الفصل الثالث

التاريخ والسِّيَر

رأينا في عصر الولاة بمصر١ كيف أسهم المصريون في تدوين التاريخ منذ القرن الثاني للهجرة، وعرفنا بعض المؤرخين الذين نبغوا في العصر الذي سبق العصر الفاطمي، أمثال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وعمار بن وسيمة المصري، وابن يونس، والكندي، وابن الداية وغيرهم. وقد استمر تيار هذا اللون من العلم طوال العصر الفاطمي، فظهر عدد كبير من المؤرخين، وحُفِظت لنا أسماء مؤلَّفاتهم، وبعض مقتطفات من كتبهم متفرقة في كتب التواريخ، ففي كتب المقريزي وأبي المحاسن بن تغري بردي والسيوطي وابن فضل الله العمري والنويري والقلقشندي مقتبساتٌ كثيرةٌ من الكتب التي وضعها مؤرخو مصر الفاطمية، وهذه المقتطفات تدلنا على أن مؤرخي مصر في العصر الفاطمي كانوا يهتمون اهتمامًا خاصًّا بمصر، فأكثر كتبهم كانت تدور حول مصر، وإنْ كان منها ما كُتِب في التاريخ العام.
فمن المؤرخين الذين شاهَدوا هذا العصر: أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني، وُلِد بمصر في ذي الحجة سنة ٣٢٧ﻫ، وكان أبوه مؤرِّخًا صاحب ابن جرير الطبري وروى عنه تصانيفه، وأخذ أحمد بن عبد الله عن أبيه كتبه وكتب الطبري، وصنَّفَ عدة كتب منها: كتاب التاريخ وصَلَ به تاريخ أبيه، وكتاب سيرة كافور الأخشيدي، وسيرة العزيز بالله الفاطمي، وكان مقامه بمصر إلى أن توفي في ربيع الأول سنة ٣٩٨ﻫ.٢

(١) ابن زولاق

وشهد هذا العصر المؤرخ المصري الكبير الذي أخذ عنه كلُّ مَن جاء بعده من المؤرخين الذين تحدَّثوا عن مصر، ذلك المؤرخ هو الحسن بن إبراهيم الليثي المصري المعروف بابن زولاق، فقد كان من أعيان علماء مصر، وُلِد سنة ست وثلاثمائة، وروى الحديث، وأخذ عنه بعض المحدثين أمثال عبد الله بن دهبان وغيره، وأولع بالتاريخ فروى عن الكندي وابن قديد وابن الداية، يقول ابن زولاق: كان أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم الكاتب (أي ابن الداية) قد عمل سيرة أحمد بن طولون أمير مصر، وسيرة ابنه أبي الجيش، وانتشرتا في الناس، وقرأتهما عليه، وحدَّثْتُ بهما عنه مع غيرهما من مصنفاته، ثم عملت أنا ما فاته من سيرتهما.٣

وكان ابن زولاق من فرط حبِّه لرواية التاريخ، كثيرًا ما ينشد:

ما زِلْتَ تكتبُ في التاريخِ مجتهِدًا
حتى رأيْتُكَ في التاريخِ مكتوبًا٤
وصنَّفَ ابن زولاق عدة كتب منها: سيرة محمد بن طغج الإخشيد، وكتاب أخبار سيبويه المصري، وكتاب سيرة المادرائيين — وقد طُبِعت هذه الكتب كلها — وكتاب فضائل مصر (منه نسخة خطية بمكتبة الأزهر، وأخرى بدار الكتب المصرية، وثالثة بالمكتبة الأهلية بباريس)، وكتاب سيرة كافور، وكتاب سيرة جوهر، وكتاب سيرة المعز، وكتاب سيرة العزيز، وكتاب التاريخ الكبير على السنين، وله تذييل على كتاب الولاة للكندي، وآخَر على كتاب القضاة للكندي أيضًا، وكتاب خطط مصر. وأكثر هذه الكتب فُقِدت ولم يَبْقَ منها إلا شذرات متفرقة في الكتب، وإذا نظرنا إلى الكتب التي حُفِظت إلى الآن نرى ابن زولاق يدوِّن ما سمعه من الثقات العدول من معاصريه، أو ما شاهَدَه بنفسه من أحداث، فهي سجلات حوادث يتلو بعضها بعضًا دون أن يكون هناك رابطة بين الحادثة والأخرى، فالكتب ليست بكتب تاريخ على النحو الذي نفهمه الآن من كتب التاريخ، بل هي أشبه شيء بجرائد الأخبار في عصرنا الحديث، وإنْ كان الكتاب الواحد يجمع الحوادث التي حدثت في عصر ملك من الملوك. ولم تُقسَّم الكتب إلى أبواب وفصول، بل هي كما قلتُ مجرد سرد للحوادث، كما أن أكثرها ليس مرتَّبًا على السنين أو على حسب وقوع الأحداث التي ذكرها، فقد تجد حادثة في أول الكتاب وتاريخ حدوثها بعد الحوادث التي جاءت بعدها، ومهما يكن من شيء فقد كان تأليف كتب السِّيَر في ذلك العصر على هذا النحو الذي نراه في كتب ابن زولاق، وبالرغم من ذلك فقد كانت كتب ابن زولاق مصدرًا هامًّا من المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون الذين تحدَّثوا عن مصر بعده؛ فابن خلكان، والنويري، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، وابن دقماق، وأبو المحاسن، وياقوت، والقلقشندي، والعمري … وغيرهم، نقلوا كثيرًا من مادة كتبهم عن كتب ابن زولاق، وكانوا يطلقون عليه «مؤرِّخ مصر» مما يدل على قيمة كتبه وأخباره، ولا غرو في ذلك فقد كان محدِّثًا، والمفروض في المحدِّث أن يكون صدوقًا فيما يرويه، وقد تكون ميزة ابن زولاق الكبرى هي صِدْق أخباره، حتى عُرِف بذلك بين معاصريه أنفسهم، فاستطاع أن يكتسب مكانةً رفيعةً في نفوسهم، وقد ذكرنا قصته مع الوزير يعقوب بن كلس. وتوفي ابن زولاق في عهد الحاكم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة من الهجرة.٥

(٢) المسبحي

ومن مؤرِّخي هذا العصر الذين كثر نقل المتأخرين عنهم: المؤرخ الأمير المختار عز الملك بن أبي القاسم عبيد الله بن أحمد المعروف بالمسبحي، الحراني الأصل، المصري المولد والنشأة، وُلِد في رجب سنة ست وستين وثلاثمائة، واتصل في صباه بخدمة الحاكم بأمر الله في زمرة جنده، وما زال يرقى في مراتب الجندية حتى صار أميرًا على إقليم البهنسا والقيس من أعمال صعيد مصر، ثم ولي ديوان الترتيب، ويُنقَل عنه أنه كان له مع الحاكم بأمر الله مجالس ومذكرات أودعها كتابه «التاريخ الكبير»، الذي وصفه بقوله: «التاريخ الجليل قدره، الذي يستغنى بمضمونه عن غيره من الكتب الواردة في معانيه، وهو أخبار مصر، ومَن حلَّها من الولاة والأمراء والأئمة والخلفاء، وما بها من العجائب والأبنية، واختلاف أصناف الأطعمة، وذكر نيلها، وأحوال مَن حلَّ بها، وأشعار الشعراء، وأخبار المغنين، ومجالس القضاء والحكَّام والمعدلين والأدباء والمتغزلين وغيرهم، وهو في ثلاثة عشر ألف ورقة.» ويدلنا هذا النص على أن المسبحي لم يهتم بالتاريخ السياسي فحسب، بل أراد أن يجعل من كتابه موسوعة عامة عن مصر من ناحيتها السياسية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية، ومن المؤلم حقًّا أن يضيع مثل هذا الكتاب القيم، ولم يَبْقَ منه إلا هذه الفقرات القليلة المتفرقة في كتب التاريخ، وهذا الجزء الصغير المخطوط بمكتبة الأسكوريال بإسبانيا.

لم يكن الأمير المسبحي مؤرخًا فحسب، بل كان أديبًا له ذوق فني واطلاع واسع في ميدان الأدب، وألَّفَ في ذلك الميدان كتبًا كثيرة منها: كتاب «التلويح والتصريح» في معاني الشعر، وكتاب «الشجن والسكن» في أخبار أهل الهوى وما يلقاه أربابه، وكتاب «جونة الماشطة» يتضمَّن غرائب الأخبار والأشعار والنوادر التي لم يتكرَّر مرورها على الأسماع، وكتاب «الراح والارتياح» في وصف الشراب وآلاته والندامى عليه، واختيار أوقاته، وذكر الأزهار والرياض والثمار والأشجار، وكتاب «الغرق والشرق»، وكتاب مختار الأغاني ومعانيها، وكتاب المفاتحة والمناكحة في أصناف الجماع، وكتاب الطعام والإدام في صفة ألوان الطعام وما يقدم على الخوان، وكتاب درك البغية في وصف الأديان والعبادات وذكر الملك والأنبياء والمتنبئين وذكر الفرائض والآداب، وكتاب الجوعان والعريان، وكتاب القران والتمام، وكتاب الأمثلة للدول المقبلة … إلى غير ذلك من الكتب. كما كان شاعرًا رقيق العاطفة دقيق الحس، فمن شعره في رثاء أم ولده:

أَلَا في سبيل الله قلب تقطَّعَا
وفادحة لم تُبْقِ للعين مَدْمَعَا
أصبرًا وقدْ حلَّ الثرى من أودِه
فللهِ هم ما أشدَّ وأوجَعَا
فيا ليتني للموت قد متُّ قَبْلَها
وإلَّا فليتَ الموتَ أذهبنا مَعَا

وانظر إليه وهو يرثي والده سنة ٤٠٠ﻫ:

خطب ألَمَّ من الزمان عظيمُ
فالدمع سح للمصابِ سجومُ
خطب يقلُّ له البكاء وينطوي
عنه العزاء ويظهر المكتومُ
خطب يميت من الصدور قلوبها
أسفًا، ويقعد ثأره ويقيمُ
يا دهرُ قد أنشبت فيَّ مخالبًا
بالأسودين لوقعهن كلومُ
يا دهرُ قد ألبستني حلل الأسى
مُذْ حلَّ شخص في التراب كريمُ
لو كنتَ تقبل فديةً لفديتُ مَن
رضت عظامي فيه وهو رميمُ
يا مَن يلوم إذا رآني جازعًا
من طارق الحَدَثَانِ فيمَ تلومُ؟
بأبي فجعتُ فأي ثكلٍ مثله
ثكل الأبوة في الشبابِ أليمُ
قد كنتُ أجزع أن يلمَّ به الأذى
أو يعتريه من الزمان همومُ
وبجانب هذه النفحة الأدبية كان المسبحي يلم بالنجامة، وله في ذلك كتاب «القضايا الصائبة في معاني أحكام النجوم». من هذا كله نستطيع أن ندرك أن المسبحي كان من أركان الحركة العلمية والأدبية في مصر الفاطمية، وقد استفاد منه المؤرخون الذين جاءوا بعده، فاقتبسوا من مؤلفاته، ولقَّبوه بمؤرخ الفاطميين. وتوفي المسبحي سنة عشرين وأربعمائة، ورثاه جماعة من شعراء عصره، ذكرهم ولده في تاريخه وذكَرَ مراثيهم.٦

(٣) القضاعي

ومن المؤرخين النابهين في هذا العصر، أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، تفقَّهَ على مذهب الشافعي، ومع ذلك فقد ولَّاه الفاطميون القضاء، ثم اتصل بالوزير الجرجرائي فجعله الوزيرُ كاتبَ علامته، ثم عمل في ديوان الإنشاء، وأوفده أولو الأمر بمصر إلى القسطنطينية سنة ٤٤٧ﻫ رسولًا من قِبَلهم إلى الإمبراطورة تيودورا؛ لإصلاح ما فسد من العلاقات بين المصريين والبيزنطيين، ولكن البيزنطيين لم يرحِّبوا بصداقة المصريين إذ ذاك، وفضَّلوا أن يتحالفوا مع طغرلبك التركماني،٧ ولما عاد القاضي القضاعي من هذه السفارة اتخذه الوزير اليازوري كاتبًا لإنشائه وعلامته، وهكذا كان مُقدَّمًا عند الفاطميين بالرغم من تمذهُبِه بمذهب يخالف عقيدتهم. ألَّفَ القضاعي كتبًا كثيرة نذكر منها: كتابه في مناقب الإمام الشافعي وأخباره، وكتاب الشهاب، وكتاب الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء، وكتاب خطط مصر، وقد وهم المقريزي حين قال:٨ «إن أول مَن رتَّبَ خطط مصر وآثارها، وذكر أسبابها في ديوان جمعه، هو أبو عمر محمد بن يوسف الكندي، ثم كتب بعده القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي كتابه المنعوت بالمختار في ذكر الخطط والآثار، ومات في سنة سبع وخمسين وأربعمائة قبل سني الشدة، فدثر أكثر ما ذكر.» فإن أول مَن تحدَّثَ من مؤرخي مصر عن الخطط هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، في كتابه فتوح مصر،٩ وتبعه المؤرخون بعده.
والقاضي القضاعي كان أستاذ مدرسة في رواية التاريخ، أخذ عنه عدد كبير من المؤرخين أمثال محمد بن بركات بن هلال السعدي النحوي المولود سنة ٤٢٠ﻫ، صاحب كتاب خطط مصر،١٠ وكان ابن بركات نحويًّا لغويًّا، وله في هذه العلوم كتاب الإيجاز في معرفة ما في القرآن من ناسخ ومنسوخ، ألَّفَه للأفضل بن بدر الجمالي، وله تصانيف في النحو حتى قيل إنه بحر العلوم، وعنه روى الحافظ السلفي، والبوصيري صاحب البردة، وأبو الميمون عبد الوهاب المالكي، وهبة الله بن صدقة المعروف بأبي الرداد وغيرهم، وتوفي ابن بركات سنة ٥٢٠ﻫ.
وممَّنْ روى عن القضاعي: أبو عبد الله الحميدي، والخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب تاريخ بغداد، فقد قابَلَ القضاعي في الحج سنة ٤٤٥ﻫ، وروى عنه. وهكذا كان أثر القضاعي في معاصريه، كما أن الذين جاءوا بعده نقلوا كثيرًا من رواياته، واقتبسوا من أقواله. وتوفي القضاعي سنة ٤٥٧ﻫ.١١

