الفصل الثالث

مجالس الحكمة التأويلية

من أَجَلِّ أعمال داعي الدعاة ونوَّابه في الجزائر: عقدُ مجالس الحكمة التأويلية، أو بعبارة أخرى إلقاء محاضرات على جمهور المؤمنين بدعوتهم، يبثهم فيها الداعي عقائد مذهبهم والتأويل الباطن للدين، وهي العلوم التي عُرِفت بعلوم أهل البيت، والتي هي السر الذي يجب أن يظل مدفونًا في صدور الأولياء لا يبوحون به لأحد، فكل المجالس التي عقدها الدعاة هي مجالس تعليمية، ولكن لهذه المجالس درجات، ولكل طبقة من المؤمنين مجلس خاصٌّ كما ذكرنا من قبلُ؛ فللعامة مجلس، وللنساء مجلس، وللخاصة مجلس، وهكذا. ولم تُقسَّم هذه المجالس على حسب الطبقات الاجتماعية لجمهور المؤمنين، إنما قُسِّمت على حسب مرتبة الحاضرين في مدارج الدعوة، فلا يلقي داعي الدعاة على دعاته ما يلقيه على المبتدئين في دخول الدعوة، ولا يلقي على العامة من أهل البلد ما يلقيه على الغرباء، فلكل طبقة من هذه الطبقات أسلوب خاص، وعلوم خاصة، بحيث ينتهي إلى أسرار الدعوة التي يجب ألَّا يقربها إلا كل ذي قدم راسخة في الدعوة، ومَن بلغ فيها مرتبةً رفيعةً كأنْ يكون داعيًا مثلًا.

وداعي الدعاة — ويُعرَف بباب الأبواب، وباب حطة، وبالحجة — هو الذي يعدُّ هذه المحاضرات، ويرفعها إلى الإمام، فيوقِّعها هذا بعلامته، ويعيدها إلى كبير دعاته، فيلقيها على المستجيبين في المحول أو غيره، فإذا انتهى من قراءتها مسح على رءوس الناس بعلامة الإمام تبرُّكًا بها، وتُكتَب هذه المجالس عادةً على أنها صادرة من الإمام فتظهر للجمهور وكأن الإمام هو الذي كتبها، وأن داعي الدعاة هو قارئ لما كتب الإمام؛ ولذلك يختفي اسم الداعي ولا يظهر في كتب المجالس، مع أن المعروف أن حجة الإمام هو صاحب التأويل في عصره.

تبدأ هذه المجالس عادةً بحمد الله، والصلاة على نبيه، والأئمة من نَسْل عليٍّ، ويردفها الداعي بشيء من الوعظ والإرشاد، ثم يبدأ في تأويل آية من آيات القرآن، أو حديث نبوي، أو أثر عن الأئمة، أو يئوِّل شيئًا من فرائض الدين العملية، ويختم مجلسه بالدعاء والصلاة والحمد. وتُلقَى هذه المجالس مرتين في الأسبوع: يوم الإثنين ويوم الخميس، ويُخَيَّل إليَّ أن مجالس يوم الخميس كانت للخاصة، وفيها يقول المؤيد:

