثًا، ولم يحافظ عليها الفاطميون ليباهوا بها غيرهم ومنافسيهم فحسب، بل كانت أداة من أدوات تثقيف الدعاة وتعليمهم حتى تكون لديهم ذخيرة علمية للقيام بما تفرضه عليه طبيعة عملهم، ولا سيما هذه الكتب التي كانت في داخل القصر والتي لا يقربها إلا الخاصة، وهي الكتب التي قلنا إنها كتب الأئمة، أي كتب الدعوة، فكيف يتأتَّى للداعي أن يقوم بما فُرِض عليه من الدعوة إلا بمعرفة هذه الكتب ودراسة ما فيها دراسة كاملة شاملة، ولا سيما أن الداعي كان عرضة دائمًا للمجادلات والمناظرات مع علماء المذاهب الأخرى المخالفين لمذهبه، وقد ذكرنا شيئًا من صفات الداعي العلمية، وما يجب أن يكون عليه من سعة الاطلاع والإلمام بمذهبه؛ وإذن فلنا أن نقول: إن هذه المكتبات التي كانت في القصر استُخدِمت في الدعوة من طريق غير مباشر، وهكذا استُخدِم القصر في العصر الفاطمي في نشر الدعوة الفاطمية بمحوله ومكتباته، وفي المحول كان يجتمع الناس لسماع المحاضرات — مجالس الحكمة التأويلية — وكان الجمهور يُقسَّم إلى أقسام؛ فكان للأولياء مجلس، وللخاصة وشيوخ الدولة وخدم القصر مجلس، ولعوام الناس مجلس، وللطارئين مجلس، وللنساء مجلس،٣٤ وهكذا، وسنتحدث عن ذلك في فصل مجالس الحكمة التأويلية.

دار العلم

ومن مآثِر الفاطميين تلك الدار التي أنشأها الحاكم بأمر الله سنة ٣٩٥ﻫ، وسمَّاها بدار العلم، وجعلها جزءًا من قصره، ولعلها هي الخزائن التي أشار إليها المسبحي باسم الخزائن البرانية، وقد حمل إلى هذه الدار الكتب من خزائن القصر من سائر العلوم والآداب ما لم يُرَ مثله مجتمعًا لأحد قطُّ من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممَّن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها؛ فجلس فيها القرَّاء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، فكان ذلك من المحاسن المأثورة التي لم يُسمَع بمثلها من إجراء الرزق السني لمَن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على اختلاف طبقاتهم وتبايُن ثقافاتهم وفنونهم العلمية؛ فمنهم مَن يحضر لقراءة الكتب، ومنهم مَن يحضر للنَّسْخ، ومنهم مَن يحضر للتعلُّم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق،٣٥ فدار العلم إذن كانت مكتبة عامة على نحو ما نراه اليوم في المكتبات العامة، ولكنها بجانب ذلك كانت جامعة علمية للتعليم، وكثيرًا ما كانت تقام المناظرات بين علمائها. من ذلك ما يرويه السيوطي أن جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي الهروي أبا أسامة اللغوي النحوي قدم مصر، وصحب الحافظ عبد الغني بن سعيد وأبا إسحق علي بن سليمان المعري النحوي، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، وتجري بينهم مباحثات ومذكرات،٣٦ ويروي المقريزي عن المسبحي أنه في سنة ٤٠٣ﻫ أمر الحاكم بإحضار جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق، وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد، وجماعة من الأطباء إلى حضرته، للمناظرة بين يديه، وكانت كل طائفة تحضر على انفراد، ثم يخلع الحاكم على الجميع ويصلهم.٣٧
ومن أشهر العلماء الذين ألقوا بعلومهم في دار العلم رجل مكفوف يقال له أبو الفضل جعفر، قَدِم مصر فأعجب به الحاكم وخلع عليه، ولقَّبه بعالم العلماء، وجعله يجلس في دار العلم يدرس النحو واللغة.٣٨ ومنهم أبو بكر الأنطاكي الفقيه المالكي الذي سمح له الحاكم ولشيخ مالكي آخَر أن يُقِيما بدار العلم، ويُلقِيا دروسًا في المذهب المالكي.٣٩ فهذا كله إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن دار العلم كانت بمثابة جامعة فيها أساتذتها وبها مكتبتها، وفيها كل ما يبعث على النشاط العلمي والبحث والتحصيل؛ فالفاطميون بإنشائهم الجامع الأزهر ودار العلم كانوا أسبق الناس إلى إنشاء الجامعات التي تمتاز بها المدنية الحديثة في أيامنا هذه!
