الفصل الثاني

علوم اللغة العربية والفقه

(١) علوم اللغة والنحو

بجانب هذه الدراسات الفلسفية التي ازدهرت بمصر الفاطمية، كان هناك دراسات عربية في علوم اللغة والنحو، ورواية للأدب القديم وشرحه ونقده، وكانت هذه العلوم تسير جنبًا إلى جنب مع غيرها من الدراسات التي أقْبَلَ عليها العلماء والمتعلمون في مصر، وكان هؤلاء العلماء كعبةً يَفِدُ إليها طلاب العلم من البلدان الإسلامية الأخرى للاستفادة من علماء مصر والرواية عنهم.

لم تكن هذه الدراسات العربية جديدة على مصر، فقد ذكرتُ في كتاب «أدب مصر الإسلامية» أن هذه العلوم وُجِدَتْ في مصر منذ بدأ المسلمون في مصر يقرءون القرآن الكريم عن الصحابة والتابعين، ويهتمون بإعجامه على نحو ما فعله أبو الأسود الدؤلي وعبد الله بن أبي إسحق، حتى إذا دُوِّنَ علم النحو وظهر كتاب سيبويه ونحاة الكوفة والبصرة، أقبَلَ المصريون على الأخذ عنهم، واطرد نمو هذا اللون من الدراسة حتى غمرت مصر، وفاضت على غيرها من بلدان المغرب والأندلس، وقد استمر تيار هذه الدراسات بمصر في العصر الفاطمي والعصور التي تلته، وكثر العلماء الذين انقطعوا إلى هذا العلم وعُرِفوا به، وقد ذكرنا كيف كان الخلفاء الفاطميون يشجِّعون هذه الدراسات، ويحبسون المرتبات للعلماء، وكيف حرصوا على اقتناء الكتب اللغوية والنحوية، وجعلوها مع غيرها من الكتب بين يدي العلماء والمتعلمين، فلا غرو أن رأينا عددًا كبيرًا ينبغون في هذه العلوم، ويصنِّفون كتبًا كثيرة في هذه الفنون، ويكفي أن نُلقِي نظرةً على كتب التراجم لندرك كيف أقبل الناس على هذه الدراسات، وكيف تضاعَفَ عدد الكتب التي أُلِّفَتْ فيها.

وكما كان الفلاسفة يجتمعون للمباحثة والمذاكرة في فنونهم، كذلك فعل علماء النحو واللغة، فقد قيل: إن جنادة الهروي والحافظ عبد الغني بن سعيد، وأبا إسحق علي بن سليمان المعري النحوي، كانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، وتقوم بينهم مباحثات ومذاكرات.١ وبلغ من اهتمام الفاطميين بعلوم اللغة والنحو أنهم جعلوا في ديوان الإنشاء لغويين ونحويين يراجعون ما كان يصدر عن الكتَّاب من رسائل، حتى لا يظهر في كتابات الكتَّاب لحن في اللغة أو خطأ في النحو، وسنتحدَّث عن ذلك في باب الكتابة الفنية.
ومن أشهر العلماء الذين ظهروا في هذا العصر، أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز النحوي، كان في خدمة العزيز بالله الفاطمي، ويقال إن العزيز تقدَّم إليه أن يؤلِّف كتابًا يجمع فيه سائر الحروف التي أشار إليها النحويون في قولهم «إن الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى»، وأن يقصد في تأليفه إلى ذكر الحرف الذي جاء لمعنى، وأن يجري ما ألَّفه من ذلك على حروف المعجم، وهو لون جديد لم يسبق إليه أحد من النحاة، فقام القزاز بجمع مواد هذا الكتاب، فبلغ جملة ما جمعه ألف ورقة. ويروي ابن خلكان عن أبي علي الحسن بن رشيق في كتاب الأنموذج: أن القزاز فضح المتقدمين، وقطع ألسنة المتأخرين، وكان مهيبًا عند الملوك والعلماء وخاصة الناس، محبوبًا عند العامة، قليل الخوض إلا في علم دين أو دنيا، يملك لسانه ملكًا شديدًا.٢ ولأبي عبد الله القزاز كتاب الجامع في اللغة، وهو من الكتب المختارة المشهورة، وتوفي سنة اثنتي عشرة وأربعمائة بالقاهرة.

ومن العلماء الذين شاهدَتْهم مصر في العصر الفاطمي علي بن أحمد المهلبي، فقد كان إمامًا في النحو واللغة، ورواية الأخبار وتفسير الأشعار، وكان من جلساء المعز والعزيز المقرَّبين إليهما، وكان المهلبي قبل ذلك مقرَّبًا إلى كافور الأخشيدي، وممَّنْ عاصَرَ المتنبي في مصر، وكانت بينه وبين المتنبي بعض محاورات علمية. يروي ياقوت أن المهلبي قال: وقع بيني وبين المتنبي في قول العدواني:

يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
وذلك أن المتنبي قال: إن الناس يغلطون في هذا البيت، والصواب اشقوني من شقأت الرأس بالمشقاة وهو المشط. فقلت له: أخطأت في وجوه: أحدها أنه لم يُروَ كذلك، والآخَر أنه يقال شقأت بالهمزة، وأيضًا فإني أظنك لا تعرف الخبر فيه، وما كانت العرب تقول في الهامة؛ إنها إذا لم يثأر بصاحبها لا تزال تقول اسقوني، فإذا ثأروا به سكن كأنه شرب ذلك الدم.٣
وللمهلبي كتاب في الرد على كتاب المقصور والممدود لابن ولاد المصري،٤ وقيل إن المهلبي أخذ مادة هذا الكتاب عن المتنبي ونسبها إلى نفسه. وروى كثير من المصريين عن المهلبي، ومن أشهر تلاميذه: أبو يعقوب يوسف بن يعقوب النجيرمي، وابنه بهزاد، وعبد الرحمن بن إسماعيل العروضي نزيل مصر، وغيرهم. وتوفي المهلبي سنة ٢٨٥ﻫ.٥
ومن أشهر علماء مصر في ذلك العصر: أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ الذي عُدَّ إمام عصره في النحو، وهو أحد الذين عُهِد إليهم تصحيح رسائل الكتَّاب في ديوان الإنشاء، يروي ابن خلكان: أن الخطيب التبريزي دخل مصر في عنفوان شبابه، وقرأ عليه بها الشيخ أبو الحسن بن بابشاذ النحوي وغيره علومَ اللغة، ثم عاد إلى بغداد.٦ ألَّفَ من الكتب كتاب المقدمة المحسنية في فن العربية، ويوجد من هذا الكتاب ثلاث نسخ خطية بدار الكتب المصرية، وله شرح على هذه المقدمة، وشرح الجمل للزجاجي، وشرح كتاب الأصول لابن السراج، وله في النحو كتاب بلغ خمس عشرة مجلدة سمَّاها النحاة بعده «تعليق الغرفة»؛ ذلك أن تلاميذه من بعده احتفظوا بهذا الكتاب عند مَن تصدَّرَ موضع ابن بابشاذ في حلقته بجامع عمرو، فقد انتقلت إلى تلميذه عبد الله محمد بن بركات السعدي النحوي اللغوي، ثم انتقلت بعده إلى صاحبه أبي محمد عبد الله بن بري النحوي، ثم بعده إلى أبي الحسين النحوي المنبوز بثلط الفيل، فكان كل واحد من هؤلاء العلماء يهبها إلى أخص تلاميذه، ويعهد إليه بحفظها. ولقد اجتهد جماعة من الطلاب في نسخها، فلم يتمكَّنوا من ذلك، وهكذا انتفع الناس بعلم ابن بابشاذ وبتصانيفه، وقد تزهَّدَ في أواخر أيامه، واستقال من عمله بديوان الإنشاء، وانقطع في غرفةٍ بجامع عمرو، فخرج ذات ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع، فزلت قدمه فسقط، وأصبح ميتًا في اليوم الثالث من رجب سنة تسعٍ وستين وأربعمائة.٧
وممَّنْ لهم أثر يُذكَر من علماء النحو واللغة علي بن جعفر بن علي السعدي المعروف بابن القطاع الصقلي، لم يكن مصريًّا، ولكنه من صقلية، فيها شبَّ، وقرأ على علمائها كابن البر أبي بكر الصقلي اللغوي وأمثاله، ثم رحل عن صقلية لما أشرف الفرنج على تملُّكها في حدود سنة خمسمائة، فوفد على مصر متَّخِذها وطنًا له، ولقيه المصريون بالحفاوة، وبالغوا في إكرامه، وخصَّه الوزير الأفضل بن بدر الجمالي بالرعاية، وجعله مؤدِّبًا لولده في علوم العربية وفنون الأدب. وقد روى ابن القطاع عن أبي بكر الصقلي كتاب الصحاح للجوهري، وعن طريق ابن القطاع اشتهرت رواية هذا الكتاب في الآفاق، وله حواشٍ على كتاب الصحاح اعتمد عليها محمد بن بري النحوي المصري فيما تكلَّمَ عليه من حواشي الصحاح، ولابن القطاع عدة تصانيف أخرى منها: كتاب الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة — أي جزيرة صقلية — اشتمل على مائة وسبعين شاعرًا، وعشرين ألف بيت شعر، وكتاب الأسماء في اللغة، جمع فيه أبنية الأسماء كلها، وكتاب الأفعال هذَّبَ فيه أفعال ابن القوطية وأفعال ابن طريف وغيرهما في ثلاث مجلدات، وله تاريخ صقلية، وتوفي في صفر سنة خمس عشرة وخمسمائة، ودُفِن بقرب ضريح الشافعي.٨

ولا يتسع المجال هنا للحديث عن جميع النحاة واللغويين الذين نبغوا في مصر في العصر الفاطمي، أمثال: محمد بن أحمد البازودي، ومحمد بن أحمد العميدي، ومحمد بن أحمد الجرجاني، ومحمد بن الحسين بن عمير اليمني صاحب أخبار النحويين ومضاهاة أمثال كليلة ودمنة، وهو أستاذ القاضي القضاعي، وأمثال محمد بن حميد بن حيدرة، ومحمد علي بن محمد أبو سهل الهروي الذي إليه كانت رياسة المؤذنين بجامع عمرو، وأحمد بن مطرف المتوفي سنة ٤١٣ الذي ولي قضاء دمياط، وله تصانيف أدبية ولغوية، كما كان شاعرًا له ديوان شعر، وهو الذي أجاز لأبي عبد الله الصوري الحافظ.

وبجانب هؤلاء العلماء المصريين أو الذين استوطنوا مصر من البلاد الأخرى، نرى عددًا كبيرًا من العلماء الذين كانوا يرحلون إلى الأقطار العربية في طلب العلم أو الكسب به، وفدوا على مصر وأقاموا بها ردحًا من الزمان، ثم تركوها إلى بلادهم أو إلى غيرها من البلدان، ولكنهم تركوا في مصر تلاميذ أخذوا عنهم علومهم، كما استفادوا هم من علماء مصر. نذكر من هؤلاء العلماء محمد بن عبد الله بن محمد بن ظفر المكي، وُلِد بمكة، وقدم مصر في صباه، ورحل عنها إلى إفريقية، وأقام بالمهدية مدة طويلة، انتقل بعدها إلى صقلية، ومنها إلى مصر، ثم وفد على حلب وشاهَدَ هناك الفتنة الكبرى بين الشيعة والسنة، وفي هذه الفتنة نُهِبت كتبه فقصد حماة، وأقام بها إلى أن مات سنة ٥٦٥. وكان لغويًّا أكثر منه نحويًّا، وله من الكتب: ينبوع الحياة في التفسير، التفسير الكبير، الاشتراك اللغوي، الاستنباط المعنوي، القواعد والبيان في النحو، الرد على الحريري في درة الغواص، المطول في شرح المقامات، وغيرها من الكتب.٩
ومحمد بن أبي الفرج الكناني الصقلي المعروف بالذكي النحوي، كان من صقلية، وطاف العالم الإسلامي حتى وصل إلى الهند، وكان من أئمة النحو، وتوفي بأصبهان سنة ٥١٦ﻫ.١٠
ومحمد بن يحيى مزاحم أبو بكر الخزرجي، تلميذ القاضي القضاعي وراويته، وكان نهايةً في علوم العربية، وألَّفَ كتاب الناهج للقراءات بأشهر الروايات، وأصله من لشبونة، ورحل إلى مصر حيث أقام بها ردحًا من الزمن، ثم عاد إلى مدينة بطليوس يحدِّث فيها بما رواه عن المصريين، وتوفي بها سنة ٥٠١ﻫ.١١

وإبراهيم بن محمد بن أحمد الهاشمي، وهو كوفي رحل إلى الشام ومصر، ثم عاد إلى موطنه، وبه توفي في شوال سنة ٤٦٦، وكان له حظ من الشعر، وتفوَّق في النحو واللغة، وهو صاحب القصيدة التي أنشدها وهو في مصر، ومنها:

فإن تسأليني كيف أنتَ فإنني
تنكرتُ دهري والمعاهد والقربَى
وأصبحتُ في مصر كمالًا يسرُّني
بعيدًا عن الأوطان منتزحًا غربَا
وإني فيها كامرئ القيس مرة
وصاحبه لمَّا بكَى ورأى الدربَا
فإنْ أَنْجُ من بابي زويله فتوبة
إلى الله ألا مس خفي لها تربَا
ومن الطريف أن هذا العالم الشاعر حدَّثنا بأنه قال هذه الأبيات، وكان حصل له من المستنصر بالله خمسة آلاف دينار مصرية،١٢ ومع ذلك فإنه كان يشعر بشدة الغربة عن بلاده.
ونذكر من هؤلاء العلماء: الرحَّالة عبد الله بن أبي سعيد الأندلسي النحوي الذي كانت له حلقة في جامع عمرو للإقراء، وتوفي سنة ٥٢٠ﻫ.١٣ وعبد الجبار بن محمد بن علي المعافري اللغوي الذي قدم مصر، وأقرأ بها العربية، ورحل إلى بغداد حيث ألقى بها علومه، وهو شيخ ابن بري المصري.١٤ ومنهم الحسن بن الوليد القرطبي المعروف بابن العريف النحوي، فقد خرج إلى مصر، ورأس فيها، ومات سنة سبع وستين وثلاثمائة.١٥
كذلك نذكر نصر بن صدقة القابسي النحوي، قدم مصر، وأخذ عن علمائها، ثم توجَّهَ إلى معرة النعمان، ولازَمَ أبا العلاء المعري، وأخذ عنه ديوان سقط الزند، وكتب منه نسخةً جيدة لنفسه، وعاد إلى مصر فقدَّمها للحاكم بأمر الله الفاطمي، وقرأه عليه فأعجبه نظم المعري حتى قيل: إن الحاكم أرسل إلى عزيز الدولة الوالي بحلب أن يحمل المعري إلى مصر، فاعتذر المعري.١٦

إذن نستطيع أن نلمس هذا النشاط في درس علوم اللغة بمصر في هذا العصر، وكيف كثر عدد العلماء، وكثر إنتاجهم، كما تعدَّدَتْ أماكن هذا الدرس؛ ففي الجامع الأزهر كانت تقام حلقات الدرس، وفي دار العلم كان يجتمع العلماء والطلاب، وفي جامع عمرو بالفسطاط استمرت حلقات التدريس التي تحدَّثنا عن نشاطها في كتابنا «أدب مصر الإسلامية». ولم تكن القاهرة والفسطاط مراكز الدرس في مصر فحسب، بل كانت الإسكندرية أيضًا تزخر بالعلماء والطلاب، وقد نقلَتْ كتبُ التراجم عن الحافظ السلفي تراجم عدد كبير من العلماء والمتعلمين الذين شهدتهم الإسكندرية في هذا العصر، والعلماء الذين وفدوا على الإسكندرية.

كما يحدِّثنا السيوطي أن محمد بن حميد بن الأرقط الحسيني النحوي قرأ على القاضي الأديب بأسوان الأدبَ، وظلَّ بأسوان تُؤخَذ عنه علوم القرآن الكريم والأدب، وانتقل إلى قوص، وتوفي سنة ٥٤١ﻫ.١٧ وكانت قوص من مراكز العلم في مصر، وسنتحدث عن ذلك كله فيما بعدُ، ومعنى هذا كله أنه كان بمصر مراكز كثيرة للعلم والثقافة بجانب الفسطاط والقاهرة.

(٢) القراءات وعلوم القرآن

من المعروف أن العلوم العربية والإسلامية إنما نشأت بسبب القرآن الكريم، وما يدور حول دراسة القرآن من ضبط حروفه، وتفسير غريبه، ومعرفة أسرار إعجازه، وتفهُّم معانيه، فعلم النحو وعلوم اللغة لم تنشأ إلا بسبب القرآن، فلا غرو أن رأينا هذه العلوم التي كانت تدور حول دراسة القرآن موضع اهتمام المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية ومنها مصر، فقد عرفت مصر هذه العلوم منذ دخلها المسلمون على نحو ما ذكرناه من قبلُ في كتاب «أدب مصر الإسلامية»، واستمرت هذه الدراسات تنمو وتزدهر حتى جاء الفاطميون فأولوا هذه الدراسات عنايتهم ورعايتهم؛ ففي كل الحفلات التي كان يقيمها الفاطميون كان القرَّاء في مقدمة الحاضرين يقرءون بين يدي الإمام، وكان كل قارئ يحاول أن ينال القربى من الإمام ليفوز بأكبر قسط من العطاء. وكذلك تُختتَم الحفلات بقراءة ما تيسَّرَ من القرآن الكريم، فكان هناك قرَّاء الحضرة الإمامية، وهم أشبه شيء بموظفين رسميين في الدولة، ولهم جاريهم الشهري سوى الهبات والخلع، وكان عدد العلماء الذين اهتموا بهذه الدراسات كبيرًا جدًّا، كما كثرت كتبهم التي وضعوها في علوم القرآن الكريم، نذكر من هؤلاء العلماء أبا الحسن علي بن إبراهيم بن سعد الحوفي، فقد كان عالمًا بالعربية وتفسير القرآن، أخذ عن أبي جعفر النحاس وأبي بكر الأدفوي، ولقي جماعة من علماء المغرب وأخذ عنهم، وتصدَّرَ للإفادة في العربية وإعراب القرآن وتفسيره، وأخذ عنه خلق كثير، وله تفسير اسمه «البرهان في تفسير القرآن» في ثلاثين مجلدًا، وله في إعراب القرآن كتاب علوم القرآن في عشرة مجلدات، وصنَّف في النحو كتاب الموضح في النحو، وهو أستاذ إسماعيل بن خلف الصقلي المقرئ صاحب كتاب إعراب القراءات في تسعة مجلدات. توفي الحوفي سنة ٤٣٠ﻫ.١٨
ونذكر كذلك عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحق أبا عدي المصري، المعروف بابن الإمام، مسند القرَّاء في زمانه، قرأ على أبي بكر بن عبد الله بن مالك، وقرأ عليه عدد من العلماء المعروفين أمثال طاهر بن غليون، ومكي بن أبي طالب، وابن نفيس وغيرهم. وتوفي سنة ٣٨١.١٩
ويقول صاحب الشذرات: إن ابن الإمام كان محققًا ضابطًا لقراءة ورش، وإنه حدَّث عن محمد بن زبان وابن قديد، وقرأ على أبي بكر بن سيف صاحب أبي يعقوب الأزرق.٢٠ وكان أبو بكر الأدفوي محمد بن علي بن أحمد المصري المقرئ النحوي المفسِّر شيخَ مصر وعالمها في عصره، كان أصله خشَّابًا، ثم أخذ العلم عن أبي جعفر النحاس النحوي، وقرأ برواية ورش على أبي غانم المظفر بن أحمد، وبرع في علوم القرآن حتى ساد أهل عصره في مصر، وانفرد بالإمامة في وقته في قراءة نافع، وكانت حلقته من أكبر الحلقات العلمية، وله كتاب في التفسير في مائة وعشرين مجلَّدًا سمَّاه كتاب الاستفتاء في علوم القرآن. وتوفي في ربيع الأول سنة ٣٨٧ﻫ.٢١ ويقول السيوطي: بل في سنة ٣٨٨ﻫ.٢٢
ومن العلماء أيضًا عبد الجبار بن أحمد الطرسوسي، وكان شيخ القرَّاء بمصر في زمانه، ومن أساتذة أبي الظاهر إسماعيل بن خلف الصقلي، وله كتاب المجتبى في القراءات، وتوفي سنة ٤٢٠ﻫ.٢٣ وكذلك نذكر فارس بن أحمد بن موسى بن عمران الضرير مؤلِّف كتاب المنشأ في القراءات الثماني، وهو المذكور في باب التكبير في الشاطبية، وتوفي سنة ٤٠١.٢٤ ويروي ياقوت عن الحافظ السلفي: «أن عثمان بن علي بن عمر السرقوسي الصقلي كان من العلم بمكان، نحوًا ولغةً، وقرأ القرآن على ابن الفحام وغيره، وله تواليف في القراءات والنحو والعروض، وصارت له في جامع مصر حلقة للإقراء، وقرأ عليَّ كثيرًا، وعلى مَن كنتُ أقرأ عليه كأبي صادق وابن بركات الفراء الموصلي وآخَرين.»٢٥