يا صباحَ الخميسِ أهلًا وسهلًا
زادَكَ الواحدُ المهيمن فَضْلًا
أنت عيدٌ للمؤمنين عتيدٌ
جمع الدين منهم فيك شملًا
نحن نجني ثمارَ جنةِ عدن
كلما أقْبَلَ الخميسُ وولَّى
من رياضٍ أنهارُها جارياتٌ
وبها الحور في المقاصر تجلى
تتروَّى الأرواحُ منها بماءٍ
هو أَشْفَى من الزلالِ وأحلى
رتبة خصَّنا بها صاحبُ العصـ
ـر أمين الإله عزَّ وجَلَّا١
وبين يدي الآن عدة كتب جمعت مجالس الحكمة التأويلية التي كان يلقيها بعض الدعاة، مثل كتاب تأويل دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد، وكتاب المجالس المؤيدية ويحتوي على ثمانمائة مجلس من مجالس التأويل، وكتاب المجالس المستنصرية للداعي الموسوم بعلم الإسلام ثقة الإمام،٢ وهذه المجالس تختلف باختلاف الداعي، فمجالس القاضي النعمان في تأويل فقه الفاطميين، والمؤيد يميل في تأويله إلى فلسفة المذهب، أما ما جاء في المجالس المستنصرية فهو تأويل بدائي، ويُخَيَّل إليَّ أن المجالس المستنصرية كانت تُلقَى على المبتدئين في الدعوة، وقد رأيت أن أقدِّم صورةً من هذه المجالس المختلفة:

المجلس العاشر من الجزء الرابع من تأويل دعائم الإسلام للقاضي النعمان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جلَّ عن تقدير المتوهمين، ولطف عن لطيف بحث المتوسمين، وصلَّى الله على محمدٍّ النبي وعلى الأئمة من ذريته الطاهرين، ثم إن الذي يتلو ما تقدَّم ذكره ما جاء عن أمير المؤمنين عليٍّ — عليه السلام — أنه قال: أول الصفوف أفضلها، وهو صف الملائكة، وأفضل المقدم ميامن الإمام. تأويله ما تقدَّمَ القولُ به من أن أمثال الصفوف في الصلاة أمثال درجات المستجيبين إلى دعوة الحق على مقادير فضلهم وسبقهم، وأن أمثال الملائكة من الناس أمثال المملكين أمور العباد، وهم أولياء الله من رسله وأئمة دينه ومن ملكوه شيئًا من أمور العباد وأرسلوه لهم وما أرسلوهم له، والملك والملائكة فيما ذكر أهل اللغة مشتقة أسماؤها من الرسالة، والألوك والمألكة في لغة العرب الرسالة، وقد قال الله جل من قائل: الله يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ فالصف الأول من صفوف ظاهر الصلاة لا ينبغي أن يقف فيه إلا أفضل أهل المسجد من علمائهم، كما قال رسول الله : «لِيَلِنِي منكم أولو النهى والعلم.» وينبغي أن يكون على يمين الإمام في الصف من خلفه أفضلهم، ومَن يصلح أن يكون إمامًا إن حدث به حدث يوجب خروجه من الصلاة؛ لأن انصرافه إذا انصرف من الصلاة إنما يكون عن ذات اليمين، فيكون مَن يقدمه هناك، فيأخذ بيديه ويقدمه مكانه.

وعلى هذا تجري مراتب أهل الدعوة في حدودها: أن يكون الذين يلون القائم بها في الدرجة العالية من درجات المؤمنين الذين هم أهلها، وأن يكون أقربهم منه عن يمينه، وهي أفضل درجاتهم، مَن يصلح لمقامه من بعده، ويتلو ذلك ما جاء عنه — عليه السلام — أنه قال: سدوا فرج الصفوف، ومَن استطاع أن يتم الصف الأول أو الذي يليه فليفعل، فإن ذلك أحَبُّ إلى نبيكم، وأتموا الصفوف فإن الله وملائكته يصلون على الذين يتمون الصفوف.