جعل الحاكم بأمر الله النظرَ على دار العلم إلى عبد العزيز بن محمد بن النعمان قاضي القضاة،٤٠ وظلت تؤدي أغراضها العلمية، ويُقبِل عليها الطلاب والعلماء من كل صوب، إلى أن كانت أيام وزارة الأفضل بن بدر الجمالي، وعلم الوزير أن جماعة من المترددين على دار العلم يحاولون بث دعوة إلحادية بين الطلاب، وأن بعضهم ادَّعَى الألوهية، فاضطر الوزير إلى أن يغلق هذه الدار سنة ٥١٦ﻫ، بعد أن عمرت أزيد من قرن، وكأنَّ إغلاق هذه الدار العلمية وَقَعَ وَقْع الصاعقة على الخليفة الفاطمي الآمِر بأحكام الله، وعلى بعض العلماء الذين كانوا في خدمته، ولكن الخليفة كان مسلوب الإرادة مع وزيره، فصبر على مضض، حتى قتل الأفضل وتولَّى الوزارة المأمون البطائحي، ففاتحه الآمِر في إعادة دار العلم على ما كانت عليه، وما زال الخليفة بوزيره حتى قبل أن يُعِيد افتتاحها بشرط أن تكون بعيدة عن القصر، وأن يتوَّلاها رجل دين، وأن ينظر فيها الداعي ابن عبد الحقيق، وأن يقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، فوافق الخليفة الآمِر على ذلك كله، واستخدم في هذه الدار الجديدة أبا محمد حسن بن آدم،٤١ ولكن هذه الدار الجديدة لم تعمر طويلًا؛ إذ قضي عليها بالقضاء على الدولة الفاطمية.
كانت دار العلم من مراكز الدعوة الفاطمية، فكان الداعي يجلس فيها، ويجتمع إليه من التلاميذ مَن يتكلم في العلوم المتعلقة بمذهبهم،٤٢ كما كانت هذه الدار المكان الذي يجتمع فيه داعي الدعاة بالدعاة والفقهاء لتنظيم أمور الدعوة.٤٣ ومَن يدري لعل في دار العلم كانت تحضر مجالس الحكمة التأويلية التي كان يلقيها داعي الدعاة نائبًا عن إمامه.
ومهما يكن من شيء فالقصر والمساجد ودار العلم كانت أبرز مراكز الدعوة في العصر الفاطمي، ولما كانت هذه المراكز في القاهرة كان في كل بلد من البلدان مركز للدعوة هو المسجد أو منزل الداعي في هذا البلد. يحدِّثنا المؤيد في الدين وكان داعيًا في أول الأمر بشيراز: «فلما كان يوم عيد الفطر من سنة تسع وعشرين وأربعمائة كنتُ بيوم قبله مستعدًّا له في تحصيل فرش وآلة وسجادات يصلي عليها المصلون، ولا يستغنى عنها المتعبدون. فرُفِع الخبر بأنني أستجمع الجموع للصلاة والخطبة في غد، وأضرب في ساحة داري المضارب والفازات، ولما كان في غد، وهو العيد، اجتمع الخلق الكثير من الديلم للصلاة فصليتُ بهم، فلما أتممت عكفت عليهم بالوعظ والإنذار … إلخ.»٤٤ فالداعي هنا كان يتخذ منزله مركزًا للدعوة، ولكنه كان في بلد يخضع لحكم العباسيين، أما في مصر فقد كانت الدعوة ظاهرة مكشوفة تؤيِّدها الدولة بمالها وسلاحها، فكان الدعاة يتخذون المنازل والمساجد للدعوة دون خشية، وفي المساجد كانوا يلقون مجالسهم التأويلية.
