الفصل الأول

العلوم الفلسفية

إذا قلتُ العلوم الفلسفية فإنما أقصد بها جميع العلوم التي كانت تشتمل عليها الفلسفة في القرون الوسطى، والتي تضمها رسائل إخوان الصفاء من رياضيات وموسيقى وطب وتنجيم وطبيعيات وإلهيات ومنطق، إلى غير ذلك من هذه العلوم التي كان يحذقها فلاسفة هذه العصور، والتي لا يستحق طالب الفلسفة هذا اللقب إلا إذا ألمَّ بها جميعًا. وقد رأينا كيف كانت العقائد الفاطمية تعتمد قبل كل شيء على العلم وتمييز الإلهيات من الطبيعيات، فلا غرو أن نرى هذه العلوم الفلسفية على اختلاف ألوانها وفنونها تزدهر في العصر الفاطمي ويرعاها الفاطميون، بل كان من الخلفاء الفاطميين مَن أتقن هذه العلوم وبرز فيها، ولا سيما رصد الكواكب، فالمؤرخون يذكرون أن المعز لدين الله والعزيز والحاكم بأمر الله والحافظ كانوا يرصدون النجوم لاستقراء ما وراءها من أحداث. ويذكر المؤرخون أن اهتمام الأئمة بهذه العلوم كان وسيلة لادعائهم معرفة الغيب، ويروي المؤرخون بعض روايات هي أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة، كما يروون بعض الأشعار كان يتهكَّم بها المصريون على ادِّعَاء الفاطميين معرفة الغيب، من ذلك ما رُوِي أن العزيز بالله صعد المنبر ذات يوم، فرأى رقعةً كُتِب فيها:

بالظلمِ والجورِ قد رضينا
وليس بالكفرِ والحماقة
إنْ كنتَ أعطيت عِلْم غيب
فقُلْ لنا كاتِب البطاقة
وتضيف الرواية أن العزيز بالله أقلع عن ادِّعَائه الغيب بعد ذلك. ويروي ابن ميسر في تاريخه أن النيل زاد، وبلغ الماءُ البابَ الجديدَ أول الشارع خارج القاهرة، فلما بلغ الحافظ ذلك أظهر الحزن والانقطاع، فدخل إليه بعض خواصه، وسأله عن السبب فأخرج له كتابًا، فإذا فيه: إذا وصل الماء الباب الجديد انتقَلَ الإمام عبد المجيد. ثم قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا، وأحوال دولتنا، وما يأتي بعدها.١ فإن صَحَّتْ هذه الرواية فهي تؤيِّد ما أذاعه الناس وتناقَلَه الرواة عن ادعاء الفاطميين الغيبَ، وأن الأئمة يعرفون ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وبين يدي الآن كتاب: «الفترات والقرانات» المنسوب إلى جعفر بن منصور اليمن من علماء الدعوة في القرن الرابع الهجري — ولكني أشك في نسبة هذا الكتاب إليه — يتحدَّث في هذا الكتاب عن أثر الكواكب في عالم الكون والفساد، ويتنبَّأ بما سيحدث في الأيام المقبلة، وذهب مؤلِّفه إلى أن علم القرانات أو علم الجفر علم خصَّ الله سبحانه به آدمَ — عليه السلام — وورثه آدم وصيه شيث، وتداولته الأنبياء والأوصياء والأئمة إلى الخلفاء الراشدين والنقباء المتوحدين بالتأييد.٢
ويروي علماء الدعوة أن علي بن أبي طالب كان يقول: «لو ثنيت لي وسادة وجلست عليها، لَحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، ولولا أن يقال إن ابن أبي طالب ساحر لأخبرتكم بما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، مما علَّمني رسول الله ٣ فهذا كله يؤيِّد ما قيل عن الفاطميين إنهم كانوا يدَّعُون الغيب، وإنهم كانوا يستغلون معرفتهم بحركات الأفلاك لادِّعَاء الغيب، ولكن بجانب هذه النصوص التي تثبت ذلك، نجد نصوصًا أخرى تثبت عكسها، فالقاضي النعمان يحدِّثنا في كتابه المجالس والمسايرات: «ذكر الإمام المعز لدين الله يومًا، وأنا بين يديه، النجامة والمنجمين، فقال: مَن نظر في النجامة ليعلم عدة السنين والحساب ومواقيت الليل والنهار، وليعتبر بذلك عظيم قدرة الله جَلَّ ذِكْره، وما في ذلك من الدلائل على توحيده لا شريك له؛ فقد أحسن