الفصل الأول

ازدهار النثر

رأينا في كتابنا «أدب مصر الإسلامية» كيف أُسِّسَ ديوان الإنشاء بمصر في عهد أحمد بن طولون، وأن أول مَن ولي هذا الديوان كان أحمد بن محمد بن مودود المعروف ﺑ «ابن عبد كان» الكاتبِ، وعرفنا كيف استمر تلاميذ «ابن عبد كان» يعملون في دواوين الطولونيين والإخشيديين، فازدهرت الكتابة في مصر على أيديهم حتى بلغت درجة عالية من درجات فن الكتابة في مصر، حتى إن القلقشندي روى أن أهل بغداد كانوا يحسدون أهل مصر على طبطب المحرر، وابن عبد كان الكاتب، ويقولون: بمصر كاتب ومحرر ليس لأمير المؤمنين بمدينة السلام مثلهما.١ وكثر عدد الكتاب في مصر في عهد الطولونيين والإخشيديين، أمثال: الحسن بن رافع، ويعقوب بن إسحق، وأحمد بن أيمن، والحسين بن مهاجر، وعلي بن أحمد المادرائي، وابن الداية، وإسحق بن نصير العبادي، وإبراهيم بن عبد الله النجيرمي، ومحمد بن كلاو الروزباري … وغيرهم من الكتَّاب الذين اتخذوا الكتابة فنًّا يتكسَّبون به، ومؤهلًا لتعيين الكتَّاب في خدمة الأمراء وأصحاب الشأن في البلاد، فكثر تنافُس الكتَّاب في تجويد الكتابة وإتقان الصناعة، حتى علا منارها وعظم شأنها.

تولَّى الفاطميون أمر مصر، ونهضة الكتابة فيها قوية مزدهرة، فتضاعفت هذه النهضة في العصر الفاطمي بما عمل الفاطميون على النهوض أولًا بالعلم وإذكاء شعلته في البلاد، حتى كان للحركة العلمية أثر قوي في تيار الفكر الإسلامي عامةً، وفي مصر الفاطمية على وجه خاص، وقد تحدَّثنا عن ذلك من قبلُ.