وهكذا كان لعلوم القرآن في مصر مكانة خاصة، وكثرت فيها المؤلفات بجانب غيرها من العلوم والفنون بما كان له أثره في الحياة العقلية المصرية، ونستطيع من هذه اللمحة التي أسلفناها أن نتبيَّنَ أن الفاطميين الذين كانوا لا يتفقون في تفسير القرآن مع باقي المسلمين، مدَّعِين أن للقرآن الكريم تأويلًا باطنيًّا يخالف ما يقول به المفسِّرون، قد أفسحوا صدورهم لتفسير هؤلاء العلماء الذين كانوا بمصر، وسمحوا لهم بالتحلُّق في المساجد، وإلقاء دروس التفسير على طلاب العلم؛ فهذا يدل على أن الفاطميين كانوا متسامحين مع غيرهم من أصحاب الفِرَق والنِّحَل الأخرى، وسنوضِّح ذلك فيما بعدُ.

(٣) رواية الحديث

نشطت رواية الحديث في مصر كما كان عليه الأمر في البلاد الإسلامية الأخرى، وكثرَتْ الرحلةُ في طلبه، وكانت مصر من أهم مراكز الرواية منذ دخول الإسلام، ومن أشهر المحدِّثين الذين كانوا في مصر الفاطمية أبو بكر محمد بن علي بن حسن المصري نزيل تنيس، وُلِد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وسمع النسائي وأبا علي، وروى عنه الدارقطني وغيره، وتوفي سنة تسع وستين وثلاثمائة.٢٦
ومعاصره الحسن بن رشيق، أبو بكر محمد العسكري المصري، روى عن النسائي أيضًا، وعنه أخذ الدارقطني وعبد الغني بن سعيد، وفيه يقول ابن الطحان في تاريخه الذي جعله ذيلًا لتاريخ ابن يونس المصري: «ما رأيتُ عالمًا أكثر حديثًا منه.» وُلِد في صفر سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبعين وثلاثمائة.٢٧
والمحدِّث الجوال أبو الفتح عبد الواحد بن محمد المعروف بابن مسرور البلخي، روى عن ابن سعيد بن يونس، وروى عنه عبد الغني بن سعيد، وأقام بمصر وتوفي سنة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة.٢٨
ومن أشهر الحفَّاظ في هذا العصر أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي، وُلِد سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وتوفي والده بعد خمس سنوات من ولادته، ونشأ عبد الغني محبًّا للحديث، فروى عن حمزة بن محمد المعروف بأبي القاسم الكناني المصري،٢٩ وأبي بكر محمد بن علي، وابن مسرور البلخي، ثم اتصل بالدارقطني ولازَمَه وروَى عنه. وقيل إن الدارقطني سُئِل: هل رأيت في الحديث أحدًا يُرجَى علمه؟ فقال: نعم، رأيت شابًّا بمصر كأنه شعلة نار يُقَال له عبد الغني. ولمَّا خرج الدارقطني من مصر جاءه المودِّعون، وتحزنوا على مفارقته وبكوا، فقال لهم: لقد تركت عندكم خلفًا — يعني عبد الغني. وقيل أيضًا: إن عبد الغني لما صنَّفَ كتابه المؤتلف والمختلف عرَضَه على الدارقطني، فقال له: اقرأه. فقال: كيف أقرؤه لك ومعظمه أخذته عنك؟ فقال: نعم، أخذته عني متفرِّقًا والآن قد جمعته.٣٠ وروي عن الدارقطني أيضًا أنه كان يقول عنه: ما رأيت في طريقي مثله، ما اجتمعت به وانفصلت عنه إلا بفائدة.٣١
وكان بين عبد الغني بن سعيد، وبين أبي أسامة جنادة اللغوي، وبين أبي علي المعري الأنطاكي مودةٌ أكيدة، واجتماع في دار العلم، ومذاكرات ومحادثات، فلمَّا أمر الحاكم بأمر الله بقتل جنادة وأبي علي الأنطاكي، استتر عبد الغني خوفًا من أن يلحق بهما لصداقته لهما، وأقام مستخفيًا مدةً حتى حصل له على الأمر فظهر، وتوفي في صفر سنة ٤٠٩ﻫ، وقيل سنة ٤١٠ﻫ. ولمَّا أراد الحاكم بأمر الله بناء جامعه جعل الحافظ عبد الغني بن سعيد على بنائه ونظره.٣٢ وقد طُبِع كتابه المؤتلف والمختلف بالهند سنة ١٣٢٦ﻫ.
ولعل أشهر المحدِّثين الذين شهدَتْهم مصر في أواخر الدولة الفاطمية، هو الحافظ السلفي، وكان متقنًا ناقدًا ثَبْتًا دَيِّنًا خيرًا، انتهى إليه علو الإسناد، وكان أوحد زمانه في علم الحديث، وأعلمهم بقوانين الرواية.٣٣ ويقول صاحب النجوم: وكان قد طاف الدنيا ولقي المشايخ، وكان يمشي حافيًا لطلب العلم والحديث.٣٤ ورد بغداد فأخذ عن أبي الحسن الهراس علوم الفقه، وعن الخطيب التبريزي علوم اللغة، كما روى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره، ثم دخل دمشق وأخذ عن علمائها، ودخل الإسكندرية سنة ٥٢١ﻫ واستوطنها، فقصده الناس وسمعوا عليه، وبنى له العادلُ بن الحسن علي بن السلار وزير الظافر الفاطمي مدرسةً بالإسكندرية سنة ٥٤٦ﻫ، وفوَّض أمرها إليه.٣٥ وصار إليه الهجرة في الحديث، حتى لم يكن في آخِر أيامه مثله، ومن أشهر تلاميذه: جمال الدين عبد الرحمن بن حفص الصغراوي الإسكندري، والحافظ أبو الحسن علي بن فاضل الصوري، والحافظ شرف الدين السكندري، وغيرهم من حفَّاظ الحديث الذين ظهروا في العصر الذي يلي هذا العصر الذي نؤرِّخه.