ومن المؤرخين في أواخر العصر الفاطمي: ابن المأمون البطائحي، وكان والده وزيرًا للآمِر بأحكام الله، ونحن لا نعرف شيئًا عن هذا المؤرخ ولا عن كتبه، ولكن المقريزي اقتبَسَ كثيرًا من كتاباته في مواضع متفرِّقة.

(٤) فن السِّيَر

أما فن السير، وهو ذلك الفن الذي يُعَدُّ من فنون التاريخ، فقد كان له شأن كبير في الحياة الفكرية في مصر الإسلامية، ذلك أن كتَّاب مصر وعلماءها وجَّهُوا عنايتهم إلى كتابة سِيَر عظمائهم وأبطالهم ومجتهديهم، وقد وصل إلينا بعض هذه الكتب مثل سيرة عمر بن عبد العزيز لعبد الله بن عبد الحكم، رئيس المدرسة المالكية في مصر في القرن الثاني للهجرة.١٢ وقد ذكرنا أن ابن الداية كتب سيرة أحمد بن طولون، وسيرة ابنه أبي الجيش، وكتب ابنُ زولاق سيرةَ الإخشيد، وسيرة ابنه، وسيرة كافور، وسيرة المعز لدين الله، وسيرة العزيز، وسيرة سيبويه المصري. وكتب القاضي النعمان سيرة المعز لدين الله، وكتب محمد بن محمد اليماني سيرة جعفر الحاجب، ويطول بنا الأمر لو أحصينا كلَّ ما وصل إلينا في فن السِّيَر مما كتبه المصريون مما يدل على كلفهم بهذا الفن. ويُخَيَّل إليَّ أن مصر منذ أقدم عصورها اهتمت بهذا الفن اهتمامًا خاصًّا، نراه مُمثَّلًا فيما تركته مصر الفرعونية من سِيَر ملوكها وأمرائها منقوشًا على جدران المعابد والمقابر، أو مسطَّرًا على ورق البردي، ونراه في مصر القبطية فيما تركه الآباء البطارقة من سِيَر مَن سبقوهم من الآباء والقديسين. وفي مصر الإسلامية ظهرت هذه الحلقات المتتابعة في فن السِّيَر، ولعل أولها ما قيل من أن ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية وفد على مصر وروى بها السيرة، ووفد ابن هشام على مصر وروى بعض أجزاء السيرة عن المصريين.

وبلغت عناية المصريين بالسِّيَر وكلفهم بهذا الفن، أنهم وضعوا للشعب سِيَرًا عن أبطالٍ أحَبَّهم المصريون، وردَّدَ الشعب هذه السِّيَر في اجتماعاته ومغانيه، مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيرة الهلالية، وسنتحدث عن ذلك فيما بعدُ.

وقد حصلنا أخيرًا على مخطوطين في فن السِّيَر: الأول «سيرة الأستاذ جوذر»، والثاني «سيرة المؤيد في الدين».