وأصاب، ومَن تعاطَى بذلك علم غيب الله والقضاء بما يكون، فقد أساء وأخطأ. ولقد كان المنصور بالله من أعلم الناس بها، ولقد قال لي غير مرة: «والله ما نظرت فيها إلا طلبًا لعلم توحيد الله وتأثير قدرته وعجائب خلقه، ولقد عانيت ما عانيت من الحروب وغيرها، فما عملت في شيء من ذلك باختبار مني دلائل النجوم، ولا التفتُ إليه.» ثم قال المعز: أتاني بعض المنجمين بكتاب ألَّفَه يذكر فيه خلق آدم، وكيف كانت الكواكب يوم خلقه الله عز وجل، وما دلَّتْ عليه بما آلَ أمره وأمر ذريته إليه، ورأى أنه أتى في ذلك إليَّ بفائدة وعلم سبق إليه، فلما وقفت على كتابه سألته هل كان قبل آدم شيء؟ قال: نعم، قد كان قبله. ومَن كان؟ وكيف كانت هذه الكواكب قبل ذلك، وما دلَّتْ عليه قبل خلق آدم؟ فلم يُحِرْ جوابًا، وقال: هذا شيء ما ظننت أني أُسأَل عنه. قلت: وهذا الذي تكلفته وجئتَ به ما سُئِلْتُ عنه أيضًا فكيف تكلفته؛ فعجبت من قوم ينتهون فيما لا يعلمون ويتعاطون ما لا يدرون.٤ فهذا يدل على أن المنصور بالله والمعز لدين الله لم يدَّعِيَا الغيب، ولم يدرسا الكواكب وحركاتها لعلم ما كان وما سيكون. ويقول جعفر بن منصور اليمن في كتابه الكشف: «قال الله تعالى: قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ، وهذا قول نوح — عليه السلام — الذي ذكر الله في كتابه عنه، وكل هذا دليل على أن الأئمة والرسل لا يعلمون إلا ما أعلمهم الله بوحيه وتأييده ونوره وتثبته عن الله جَلَّ ذِكْره.»٥ فهذا دليل آخَر نقدِّمه في دفع تهمة ادِّعَاء الفاطميين للغيب.
وقال القاضي النعمان في كتابه الهمة: «فإنا لا نقول ما قاله الغلاة الضالون المبطلون، الصادون عن أولياء الله، الدافعون إمامتهم، الزاعمون أنهم يعلمون غيب الله، وما تخفى صدور عباده، تعالى الله الذي تفرَّدَ بعلم ذلك دون خلقه، ولم يطلع على ما شاء منه إلا مَن ارتضى من رُسُله، وإنما أراد هؤلاء الفَسَقَة بما نسبوه إلى الأئمة — صلوات الله عليهم من ذلك — دفع إمامتهم؛ لأنهم لما زعموا أن الأئمة يعلمون الغيب، والناس يرونهم لا يعلمون من أمور الناس إلا ما ظهر منها لهم، لم يكونوا أئمة عند أولئك الفَسَقَة، ولا عند مَن قبل منهم؛ إذ لم تكن تلك الصفة التي وصفوهم بها منهم.»٦ ولعل سبب هذا الادعاء هو تطرُّف بعض الدعاة في إسباغ جميع الفضائل على الأئمة، حتى جعلوا أئمتهم يعلمون الغيب، وكان اختلاف الناس في هذا الأمر مصدر جدل بين المصريين، وصوَّرَ لنا الأمير تميم في إحدى قصائده ذلك كله، بقوله يخاطب أخاه الإمام العزيز بالله:
ولمَّا اختلفنا في النجومِ وعِلْمها
وفي أنَّها بالنفع والضرِّ قد تجري
فمِن مؤمنٍ منَّا بها ومكذِّبٍ
ومن مكثرٍ فيها الجدالَ ولا يدري
ومن قائلٍ تجري بسعد وأنحس
ونعلم ما يأتي من الخيرِ والشرِ
فعلَّمْتَنا تأويلَ ذلك كلِّهِ
بما فيه من سرٍّ وما فيه من جهرِ
عنِ الطاهرِ المنصورِ جدِّكَ ناقلًا
وكان بها دونَ البَرِيَّةِ ذا خبرِ
فأخبرتَنَا أن المنجم كاهِنٌ
بما قالَ والكهَّانُ من شيعةِ الكُفْرِ
وأنَّ جميعَ الكافرينَ مصيرُهم
إلى النارِ في يوم القيامةِ والحَشْرِ
فجمَّعْتَنَا بعد اختلافٍ ومريةٍ
وألَّفْتَنَا بعدَ التنافرِ والزَّجْرِ
وأوضحْتَ فيها قَوْلَ حقٍّ مبرهن
يجلي ظلامَ الشكِّ عنْ كلِّ ذي فكرِ
فعدنا إلى أن الكواكبَ زينةٌ
وفيها رجومٌ للشياطينِ إذ تسري
مسخَّرَة مضطرة في بروجِها
تسيرُ بتدبيرِ الإلهِ على قدرِ
وأن جميعَ الغيبِ للهِ وحده
تبارَكَ من ربٍّ ومن صمدٍ وترِ
وما علمت منه الأئمة إنَّمَا
رَوَوه عن المختار جدهم الطهرِ٧