ولما وفد أبو حامد الغزالي على الإسكندرية لقي الحافظ السلفي وتباحَثَا في بعض المسائل. أما كتبه وأماليه فهي كثيرة، وكذلك كان له بعض مقطعات من الشعر، فمن قوله في كِبَر سنِّه:

أنا إنْ بانَ شبابي ومضى
فلربي الحمد، ذهني حاضر
ولئن خفت وجفت أَعْظُمي
كبرًا، غُصْنُ علومي ناضر٣٦

ذلك أن السن تقدَّمَتْ به حتى قيل إنه جاوَزَ المائة بخمس سنين؛ إذ توفي سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة.

ومن الرحَّالين الذين وفدوا على مصر في هذا العصر في طلب الحديث الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي الأندلسي، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدِّثين روى عنهم، كما استفاد بعض المصريين منه، وعاد إلى الأندلس سنة ٤٩٣ﻫ.٣٧ وأبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني، وكان أحد الرحَّالين في طلب العلم والحديث بوجه خاص، روى بالحجاز والشام ومصر والثغور والجزيرة والعراق وفارس، وتوفي ببغداد سنة ٥٠٧ﻫ.٣٨

(٤) دراسة مذاهب أهل السنة

وهنا نعرض لموضوع كثر فيه اختلاف الكتَّاب منذ العصر الفاطمي إلى الآن، فقد ذهب أكثر المؤرخين إلى أن الفاطميين كانوا شديدي التعصب لمذهبهم الديني، وتطرَّفوا في عصبيتهم حتى إنهم أكرهوا الناس على اعتناق عقيدتهم رهبةً لا رغبة، وإنهم في سبيل ذلك اضطهدوا علماء مذاهب أهل السنة، بل أفنوهم تقتيلًا، ويقول السيوطي: إن الفاطميين أفنوا مَن كان بمصر من أئمة المذاهب الثلاثة — أي الشافعية والمالكية والحنفية — قتلًا ونفيًا وتشريدًا، وأقاموا مذهب الرفض والشيعة.٣٩ وذهب قليل من المؤرخين المحدثين إلى أن الفاطميين كانوا أهل تسامح ورفق بالرعية، وأن جوهر الصقلي أعطى الأمان للمصريين بأن يختاروا المذهب الديني الذي يرتضونه ولا إكراه في الدين، وبلغ تسامح الفاطميين إلى أن استخدموا في أكبر وظائف الدولة مَن لم يكن مسلمًا، فكان من الوزراء والنوَّاب في الأقاليم وكتَّاب دار الإنشاء مَن كان مسيحيًّا أو يهوديًّا، أما الاضطهاد الذي حاق بأهل السنة فقد كان في أيام الحاكم بأمر الله الذي عُرِف بالتقلُّب في سياسته وأحكامه.

فقهاء الشافعية

وإذا نظرنا في كتب الطبقات والتاريخ، رأينا عددًا كبيرًا من علماء مذاهب أهل السنة كانوا يعيشون في مصر الفاطمية، ويلقون تعاليمهم على جمهور المستمعين تحت بصر رجال الدولة الفاطمية ودعاة دعوتهم دون أن يمسهم سوء. فمن علماء مذهب الشافعي: القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى البغدادي نزيل مصر، فقد أملى بها وأفاد حتى توفي سنة ٤٤١ﻫ.٤٠ وأبو القاسم نصر بن بشر بن علي، فقد كان فقيهًا محققًا ومناظرًا مبرزًا، وتوفي سنة ٤٧٧ﻫ.٤١ والقاضي أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي الخلعي المولود بمصر سنة ٤٠٥ﻫ، وكان فقيهًا مشهورًا له تصانيف وروايات متسعة، وكان أعلى أهل مصر إسنادًا، وجمع له أبو نصر أحمد بن الحسن الشيرازي عشرين جزءًا، وخرَّجها عنه وسمَّاها «الخليعات»، وبالرغم من أنه كان شافعي المذهب فقد ولَّاه الفاطميون القضاءَ سنة ٤٥٠ﻫ، ولكنه استقال بعد يوم واحد، ومات بمصر سنة ٤٩٢ﻫ، ويُنسَب إليه مسجد الخلعي بالقرافة، وكان والده أيضًا من فقهاء الشافعية، توفي بمصر سنة ٤٤٨ﻫ.٤٢
ومن فقهاء الشافعية أيضًا في ذلك العصر: أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن مسلم المقدسي، الذي قال عنه الحافظ السلفي: كان من أفقه الفقهاء بمصر، وعليه قرأ أكثرهم، وُلِد بالقدس سنة ٤٤٢ﻫ وتفقَّه على الشيخ نصر المقدسي، ثم دخل مصر فظلَّ بها إلى أن توفي سنة ٥١٨ﻫ.٤٣
وكذلك نقول عن أبي الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن علي الميورقي الذي اتخذ الإسكندرية موطنًا له، وصنَّفَ تعليقه في الخلاف بين الفقهاء، وهو أحد الذين روى عنهم الحافظ السلفي، وتوفي بالإسكندرية سنة ٥٢٣ﻫ.٤٤ ومجلي بن جميع بن نجا المخزومي المصري صاحب كتاب الذخائر، تفقَّهَ على سلطان المقدسي، وبرع في فقه الشافعي حتى صار من كبار الأئمة، وتفقَّهَ عليه جماعة، منهم العراقي شارح المذهب، وعلى الرغم من تمذهُبِه بمذهب يخالِف مذهب أولي الأمر في البلاد، فقد ولي القضاء سنة ٥٤٧ﻫ ومكث في القضاء عامين، ومات سنة ٥٥٠ﻫ، ومن تصانيفه: كتاب أدب القضاء، وكتاب الجهر بالبسملة.٤٥
وأبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي المصري الذي ولي قضاء الجيزة، فقد كان فقيهًا ماهرًا في الفرائض، أخذ عن الخلعي ولازَمَه مدةً طويلة، وهو آخِر مَن حدَّثَ عنه، ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة متعبِّدًا إلى أن توفي سنة ٥٦١.٤٦
وسنتحدث في فصل التاريخ عن القاضي القضاعي الشافعي وكيف ولي القضاء، وولي ديوان الإنشاء بالرغم من شافعيته، وأنه صنَّف كتابًا في مناقب الإمام الشافعي وأخباره، وكتاب الشهاب في فقه الشافعية.٤٧

وهكذا نرى عددًا كبيرًا من فقهاء الشافعية كانوا يعيشون في العصر الفاطمي، ومنهم مَن ولي القضاء أو غيره من مراتب الدولة الفاطمية، دون أن يكون لظاهر مخالفتهم لمذهب الدولة أثَرٌ في حياتهم العلمية أو العملية.

