الفصل الرابع

الشعر والحرب الصليبية

يُخَيَّل لكل مَن يقرأ تاريخ الفاطميين في مصر أن مصر في هذا العهد كان يسودها الأمن، وأن المصريين كانوا يعيشون في دعة ولين، ألَمْ يتحدث المؤرخون عن النعيم الذي كان في العصر الفاطمي، والترف الذي كان يرفل فيه المصريون، والحياة الناعمة اللينة التي كان يحياها الناس؟ ولكن المؤرخين أنفسهم تحدَّثوا أيضًا عن لون آخَر من الحياة، هي حياة الاضطرابات والحروب الكثيرة التي كان يشنها أعداء الفاطميين على بلادهم وممتلكاتهم، منذ أقام الفاطميون دولتهم في شمال إفريقية، فقد كان أعداؤهم يحيطون بممتلكاتهم من كل جانب، ويتحيَّنون الفرص للإيقاع بهذه الدولة الفاطمية التي قامت لتثل عرش العباسيين في المشرق والأمويين في المغرب، كما كان أمام الفاطميين عدو المسلمين العتيد — أعني الروم — ودول جنوب أوروبا التي كان يهدِّدها الفاطميون من صقلية ومستعمراتهم في إيطاليا، حتى إذا كان النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة رأينا الفاطميين يشتبكون في حروب صعبة المراس، هي التي عُرِفت في التاريخ بالحروب الصليبية. أضِفْ إلى ذلك كله ما ذكره المؤرخون أيضًا من قيام خوارج على الدولة الفاطمية في مصر وفي ممتلكاتها، وحروب بين الأمراء لتولِّي الوزارة. فكل هذه الاضطرابات والحروب اضطلعت بها مصر بعد أن أصبحت عاصمة الإمبراطورية الفاطمية، وسجَّلَ الشعراء هذه الحروب في أشعارهم ومدائحهم، فالأمير تميم مدح أخاه الإمام العزيز بالله عندما هزم هفتكين الشرابي التركي — مولى معز الدولة البويهي — في دمشق، ثم طلب العفو من العزيز، فوصف تميم هذا الحادث بقوله:

وإنَّا لقوم نروع الزمان
ولسنا نراع إذا ما سطا
ومنا الإمام العزيز الذي
به عاد سيف الهدى منتضى
سعى للشآم وقد أصبحت
بها الحرب نزَّاعة للشوى
فكشف من ليلها ما سجا
وقوم من زيغها ما التوى
ولما تقابلت الجحفلان
وعاد كجنح الظلام الضحى
ولم يَبْقَ في الصف من قائل:
هل؟ ولا من مجيب: أنا
وقد ولغت في الصدور الرماح
وصلت لبيض السيوف الطلى
وغنت على البيض بيض الذكور
غناء يعيد الفرادى ثنى
كأن الرماح سكارى تجول
بها الخيل في النقع قب الكلا
فلولا الإمام العزيز الذي
تداركها وهي لا تصطلى
فسكن عارض شؤبوبها
وأمسك من سجله ما انهمى
بدا لهم دارعًا في العجاج
كصبح بَدَا طالعًا في الدجى
يكر ويبسم في موقف
عبوس الكماة به قد بَدَا
ولم يخذل السيف منه يدًا
ولم يسكن الروع منه حَشَا
يقود إلى الحرب من جنده
أسود رجال كأُسْد الشرى
فلو فدت الحرب قومًا، إذن
لفدتك صارخة بالعدا
فلم تصدر الرمح حتى انثنى
ولم تغمد السيف حتى انفرى
ولم يحمل الموت حتى حملت
ولولاك ما خاب ذاك اللظى
فما انفرجت عنك إلا وأنت
بها الفارس الملك المتقى
فجاءك منهم ملوك الرجال
وفدتك منهم ذوات اللمى
ولاذوا بعفوك مستأمنين
ولم يجدوا غيره ملتجَا
ولما رأى فتحها هفتكين
عليه وأخلفه ما رَجَا
تولَّى لينجو فخفت به
جيوشك واستوقفته الربَا
ولو طلب العفو قبل الهروب
لكنتَ له غافرًا ما مضى
ولكنه اعتاد فيها الإباق
وليس الفتى كل يوم فتى
ورام الخلاص وكيف الخلاص
وقد بلغ الماء أعلى الزبى
ولم يكُ كفؤك في حربه
وإن كان في بأسه المنتهى
وقد هزم الأسد حتى انتهاك
فلما رآك غَدَا لا يرى
فراح وحشو حشاه أسى
وقد مُلِئت مقلتاه عمى
أريتهم وقعات تزيد
على وقعات الدهور الألى
ببغداد من ذكره جولة
تذود عن المارقين الكرى
فأنفس ديلمها تغتدي
وتمسي على مثل جمر الغضا
إذا سمعوا بالإمام العزيز
أساءوا الظنون وحلوا الحبا
يخافون من بأسه وقعة
تدور عليهم بقطب الرحى
ينادي «بويه» بنيه بها
ويندبهم وهو رهن البلى١