وإذن نستطيع أن نخالف المؤرخين الذين رموا الفاطميين بادِّعَاء الغيب، فإن هؤلاء المؤرخين استقوا أخبارهم من إشاعات العامة وأقوال بعض الغلاة، ولم يحقِّقوا الأمر تحقيقًا علميًّا، فقصيدة الأمير تميم، وأقوال علماء الدعوة، تنفي ما جاء به المؤرخون، وتبرِّئ الفاطميين من ادعاء الغيب.

حقيقة اهتمَّ الفاطميون بالنجوم ورصدها، واستدعى الفاطميون إلى مصر عددًا كبيرًا من المنجمين، فعندما دخل المعز لدين الله مصر قدم معه منجمه محمد بن عبد الله بن محمد العتقي،٨ ورفع العزيز بالله منزلة المنجم أبي عبد الله بن القلانسي إلى أن توفي سنة ٣٨٦،٩ وأنشأ الحاكم بالمقطم منزلًا يرصد فيه النجوم، وعمل له منجِّمُه أبو الحسن علي بن يونس الزيجَ الحاكميَّ في أربعة مجلدات، ويقول ابن خلكان عنه: إنه لم ير في الأزياج على كثرتها أطول منه.١٠ ويقول القفطي: إن ابن يونس كان يقصد تحرير زيج جامع كبير يدل على أن صاحبه كان أعلم الناس بالحساب.١١ وهذا الزيج هو الذي سار عليه منجِّمو مصر بعده، ويذهب المقريزي إلى أنه عمل للأفضل بن بدر الجمالي مائة تقويم لاستقبال سنة خمسمائة من الهجرة، وكان منجِّمو الحضرة يومئذٍ: ابن الحلبي، وابن الهيثمي، وسهلون وغيرهم، يطلق لهم الجاري في كل شهر، والرسوم والكسوة على عمل التقويم في كل سنة، فإذا كان في غرة السنة حمَلَ كلٌّ منهم تقويمه، فيقابِل بينها وبين التقويمات المحضرة من الشام، فيوجد بينها اختلاف كثير، فأنكر ذلك، فلما كان غرة ثلاث عشرة وخمسمائة عند إحضار التقاويم على العادة، جمع المنجمين والحساب وأهل العلم، وسألهم عن السبب في الاختلاف بين التقاويم، فقالوا: الشامي يحسب ويعمل على رأي الزيج المهجور المأموني، ونحن نعمل على رأي الزيج الحاكمي لقرب عهده، وبين المتقدم والمتأخر تفاوت وخلف. ثم أشاروا عليه بعمل رصد مستجد، وأشار عليه أبو الحسن بن أبي أسامة أن يتولَّى ذلك القاضي ابنُ أبي العيش الطرابلسي المهندس العالم، ولكن الأفضل غضب على ابن أبي العيش، وولَّى بدله أبا سعيد بن قرفة الطبيب، فنشط في إقامة المرصد، وساعده جميع المهندسين وعلماء الحساب والتنجيم إلى أن قُتِل الأفضل سنة ٥١٥ﻫ، وولي الوزارة المأمون البطائحي، فأحب أن يتم هذا الرصد على أن يُعرَف بالرصد المأموني المصحَّح، واستمر العمل إلى أن قُتِل الوزير البطائحي سنة ٥١٨ﻫ، فوقف العمل به.
وكان من المهندسين الذين اشتركوا في إقامة هذا الرصد: أبو جعفر بن حسنداي، والقاضي ابن أبي العيش، وأبو الحسن علي بن سليمان بن أيوب، وأبو النجا بن سند الساعاتي الإسكندراني المهندس، وأبو محمد عبد الكريم الصقلي وغيرهم. ومن الحسَّاب والمنجمين: ابن الحلبي، وابن الهيثمي، وأبو النصر تلميذ سهلون، وابن دياب، والقلعي وغيرهم.١٢ وكان الخليفة الحافظ مُغرَمًا بعلم النجوم، وله عدة من المنجمين،١٣ ومما يدل على شدة عناية الفاطميين بحركات الكواكب ما يرويه ابن السنيدي، وكان من أهل الخبرة بعمل الأصطرلاب والحركات: أن الوزير الجرجرائي تقدَّمَ سنة ٤٣٥ فأمر بعمل فهرست لخزانة الكتب، وبَرْم ما أخلق من جلودها، وأنفذ القاضي القضاعي وابن خلف الوراق ليتولَّيَا ذلك، وحضر ابن السنيدي ليشاهد ما يتعلق بصناعته، قال: «فرأيت من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة آلاف وخمسمائة جزء، وكرة نحاس من عمل بطليموس، وكرة أخرى من عمل أبي الحسين الصوفي للملك عضد الدولة، وزنها ثلاثة آلاف درهم، قد اشتريت بثلاثة آلاف دينار.»١٤ من هذا كله نستطيع أن ندرك مدى عناية الفاطميين بهذا اللون من العلم، ولكن الفاطميين لم يكونوا بدعًا في ذلك كله، فهم ليسوا بأول مَن رصدوا النجوم، وجعلوا رابطة بين الكواكب العلوية والعالم السفلي وتأثير حركات الكواكب في الأرض، فهذا كله قديم معروف قبل ظهور الإسلام وبعد الإسلام؛ ففي أوائل قيام الدولة العباسية عني أبو جعفر المنصور بالتنجيم والنجوم، وتُرجِم له السندهند، وجاء خلفاء العباسيين واقتدوا به حتى أصبح للتنجيم شأن كبير عندهم، وجعلوا للمنجمين رواتب، واستشارهم الخلفاء في أحوالهم الإدارية والسياسية، وليس ببعيد عن أذهاننا قصة فتح عمورية، وقصيدة أبي تمام التي مطلعها:
السيفُ أصْدَقُ إنباءً من الكُتُبِ
في حدِّه الحدُّ بينَ الجدِّ واللعبِ
ويقول أستاذنا المرحوم كارلو ناللينو: إن التنجيم كان له شأن في قصور الخلفاء والسلاطين وبين العامة، وظل كذلك إلى القرن الماضي، فكان في دخول الحضارة الغربية عامةً ومذهب كوبر نيقوس خاصةً القضاءُ المبرم على التنجيم، بَيْدَ أنه لا يزال موجودًا في البلاد التي لم تصب من الحضارة الغربية إلا قليلًا.١٥ فالفاطميون شاركوا غيرهم من المسلمين في التنجيم والفلك، وقد يكون من أهم الأسباب التي أدت إلى اهتمامهم بالفلك مسألة ابتداء شهر رمضان، فقد ذكرنا أن الفاطميين جعلوا شهر رمضان ثلاثين يومًا دائمًا، ولم يبدءوا صومهم برؤية الهلال رؤية بصر بل رؤية استبصار، فرصدوا حركات الأجرام السماوية ليعرفوا مبدأ الشهر على حساب أن السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وخُمْس يوم وسُدْس يوم، وأن ستة أشهر من السنة تامة وستة أشهر ناقصة، وأن كل ناقص منها يتلوه تام، ولشدة الدقة في هذا التقويم اضطروا إلى استخدام عدد كبير من علماء الفلك والتنجيم والحساب والمهندسين وغيرهم من الفلاسفة الذين أقاموا المراصد والزيجات.