سيرة الأستاذ جوذر١٣

يتحدَّث هذا الكتاب عن حياة رجل من رجال الدولة الفاطمية الذين أغفل المؤرخون ذِكْرهم، وهو الأستاذ جوذر الصقلي، مع ما كان له من مكانة رفيعة في الدولة الفاطمية بالمغرب قبل انتقال المعز لدين الله إلى مصر، ومع ما كان للأستاذ من منزلة قريبة عند الأئمة الفاطميين. يحدِّثنا هذا الكتاب عن دخول جوذر في خدمة المهدي بالله الفاطمي، وأن المهدي أهدى هذا الغلام إلى ولي العهد القائم بأمر الله، وكيف اشتدت الصلة بين العبد وسيده؛ إن القائم — وكان لا يزال ولي العهد — عندما خرج لغزو بلاد المغرب حتى سنة ٢٠٠ﻫ، استخلف جوذر على قصره وجميع مَن فيه من حرمه وأهله، ولما توفي المهدي بالله سنة ٢٢٢ﻫ خصَّ القائمُ عبدَه جوذر دون سائر أهله ورجال الدعوة بمرتبة الاستيداع لولي عهده المنصور بن القائم، فظلَّ هذا السر سبع سنوات حتى أعلن القائم ولاية العهد على الملأ، وفي خلافة القائم أصبح جوذر صاحب بيت المال، ووكل بخزائن الكساء، كما كان سفيرًا بين الخليفة وسائر الناس.

وهكذا ارتفعت منزلة جوذر، وأصبح له نفوذ قوي في هذه الدولة الناشئة، فهابَه الناس، ولِحُبِّه للخير وعطفه على الشعب أحَبَّه الناس، وتوفي القائم بعد ذلك، ولكن المنصور بالله لم يعلن وفاة أبيه، فلم يعلم أحد الخبر إلا جوذر، وخرج لحرب الخارجين عليه مستخلفًا جوذر على دار الملك وسائر البلاد، وسلَّمَه مفاتيح خزائن الأموال، ولما عاد من حروبه أعلن موت القائم، وكافَأَ جوذر على خدماته، فأعتقه ولقَّبَه «مولى أمير المؤمنين»، وأمره ألَّا يُكنِّي في رسائله أحدًا، ولا يقدِّم على اسمه اسمًا إلا الخليفة وولي العهد، وأن يرقم اسمه بالذهب على ملابس الخليفة وولي عهده، وأن يثبت اسمه على الحُصُر والبُّسُط، كل ذلك إمعانًا في تشريفه. وفي خلافة المعز كان جوذر موضع سر مولاه، إلى أن فُتِحت مصر، وأراد المعز أن يسير إليها، فأرجف الناس بأن أمر المغرب سيئول إلى جوذر، ولكن جوذر أبَى أن يفارِق إمامه فسار معه إلى مصر، ولكنه توفي بالقرب من مدينة برقة في مكان يُعرَف بمياسر سنة ٦٣٢ﻫ.

لم تقف أهمية سيرة جوذر على هذه الناحية التاريخية من ترجمة أحد رجال الدولة الفاطمية، الذين كان لهم أثر قوي في هذه الدولة منذ نشأتها، وإنما يوضِّح هذا الكتاب بعض نواحٍ تاريخية هامة أغفَلَها المؤرخون القدماء أو مروا بها مرًّا سريعًا، ففي الكتاب حديث عن تلك الثورات العنيفة التي نشبت بالمغرب عقب قيام الدولة الفاطمية، وكادت تقوض أركان تلك الدولة، كما يطلعنا على العلاقة بين الفاطميين وصقلية، وعلى ما كان يُعانِيه الفاطميون من رجال هذه الجزيرة، ومن قرصان البحر، ويظهر سبب الجفاء الذي كان بين المنصور وبين بني عمومته من أولاد المهدي، وكيف طلب إلى جوذر أن يشتد في تأديبهم ورَصْدِ حركاتهم. أضِفْ إلى ذلك كله أننا نستطيع أن نعتبر كتاب سيرة جوذر من الوثائق الأدبية؛ فقد جمع مصنفه جميع التوقيعات التي خرجت من المنصور والمعز إلى جوذر، ورسائله إليهما، وقد بلغ عددها في هذا الكتاب نحو المائة، فالكتاب أشبه بديوان توقيعات للفاطميين، ولا أكاد أعرف كتابًا جمع توقيعات الفاطميين سوى هذا الكتاب، وكتاب المجالس والمسايرات للقاضي النعمان الذي جمع فيه مصنفه بعض توقيعات المعز إليه، وكتاب السجلات المستنصرية الذي جمع فيه رسائل المستنصر إلى الصليحيين باليمن. وأجد في سيرة جوذر بعض قطع من شعر المنصور بالله، وخطبة المنصور في نعي القائم، وخطبة المعز في نعي المنصور، وهكذا نستطيع أن نستفيد من هذا الكتاب الصغير من الناحية الأدبية والتاريخية والاجتماعية في العصر الفاطمي بالمغرب.