ونحن مضطرون إلى أن نترك هذه الحروب الكثيرة التي خاضها الفاطميون، وأن نمر بالأشعار التي أنشدها شعراؤهم في وصف تلك المعارك، لنتحدث عن شعر الفاطميين في هذه الحروب الطاحنة التي شغلت العالم الإسلامي عدة قرون، وكانت مصر هي الدولة الإسلامية الكبرى التي أوقفت مواردها ورجالها للذود عن البلاد الإسلامية وعن الدين الإسلامي، ووقفت أمام مسيحيي أوروبا تكافِح وتناضِل طوال هذه القرون، حتى أدخلت اليأس في قلوب الأوروبيين، وجعلت آمالهم وأحلامهم قصورًا بُنِيت في الهواء.

ظهرت الحرب الصليبية الأولى سنة ٤٩٠ﻫ في عهد المستعلي ووزيره الأفضل بن بدر الجمالي، وليس لنا في هذا البحث أن نعرض لهذه الحروب الصليبية من الناحية التاريخية، ونكتفي بأن نذكر أن الأفضل استهان بأمر هذه الحركة في أول الأمر، ولم يدرك الأخطار التي نجمت عن تخاذله وتهاونه، بَيْدَ أنه بدأ يدرك خطأ تقديره بعد أن استولى الصليبيون على أنطاكية ومعرة النعمان سنة ٤٩١ﻫ، وواصلوا زحفهم إلى بيت المقدس، فاضطر حينئذٍ إلى أن يعبِّئ جيوشه ويرسلها إلى فلسطين من طريق البحر والبر، ولكن جيوشه هُزِمت أمام الصليبيين سنة ٤٩٢ﻫ بجوار بيت المقدس، واضطرت إلى الانسحاب إلى عسقلان، ثم إلى العودة إلى مصر. على أن شعراء الأفضل ذكروا لنا أن سبب عودة هذه الجيوش المصرية لم يكن هزيمتها أمام الصليبيين، بل سببها ثورة بعض الجنود على الأفضل وتآمرهم للفتك به، ولعل قصيدة أمية بن أبي الصلت التي رويناها من قبلُ تدلنا على أن الشعراء أخذوا يعتذرون عن الأفضل، وعن انهزامه في هذه الحرب الصليبية الأولى. وفي هذه القصيدة إشارة إلى مؤامرة الجنود، كما أن الشاعر يصرح بأن وزير مصر هو الوحيد الذي قام بالذود عن الدين ونصرة المسلمين، على حين ظلت البلاد الإسلامية الأخرى لاهية عن هذا الخطر الذي دهمهم، فهو يقول:

جردت للدين والأسياف مغمدة
سيفًا تفل به الأحداث والغير

وبعد أن تحدَّثَ الشاعر عن شجاعة الأفضل وإقدامه في الحروب، أخذ في الاعتذار عن هزيمته، وتوعَّدَ الصليبيين بعودة الأفضل إليهم، والانتصار عليهم:

وإن هم نكصوا يومًا، فلا عجب
قد يكهم السيف وهو الصارم الذكر
العود أحمد والأيام ضامنة
عقبى النجاح ووعد الله ينتظر
وربما ساءت الأقدار ثم جرت
بما يسرك ساعات لها أخر

ونقل المقريزي عن ابن الطوير: أن الأفضل قصد استنقاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل إلى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر، فخُذِل من جهة عسكره، وهي نوبة النصة، وعلم أن السبب في ذلك من جنده، وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم، فقال يخاطب صنجل ملك الفرنج:

نصرت بسيفك دين المسيح
فلله درك من صنجل
وما سمع الناس فيما رووه
بأقبح من كسرة الأفضل
فتوصَّل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر.٢

وعاد الأفضل إليهم، وكانت جيوشه تُصَاب بهزائم منكرة، ولكنه لم ييأس من الظفر، واضطربت أمور مصر من بعده حتى ولي الملك الصالح طلائع بن رزيك، فأخذ يرسل الجيوش المصرية لمحاربة الفرنج، فكان ينتصر حينًا وينهزم حينًا آخَر، وسجَّلَ شعراؤه هذه الحروب، فمن ذلك قول شرف الدولة ابن جبر أبو محمد يحيى بن حسن في إحدى المعارك التي خاضها ابن رزيك ضد الفرنج:

أطفى ابن رزيك لهيب ضرامه
والبيض تخطب في الرءوس فتسمع
وكتائب للشرك كنت إزاءها
متعرضًا فانفضَّ ذاك المجمع
ولكم صرعت من الفرنج سميدعًا
بلقائه لك قيل: أنت سميدع٣

وقال المهذب بن الزبير في حروب ابن رزيك، ولم يذكر العماد الواقعة التي كانت سبب هذه القصيدة ولا تاريخها:

وتلقى الدهر منه بليث غاب
غدت سمر الرماح له عرينَا
تخال سيوفه إما انتضاها
جداول والرماح لها غصونَا
وتحسب خيله عقبان دجن
يرحن مع الظلام ويغتدينَا
إذا قدحت بجنح الليل أورت
سَنًا يغشى عيون الناظرينَا
وإن صبحت مع الإصباح عدوًا
أثارت للعجاج به دجونَا
كأن الشمس حين نثير نقعًا
تحاذر من سطاه أن تبينَا
وما كسفت بدور الأفق إلا
أسى إذ أبصرت منه الجبينَا
وما اضطربت رماح الخط إلا
مخافة أن يحطمها مبينَا
وما تندق يوم الروع حتى
يدق بها الكواهل والمتونَا
عجبت لها تصافح من يديه
وتوصف بالظما، بحرًا معينَا
ويوردها ولا تحظى بري
نطافًا من دروع الدارعينَا
وهل يشفى لها أبدًا غليل
وقد شربت دماء الكافرينَا
إذا لقيت عيون الروم زرقًا
حسبت نصالها تلك العيونَا
تخال البحر مدَّ به خليج
إذا ما مدَّ بالقضب اليمينَا٤

ومرة أخرى ذكر العماد أن الملك الصالح أرسل أسطوله سنة ٥٥٣ﻫ لحرب الصليبيين، وانتصر الأسطول، فأنشد المهذب يمدح الصالح ويصف الأسطول، ومن هذه القصيدة ندرك أن الموقعة كانت بالقرب من العريش:

أعلمت حين تجاوز الحيان
أن القلوب مواقد النيران
لما أبوا ما في الجفان قريتهم
بصوارم سلمت من الأجفان
وثللت في يوم العريش عروشهم
بشبا ضراب صادق وطعان
ألجأتهم للبحر لما أن جرى
منه ومن دمهم معًا بحران
ومدح الورى بالبأس إذ خضبوا الظبا
في يوم حربهم من الأقران
ولأنت تخضب كل بحر زاخر
ممَّن تجاوب بالنجيع القاني
حتى يرى دمهم وخضرة مائه
كشقائق نُثِرت على الريحان
وكأن بحر الروم خلق وجهه
وطفت عليه منابت المرجان
ولقد أتى الأسطول حين غزا بما
لم يأتِ في حين من الأحيان
أحبب إليَّ بها شواني أصبحت
من فتكها ولها العداة شواني
شبهن بالغربان في ألوانها
وفعلن فعل كواسر العقبان
وقرتها عدد القتال فقد غدت
فيها القنا عوضًا من الأشطان
حرب عوان حكمتك من العدا
في كل بكر عندهم وعوان
وأعدت رسل ابن القسيم إليه في
شعبان كيما يلأم الشعبان
والفأل يشهد باسمه أن سوف يغـ
ـدو الشام وهو عليكما قسمان
وأراك من بعد الشهيد أبًا له
وجعلته من أقرب الإخوان
وهو الذي ما زال يفعل في العدا
ما لم يكن ليعد في الإمكان
قتل البرنس ومَن عساه أعانه
لما عسا في البغي والعدوان
وأرى البرية حين عاد برأسه
مر الجنا يبدو على المران
فليهنه أن فاز منك بسيد
أوفى برتبته على كيوان٥

ولعل هذه القصيدة تبيِّن لنا ناحية تاريخية هامة لم يذكرها المؤرخون في كتبهم، ولم يتحدث عنها المؤرخون من الغربيين، تلك هي علاقة الملك الصالح بن رزيك بنور الدين زنكي إبَّان الحروب الصليبية، فالشاعر هنا يذكر نور الدين، مرة يذكره «بابن القسيم» أي ابن قسيم الدولة أتابك زنكي، ويذكره مرة ثانية باللقب الذي عُرِف به وهو «الشهيد»، ويتحدث الشاعر عن الاتفاق الذي كان بين الملك الصالح وبين نور الدين، ويقضي هذا الاتفاق على أن يواصِلَا الحرب ضد الصليبيين حتى يتركوا الشام، فتقسم حينئذٍ بين مصر ونور الدين، هذا الاتفاق الذي أشار إليه المهذب في هذه القصيدة لم يذكره أحد من المؤرخين، ويغلب على ظني أنه لولا هذه الصلة الوثيقة التي كانت بين الشاعر والملك الصالح، لما استطاع الشاعر أن يعرف مثل هذا الاتفاق الذي كان بين العاهلين.

وفي عهد الملك الصالح طلائع بن رزيك، كان الصليبيون يمعنون في شن غاراتهم على حوران وما حولها من البلدان، ووردت الأنباء بأن عسكر المصريين استولوا على عسقلان، وقتلوا مَن بها من عسكر الفرنج، وسُرَّ المصريون بذلك الانتصار سرورًا عظيمًا نلمح أثره في قصيدة الملك الصالح التي أرسلها إلى أسامة بن منقذ صاحب حصن شيزر، وأحد الأمراء الذين كانوا يساعدون نور الدين زنكي في حروبه ضد الصليبيين:

ألا هكذا في الله تمضي العزائم
وتنضى لدى الحرب السيوف الصوارم
وتستنزل الأعداء من طول عزهم
وليس سوى سمر الرماح سلالم
وتغزي جيوش الكفر في عقر دارها
ويوطا حماها والأنوف رواغم
ويوفي الكرام الناذرون بنذرهم
وإن بذلت فيها النفوس الكرائم
نذرنا مسير الجيش في صفر فما انـ
ـثنى حتى انثنى وهو غانم
بعثناه من مصر إلى الشام قاطعًا
مفاوز، وخد العيس فيهن دائم
فما هاله بعد الديار ولا ثنى
عزيمته جهد الظما والسمائم
يباري خيولًا ما تزال كأنها
إذا هي ما انقضت نسور قشاعم
يسير بها «ضرغام» في كل مأزق
وما يصحب الضرغام إلا الضراغم
وواجههم جمع الفرنج بحملة
تهون على الشجعان فيها الهزائم
وما زالت الحرب العوان أشدها
إذا ما تلاقى العسكر المتضاخم
وعادوا إلى حز السيوف فقطعت
رءوس وحزت للفرنج غلاصم
فلم ينجُ منهم يوم ذاك مخبر
ولا قيل: هذا وحده اليوم سالم
فقولوا «لنور الدين» لا فل حده
ولا حكمت فيه الليالي الغواشم
تجهز إلى أرض العدو ولا تهن
وتظهر فتورًا إن مضت منك (حارم)
فما مثلها تبدي احتفالًا به ولا
يعض عليها للملوك الأباهم
فعندك من ألطاف ربك ما به
علمنا يقينًا أنه بك راحم
أعادك حيًّا بعد ما زعم الورى
بأنك قد لاقيت ما الله حاتم
بوقت أصاب الأرض ما قد أصابها
وحلت بها تلك الدواهي العظائم
وخيم جيش الكفر في أرض شيزر
فسيقت سبايا واستحلت محارم
فقُمْ واشكر الله الكريم بنهضة
إليهم فشكر الله للخلق لازم
فنحن على ما قد عهدت نروعهم
ونحلف جهدًا أننا لا نسالم
وغاراتنا ليست تفتر عنهم
وليس ينجي القوم منا الهزائم
فأسطولنا أضعاف ما كان سائرًا
إليهم فلا حصن لهم منه عاصم٦

ومرة أخرى يرسل الملك الصالح إلى أسامة:

يا سيدًا يسموا بهمـَّ
ـته إلى الرتب العلية
أنت الصديق وإن بعد
ت وصاحب الشيم الرضية
يهنيك أن جيوشنا
فعلت فعال الجاهلية
سارت إلى الأعداء من
أبطالها مائتا سرية
فتغير هذي بكرة
وتعاوِد الأخرى عشية
فالويل منها للفرنج
فقد لقوا جهد البلية
جاءت رءوسهم تلوح
على رءوس السمهرية٧
وفي قصيدة للشاعر ابن الصياد حديث عن موقعه بين الملك الصالح والصليبيين، وعن قتل مقدم خيل الفرنج الذي سمَّاه ابن الصياد «بأرناط»، واسمه الصحيح «رينولد» Renauld.

قال ابن الصياد:

عن سيف دين الله سَلْ «أرناطا»
حيث المنية كأسها يتعاطَى
والمشرفية قد حكت في جيشه
في العل والنهل القطا الفراطَا
قد سام طير الكفر منه منسرًا
أشغى وعاين مخلبًا عطاطَا
هو ملبس جيش العدا في الحرب من
حلل النجيع مجاسدًا ورياطَا
فجياده تشكو مزاحمة القنا
وترد خرصان الرماح سياطَا
هو فارس الإسلام يحفظ بالظبا
من دينه الأطراف والأوساطَا
كم قد أنار من الأسنة أنجمًا
لما أثار من العجاج عطاطَا
فتخاله ملكًا رمى بشهابه
في الروع شيطان الحروب فشاطَا٨

ويحدِّثنا عمارة اليمني في النكت أن في وزارة الملك الصالح غزا الصليبيون مصر، ووصلوا إلى إقليم الحوف، فأرسل الوزير الجيوش بقيادة ابنه العادل الناصر خلفهم، وطاردهم إلى أبي عروق من إقليم فلسطين، وعاد بجيوشه منتصرًا إلى بلبيس، ففرق في الجيش مالًا كثيرًا، وخلع على الأعيان. ويذكر عمارة أن له ولغيره من شعراء مصر شعرًا في هذه الموقعة، ولكن لم يصل إلينا من هذا الشعر إلا مقطوعة من قصيدة لعمارة منها قوله:

أنت الذي يعقد الإسلام خنصره
عليه إن جل خطب أو طرا وطر
متوج تشرق الدنيا بطلعته
وتخجل الشمس مهما لاح والقمر
إذا أقامت على ثغر صوارمه
فللنوائب عن سكانه سفر

ومنها قوله:

أغاث أعمال «بلبيس» وأمنها
من بعد ما غالها الإشفاق والحذر
وحين أبليت عذرًا في اللحاق بهم
والنصر يقسم لا فاتوك والظفر
وقال: عزمك لما أن ألح ولم
تلح له منهم عين ولا أثر
إن ينج منها «أبو نصر» فعن قدر
نجا، وكم قدرة قد عاقها القدر
وعدت نحو مقر العزم في عصب
يفنى بها الأكثران: الرمل والمطر
وللصوارم في أجفانها أسف
تكاد من حره الأجفان تستعر٩

هذا الشاعر الذي مدح الوزير بانتصاره على الصليبيين يحدِّثنا أن ابن الوزير نجا من هذه الموقعة (عن قدر)، فهذا البيت إنما يدل على أن الحرب بين الفريقين كانت عسيرة شاقة كاد يُقتَل فيها ابن الوزير، ولكن القدر فقط هو الذي أنجاه من خطر محقَّق. ومع ذلك فقد وصلت إلينا قصيدة أخرى من شعر عمارة في مدح الملك الصالح، وفيها ذكر لهذه الموقعة، منها قوله:

تيقنت الإفرنج أنك إن ترد
ديارهم لم ينجهم منك مهرب
وخافتك إن لم تعطها الأمن منعمًا
فجاءتك يا ليث الشرى تتغلب
وأهدوا رجال السلم آلة حربهم
ومن بعض ما أهدوا مجن ومقلب
وذلك فأل صادق أن عزهم
بسيفك يا سيف الهدى سوف يسلب١٠
وهذه الموقعة هي إحدى الغلطات الثلاث التي كان يعدها الصالح نفسه؛ إذ يروي ابن خلكان أن ثالث هذه الغلطات: خروج الملك الصالح إلى بلبيس بالعساكر، ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مائتي ألف دينار، حيث لم يتم زحفه إلى بلاد الشام ويفتح بيت المقدس، ويستأصل شأفة الفرنج.١١ وفي هذه الموقعة نفسها قال عمارة أيضًا في مدح الملك الناصر بن الصالح:
رأيتك لم تقنع بمنصبك الذي
علا فنجوم الأفق عنه سفال
فباشرت مكروه الوغى في مواطن
حرام المنايا بينهن حلال
وهل يفخر الصمصام إلا بقطعه
وإن راق منه جوهر وصقال
كأنك خلت السلم نقصًا على العلا
وليس لها غير القتال كمال
ولما تشكي الخوف حيفًا على الهدى
وكاد الهوى يسطو عليه ضلال
نهضت إلى الإفرنج تزجي كتائبًا
تغل بها أعناقهم وتغال
فولوا وقد أبقت عليهم نفوسهم
سباسب حالت دونهم ورمال
وأتبعتهم ركضًا على كل سابح
إذا الريح كلت لم يصبه كلال١٢

والمؤرخون يذكرون قصة شاور، واستنجاده بالصليبيين ضد أسد الدين شيركوه وصلاح الدين، ففي موقعة بلبيس التي انتصر فيها شاور والفرنج، قال عمارة يمدح شاور، ويعرض بالغزو:

ولقد دفعت إلى ثلاث نوائب
كادت تشيب لهولها ولدانها
من معشر تغدو السماحة والندى
فيما حوت أجفانها وجفانها
فعصابة غزية غادرتها
وأجل ما نرجوه منك أمانها
وعصابة رومية عاشرتها
فتأدبت وتهذبت أذهانها
وعصابة مصرية بك أصبحت
فوق البرية راجحًا ميزانها
وتداركت بلبيس منك عواطف
يسع الزمان وأهله غفرانها
أقسمت لولا حسن رأيك لاغتدى
الناقوس في بلبيس وهو أذانها
بلد لو انهدمت قواعد سوره
بيد النصارى لم يعد بنيانها
أبقيتها للمسلمين وإنه
ليعز بعد خرابها عمرانها١٣

فهو هنا يمدح شاور باتفاقه مع الصليبيين، ولولا هذا الاتفاق لاستولى الفرنج على بلبيس، ولدثر الدين في هذا البلد، ولذلك لم يهج الصليبيين في هذا الشعر، وإن كان عرَّض بهم تعريضًا خفيفًا، ونستطيع أن نعرف رأي عمارة في الإفرنج إذا قرأنا مقطوعة أخرى له لم يقصد بها مدح الوزير، بل هي أبيات صادرة عن عاطفة الشاعر نحو هذه الأحداث والنكبات التي جرَّتها سياسة شاور على البلاد، فهو يقول:

يا رب إني أرى مصرًا قد انتبهت
لها عيون الأعادي بعد رقدتها
فاجعل بها ملة الإسلام باقية
واحرس عقود الهدى من حل عقدتها
وهب لنا منك عونًا نستجير به
من فتنة يتلظى جمر وقدتها١٤

وفي مديحه لصلاح الدين، وذكر وقعة الجسر بالجيزة التي انتصر فيها على الصليبيين بقيادة مري، يقول عمارة:

حمى الله منكم عزمة أسدية
فككتم بها الإسلام من ربقة الكفر
لئن نصبوا في البر جسرًا فإنكم
عبرتم ببحر من حديد على الجسر
طريق تقارعتهم عليها مع العدا
ففزتم بها والصخر يقرع بالصخر
أخذتم على الإفرنج كل ثنية
وقلتم لأيدي الخيل مري على «مري»
وأزعجه من مصر خوف يلزه
كما لز مهزوم من الليل بالفجر١٥

وهكذا نرى شعراء مصر يشيدون بالحروب الصليبية التي شغلت العالم الإسلامي عدة قرون، ولم يَرَ العصر الفاطمي منها سوى زهاء نصف قرن فقط، ومع ذلك فإن هذه الحروب جعلت الشعراء المصريين ينشدون أشعارًا حماسية يمدحون شجاعة جنود مصر الذين أخذوا على عاتقهم طرد الصليبيين من فلسطين، على حين بقيت الدويلات الإسلامية تنظر إلى هذه الحروب نظرة عدم اكتراث، وقد سجَّلَ المصريون في هذه الحروب جهودًا كثيرة سجَّلَها الشعراء الفاطميون في شعرهم، كما سجَّلَها شعراء الأيوبية وشعراء الفاطميين في شعرهم، كما سجَّلَها شعراء الدولة الأيوبية وشعراء المماليك في العصور التالية لهذا العصر الذي نؤرِّخه الآن.

١  ديوان الأمير تميم.
٢  المقريزي: ج٢، ص٣١٠.
٣  الخريدة: ١٢.
٤  الخريدة: ص٣٨.
٥  الخريدة: ورقة ٤٠ وما بعدها.
٦  الروضتين: ج١، ص١١٥.
٧  الروضتين: ج١، ص١١٦.
٨  الخريدة: ورقة ٦٧.
٩  النكت: ص٥٤ وما بعدها، وص٢٤٧.
١٠  النكت: ص١٧٦.
١١  ابن خلكان: ج١، ص٢٢٠.
١٢  النكت: ص٣٠٧.
١٣  النكت: ص٣٦٩.
١٤  النكت: ص١٩٠.
١٥  النكت: ٢٧٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