ابن الهيثم

ولعل أشهر عالم رياضي شهدته مصر الفاطمية هو الفيلسوف أبو علي محمد بن الهيثم، وقيل إنه أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم، اتفق المؤرخون على أنه بصري المولد والنشأة، وإن كانوا لم يذكروا شيئًا عن حياته في شبابه، فإن هذه الفترة من عمره غامضة أشد الغموض، والذي ذكره المؤرخون أنه رحل إلى الشام، وعاش في كنف أمير من أمرائها، وأن الأمير أغدق عليه نِعَمه وعطاياه، ولكن ابن الهيثم كان يقول للأمير: «يكفيني قوت يومي، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي إن أمسكته كنت خازنك، وأن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمَن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟ فما قبل بعد ذلك إلا نفقة احتاج إليها ولباسًا متوسطًا.»١٦ فإن صحت هذه الرواية فهي تدلنا على ما كان عليه ابن الهيثم من انصراف إلى العلم ورغبة عن المال، خوفًا من أن يشغله المال عن العلم، وكان حريصًا على أن يتمسك بما يجب أن يكون عليه العالم الفاضل من خُلُقٍ وترفُّعٍ عن طلب الماديات، وأين هم العلماء الآن الذين لا يسعون وراء المال وإن كان ذلك بطرح العلم؟ وأين العلماء الآن الذين يرفضون من متاع الدنيا ما يفيض عن حاجتهم الضرورية، فإن علماء عصرنا — مع شديد الأسف — يتكالبون على جمع المال بشتى الطرق والوسائل، والحقد يملأ قلب أحدهم إذا أثرى له زميل، أو ارتفع قدره، ولعلنا نشاهد الآن ما عليه بعض مَن نطلق عليه لقب عالم يترك العلم والبحث للجري وراء اقتناء الدور والأراضي ويكنز الأموال، وهو في غنًى عن ذلك كله إن كان عالمًا حقًّا قانعًا قناعة ابن الهيثم وما تحلَّى به من خُلُقٍ.
ويروي البيهقي قصةً نذكرها الآن، لعلها تجد عند سادتنا علماء عصرنا رادعًا لهم عمَّا هم عليه، فهي تدل على أن ابن الهيثم لم يَأْبَهْ للمادة، ولم يطلب سوى العلم للعلم. تقول القصة: إن أميرًا جاء يطلب العلم عليه، فقال له ابن الهيثم: أطلب منك للتعليم أجرة، وهي مائة دينار في كل شهر؛ فبذل ذلك الأمير ما طلبه ابن الهيثم، وما قصَّرَ فيه، وأقام عند ابن الهيثم ثلاث سنوات يأخذ عن أستاذه العلم، فلمَّا عزم الأمير على الانصراف إلى دياره، قال له ابن الهيثم: خُذْ أموالك بأسرها فلا حاجة لي إليها، وأنت أحوج إليها مني عند عودتك إلى مقر ملكك، ومسقط رأسك، وإني قد جرَّبْتُك بهذه الأجرة، فلما علمتُ أنه لا خطر ولا موقع للمال عندك في طلب العلم، بذلت مجهودي في تعليمك وإرشادك. واعلم أن لا أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير. ثم ودَّعَه وانصرف.١٧
وهكذا كان ابن الهيثم يتصف بصفات العالم بما في هذه الكلمة من معانٍ وأوصاف، وظل ابن الهيثم بالشام حتى سمع به الإمام الحاكم بأمر الله الفاطمي، وقيل إنه نُقِل إلى الحاكم أن ابن الهيثم قال: لو كنتُ بمصر لعملت في نيلها عملًا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقص، فقد بلغني أنه ينحدر من موضع عالٍ وهو في طرف الإقليم المصري،١٨ فازداد الحاكم شوقًا إلى ابن الهيثم للاستفادة من علمه، وأرسل إليه يرغِّبه في الوفود إليه، فاستجاب ابن الهيثم إلى رغبته، وخرج الحاكم نفسه للقائه والترحيب به، وقرَّبَه إليه وأكرمه، ثم طلب إليه الحاكم أن ينظر في أصول النيل عساه ينفذ ما خطر له وهو بالشام، فرحل ابن الهيثم في النيل حتى بلغ موضع الشلال الأول قبلي أسوان، ورأى في طريقه آثار قدماء المصريين، فعلم أنه لا يستطيع أن يأتي من الأعمال الهندسية ما لم يبلغ القدماء معرفته، فأظهر ابن الهيثم عجزه، وعاد إلى القاهرة معتذرًا إلى الحاكم.١٩ وهذه خصلة أخرى نسجِّلها لهذا العالم العظيم الخلق الذي خطر له رأي، فلما كُلِّف بتنفيذه أبى عليه تواضعه العلمي إلا أن يعترف بعجزه أمام ما وجده من فن القدماء، ولو لم يكن ابن الهيثم على هذا الخطر من الخلق العظيم لَتمادَى في مشروعه، ولَكلَّفَ الدولة آلاف الدنانير، ولَاستفاد هو أيضًا، إن كان على نمط علماء عصرنا، فما أحرانا وقد مضى نحو ألف عام على وفاة ابن الهيثم أن نتمثل به في قناعته وتواضعه وعلمه. وكان من المتوقع أن يغضب الحاكم بأمر الله على ابن الهيثم، ولكن الإمام الحاكم حفظ له مكانته وعرف قدر خلقه وعلمه، فولَّاه بعض الدواوين، وقَبِلَ ابن الهيثم العمل رهبة لا رغبة، ثم خاف بطش الحاكم بعمَّاله وتقلباته مع مَن حوله، فنزوات الحاكم وتسرُّعه في إراقة الدماء أو التعذيب أمر عُرِف به هذا الإمام، فاضطر ابن الهيثم إلى أن يتصنع الجنون والخبال، فتركه الحاكم في منزله، وجعل له مَن يخدمه ويقوم بمصالحه.٢٠ فاعتكف ابن الهيثم حتى بلغه وفاة الحاكم سنة ٤١١، فاطمأن من نزواته على نفسه، فأظهر العقل وعاد إلى ما كان عليه، واستوطن قبة على باب الجامع الأزهر، وأقام بها متنسِّكًا، واشتغل بالتصنيف والتعليم ونَسْخ الكتب القديمة، فكان يتعيش من نَسْخ ثلاثة كتب كل سنة هي إقليدس والمتوسطات والمجسطي، ويبيعها بمائة وخمسين دينارًا هي مئونته لسنة،٢١ ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة.