وعن جعفر بن محمد — صلوات الله عليه — أنه قال: «أتموا الصفوف، ولا يضرك أن تتأخر إذا وجدت تضييقًا في الصف الأول فتتم الصف الذي خلفك، وإن رأيت خللًا أمامك فلا يضرك أن تمشي منحرفًا حتى تسده.» يعني وهو في الصلاة، وعن رسول الله أنه قال: «صلوا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولا تخالفوا بينها فتختلفوا ويتخللكم الشيطان كما يتخلل أولاد الحذف.» فتعديل الصفوف وسدُّ ما فيها من الفرج وتمامها واعتدال وقوف القيام فيها من واجب الصلاة وحدودها في الظاهر، ومثله في الباطن اعتدال أهل الدرجات في دعوة الحق على درجاتهم وحدودهم التي حُدَّتْ لهم، لا يتجاوز أحد منهم حده إلى غيره، ومَن رأى منهم خللًا في حد من الحدود التي فوقه أو دونه، فينبغي له أن يسعى ويجتهد فيما يبلغه إلى تلك الدرجة، ويوجب له سد ذلك الخلل، وبأن يكون أهل كل حدود درجة قد استوت بهم الحال فيها، وأوجبت لهم الأحوال والأعمال أن يكونوا متساوين في ذلك على ما أُمِروا به من التساوي فيه، لا يتقدَّم أحدٌ منهم أحدًا في ذلك، كما وجب في ظاهر الصلاة أن يحاذي أهل كل صف منها بين مناكبهم، ولا يتجاوز أحد منهم أحدًا، وأنهم إن فعلوا ذلك اختلفوا وتخللهم الشيطان. وتأويل ذلك أن أهل مراتب الدعوة إذا تعدَّى أحدهم حده، وخرج عنه إلى حد غيره، أوجب ذلك اختلافهم، ودخل بينهم ما يجب أن يختلفوا عن أعداء أولياء الله الذين أمثالهم أمثال الشياطين. وقوله: «كما يتخلل أولاد الحذف.» فالحذف ضرب من الغنم الصغار السود، واحدتها حذفة، تتخلل الغنم وتمشي بينها، فشبَّه رسول الله تخلُّلها ومشيها بتخلل الشيطان ومشيه بالتخريب بين المؤمنين لما يريده من تقاطعهم وتدابرهم وأمروا بلزومها.

ويتلو ذلك ما جاء عن علي (ص) أنه قال: قال لي رسول الله «يا علي لا تقومن في العيكل.» قلت: وما العيكل يا رسول الله؟ قال: «تصلي خلف الصفوف وحدك.» فهذا مما يُكرَه في ظاهر الصلاة، أن يقف المصلي خلف الصفوف وحده، وهو يجد فيها مكانًا يقوم فيه، فإن لم يجد ذلك قام إلى أن يأتي مَن يقوم إلى جانبه، أو يصلي كذلك وحده إن لم يأتِ أحدٌ، ولم يجد في الصفوف موضعًا يقوم فيه، وتأويل ذلك في الباطن؛ نهى رسول الله عليًّا — عليه السلام — عن أن يفعله في الظاهر؛ لأنه ليس هو حده في الباطن، وحده في الباطن أعلى الحدود وأرفع الدرجات دون درجة النبوة، فكَرِه له أن يقوم في الظاهر في مكان لا يشبه مكانه في الباطن، وكذلك لا ينبغي له أن يخلف بنفسه، وأن يتواضع عن الدرجة التي جعلها له رسول الله .

ويتلو ذلك قول محمد بن علي — عليه السلام: «ليكن الذين يلون الإمام أولي الأحلام والنهى، فإن تعايا لقَّنوه.» وقد جاء في مثل ذلك ما تقدَّم القول به من أن ذلك كذلك يجب في ظاهر الصلاة أن يكون الذين يلون الإمام إذا صلى بالناس، علماءهم وأهل الفضل منهم، فإن تعايا وتوقَّف في القراءة لقَّنوه، وإنْ سها في الصلاة سبَّحوا له ليتذكر ما سها فيه، فيرجع إلى الواجب منه، وإن ذلك في الباطن كذلك لا يلي صاحب دعوة الحق في الرتبة والدرجة إلا أفضل أهل تلك الدعوة، فإن سها عن شيء عندهم من علم ذكَّروه إياه على ما تقدَّم القول به.