ومن ناحية أخرى، ظفرت مصر الفاطمية بنهضة أدبية كان لها أثرها القوي في ازدهار الشعر وازدهار الكتابة معًا؛ فقد عني الفاطميون بالكتاب عنايتهم بالشعراء، بل لا أغالي إذا قلت: إن عناية الفاطميين بالكتاب كانت أشد من عنايتهم بالشعراء؛ ذلك أن اتساع ملكهم وتشعُّب نواحي حياتهم وسلطانهم اضطرتهم إلى أن يوجِّهوا همتهم إلى العناية بالدواوين المختلفة عنايةً خاصة تتناسب مع غلوهم في إظهار مجدهم. ويحدِّثنا المؤرخون عن هذه الدواوين، وعن الكتَّاب الذين تولوها، والتشريف الذي كان يجده هؤلاء الكتَّاب في العصر الفاطمي، من ذلك أن صاحب ديوان المجلس كان يخلع عليه، وينشأ له السجل، وله المرتبة والمسند والدواة والحاجب … إلى غير ذلك.٢ ويذكر المقريزي أن أبا البركات بن أبي الليث متولي ديوان المجلس سنة ٥١٧ﻫ، كان له باسمه مياومة إدرارًا من بيت المال والخزائن ودار التعبية والمطابخ وشون الحطبِ الشيءَ الكثير، فكان له من البقول والتوابل ما قيمته نصف دينار، ومن الضأن رأس واحد، ومن الحيوان ثلاثة أطيار، ومن الحطب حملة واحدة، ومن الدقيق خمسة وعشرون رطلًا، ومن الخبز عشرون وظيفة، ومن الفاكهة ثمرة زهرة قصريتان وشمامة، كما كان له في كل يوم إثنين وخميس من السماط بقاعة الذهب طيفور خاص، وصحن من الأرائل، وخمسة وعشرون رغيفًا من الخبز المائدي والسميذ، وفي كل يوم أحد وأربعاء من الأسمطة مثل ذلك، وفي كل يوم سبت وثلاثاء من أسمطة الركوبات خروف مشوي وجام حلوى ورباعي عنب، وكان يحضر إليه في كل يوم من الإصطبلات بغلة بمركوب محلي، وبغلة برسم الراجل، وفراشين برسم خدمته. ولم يقتصر الأمر عليه وحده، بل جعلوا لولده جاريًا كل يوم مقداره ثلاثة أرطال لحم، وعشرة أرطال دقيق، وراتبًا عشرة دنانير.٣
ويقول المقريزي أيضًا عن ديوان التحقيق: إنه كان لا يتولاه إلا كاتب خبير، وله الخلع المرتبة والحاجب.٤ أما صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، فكان أول أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرسوم، وله حاجب من الأمراء الشيوخ وفراشون، وله المرتبة الهائلة والمخاد والمسند والدواة، وهي من أخص الدوي، ويحملها أستاذي الخليفة.٥ ويحدِّثنا ياقوت: أن رزقَ ابن خيران كاتب الإنشاء في عهد المستنصر، كان ثلاثةَ آلاف دينار في السنة، وكان له عن كل ما يكتبه من السجلات والعهودات وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء.٦ فهذا التشريف الذي جعله الفاطميون لكتَّاب دولتهم كان من أهم عوامل ازدهار الكتابة في هذا العصر، كما كان إغداق النِّعَم على الكتَّاب على هذا النحو الذي رأينا صورته من أسباب كثرة الكتَّاب، وإقبال الناس على التعليم، وإجادة الكتابة ليصلوا إلى مرتبة الكتابة في الدواوين؛ فكثر عدد الكتَّاب، وأصبح على المتأدب أن يأخذ عن الكتَّاب طرائقهم وفنهم.
ويحدِّثنا القاضي الفاضل أنه كان من عادة أرباب الدواوين في تربية أبنائهم، أنهم كانوا يرسلون هؤلاء الأولاد إلى ديوان المكاتبات ليتعلموا فن الكتابة. قال القاضي الفاضل: كان فن الكتابة بمصر في زمن بني عبيد غضًّا طريًّا، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانًا وبيانًا، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانًا، وكان من العادة أن كلًّا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد وشَدَا شيئًا من علم الأدب، أحضره إلى ديوان المكاتبات ليتعلم فن الكتابة ويتدرَّب ويرى ويسمع، فأرسلني والدي، وكان إذ ذاك قاضيًا بثغر عسقلان، إلى الديار المصرية في أيام الحافظ، وأمرني بالمصير إلى يدوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجل يقال له ابن الخلال، فلما حضرت الديوان ومثلت بين يديه وعرَّفته مَن أنا وما طلبي، رحَّبَ بي وسهَّل، ثم قال: ما الذي أعددته لفن الكتابة من الآلات؟ فقلت: ليس عندي شيء سوى أني أحفظ القرآن العزيز وكتاب الحماسة. فقال: وفي هذا بلاغ. ثم أمرني بملازمته، فتردَّدْتُ عليه وتدرَّبْتُ بين يديه، ثم أمرني بعد ذلك أن أحلَّ شعر الحماسة فحللته من أوله إلى آخِره، ثم أمرني أن أحله مرةً ثانيةً فحللته.٧

فهذا النص يدلنا على مبلغ تعلُّق الناس بتعليم أبنائهم فن الكتابة، فقد كان حفظ القرآن الكريم وأشعار العرب من عدد الكاتب في هذا العصر، وقد رأينا كيف طلب ابن الخلال من تلميذه الذي عُرِف بعد ذلك بالقاضي الفاضل أن ينثر كل الأشعار التي جمعها ديوان الحماسة؛ تهيئةً له في الدخول في سلك الكتَّاب. ولم تكن مَلَكة الكتابة وحدها تكفي أن تجعل الإنسان كاتبًا، بل كان لا بد له من آلات — على نحو ما عبَّر ابن الخلال — وهذه الآلات هي علوم العربية، حتى يتسنَّى للكاتب أن يسير على نهج الأساليب العربية، فلا يقع في لحن نحوي أو لغوي، أو يبتعد الكاتب عن سنن كتاب العربية في أسلوبهم وتعبيراتهم. ولم يقنع الفاطميون بأن تكون كتابات الكتَّاب سليمة صحيحة، بل حرصوا أشد الحرص على ذلك، بأن جعلوا في ديوان الإنشاء لغويين ونحويين لمراجعة ما كان يحرِّره الكتَّاب حتى تخرج كتاباتهم سليمة من الأخطاء، فهذا الحرص على سلامة أساليب الكتابة كان من العوامل التي جعلت الكتَّاب أنفسهم يعملون جاهدين على أن تخرج كتاباتهم خالصةً متفقة مع الأساليب العربية، فلا غرو أن يقول القاضي الفاضل: «إن فن الكتابة بمصر في زمن بني عبيد كان غضًّا طريًّا.» وأن تصبو نفس كل متعلم إلى أن يكون كاتبًا من كتَّاب الدواوين.