اتفق المؤرخون الذين ترجموا لابن الهيثم على أنه كان عالمًا متقنًا لعلوم كثيرة، فيقول القفطي عنه: «ابن الهيثم صاحب التصانيف والتآليف المذكورة في علم الهندسة، كان عالمًا بهذا الشأن، متقنًا له، متفنِّنًا فيه، قيمًا بغوامضه ومعانيه، مشاركًا في علوم الأوائل، أخذ عنه الناس واستفادوا منه.»٢٢ ويقول البيهقي: «الحكيم بطليموس الثاني أبو علي بن الهيثم، كان تلو بطليموس في العلوم الرياضية والمعقولات، وتصانيفه أكثر من أن تُحصَى.»٢٣ ويذهب ابن أبي أصيبعة إلى أن ابن الهيثم كان متفنِّنًا في العلوم، لم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولا يقرب منه.٢٤ ويقول المستشرق دي بور: نجد في القاهرة في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس من الهجرة) رجلًا من أعظم الرياضيين والطبيعيين في العصور الوسطى، هو أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم.٢٥ وسرد القفطي أسماء سبعة وستين كتابًا من تأليف ابن الهيثم، أما ابن أبي أصيبعة فذكر له ما يقرب من مائتي كتاب، خلا رسائل كثيرة، فقد ألَّف ابن الهيثم في الهندسة والطبيعيات والفلك والحساب والجبر، وفي الطب والمنطق والأخلاق، فلا غرو إذا رأينا الجمعية المصرية للعلوم الرياضية والطبيعية تحتفل بذكرى مرور تسعمائة سنة على وفاة ابن الهيثم، وقد أظهر أعضاء هذه الجمعية الثروة العلمية التي خلَّفها ابن الهيثم، ونوَّهوا بمكانته في هذه الفنون التي نبغ فيها وعرض لها في مصنفاته، فالأستاذ مصطفى نظيف «بك» قال: «إن ابن الهيثم قلب الأوضاع القديمة، وأنشأ علمًا جديدًا، هو قد أبطل علم المناظر الذي وضعه اليونان، وأنشأ علم الضوء الحديث بالمعنى وبالحدود وبالأصول التي نراها الآن، وإنْ عُدَّ نيوتن بحق رائد علم الميكانيكا في القرن السابع عشر، فابن الهيثم خليق بأن يُعَدَّ بحق رائد علم الضوء في مستهل القرن الحادي عشر للميلاد.»٢٦
وقال الأستاذ محمد رضا مدور «بك»: «إذا أردنا أن نقارن ابن الهيثم بعلماء عصرنا الحاضر، فلا أكون مُغالِيًا إذا اعتبرت ابن الهيثم في مرتبةٍ تضاهي مرتبة العلامة أنيشتين في عصرنا هذا.»٢٧
ويقول الأستاذ الدكتور مشرفة «باشا»: «المُطَّلِع على كتاب ابن الهيثم في حل شكوك إقليدس، يلمس فيه دقة المؤلف في التفكير، وتعمُّقه في البحث، واستقلاله في الحكم، كما يتضح له صحة إدراك ابن الهيثم لمكان الهندسة الإقليدسية من العلوم الرياضية، على أنها دراسة منظمة للعلاقات والمقادير المكانية من ناحية كونها علاقات أو مقادير، وبغير نظر إلى ما يمكن أن تدل عليه من موجودات. فابن الهيثم في هذا الكتاب رياضي بحت بأدق ما يدل عليه هذا الوصف من معنى، وأبلغ ما يصل إليه من حدود.»٢٨ فهذا كله قول مختصين يستطيعون الحكم على مكانة ابن الهيثم في العلوم الرياضية والطبيعية، ولكن ابن الهيثم كان في مصر الفاطمية، فوجَدَتْ تعاليمه وآراؤه ما وجدت مصر الفاطمية كلها، بسبب تعصُّب مَن أتى بعد الفاطميين، وقد لاحَظَ الأستاذ ديبور إهمال العلماء له، فقال: إنه لم يكن لدعوة ابن الهيثم ثمرة كبيرة في الشرق، ولا يُعرَف من تلاميذه غير واحد يُعَدُّ من الفلاسفة هو أبو الوفاء مبشر بن فاتك القائد.٢٩ ولكني أرى خلاف ما رآه ديبور، فقد كان لابن الهيثم تلاميذ كثيرون، وإنهم حافظوا على تعاليمه ودعوته، ولكن كما قلت كان التعصب الديني عند الأيوبيين والعباسيين قويًّا، حتى إنهم لم يفرِّقوا بين عقيدة الفاطميين أعدائهم وبين العلوم الرياضية، فكلُّ مَن اتَّصَلَ بالفاطميين فهو من زمرتهم، وكل عالم من علماء مصر الفاطمية متَّهَم بالخروج عن الدين، ويجب أن تُحرَق كتبه، ولا تُتَّبَع تعاليمه. هذا ما حدث لابن الهيثم وغير ابن الهيثم من العلماء.
أما مبشر بن فاتك الذي ذكر أنه تلميذ ابن الهيثم، فهو الأمير محمود الدولة أبو الوفاء المبشر بن فاتك، وكان من أعيان أمراء مصر وأفاضل علمائها، دائم الاشتغال، محبًّا للفضائل والاجتماع بأهلها ومباحثاتهم والانتفاع بما يقتبسه من جهتهم، وكان ممَّنْ اجتمع به منهم، وأخذ عنه كثيرًا من علوم الهيئة والعلوم الرياضية أبو علي محمد بن الهيثم.٣٠ ويقول أمية بن أبي الصلت: إنه أدرك أبا الوفاء، وأخذ عنه شيئًا من المنطق، وتخصَّصَ به، وتميَّز عن أضرابه، وإن أبا الوفاء أدرك أبا كثير بن الزقان تلميذ أبي الحسن علي بن رضوان، وقرأ بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس جميع كتب المنطق، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه وفسَّرَ ولخَّصَ.٣١ وكان أبو الوفاء أحد أدباء مصر العارفين بالأخبار والتواريخ، وكان في أيام الظاهر والمستنصر، وله كتاب سيرة المستنصر في ثلاثة مجلدات، وله تواليف في علوم الأوائل، كما كان حريصًا على اقتناء الكتب، فجمع منها ما لا يُحصَى عدده كثرةً.٣٢ ويقول القفطي: إنه قرأ على المبشر فضلاء زمانه فسادوا،٣٣ ويذكر من تلاميذه الطبيب سلامة بن رحمون اليهودي الذي ناظَرَ أمية بن أبي الصلت.٣٤
ومن الرياضيين الذين كانوا في هذا العصر رزق الله المنجم النحاس الذي وصفه أمية بقوله: «وله في فروع النجامة بعض دربة، وبتجرباتها بعض خبرة، وهو شيخ أكثر المنجمين بمصر وكبيرهم الذي علَّمَهم السحر، فجميعهم إليه منسوب، وفي جريدته مكتوب، وبفضله معترف.»٣٥ وأبو علي المهندس المصري الذي كان قيمًا بعلم الهندسة، وكان يعيش في أوائل القرن السادس الهجري، وكان مع ذلك أديبًا شاعرًا، ويظهر من شعره أنه متأثِّر بدراسته الهندسية، فهو يقول مثلًا:
تقسم قلبي في محبةِ معشرٍ
بكلِّ فتًى منهم هواي منوط
كأنَّ فؤادي مركزٌ وهُمْ له
محيطٌ وأهوائي لديه خطوط٣٦