ويتلو ذلك قول أبي جعفر محمد بن علي — عليه السلام: «إذا صلَّى النساء مع الرجال قمن في آخِر الصفوف، لا يتقدمن رجلًا ولا يحاذينه، إلا أن يكون بينهن وبين الرجال سترة، فهذا هو الواجب في ظاهر الصلاة، وتأويله ما قد تقدَّمَ القول به من أن الرجال أمثال المفيدين، والنساء أمثال المستفيدين، وأن درجة المفيدين فوق درجة المستفيدين، ولا ينبغي للمستفيد أن يتجاوز حدًّا إلى حد المفيد ولا أن يدانيه، بل ينبغي له كما ذكرنا أن يقع دونه ويتواضَعَ له.» وأما قوله: «إلا أن تكون بينهن وبين الرجال سترة.» تأويله أن يكون المفيد مستترًا لحال التقية، فيعامِل المستفيد منه في السر ويفيده، ويتقدم إليه ألَّا يدل عليه شيء من إجلاله ولا التواضع له، فيطرح ذلك المستفيد في ظاهر أمره تقية على مفيده وعلى نفسه. فافهموا بيان التأويل يا ذوي النهى والعقول، جعلكم الله ممَّن يفهم ويعلم ويعمل بما علم، وصلى الله على محمد نبيه وعلى الأئمة من ذريته وسلَّم تسليمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

صورة من المجالس المؤيدية
المجلس التاسع من المائة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علا عن كل معلوم، وسما عن كل موسوم، وكبر عن كل موهوم ومفهوم، وصلى الله على ربيب رحمته المعمور، وبحر حكمته المسجور، محمد المبشر به في التوراة والإنجيل والزبور، وعلي أخيه وابن عمه فارس يوم الهياج، ومستودع سر ليلة المعراج، علي بن أبي طالب البرزخ بين البحرين، العذب الفرات والملح الأجاج، وعلى الأئمة من ذريته هداة مَن ذرأ الله من خلقه، والمستحفظين لدينه وحقه، والمتمين كلمة عدله وصدقه. معشر المؤمنين، آمنكم الله من الفزع الأكبر، وحشركم مع مَن تحبون في يوم المحشر، القليل الطيب خير من الكثير الخبيث، فكونوا طيابًا، وكونوا في جانب الخير ولا تيمموا لشر جنابًا، والخير كله طاعة الله واتباع رسوله فيما شرع، والاقتداء به في وصل ما وصل، وقطع ما قطع، فصلوا ما أمر الله به أن يُوصَل بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ، واقطعوا ما أمر الله به أن يُقطَع بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ؛ يرضَ عنكم، وبدِّلوا حرصكم على الدنيا فتورًا، وفتوركم عن الآخِرة حرصًا، وعوضوا عن نقصكم في طلب الباقي ازديادًا، وعن ازديادكم في طلب الفاني نقصًا، من قبل أن يغشيكم غواشي الندم، ويطوف عليكم طوائف العدم، فلا دنيا أدركتم، ولا بعقبى تمسَّكتم، وأنصتوا لما يُلقَى إليكم من الحكمة، فإنها تنقش صور نفوسكم المستجنة في الأجسام، كما تنقش قوى الشراب والطعام صور الأجنة في الأرحام، واعلموا أنها نعمة الله سبحانه على خالصة عباده، وأنتم بها مشمولون، وعلى حالتَيْ حفْظِكم لها وإضاعتِكم لا محالةَ مسئولون. قال الله أصدق القائلين: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. زعم الزاعمون أنه الماء البارد في اليوم الصائف، وحمى الماء البارد للبهائم كما للإنسان مباح، وأحق منه بالسؤال عنه ما هو للإنسان دون البهائم متاح، وهو علم الحقيقة الذي يؤثر في النفوس اللطيفة لصلاح المعاد، أكثر مما يؤثر الماء البارد لصلاح الأجسام.