١  قسَّمَ الفاطميون العالم إلى اثني عشر جزءًا، سموا كل جزء بجزيرة أي إقليم، وحاولت أن أعرف هذه الجزائر دون فائدة. ويذهب الأستاذ إيفانوف (هامش ١، ص٢٠ من كتاب Rise of Fatimite) إلى أن هذه الجزائر هي: العرب، الترك، البربر، الزنج، الحبشة، خزر، الصين، فارس، الروم، الهند، السند، الصقالبة. ولكني وجدت أن حميد الدين الكرماني كان يُلقَّب بحجة العراقين، ولم أجد العراقين بين الجزائر التي ذكرها الأستاذ إيفانوف. وكلمة جزيرة مأخوذة من الأصل «جزر» بمعنى قسم.
٢  رسالة البيان لما وجب من معرفة الصلاة في نصف رجب (مخطوط رقم ٣٥٧٤٠، بمدرسة اللغات الشرقية بلندن).
٣  هامش جامع الحقائق: ج٢، ص١٥٣ (مخطوط بمكتبتي الخاصة).
٤  السيرة المؤيدية: من مطبوعات دار الكاتب المصري.
٥  المشرع السادس من السور الرابع من كتاب راحة العقل (مطبوعات الجمعية الإسماعيلية بالهند).
٦  المجالس والمسايرات للقاضي النعمان ورقة ١٠٥ B مخطوط.
٧  افتتاح الدعوة للقاضي النعمان: نسخة خطية.
٨  سيرة جعفر الحاجب: نُشِرت بمجلة كلية الآداب، الجزء الثاني من المجلد الرابع، عدد ديسمبر سنة ١٩٣٦.
٩  المصدر السابق.
١٠  المصدر السابق.
١١  المصدر السابق ص١١٤.
١٢  استثار الإمام: نُشِر بمجلة كلية الآداب، بالجزء الثاني من المجلد الرابع، عدد ديسمبر سنة ١٩٣٦، ص٩٣.
١٣  راجِعْ مقدمة كتاب المجالس المستنصرية.
١٤  خطط المقريزي: ج٤، ص٤٩ (طبع مطبعة النيل).
١٥  المقريزي الخطط: ج٢، ص ٢٢٣.
١٦  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٢٦.
١٧  رفع الإصر: ص٧٣.
١٨  خطط المقريزي: ج٤ ص١٩٢، ج٢ ص٢٢٢.
١٩  صبح الأعشى: ج٣، ص٣٦٦.
٢٠  رسالة مباسم البشارات: نسخة خطية بمكتبتي الخاصة.
٢١  الكندي ص٥٩٤.
٢٢  النجوم الزاهرة: ج٤، ص١٧٨.
٢٣  المصدر السابق: ج٥، ص١٥٦.
٢٤  المجالس والمسايرات: ورقة ٦٨ب.
٢٥  المجالس والمسايرات: ج٢، ص١٢٣–١٣٤.
٢٦  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٢٦.
٢٧  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٥٥.
٢٨  خطط المقريزي.
٢٩  المصدر نفسه: ج٢، ص٢٥٣.
٣٠  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٥٤.
٣١  أخبار مصر لابن ميسر: ص٥٧.
٣٢  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٥٥.
٣٣  سيرة الأستاذ جوذر: نسخة خطية بمكتبتي الخاصة.
٣٤  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٢٦.
٣٥  خطط المقريزي: ج٢، ص٣٣٤.
٣٦  بغية الوعاة للسيوطي: ص٢١٣.
٣٧  خطط المقريزي: ج٢، ص٣٣٥.
٣٨  رفع الإصر (ص١٩ ب) نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
٣٩  النجوم الزاهرة: ج٤، ص٢٢٢.
٤٠  الولاة والقضاء للكندي: ص٦٠٠.
٤١  المقريزي: ج٢، ص٣٣٧.
٤٢  صبح الأعشى: ج٣، ص٣٦٦.
٤٣  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٦٦.
٤٤  السيرة المؤيدية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