وقوله أيضًا:

إقليدس العلم الذي يحوي به
ما في السماء معًا وفي الآفاق
تزكو فوائده على إنفاقه
يا حبَّذا زاكٍ على الإنفاق
هو سلَّم وكأنما أشكاله
درج إلى العلياء للطرَّاق
ترقى به النفسُ الشريفة مرتقى
أَكْرِم بذاك المرتقى والراقي٣٧
وظهر في مصر في هذا العصر عدد كبير من الأطباء، والطب كما نعلم كان في ذلك العصر من علوم الفلسفة، وكثرت في مصر الفاطمية مناظرات الأطباء ومجادلاتهم، فكان ذلك من أسباب ازدهار هذا النوع من العلم واتساع أفقه وكثرة التآليف حوله، وقرَّب الفاطميون الأطباء، وأغدقوا عليهم من نِعَمهم وعطاياهم خلاف ما أوقفوا لهم من مرتبات شهرية، فمن ذلك ما يُروَى أن منصور بن مقشر النصراني طبيب العزيز بالله اعتلَّ سنة ٣٨٥ﻫ، وتأخَّرَ عن الركوب مع الإمام، فلما تماثَلَ من علَّتِه كتب إليه العزيز رقعة بخطه، نسختها:

بسم الله الرحمن الرحيم
طبيبنا سلَّمه الله

سلَّمَ الله الطبيبَ وأتمَّ النعمةَ عليه، وصلت إلينا البشارة بما وهبنا الله من عافية الطبيب وبُرْئه، والله العظيم لقد عدل عندنا ما رزقنا نحن من الصحة في جسمنا، فتمَّمَ الله عليك النعمة، وكمل لنا صحتك وعجَّل بها، ولا أشمت بنا فيك عدوًّا ولا حاسدًا، وردَّ كيدَ مَن يريد الكيدَ في نحره، وابتلاه مما لا طاقة له، بعد الكفاية فيك، وإقالتك العثرة، ورجوعك إلى أفضل ما عودك. وصلَّى الله على خيرته من خلقه محمد النبي وآله وسلَّمَ تسليمًا.٣٨
فمثل هذه الرسالة لا تصدر إلا من صديق حميم يخلص لصاحبه ويحب له الخير، فما بالك إذا صدرت من إمام مسلم إلى طبيبه المسيحي، فالإمام عرف لطبيبه قدرته في فنه وعلو كعبه في صناعته، فقرَّبَه واتخذه صديقًا. وكذلك يقال إن المعز لدين الله اصطنع لنفسه الطبيب موسى بن العيزار، وكان طبيبًا عالمًا بتركيب الأدوية وطبائع المفردات، وهو الذي ألف شراب الأصول.٣٩
ووفد على مصر في عهد المعز والعزيز الطبيب محمد بن أحمد بن سعيد التميمي، وهو من بيت المقدس، واشتهر بخواص العقاقير وتركيب الأدوية، ولقي الأطباء بمصر وحاضَرَهم وناظَرَهم، واختلط بأطباء الخاصة القادمين من المغرب في صحبة المعز، والمقيمين بمصر من أهلها. ويقول القفطي: إنه كان منصفًا في مذكراته، غير رادٍّ على أحد إلا بطريق الحقيقة، وصنَّف للوزير يعقوب بن كلس كتابًا كبيرًا في عدة مجلدات سمَّاه «مادة البقاء، بإصلاح فساد الهواء، والتحرُّز من ضرر الأوباء»، وتوفي التميمي بمصر في حدود سنة ٣٧٠ﻫ.٤٠
ومن أشهر الأطباء في هذا العصر سلامة بن رحمون أبو الخير اليهودي المصري، الذي قال عنه أمية بن أبي الصلت: «وأنبه مَن رأيته من أطباء مصر، وأدخلهم في عداد الأطباء؛ رجل من اليهود يُدعَى أبا الخير سلامة بن رحمون، فإنه لقي أبا الوفاء المبشر بن فاتك، وأخذ عنه شيئًا من صناعة المنطق تخصَّصَ به وتميَّز عن أضرابه، وأدرك الكثير الزقاني تلميذ أبي الحسن بن رضوان، وقرأ عليه بعض كتب جالينوس، ثم نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعًا، وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية، وشرح بزعمه وفسَّر ولخَّص، ولم يكن هنالك في تحصيله وتحقيقه، بل كان يكثر كلامه فيضلُّ، ويسرع جوابه فيزلُّ.»٤١ وناظَرَه أمية، ولكن إجابات سلامة لم تجد منه قبولًا، فرماه بسوء التصوُّر والفهم.٤٢
ولعل من أشهر أطباء هذا العصر هو أبو الحسن علي بن رضوان، وُلِد بالجيزة، وكان أبوه فرَّانًا، ولما بلغ السادسة من عمره أسلم نفسه للمعلمين، وانتقل إلى مدينة مصر وهو في العاشرة لطلب العلم، وبدأ في دراسة الطب وغيره من علوم الفلسفة وهو في الرابعة عشرة من عمره، ولفقره وحاجته إلى ما يستعين به في الحياة اضطر إلى أن يتكسب بالطب مرة، وبالتنجيم مرة أخرى، وبالتعليم كذلك، وفي الوقت نفسه كان يواظب على طلب العلم، ويجدُّ في التحصيل حتى بلغ الثانية والثلاثين من سني حياته؛ إذ بدأ يشتهر بالطب، وكفاه ما كان يكسبه عن طريقه، بل تفوَّق على غيره من الأطباء المعاصرين، وصار له ذِكْر حسن في البلاد، وسمع به الحاكم بأمره فاستخدمه، وجعله رئيسًا على سائر المتطبِّبين، فاتسعت حاله، واقتنى الأملاك في المدينة، كما ذاع صيته في البلاد الإسلامية، حتى إن الأطباء فيها كانوا يناظرونه مراسَلَةً، ويطلبون ما عنده من علم الطب، فممَّنْ راسَلَه الطبيب أبو الفرج جرجس بن يوحنا المعروف باليبرودي الدمشقي الذي راسَلَ ابن رضوان وغيره من الأطباء المصريين. ويقول ابن أبي أصيبعة عنه: وله مسائل عدة إليهم طبية ومباحثات دقيقة، وكتب بخطه شيئًا كثيرًا جدًّا من كتب الطب، ولا سيما من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها.٤٣ ويُفهَم من إحدى رسائل ابن رضوان أن اليبرودي زار مصر، وكان كثير الاختلاط به للمناظرة والمناقشة في المسائل الطبية.٤٤ كذلك ناظَرَه الطبيب أبو الحسن المختار بن الحسن المعروف بابن بطلان النصراني البغدادي، فكان بين الطبيب المصري والطبيب البغدادي مراسلات عجيبة، ولم يكن أحد منهما يؤلِّف كتابًا ولا يبتدع رأيًا إلا ويردُّ الآخَر عليه، ويسفِّه رأيه فيه. ثم رأى ابن بطلان البغدادي أن يَفِدَ على القاهرة لمشاهدة زميله ومناظِره ابن رضوان، فدخل مصر سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وأقام بها ثلاث سنوات، وكان وجوده بالقاهرة المعزية من أسباب شدة المناقشات والمناظرات العلمية بين الطبيبين، وخرج ابن بطلان من مصر، ووضع كتابًا تضمَّنَ الوقائع التي كانت بينه وبين منافسه ابن رضوان، وردَّ ابن رضوان عليه.٤٥ ويقول ابن أبي أصيبعة في الموازنة بين الطبيبين ابن رضوان المصري وابن بطلان البغدادي: كان ابن بطلان أعذب لفظًا، وأكثر ظرفًا، وأميز في الأدب وما يتعلق به، وكان ابن رضوان أطبَّ وأعلمَ بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها.٤٦ وحفظ لنا خمس رسائل لهذين الطبيبين في المناظرة بينهما، وطُبِعت هذه الرسائل بكلية الآداب بجامعة القاهرة.
وكان ابن رضوان معتزًّا بعلمه ومهارته في فنِّه، فكان يردُّ على جميع أطباء عصره وغيرهم، وكان كثيرَ الردِّ على آراء مَن سبقه من الأطباء، وكانت عنده سفاهة في بحثه وتشنيع على مَن يريد مناقشته، وأكثر ذلك عندما كان يردُّ على حنين بن إسحق، وعلى أبي الفرج بن الطيب أستاذ ابن بطلان، وعلى أبي بكر محمد بن زكريا الرازي.٤٧ وكان ابن رضوان دميم الخِلْقة، مشوَّه الصورة، أسود اللون، ومن تأليفه مقالة في مَن عيَّرَه بقبح الخلقة، وبيَّنَ في هذه الرسالة أن الطبيب الفاضل لا يجب أن يكون جميل الوجه، وكثيرًا ما كان ابن بطلان البغدادي يتحدَّث عن قبح شكل ابن رضوان المصري، حتى إنه قال في الرسالة التي وسمها «بوقعة الأطباء» يصف ابن رضوان:
فلمَّا تبدَّى للقوابلِ وجهُه
نكصْنَ على أعقابِهنَّ من النَّدَمِ
وقُلْنَ وأخفَيْنَ الكلامَ تستُّرًا
أَلَا ليتنا كنَّا تركناه في الرَّحِمِ
وكان يلقِّبه بتمساح الجن؛ لشدة قبح منظره وسفاهة لسانه.٤٨