وفسَّرَ بعض مفسري الشيعة أن النعيم المسئول عنه هو ولاية علي بن أبي طالب (ص)، وقد صدقوا إن اعتقدوا فيه أن الولاية مصحة التوحيد، ومعرفة الحدود الوقوف على معالم الإيمان، وعلم التأويل الذي نفك به أقفال القرآن، وكذبوا إن اعتمدوا في معرفة الله سبحانه على عقولهم، وادعوا وقوع الغناء فيها عن الرسول والوصي، على ما عليه رأي كثير من الشيعة، بزعمهم من الاستظهار بالولاء والاقتداء في معرفة التوحيد بذوي القياس والآراء، والجحود بالتأويل الذي ينفذ من ظلمات الاختلاف ويفضي إلى نور الائتلاف، وإنما الافتقار إلى الرسول والوصي — عليهما السلام — لبلوغ ما هم بزعمهم بالغوه من معرفة الله جل جلاله، فإذا كانت معرفة الله سبحانه تصح من دونهما، فأي حاجة تبقى بعدها إليهما للناس، وأية فضيلة تخلص لهما، وسوى هذا فإن كانت المعتزلة التي هي الفئة المبرزة بدعاوي معرفة الله سبحانه بغير واسطة رسول، نزولًا على رأي بعض الفلاسفة وإشراف منهم بقوا مأمونين عند مَن أشرنا إليهم من الشيعة يقتدون بهم في توحيد ربهم، والقول في العدل على قضايا مذهبهم، فلِمَ لا يكونون مأمونين على الإمامة التي هي دونهما فيرجعوا إلى ربهم فيها، ولا يناقضوهم في نقض مبانيها، عهد مَن يكون مأمونًا على انتظار، ولا يكون مأمونًا على دينار؛ فقد اختل عليهم القول بولاية علي (ص) بقطعهم ما أمر الله به أن يُوصَل من نظام الإمامة في ولده، فصاروا في معالم توحيدهم وعدلهم على أضدادهم عيالًا، ولو فاءوا إلى جملة المعتصمين بحبل الله الممدود باتصالها لوردوا عيونًا وظلالًا؛ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم، وقد كان قرئ عليكم من قول الله سبحانه: فأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَٰذَا مَثَلًا.

ما شفع بالإبانة عن معنى الحق، ولِمَ سُمي حقًّا؟ وإن ذلك جهة كونه أصلًا يحتمل الوضع عليه، وانتهى الشرح إلى القول بأن الأشكال الجسمانية الكثيفة موضوعة على القوى النفسانية اللطيفة، ومثال ذلك: أن السموات والأرض وما بينهما محمولة على قوة إلهية لطيفة يعبر عنها بأمر الله، كما قال الله سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، وكذلك أجسام البشر على ثقلها محمولة على الأرواح اللطيفة التي هي من أمر الله سبحانه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية. فقد تثبت العلم أن النفسانيات حاملة والجسمانيات محمولة عليها، وأن النفوس المحقونة بالثواب إذا انفكت عن عالم الجسم ثابَتْ إلى عالم النفس الذي هو الحق والأصل الحامل، وثبَتَ أيضًا من ائتلاف الجسم والنفس الإنسانية عن غير قصد منها ولا إرادة، وتفرقتهما عن غير قصد ولا إرادة، على كون تألف النفس الكلية بالجسم الكلية، وعالم الجسم من السماء والأرض وما بينهما أيضًا عن غير قصد منهما ولا إرادة، بل بأمر المبدع سبحانه، وأنه إذا أرادَ أن يبطل دار الدنيا بأفلاكها وأنجمها، وسفلها وعلوها، أمكنته القدرة منه على حسب الإمكان من التفريق بين الأنفس والأجسام الذي يصير به عامر الأجسام خرابًا. وأنتم تسمعون ما نقرؤه الآن عليكم من قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ وما نلوح به في معناه.