وقد يكون من عوامل ازدهار الكتابة في العصر الفاطمي، أن وزراء العصر الأول من الحكم الفاطمي كانوا من الكتَّاب، وكانوا يعملون في الدواوين قبل اختيارهم للوزارة، فالفلاحي والجرجرائي واليازوري والبابلي وبنو المغربي وابن المدبر وابن الأنباري وكثير غيرهم كانوا من الكتَّاب، وقد بلغوا مرتبة الوزارة، حتى إن المؤرخين لاحظوا أن وزراء الدور الأول كانوا من أصحاب الأقلام، وأن وزراء الدور الثاني كانوا من أصحاب السيف، وليس معنى ذلك أن الكتابة ضعفت في الدور الثاني، أو أن الكتَّاب أصبحوا في مكانة تقل عن مكانتهم الأولى، بل ظل الكتَّاب يتمتعون بمثل المركز الرفيع الذي كانوا فيه في الدور الأول، ومنهم كان جلساء الإمام وحجَّابه وأصحاب مظلته، ومنهم كان القضاة والدعاة، وهذه كلها كانت أكبر مناصب الدولة بعد الوزارة، فالكتَّاب طوال العصر الفاطمي كانت لهم مكانتهم الممتازة، والنِّعَم العميمة، والعطايا الجزيلة، فلا غرابة إذن أن يُقبِل الناس على الكتابة، وأن تزدهر في هذا العصر.

أَضِفْ إلى ذلك كله أن نظام الحكم الفاطمي كان من أشد العوامل على ازدهار الكتابة؛ فإن الفاطميين كانوا يسجِّلون كل دقيقةٍ وعظيمةٍ في سجل يخرج من الديوان، فتعيين الوزراء أو الكتَّاب أو القضاة أو الدعاة وغيرهم من أرباب وظائف الدولة كان يخرج به سجل خاص مطول، فيه الحض على تقوى الله وطاعة الإمام والتمسُّك بأهداب الدين الحنيف، ثم الإشارة إلى المنصب الذي سيُعيَّن فيه الموظف، وما يتطلبه ذلك المنصب من عمل، إلى غير ذلك من ترغيب في المنصب، ومشورة في تصريف العمل، وإذا خرج الخليفة لفتح الخليج أو لصلاة الجمعة أو العيد فيخرج السجل بذلك. وفي أعيادهم ومآتمهم كانت تصدر هذه السجلات أيضًا، حتى أصبحت هذه السجلات تاريخًا للعصر الفاطمي كله، وكان الكتَّاب يفتنون في إظهار مقدرتهم وكفايتهم في صياغة هذه السجلات، ويتنافسون في هذا الفن؛ فجاءت هذه السجلات الفاطمية صورًا رائعة من صور الكتابة العربية التي تمثِّل العصر الفاطمي أصدق تمثيل.

من ذلك نستطيع أن ندرك كيف ازدهرت الكتابة في العصر الفاطمي، وكيف أقبل المتعلمون على أن يلموا بفن الكتابة، حتى يصبحوا كتَّابًا في دواوين الفاطميين، وأن ينالوا ما ناله الكتَّاب من تكريم وتقريب ونِعَم.

النثر والأئمة

وكان الأئمة يجيدون فن النثر كما كانوا يعرفون بالشعر، فقد كان الأئمة يلقون الخطب الدينية في المسجد الجامع، ويقرءون ما يعرضه عليهم الدعاة من مجالس المحكمة، وقد يبدلون بعض أجزاء هذه المجالس. فمن خطبة المعز لدين الله في عيد الأضحى سنة ٣٤١ﻫ:

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الأعز الأقدر، الخالق المدبر، ذو الكبرياء والجبروت، والعزة والملكوت، الأحد الصمد، الفرد المتفرد، الأعلى القاهر، الباطن الظاهر، الأول الآخِر، مبدع السموات والأرض بالقدرة، ومالكها بالعزة، ومدبِّرها بالحكمة، وخالقها بما فيها من عجائب الفطرة، وبدائع التركيب والصنعة، الذي كل شيء من موات وحي متوجِّه بالدعاء إليه، والدلالة عليه، والشهادة له بالتوحيد، والتعظيم والتحميد، فتكوينه الأشياء كلها من عدم شاهِد بأن لا شيء قبله، وانتهاؤها إلى الغايات دليل على أن لا غاية له، وإحاطته بحدودها منبئ بأن لا حدَّ له، فالضعف والعجز والفقر والنقص الذي لم يخلُ منه مخلوق، أفصح ناطق وأصدق شاهد للخالق وحده — جل ثناؤه — بالإلهية والفردانية والقدرة والربوبية والتمام والكمال والأزل والدوام.