وتغيَّر عقل ابن رضوان في أواخر أيام حياته، وقيل إن السبب في ذلك أنه في إبَّان المحنة العظمى التي حلَّتْ بمصر أيام حكم المستنصر الفاطمي، والتي اشتدت وعظمت من سنة سبع وأربعين وأربعمائة، كان ابن رضوان قد أخذ يتيمة ربَّاها كبرت عنده، فلمَّا كان في بعض الأيام خلا لها المنزل، وكان قد ادَّخَر أشياء نفيسة من الذهب نحو عشرين ألف دينار، فأخذت الجميع وهربت، ولم يظفر منها على خبر، فتغيَّرَتْ أحواله منذ ذلك الوقت، وتوفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، وترك من مؤلفاته وتصانيفه أكثر من مائة كتاب.

كان لابن رضوان أثر كبير في الحياة العقلية بمصر؛ فهذه المناظرات الكثيرة التي كانت بينه وبين غيره من الأطباء، وهذه الردود المختلفة التي كتبها في الرد على الأطباء السابقين، كان لها أثرها في تنبيه الأطباء والفلاسفة إلى آراء ابن رضوان وآراء خصومه، وكان لابن رضوان تلاميذ أخذوا عنه عِلْمَه وطبَّه، فمن هؤلاء التلاميذ: الطبيب الإسرائيلي إفرائيم بن الزفان، وأبو كثير بن الحسن بن إسحق، وكان من الأطباء المشهورين بمصر، واستخدمه الأئمة، وكان كثيرَ الاهتمام بجمع الكتب ونَسْخها حتى كانت عنده خزائن كثيرة من الكتب الطبية وغيرها، وكان عنده النسَّاخ يكتبون، ولهم ما يقوم بكفايتهم منه، ومن جملة هؤلاء النسَّاخ محمد بن سعيد بن هشام الحجري المعروف بابن ملساقة. وقيل إن أحد ورَّاقي العراق أراد شراء كتبٍ من إفرائيم، فسمع الأفضل بن بدر الجمالي بذلك، فأمر بفسخ هذه الصفقة، وأن تبقى الكتب في مصر ولا تنتقل إلى بلاد أخرى، وأمر بشرائها وإضافتها إلى خزانة الأفضل، وكتب عليها ألقابه. ويقال إن إفرائيم خلَّف ما يزيد على عشرين ألف مجلد.٤٩

وصنَّف الطبيب أبو جعفر يوسف بن حسداي شرحًا لكتاب الإيمان من كتب أبقراط، سمَّاه الشرح المأموني، نسبةً إلى الوزير المأموني بن البطائحي.

ومن هذه الأمثلة التي ذكرناها عن حركة العلوم الطبية في مصر، ندرك مقدار نشاط هذه العلوم وازدهارها إبَّان حكم الفاطميين، وأن مصر استطاعت في هذا العصر أن تنافس غيرها من الأقطار الإسلامية في مضمار هذا العلم، فوفد عليها عدد من الفلاسفة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: أمية بن أبي الصلت الأندلسي، جاء مصر سنة ٤٨٩ﻫ وظلَّ بها إلى أن نفاه الأفضل بن بدر الجمالي سنة ٥٠٩ﻫ، وكان أمية عالمًا في فنون مختلفة، شاعرًا فحلًا، وأديبًا ممتازًا بجانب علومه الفلسفية، سجنه الوزير الأفضل فصنَّف وهو بالسجن رسالةَ العمل بالأصطرلاب، وكتابَ الوجيز في علم الهيئة، وكتابَ الأدوية المفردة، وكتابًا في المنطق، وآخَر سمَّاه الانتصار في الرد على ابن رضوان في رده على حنين بن إسحق. وكان له تلاميذ بمصر نذكر منهم: أبا عبد الله الشامي، وسليمان بن الفياض الإسكندراني، وروى عنه ظافر الحدَّاد وغيرهم، وسنتحدَّث عن أمية في باب الشعر من هذا الكتاب.

ومن أشهر الفلاسفة الذين تحدَّثوا في الإلهيات في هذا العصر: أحمد حميد الدين بن عبد الله بن محمد الكرماني، ويُعرَف في الدعوة الإسماعيلية بحجة العراقين، وفد على مصر في عهد الحاكم بأمر الله. فهو يقول في رسالته «مباسم البشارات بالإمام الحاكم»: «فإني لما وردت الحضرة النبوية مهاجرًا، والسدة العلوية زائرًا، ورأيت السماء قد أظلت بسحاب عميم، والناس تحت ابتلاء عظيم …»٥٠ ويُخَيَّل إليَّ أنه وفد على مصر عقب ثورة الدرزي، وظلَّ بمصر نحوًا من عشر سنوات، وصنَّفَ بها عدة رسائل منها: «الرسالة الكافية» في الرد على الشريف الهاروني الحسني، والرسالة الواعظة في الرد على الفرغاني ابن الأخرم أحد دعاة الدرزية، ورسالة مباسم البشارات بالإمام الحاكم، ورسالة الصوم … وغيرها. وإذا قرأنا رسائل الكرماني وكُتُبه نجده يتحدَّث في الفلسفة الطبيعية والإلهية كما في «راحة العقل»، وفي الفلسفة الإلهية كما في «الرسالة الدرية»، ورسالة النظم في مقابلة العوالم، ورسالة الرضية في جواب مَن يقول بقِدَم الجوهر وحدوث الصورة، والرسالة الحاوية وهي في البحث عن أيهما أسبق الليل أم النهار … وهكذا؛ نجد الكرماني تحدَّثَ في جميع أقسام الفلسفة، ولا سيما في كتابه «راحة العقل» الذي يُعَدُّ من أقوم كتب الفلسفة في العصر الفاطمي، فهو في هذا الكتاب تلميذ من تلاميذ الفلسفة اليونانية المصطبغة بالصبغة الإسلامية على المذهب الفاطمي. وحديثه عن إبداع العقل الكلي وصفاته وخصائصه، وانبعاث النفس الكلية وصفاتها، وعن العالم الروحاني، وعالم الكون والفساد، يدل على أن الكرماني كان من أكبر الباحثين في هذه الموضوعات الفلسفية، ولا غرو أن كان لهذا الداعي أثره في تاريخ المذهب الإسماعيلي إلى اليوم، فكلُّ مَن جاء بعده أخذ عنه، واقتبس من رسائله وكتبه.