أما مصنف هذه السيرة فهو رجل مغمور لا نكاد نعرف عنه إلا أنه منصور الجوذري العزيزي، وأنه دخل في خدمة الأستاذ جوذر كاتبًا له سنة ٣٥٠ﻫ، وأصبح موضع سرِّه، وظل في عمله إلى أن توفي جوذر فاتصل بالمعز فالعزيز. ويتَّضِح من كلامه أن العزيز جعله في مرتبة رفيعة هي نفس المرتبة التي كان فيها جوذر، ويضيف المقريزي أن أبا علي منصورًا الجوذري زادَتْ مكانته في عهد الحاكم بأمر الله، فأُضِيفت إليه مع الأحباس الحسبة وسوق الرقيق والسواحل وغير ذلك.١٤
هذا كل ما نعرفه عن واضِع هذه السيرة، ونستدل من هذه السيرة أنها صُنِّفَتْ في عهد العزيز بالله الذي ولي سنة ٣٦٥ﻫ، وتوفي سنة ٣٦٨ﻫ، ولكننا لا نستطيع أن نحدِّد السنةَ التي أُلِّفَتْ فيها،١٥ ونرجو أن نُوفَّق إلى نشر هذا الكتاب قريبًا.

السيرة المؤيدية

لا أكاد أعرف كاتبًا من كتَّاب المسلمين، سبق المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي داعي الدعاة — الذي تحدَّثْنا عنه من قبلُ — في تصنيف كتاب خاص لسيرته. فقد ترجم لنفسه في هذا الكتاب، بفصل من تاريخ حياته، أي من سنة ٤٢٩ﻫ إلى سنة ٤٥٠ﻫ، وأودع هذا الكتاب بعض رسائله ومناظراته العلمية المذهبية. ولما كان المؤيد ممَّنْ أسهم في الحياة السياسية في هذه الفترة، فهو يوضِّح جهوده وحركاته وسكناته منذ كان في بلاط أبي كاليجار البويهي بفارس، فوصف المؤيد حياته في هذه البلاد، كما وصف هذه الحياة التي كان يحياها السلطان مع الندماء، وصلة السلطان بالعباسيين، وكان المؤيِّد متصلًا برجال المستنصر الفاطمي من وزراء وكتَّاب ودعاة، فاضطر إلى أن يتحدَّثَ عن شيء من أسرار هذا العصر الغامض المضطرب، وأسرار وزراء مصر في ذلك العصر، وذهب المؤيد لمؤازرة البساسيري في العراق، واجتمع بعدد كبير من أمراء العرب والأتراك والأكراد، فتحدَّثَ عن هذه الحركة السياسية التي كادت تقوض أركان العباسيين، فالكتاب على هذا النحو ليس ترجمة للمؤيد فحسب، بل هو مصدر هام للحياة السياسية والاجتماعية في القرن الخامس الهجري؛ لأن المؤيد ترجَمَ لنفسه من حيث علاقته بالمجتمع الذي عاش فيه، والكتاب قيِّم جدًّا في دراسة هذه السنوات الإحدى والعشرين التي كان بها أحداث وخطوب، وكان لها أثر قوي في مجرى الحياة الإسلامية عامةً، ولقيمة هذا الكتاب نشرناه،١٦ فهو في متناول القرَّاء الآن.

وهكذا كانت حركة التاريخ والسِّيَر قوية في مصر الفاطمية كما كانت قوية قبل عصر الفاطميين، ففن التاريخ وروايته من الفنون التي ازدهرت في مصر في عصورها المختلفة، شغف به المصريون فأكثروا من روايته وتدوينه.