فقهاء المالكية

وكذلك نقول عن فقهاء المالكية، فقد وُجِد في مصر الفاطمية عدد كبير منهم، أمثال محمد بن سليمان المعروف بأبي بكر النعال، الذي كانت إليه إمامة المالكية في وقته، وإليه كانت الرحلة بمصر، وكانت حلقته في الجامع تدور على سبعة عشر عمودًا، لكثرة الطلاب الذين كانوا يقصدونه للأخذ عنه، وتوفي سنة ٣٨٠ﻫ.٤٨
وأبو القاسم الجوهري عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي المصري صاحب مسند الموطأ، المتوفي في شهر رمضان سنة ٣٨٠ﻫ.٤٩

ونحن جميعًا نعلم قصة الفقيه المالكي عبد الوهاب بن علي، أحد الأئمة المجتهدين في المذهب حتى وصفه الخطيب في تاريخ بغداد بأنه لم يَرَ في المالكية أفقه منه، ونعلم كيف وفد إلى مصر لضيق حاله في بغداد، وكيف أكرمه المصريون حتى تمول وحسنت حاله، ولما أدركه المرض كان يقول: لا إله إلا الله، عندما عشنا متنا! وتوفي بمصر ٤٢٢ﻫ.

ونسمع في هذا العصر عن عبد الجليل بن مخوف الصقلي الذي قال ابن ميسر عنه: إنه أفتى بمصر أربعين سنة، ومات بها سنة ٤٥٩ﻫ. وعن علي بن الحسن بن محمد بن العباس الفهري صاحب كتاب فضائل مالك وشارح الموطأ، وعن أبي بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الأندلسي نزيل الإسكندرية، وكان كثيرَ الرحلةِ في طلب العلم، فسافر إلى العراق، وسمع ببغداد، ثم استوطن الإسكندرية، واتصل بالوزير المأمون البطائحي الذي أكرمه، فصنَّفَ له الطرطوشي كتاب «سراج الملوك». كان له عدة من التلاميذ أمثال سند بن عفان بن إبراهيم الأزدي الذي خلفه في حلقته، والذي شرح المدونة، وتوفي الطرطوشي سنة ٥٢٥ﻫ، وتوفي تلميذه سنة ٥٤١ﻫ.

إذن تستطيع أن تطمئن إلى أن دراسة مذهب مالك استمرت في مصر في العصر الفاطمي بجانب مذهب الشافعي، بالرغم من أن الفاطميين كانوا يوجِّهون النقد اللاذع إلى هذين المذهبين، وأن دعاة المذهب الفاطمي كثيرًا ما كانوا يتناولون بالتجريح هذه المذاهب السنية في مجالس حكمهم وفي أشعارهم، وها هو ذا الداعي المؤيد في الدين يقول:

فما أبو حنيفة والشافعي
حيثهم قد نفعوا بنافع٥٠

ويقول مرة أخرى:

وتُزِيل لبْسَ الشافعيِّ ومالكٍ
ببيانِ زينِ العابدينَ وجعفر
وقِيَاس قيَّاس غدا متبرِّجًا
بالاعتزال وترَّهَات المجبر٥١
بَيْدَ أن الفاطميين تركوا لفقهاء هذه المذاهب حريتهم العقلية، وسمحوا لهم بالتحلُّق في المسجد، وإلقاء تعاليم المذاهب السنية على مَن يشاء من الطلاب، وقد ذكرنا أن الحاكم بأمر الله لما أمر بعمارة دار العلم، ونقَلَ إليها الكتب من القصر، أسْكَنَها من شيوخ السنة شيخَيْنِ، أحدهما أبو بكر الأنطاكي، وخلع عليهما وقرَّبهما، وسمح لهما بحضور مجالسه وملازمته، وأنه جمع الفقهاء والمحدثين إلى دار العلم. ويحدِّثنا عمارة اليمني أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان يلقى في ولايته فقهاء السنة ويسمع كلامهم،٥٢ مع ما كان عليه الملك الصالح من إفراط في التعصُّب لمذهبه.٥٣

(٥) تعصُّب الفاطميين لمذهبهم!

أما هذه المسألة التي أثارها المؤرخون حول تعصُّب الفاطميين أو تسامحهم، فيُخَيَّل إليَّ أن الفاطميين كانوا يميلون إلى صبغ البلاد كلها بصبغة مذهبهم، أحيانًا بالترغيب وأحيانًا بالترهيب، فكان الدعاة يؤدُّون واجبهم في تشكيك المسلمين في مذاهبهم السنية، ويحبِّبون إليهم المذهب الفاطمي؛ فمن المصريين مَن استجاب لهذه الدعوة عن رغبة بعد أن اقتنع بأقوال الدعاة، ومنهم مَن استجاب لغرض التقرُّب إلى الحاكمين، عساه يجد حظوة لديهم وينال مآربه، وهذا اللون من الناس كثير في كل البيئات والأقاليم، ومن المصريين مَن امتنع عن التحوُّل عن مذهبه الديني، واستمر يحافظ على عقيدته التي دانَ بها، والتي نشَّأه عليها أبواه، ولو أدَّى ذلك إلى تعسف الحاكمين معه. وإذا كان الفاطميون استعملوا السيف في سبيل نشر عقيدتهم وإخضاع الخارجين على مذهبهم، فهذا أمر طبيعي نجد مثيلًا له في ظل كل الحكومات التي لها نزعة خاصة حتى في عصرنا الحاضر، فقد رأينا اليوم ألوانًا مختلفة من الحكومات الفاشية والشيوعية والنازية، وكلها تحاوِل فرض سلطانها ومبادئها في بلادها، وأن تصبغ هذه البلاد بصبغتها الخاصة، وأن تحكم بالقوانين التي سنَّتْها نظمها، ولو أدَّى ذلك إلى القتل والنفي والتشريد لكلِّ مَن حاوَلَ مخالفة تلك النظم والقوانين، رأينا ذلك كله ولمسناه في هذا العصر الحديث، فلا نستطيع أن ننكر أن الفاطميين الذين حكموا مصر منذ ألف عام تقريبًا، كانوا يستعملون وسائل الإرهاب لمخالفي عقيدتهم، ولا سيما أن الشيعة عامَّةً ذاقت من العذاب والتنكيل على أيدي خصومهم ما تتحدَّث به كتب التاريخ.