مما سبق نستطيع أن نكرِّر ما قلناه من أن العلوم الفلسفية ازدهرت في العصر الفاطمي ازدهارًا لا نجد له مثيلًا في الأقطار الإسلامية الأخرى، بل نجد غير الفاطميين كانوا يجنحون إلى اعتبار الدراسات الفلسفية دراسةً إلحاديةً، وأن القائمين بها من العلماء زنادقة، ولكن الفاطميين كانوا أوسع أفقًا في تفكيرهم، وكان مذهبهم يقوم على الفلسفة، فجمعوا إليهم علماءها، وعقدوا مجالس المناظرات بينهم، فازدهرت بذلك الحركة العلمية، وقوي البحث للوصول إلى معرفة الحقيقة، مستعينين بالمنطق وآراء الفلاسفة الأقدمين.

١  أخبار مصر لابن ميسر حوادث سنة ٥٤٣ﻫ والمقريزي ج١ ص٩٧.
٢  كتاب الفترات والقرانات: ورقة ٢، نسخة بمكتبتي الخاصة.
٣  المجالس المؤيدية، والفترات والقرانات: ص٥٧، والسيرة المؤيدية في القصيدة المسمطة.
٤  المجالس والمسايرات: ورقة ٩٢ب.
٥  كتاب الكشف لجعفر بن منصور اليمن (نسخة خطية بمكتبتي).
٦  كتاب الهمة في آداب اتِّبَاع الأئمة (طبع دار الفكر العربي): ص٥٤.
٧  ديوان الأمير تميم بن المعز: ورقة ٩٣ب، نسخة خطية بمكتبتي الخاصة.
٨  أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن محمد العتقي المنجم، كان متفنِّنًا في عدة علوم، والغالب عليه علم النجوم، ولما وفد بمصر قرَّبه الفاطميون، ولم يَزَلْ مقرَّبًا إلى أيام العزيز بالله، ولكن حدث أن صنَّفَ كتابًا في التاريخ ذكر فيه بني أمية وبني العباس، وأشادَ ببعض محاسنهم وجميل أفعالهم، وأَطْلَعَ عليه الوزير يعقوب بن كلس فأنهاه إلى العزيز؛ فوبَّخَ العتقي على ذلك، وجمع الوزير العلماء إلى داره وذم العتقي أمامهم، فاضطر العتقي إلى أن يلزم داره، كما صُودِرَتْ أملاكه، وتوفي سنة ٣٨٥ﻫ، وله عدة تصانيف منها: كتب في النجوم وأحكامها، وكتاب التاريخ الجامع صنَّفَه إلى بعض أيام العزيز، وكتاب في النحو سمَّاه السبب لعلم العرب (راجع أخبار الحكماء للقفطي ص١٨٧).
٩  القفطي: ص٢٦٧.
١٠  ابن خلكان: ج١، ص٣٧٥.
١١  القفطي: ص١٥٥.
١٢  المقريزي: ج١، ص٢٠٦.
١٣  المقريزي: ج٢، ص٢٤٩.
١٤  القفطي: ص٢٨٦.
١٥  مادة تنجيم في دائرة المعارف الإسلامية.
١٦  تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي: ص٥١، مخطوط بدار الكتب المصرية.
١٧  البيهقي: تاريخ حكماء الإسلام ص٥١ وما بعدها، نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
١٨  القفطي: ص١١٤.
١٩  القفطي: ص١١٥.
٢٠  القفطي: ص١١٥، وابن أبي أصيبعة: ج٢، ص٩٠.
٢١  القفطي: ص١١٥، وابن أبي أصيبعة: ج٢، ص٩٠.
٢٢  القفطي: ص١١٤.
٢٣  تاريخ حكماء الإسلام: ص٥١.
٢٤  ابن أبي أصيبعة: ج٢، ص٩.
٢٥  تاريخ الفلسفة في الإسلام: ص١٩٠، ترجمة الدكتور أبو ربدة.
٢٦  الاجتماع التخليدي لذكرى ابن الهيثم: ج٢٧.
٢٧  المصدر السابق: ص٣١.
٢٨  المصدر السابق: ص٤.
٢٩  تاريخ الفلسفة: ص١٩٤.
٣٠  ابن أبي أصيبعة: ج٢، ص٩٨.
٣١  الرسالة المصرية: ص٧٧، نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
٣٢  معجم الأدباء: ج١٧من ٧٧ (طبعة رفاعي).
٣٣  القفطي: ص١٧٦.
٣٤  القفطي: ص١٤٢، وابن أبي أصيبعة: ج٢، ص١٠٦.
٣٥  القفطي: ص١٢٧.
٣٦  القفطي: ص٢٦٧.
٣٧  المصدر السابق.
٣٨  المصدر السابق: ص٢١٩.
٣٩  القفطي: ص٢١٠.
٤٠  القفطي: ص٧٤، و٧٥.
٤١  القفطي: ص١٤٢.
٤٢  المصدر السابق.
٤٣  عيون الأنباء: ج٢، ص١٤١.
٤٤  خمس رسائل لابن بطلان البغدادي وابن رضوان المصري: ص٤٣ (مطبوعات كلية الآداب بجامعة القاهرة).
٤٥  عيون الأنباء: ج٢، ص١٠١.
٤٦  عيون الأنباء: ج١، ص٢٤٢.
٤٧  عيون الأنباء: ج٢، ص١٠١.
٤٨  عيون الأنباء: ج١، ص٢٤٢.
٤٩  عيون الأنباء: ج٢، ص١٠٥ (طبعة مصر ١٨٨٢).
٥٠  رسائل الكرماني (نسخة خطية بمكتبتي).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