(٥) خاتمة القول في الحياة العقلية

قلنا إن العقائد الفاطمية كانت ميدانًا فسيحًا للعقل، وإن الفاطميين أفسحوا صدورهم للدراسات الفلسفية في وقتٍ كانت فيه هذه الدراسات موضع هجمات عنيفة في الأقطار الإسلامية الأخرى، بل رأينا الفاطميين يأخذون من النظريات والآراء الفلسفية والدينية القديمة، ويصبغون هذه الآراء والديانات بالصبغة الإسلامية بما يتفق مع العقائد التي بشَّروا بها، فأعطوا لأنفسهم من حرية التفكير وفي الأخذ عن القديم، والاجتهاد في المذهب، ما لا نراه عند غيرهم من الفِرَق الإسلامية الأخرى، ولكن هذا الاجتهاد وهذه الحرية الواسعة في الفِكْر كانت مقيَّدَة بموضوع الإمامة؛ فكل مؤلَّفات الدعوة الفاطمية، ومجالس حكمتهم، كانت تدور قبل كل شيء حول صاحب النص المعصوم، وتثبيت إمامته، وإظهار الإمام بمظهر الجلال والقدسية، فكأنَّ الفاطميين في مصر قد أعادوا إليها شيئًا من الحياة الفكرية التي كانت بالإسكندرية منذ عهد بطليموس؛ إذ كان أهمَّ الدراسات بالإسكندرية استرضاءُ الحكَّام وإشباع غرورهم بإسناد الفضائل كلها إليهم وإلى أجدادهم، بَيْدَ أن دعاة الفاطميين اتخذوا التعاليم ذريعة للوصول إلى غرضهم، فأدخلوا في الدين ما وصلت إليه الفلسفة الهلينية والأفلاطونية الحديثة، وبعض الإسرائيليات والمسيحيات، وآراء هرمس الحراني، وغيرها من الآراء القديمة، وذلك كله لإسباغ الفضائل كلها على الأئمة من أهل البيت، فكأنهم قالوا بحرية الفكر إلى أبعد مدى هذه الحرية، ولكنهم مع ذلك قيَّدوا هذه الحرية بالإمامة.

وكانت هذه الحرية الفكرية سببًا في ازدهار الحركة الفلسفية في مصر، وظهور عدد كبير من الفلاسفة على نحو ما ذكرنا من قبلُ، ولكن هذه الدراسات الفلسفية كانت في أغلبها تتبع عقائد الفاطميين، فدراسة الأفلاك والنجوم وإنشاء الرصد مثلًا كانت كلها بسبب معرفة ابتداء شهر رمضان، ويغلب على ظني أن الفاطميين لو لم يدينوا برؤية الهلال رؤية استبصار وعلم، لما ازدهرت هذه الألوان من الدراسات.

وروينا أن مصر الفاطمية شاهدت دراسات أدبية عربية، ولكننا نلاحظ أن هذه الدراسات مقصورة على دراسة النصوص القديمة وشرحها والتعليق عليها، دون أن تنتج مصر شيئًا جديدًا، وهذا ما كان أيضًا في مصر إبَّان ازدهار مدرسة الإسكندرية حين كانت الدراسات الأدبية تقوم على دراسة شعر هوميروس، ووضع المعجمات لمفردات هذه الأشعار وغيرها من الشعر القديم، دون أن يكون للدراسات الوجدانية أثر قوي في هذه الدراسات التي قوي فيها عمل العقل والآراء العلمية، أكثر مما يظهر تأثير العاطفة التي تُستوحَى من نفسية الشعب؛ ولذلك تتفق الدراسات الأدبية في العصر الإسكندري مع العصر الفاطمي في أن هذه الدراسات لا تظهر فيها شخصية مصر، وكذلك في المزاوجة بين الدراسات الأدبية الخالصة والآراء الفلسفية بمصطلحاتها وتعبيراتها، ومن هنا نرى سبب هذا التعقيد في أسلوب الدعاة والعلماء، حتى يُخَيَّل إلينا أن هؤلاء العلماء بعدوا عن التعبيرات الأدبية التي تتمثَّل فيها البساطة والذوق الموسيقي والعاطفي في اللفظ والمعنى، ولكن الدعاة والعلماء في العصر الفاطمي حشوا كتاباتهم بالتعبيرات الفلسفية، واستعملوا مصطلحات اضطروا أن ينحتوها من ألفاظ عربية، وأن يتلاعَبوا بقواعد الصرف المعروفة، فجاءت كتاباتهم غريبةً عن الأسلوب العربي. حقيقةً حاوَلَ بعض الدعاة والعلماء أن يستعيدوا الأسلوب الأدبي، وأن يبتعدوا عن تعقيدات الفلاسفة، ولكنهم وجدوا مشقة في تعبيرهم، وصعوبة في صناعتهم؛ فاضطروا إلى استخدام المحسنات البديعية والإغراق فيها ليفتنوا الجماهير بالزينة اللفظية، فكانت نتيجة ذلك أنهم تجنَّبوا تعقيدًا ليقعوا في تعقيد آخَر، وهذه الشروح والحاشيات التي وُضِعت حول النصوص القديمة، احتاجت هي نفسها فيما بعدُ إلى شروح وحواشٍ أخرى لتوضيحها وتقريبها إلى المتعلمين، وهكذا كانت جناية الدراسات الفلسفية والمصطلحات العلمية على الأساليب العربية.