وقال قوم: إن الضلال والهدى من الله سبحانه، وهم جمهور العامة، واستشهدوا عليه بهذه الآية، وما هو في معناها من مثل قوله: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا، وقوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ، وقوله حكايةً عن نوح — عليه السلام: وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ونظائرها كثيرة في القرآن.

وقال أهل الرأي: إنه إن كانت الصورة هذه فقد بطل ثواب المحسنين وعقاب المسيئين، وإن لهذه الآيات تأويلًا يرجع إليه ويحمل الأمر عليه، وهو مثل قولهم في معنى الآية: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا أي يضل به عن الثواب الضالين، ويهدي به إلى الثواب المهتدين بفعلهم وكسب أيديهم، واستشهدوا على ذلك بقوله سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، وما يجري مجراه وهو كثير في كتاب الله تعالى.

وقد سُئِل الصادق — عليه السلام — عن ذلك، فقيل: يابن رسول الله الناس مجبورون على المعاصي؟ فقال: الله أعدل أن يجبر خلقه على المعاصي، ثم يعاقبهم عليها. قيل: فمفوض إليهم؟ قال: هو أعز من أن يكون لأحد في ملكه سلطان. قيل: فكيف ذلك؟ قال — عليه السلام: أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا يوجب أن كثير الضالين قليل وقليل المهتدين كثير، وذلك أن الإنسان كثير بنفسه البسيطة لا بجسمه الكثيف، فالنفس الصالحة منسرحة في فضاء عالم النفس منفسحة، وصاحبها قليل من حيث الجسم المعدود المحصور، كثير من حيث النفس غير المحصورة، قال الله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً، والنفس الطالحة ضيقة حرجة كأنفس البهائم لا خطر لها في العالم العلوي، فأربابها وإن كثروا عددًا فلقد قلُّوا محصولًا كما قال الله سبحانه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، وكما قال سبحانه: قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، وقال رسول الله لعلي — عليه السلام: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك مما طلعت الشمس عليه.» وقوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ، معنى الفسوق الخروج من الطاعة وعقد البيعة، وأما «الفاسقين» فمن الفسوق، ففسق عن أمر ربه دور آدم — عليه السلام — الذي هو أول الأدوار وهو إبليس لعنة الله عليه، فنقض بيعة الله، وفيه قال سبحانه: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، ثم نزل عن مكانه في آخِر الأدوار الذي هو دور محمد فنقض بيعة الغدير، وسار الآخِر على منهاج الأول، فإبليس إمام الفاسقين أولًا، وهو إمام الفاسقين آخِرًا، جعلكم الله براء من الفاسقين، وألحقكم بالصالحين؛ لتكونوا لهم في منازلهم مرافقين، والحمد لله الذي له في إظهار دينه أمر يبلغه، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وصلى الله على رسوله الأمين، محمد المبعوث بالبرهان المبين، وعلى وصيه السني الأقدار، علي بن أبي طالب معدن الفخار، وعلى الأئمة من ذريته هداة الحق، وأولياء الحق.

هكذا كانت مجالس الحكمة التأويلية التي كان يُلقِيها كبار الدعاة على جمهور المستجيبين، كل بحسب درجته وحده في مراتب الدعوة، فكل مجالس التأويل كما ذكرنا هي تطبيق النظرية التي أطلقت عليها نظرية المثل والممثول، وكل العقيدة الفاطمية إنما تدور حول الإمام وولايته، ومحاولة إثبات أن الله سبحانه أشار إلى الأئمة في كتابه الكريم ورمز إليهم فيه، وعلى المسلمين المؤمنين طاعة الأئمة وولايتهم وتصديق ما جاءوا به، وأن الله — سبحانه وتعالى — خصَّ الأئمة بعلم التأويل الباطن، وأمرهم بستره لمستحقيه من المؤمنين.

١  ديوان المؤيد داعي الدعاة.
٢  طُبِع هذا الكتاب سنة ١٩٤٦ بدار الفكر العربي بالقاهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