كان الفاطميون منذ أوائل حكمهم بمصر إلى آخِر عهد الظاهر يحكمون بأنفسهم، ولم يكن الوزراء قد بلغوا من القوة والاستبداد بالأمر هذا المبلغ الذي نراه في عهد المستنصر ومَن بعده من خلفاء الفاطميين، ففي هذا العصر الأول كان اضطهاد أهل السنة أمرًا طبيعيًّا لتثبيت أركان الدولة، وحمايتها من أعدائها أمويي الأندلس في الغرب، ومن العباسيين في الشرق؛ فكانت السياسة تقضي على الفاطميين أن يكونوا على حذر من كلِّ مخالِف لعقيدتهم، وأن يشحذوا السيف لكل مَن تحدِّثه نفسه بالخروج على سلطانهم، ولا سيما أن العباسيين وأمويي الأندلس أخذوا يسيئون إلى الفاطميين في نسبهم وفي عقائدهم، وحارَبوا الفاطميين بالسيف طورًا وبالدعاية طورًا آخَر، فكتبوا المحاضر في نسب الفاطميين، وطلبوا من العلماء والكتَّاب الطعنَ في عقائد الفاطميين، مثل ما نراه في كتب الغزالي وغيره؛ فاضطر الفاطميون إلى أن يكونوا على يقظة من أمرهم إذا جدَّ الجد، وأن يعتبروا كلَّ مَن لم يعتنق عقيدتهم عدوًّا لهم، وبهذا نستطيع أن نفسِّر تطورات الحاكم بأمر الله في سياسته، فكان حينًا يقرِّب أهل السنة ويغدق عليهم أمواله، وطورًا يشتِّت شملهم ويمعن فيهم بالقتل والسجن، وهو في كلا الأمرين مضطر إلى اتخاذ هذه السياسة أو تلك على حسب مقتضى الحال مع خصومه وأعدائه، فالحاكم بأمر الله لم يكن مجنونًا كما يُصوَّر في كتب التاريخ، وإنما كان سياسيًّا حازمًا في سياسته، يعفو في وقت العفو، ويقتل حين يشتد به الأمر، وهكذا كانت الحال في سياسة الفاطميين نحو أهل السنة.

فحينًا ترى الفاطميين لا يفرِّقون بين أصحاب الفِرَق الإسلامية أو الذمية، فهم يستخدمونهم في وظائف الدولة، ولا يتعرَّضون لهم بمقت ولا أذى، وقد قال القاضي النعمان في كتابه المجالس والمسايرات:٥٤ «لما قلَّدَني القضاء بالمنصورية، رأيت قومًا لم يصلوا إلى الدعوة، ورأيت فيهم مقاربة، ورجوت أن يهديهم الله إنْ فتح في ذلك لعباده، فلما جاء الله من ذلك بما هيَّأه لخلقه من فتح باب رحمته لعباده تخلَّفوا، ورجوت أن يحاسبوا أنفسهم، ورمزت لهم وطارحتهم، فلم أَرَهم يُقبِلون على شيء، فواجهتهم وكلَّمْتُهم واحتججت عليهم وناظرتهم حتى قطعتهم، فلم يزدهم ذلك إلا تماديًا في الغي وإصرارًا على الجهل، فثقل عليَّ أمرهم، وكرهت جانبهم، وأبغضت رؤيتهم، وسئمت صحبتهم، فأردت الاستبدال بهم، فرفعت ذلك إلى المعز، فوقَّع إليَّ فيهم: «أَبْقِهم على خدمتك، فإنْ يفيء الله بهم فسعادة ساقَهَا الله إليهم، وثواب يصير إليك بما بذلته من النصيحة لهم، وإلا فلا يمنعك جهل الحمر المستنفرة من الانتفاع بها في بعض مصالحك، ويكونون بعدُ كما قال الله — عز وجل: عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً.
وحينًا آخَر كان الفاطميون يضطرون اضطرارًا إلى أخذ أهل هذه المذاهب بالشدة والعنف، حتى ولي المستنصر بالله سنة ٤٢٧ﻫ، فأخذ الوزراء ورجال الدولة كلَّ سلطة من الخلفاء، واستطاع الوزراء أن يكونوا هم أصحاب السلطة الفعلية في البلاد، وأصبح الخليفة الفاطمي ألعوبة في أيدي وزرائه، وليس له من الأمر إلا الخطبة، وظهر بين الوزراء مَن كان على مذهب يخالِف المذهب الفاطمي.٥٥ هنا نرى حدة العصبية الأولى تخف، وتعود إلى الناس حرية العقيدة أكثر مما كانت من قبلُ، بل ذهب الوزير أبو علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي إلى أن يعيِّن للبلاد أربعةَ قضاة، اثنين من الشيعة واثنين من أهل السنة، فالشيعيان أحدهما فاطمي المذهب والآخَر إمامي المذهب، والسنيَّان أحدهما شافعي والآخَر مالكي، وأعطى لكلِّ واحد السلطةَ المطلقةَ في إصدار أحكامه على وفق مذهبه.٥٦ وقد ذكرنا أن الوزير أبا الحسن علي بن السلار وزير الظافر كان ظاهِرَ التسنُّن شافعيَّ المذهب، وهو الذي أنشأ مدرسةً للشافعية بالإسكندرية، وفوَّضَ أمرها إلى الحافظ السلفي،٥٧ وهكذا بدأ الضعف يدب في الدولة الفاطمية والمذهب الفاطمي نفسه، حتى هَمَّ بعض الوزراء في مصر إلى تسيير الدعوة لابنَيْ صاحبِ عدن، ويقول عمارة اليمني في ذلك: إن الداعي ابن عبد القوي والأجل الفاضل، وشاور، والكامل، عزموا على أن يتبرعوا ابتداء بتسيير الدعوة لولدي صاحب عدن بعد موته، ثم قال شاور: أحضروا فلانًا (يعني عمارة) وخذوا ما عنده. ولم يَبْقَ في النوبة إلا صرمها، فلما حضرت وأعلموني منعتهم، وقلت: إن أهل اليمن إنما يبعثون لكم الهدايا والتحف والنجاوي ويتولونكم لأجل الدعوة، فإذا تبرعتم بها فقد هونتم حرمتها، فرجع الجميع عمَّا كانوا عليه.٥٨
وقصة أخرى رواها عمارة أيضًا تدلنا على ما بلغ إليه التهاون في عقيدة الفاطميين، ذلك أن سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء، صهر الصالح بن رزيك، توضَّأ ومسح رجلَيْه ولم يغسلهما — على حسب عقيدة الفاطميين — فتناول عمارة الإبريق وسكب الماء على رجلَيْه، فجذبهما وهو يضحك، فقال عمارة: إن كان الحق معكم في مسح الرجلين يوم القيامة، فما نُعطَى ولا نُعاقَب على غسلها، وإن كان الحق معنا في غسل الرجلين خرجتم من الدنيا بلا صلاة؛ لأنكم تتركون غسل الرجلين وهو فرض. فكان سيف الدين يقول له بعد ذلك: والله لقد أدخلت على قلبي الشك والوسواس بكلامك في مسألة الوضوء.٥٩

ولعل قصة محاولة إدخال عمارة اليمني في الدعوة من القصص التي ترينا أن القائمين بأمر الدولة الفاطمية في أواخر عهدها لم يأبهوا بأمر المذهب، وأنهم كانوا يتسامحون مع مخالفيهم إلى حد بعيد، فبالرغم من أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان شديدَ التعصُّب لمذهبه الفاطمي، وأنه أدخَلَ عددًا من المسلمين في مذهبه، فإنه لم يستطع أن ينجح في محاولته مع عمارة. يقول عمارة: وكانت تجري بحضرته مسائل ومذاكرات، ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك لا أنطق بحرف واحد، حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله — عز وجل: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ونهضت فخرجت فأدركني الغلمان، فقلت: حصاة يعتادني وجعها. فتركوني، وانقطعت في منزلي أيامًا ثلاثة، ورسوله يأتي في كل يوم والطبيب معه، ثم ركبت بالنهار فوجدته في البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء، فاستوحش من غيبتي، فقلت: إني لم يكن بي وجع، وإنما كرهت ما جرى في حقِّ السلف وأنا حاضر، فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت، وإلا فلا، وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة. فعجب من هذا، وقال: سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر؟ قلتُ: أعتقد أنه لولاهما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم، وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه. فضحك، وبعد أيام جاءت عمارة رقعةٌ فيها أبيات بخط الملك الصالح، ومعها ثلاثة أكياس ذهبًا، وفي الرقعة:

قُلْ للفقيهِ عمارة يا خيرَ مَنْ
أضحى يؤلِّف خطبةً وخِطابَا
اقبَلْ نصيحةَ مَن دعاكَ إلى الهدى
قُلْ «حطَّة» وادخُلْ إلينا البابَا
تَلْقَ الأئمةَ شافعين، ولا تَجِدْ
إلَّا لدينا سنة وكتابَا
وعليَّ أن يعلوا محلكَ في الورى
وإذَا شفعت إليَّ كنتَ مُجَابَا
وقبضت آلافًا وهُنَّ ثلاثة
صلة وحقكَ لا تُعَدُّ ثوابَا

فأجابه عمارة مع الرسول بهذه الأبيات:

حاشَاكَ من هذا الخطابِ خطابَا
يا خيرَ أملاكِ الزمانِ نصَابَا
لكنْ إذَا ما أفسَدَتْ علماؤكُمْ
معمورَ معتقَدِي وصارَ خرَابَا
ودَعَوْتُمُ فِكْري إلى أقوالِكُم
من بعد ذاك أطاعكم وأجابَا
فاشْدُدْ يديكَ على صفاءِ محبَّتِي
وامْنُنْ عليَّ وسُدَّ هذا البَابَا٦٠

ولا أدري كيف سكت الملك الصالح بعد أن طعن عمارة مذهب الفاطميين بالبيت الثاني من هذه المقطوعة، ولكن الأمر لم يكن أمر تعصُّبٍ من الملك الصالح بن رزيك، بل هو أمر تهاوُن بالمذهب شمل الأمراء وغير الأمراء، ولعل هذا الضعف الذي حلَّ بالعقيدة الفاطمية هو الذي سهَّلَ الأمر لصلاح الدين الأيوبي في أن يقوض أركان الدولة المتداعية، وأن يُعِيدَ إلى الناس عقيدةَ أهل السنة والجماعة، وقَبِلَ الناس منه ذلك، فتحوَّلَتْ مصر بعد عشية وضحاها من شيعية إلى سنية؛ لأن الدعوة الشيعية لم تكن متغلغلة في نفوس المصريين، وأن الذين اعتنقوا هذه الدعوة تهاوَنُوا بها، فسهل على الأيوبيين أن ينتزعوها منهم.

١  بغية الوعاة للسيوطي: ص٢١٣.
٢  ابن خلكان: ج١، ص ٥٤.
٣  معجم الأدباء: ج١٢، ص٢٢٤ (طبعة رفاعي).
٤  راجع كتاب أدب مصر الإسلامية: ص٦٩ وما بعدها.
٥  راجع بغية الوعاة: ص٣٢٨، ومعجم الأدباء: ج١٢، ص٢٢٤، وأنباء الرواة: ج٤، ص٤٦٤.
٦  ابن خلكان: ج٢، ص٢٣٣.
٧  راجع النجوم الزاهرة: ج٥، ص١٠٥، وابن خلكان: ج١، ص٢٣٥، وبغية الوعاة: ص٢٧٢.
٨  راجع بغية الوعاة: ص٢٣١، وابن خلكان: ج١، ص٣٣٩، ومعجم الأدباء: ج١٢، ص٢٧٩ (طبعة رفاعي).
٩  راجع بغية الوعاة: ص٥٩.
١٠  البغية: ص٩٠.
١١  البغية: ص١١٥.
١٢  البغية: ص١٨٨.
١٣  البغية: ص٢٨٢.
١٤  البغية: ص٢٩٥.
١٥  البغية: ص٣٠٢.
١٦  البغية: ص٤٠٣.
١٧  البغية: ص٤٠.
١٨  راجع ابن خلكان: ج١، ص٣٣٢، والبغية: ص٣٢٥، وياقوت: ج٦، ص١٦٥.
١٩  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٨٠.
٢٠  شذرات الذهب: ج٣، ص١٠١ (طبع مصر سنة ١٣٥٠ﻫ).
٢١  شذرات الذهب: ج٣، ص١٠١.
٢٢  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٨٠.
٢٣  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٨١.
٢٤  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٨٢.
٢٥  ياقوت: معجم الأدباء ج١٢، ص١٣٠.
٢٦  حسن المحاضرة: ج١، ص١٩٩.
٢٧  حسن المحاضرة.
٢٨  المصدر السابق.
٢٩  النجوم الزاهرة.
٣٠  ابن خلكان: ج١، ص٣٠٥.
٣١  النجوم الزاهرة: ج٤، ص٢٤٤.
٣٢  النجوم الزاهرة: ج٤، ص١٧٩.
٣٣  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٠٠.
٣٤  النجوم الزاهرة: ج٦، ص٨٧.
٣٥  ابن خلكان: ج١، ص٣١.
٣٦  النجوم الزاهرة: ج٦، ص٨٧.
٣٧  ابن خلكان: ج١، ص٤٨٩.
٣٨  ابن خلكان: ج١، ص٤٨٩.
٣٩  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٧٤.
٤٠  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٢٧، وتاريخ بغداد.
٤١  المصدران السابقان.
٤٢  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٢٨، وابن ميسر: ص٣٩.
٤٣  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٢٨.
٤٤  المصدر السابق.
٤٥  حسن المحاضرة: ج١، وابن ميسر: ص٩٥.
٤٦  المصدران السابقان.
٤٧  ابن خلكان: ج١، ص٤٦٢.
٤٨  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٥٦.
٤٩  حسن المحاضرة: ج١، ص٢٥٦.
٥٠  القصيدة الأولى من ديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة (من مطبوعات دار الكاتب المصري).
٥١  من القصيدة السابعة من ديوان المؤيد في الدين.
٥٢  النكت العصرية: ص٤٥.
٥٣  النكت: ص٤٨.
٥٤  المجالس والمسايرات: ورقة ٧٣ب (نسخة خطية بمكتبتي).
٥٥  راجِعْ ما كتبناه عن ذلك في مقدمة كتاب المجالس المستنصرية.
٥٦  أخبار مصر لابن ميسر: ص٧٥.
٥٧  ابن خلكان: ج١، ص٣٧٠.
٥٨  النكت: ص٩٢.
٥٩  النكت: ص١٢٣.
٦٠  النكت: ص٤٣ وما بعدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