على أن هذه الظاهرة لم تكن في مصر فحسب، بل كانت في جميع الأقطار الإسلامية منذ عرفت هذه الأقطارُ هذه العلومَ التي عُرِفت بالعلوم الدخيلة، ومنذ أخذ أصحاب الفِرَق المختلفة الصياغات المنطقية والفلسفية للتعبير عن آرائهم، ودحض رأي خصومهم، ومَن يدري لعل هؤلاء العلماء تعمَّدوا تعقيد أسلوبهم حتى يقال عنهم إنهم علماء، وها هو ذا الجاحظ يحدِّثنا عن هؤلاء الذين تعمَّدُوا التعقيد فيقول: «قلتُ لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلِمَ لا تجعل كُتُبَكَ مفهومةً كلها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدِّم بعض العويص وتؤخِّر بعض المفهوم؟ فأجاب: أنا رجل لم أصنع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قَلَّتْ حاجاتُ الناس إليَّ فيها، وإنما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم؛ لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسُّب ذهبت.»١٧

ومهما يكن من شيء، فقد كانت هذه الحركة العقلية في مصر الفاطمية في نمو مطرد في كل نواحيها وألوانها وفنونها، وتعدَّدَتْ مراكزها في مصر، وكانت حلقات الدرس في المساجد أو الدور في القاهرة والفسطاط وفي الإسكندرية وتنيس في الشمال، وفي أسوان وقوص وقفط في الجنوب، كما كان أمراء الأقاليم يجمعون حولهم العلماء والشعراء، وها هو ذا عمارة اليمني يحدِّثنا في «النكت» عن بعض هؤلاء الأمراء وعن مجالسهم وشعرائهم؛ فالحياة العلمية كانت مزدهرة في مصر الفاطمية، وعن مصر أخذ كثير من العلماء في الغرب والشرق، فلا غرو إن قلنا إن مصر الفاطمية كانت بدءًا للزعامة المصرية للأقطار الإسلامية، تلك الزعامة التي لا تزال مصر تحمل لواءَها إلى الآن.

١  راجع كتاب أدب مصر الإسلامية (من مطبوعات دار الفكر العربي).
٢  معجم الأدباء لياقوت: ج٣، ص١٠٥.
٣  المغرب في حلى المغرب: ص٤.
٤  هذا البيت من قصيدة أنشَدَها أحد شعراء مصر في رثاء أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، المؤرخ المصري المتوفى سنة ٣٤٧ﻫ.
٥  ابن خلكان: ج١، ص١٣٤، ومعجم الأدباء: ج٧، ص٢٢٥.
٦  راجع ابن خلكان: ج١، ص٥١٥، النجوم الزاهرة: ج٤، ص٢٧١، المغرب: ص٩٦، وحسن المحاضرة: ج١، ص٢٦٥.
٧  راجع ذلك بالتفصيل في السيرة المؤيدية، ونجد شيئًا من ذلك في أخبار مصر لابن ميسر.
٨  الخطط: ج١، ص٦.
٩  راجع كتاب «في أدب مصر الإسلامية».
١٠  بغية الوعاة: ص٢٤.
١١  ابن خلكان: ج١، ص٤١٢، وابن ميسر: ص١٤، وحسن المحاضرة: ج١، ص٢٢٧، وطبقات الشافعية: ج٣، ص٦٣.
١٢  راجع كتاب «في أدب مصر الإسلامية».
١٣  هو الذي تُنسَب إليه عطفة وحارة وشارع الجوذرية بقسم الدرب الأحمر بالقاهرة.
١٤  خطط المقريزي: ج٢، ص٦.
١٥  راجع ما كتبناه عن هذا الكتاب في مجلة الكاتب المصري، المجلد الثامن، عدد ٣١ (أبريل سنة ١٩٤٨).
١٦  سيرة المؤيد في الدين داعي الدعاة (من مطبوعات دار الكاتب المصري).
١٧  الحيوان للجاحظ: ج١، ص٤٥ (طبعة الساسي).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