تبارك الله رب العالمين، أحسن كل شيء خلقه، وكفل لكل حي رزقه، ثم هدى بالعقل الذي قامت حجته، ووجبت طاعته، والكتب والرسل الذين تمت بهم حكمته. فصلى الله عليهم أجمعين، وعلى محمد سيد المرسلين، الذي رفع ذكره وأعلى قدره، فأكرمه بالوسيلة، واختصه بكل فضيلة، وابتعثه هاديًا للعباد ونورًا في البلاد، علم به من الجهل، وهدى به من الضل، وكثر به من القل، وأعز به من الذل، فألف به بعد الشتات، ونور به دياجير الظلمات، صلوات الله عليه وآله المهديين الأخيار الطيبين.

يا أيها الناس إن الله لم يخلقكم عبثًا، ولم يهملكم سدى، ولم يجعل عليكم في الدين حرجًا، ولم يضرب الذكر عنكم صفحًا، للعبادة خلقكم، وبطاعته وطاعة رسوله أمركم، وجعل للطاعة أعلامًا منصوبة، وفروضًا مكتوبة، ومن أفضل أعلامها وأكرم أيامها يوم الحج الأكبر إلى البيت العتيق، مبوأ إبراهيم خليل الله، وقبلة محمد رسول الله، فتقرَّبوا إلى الله بما أمدكم به، ورزقكم إياه من بهيمة الأنعام، مقتدين بسنة محمد نبي الرحمة والهدى، مستشعرين لله التقوى، فإن الله — عز وجل — يقول: لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ، فبالتقوى تُقبَل الأعمال ويُدرَك الأمل، وكبِّروا الله على ما هداكم، واشكروه على ما أولاكم. ألا وإن خير الهدي الإبل، وخير الإبل إناثها، وكذلك من البقر ثم الفحول من الضأن، وسلامة الضحايا سلامة العين والأذن، وأن تكون من حلال الأموال، نسأل الله لنا ولكم قبول العمل بامتنانه، وبلوغ الأمل من رضوان الله ورحمته وإحسانه.

وجلس، ثم قام في الثانية ينعي المنصور، ويعلن موته، بعد أن كان موته قد ظلَّ مستورًا عدة أشهر:

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر شأنًا، وأعظم سلطانًا، وأوضح آيات وبرهانًا، عن أن تنكر العقول توحيده، أو تروم تحديده، خالق السموات والأرض ومالكهما ومدبرهما، الفرد الصمد، الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا ند، الخالق القدير، الرحمن الغفور، النافذ قضاؤه، الكائن ما يشاؤه، المتقن كل شيء صنعًا، الموسع كل شيء رزقًا، المحيط بكل شيء علمًا. أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأفوض إليه، وأتوكل في كل الأمور عليه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا خيرته من عباده، ونجيه من بريته، وصفوته من المتطهرين، ورسوله إلى كافة العالمين، وبعثه بالإمامة إلى الثقلين؛ ليبلغ حجة الرب، ويوضع محجة الحق، فأدَّى رسالة الله، ورحم ورأف بعباد الله، وصبر على الكبار من مكر الكفار، إلى أن أدال الله للحق على الباطل، والهدي على الأضائل. محمد صلى الله عليه وآله أفضل الصلاة وأزكاها، وأكملها وأنماها، وأخلدها وأبقاها، وعلى الأئمة المهديين، من عترته الكرام الأبرين، الذين اختارهم للخلافة، وارتضاهم للإمامة، وأكَّدَ بوصية الرسل حجتهم، وأوجب في التنزيل طاعتهم، بعد تفضيله إياهم على العالمين بأبوة محمد سيد المرسلين، وعلى أفضل الوصيين، وعلى مَن أمه سيدة النساء، خامسة أصحاب الكساء صلوات الله عليهم، وعلى أميري المؤمنين، المهدي بالله والقائم بأمر الله سيدَيِ الورى، وإمامَيِ الهدى، اللذين أعلن الله بهما دعوة الحق، وأنطق بهما الإيمان والمؤمنين، وأقام بهما دعوة الدين، وأزهق بحقهما باطل المدعين وأكاذيب المتخرصين، وقطع بسيوفهما دابر الظالمين، صلوات الله ورحمته وبركاته ورضوانه وتحياته عليهما.

اللهم اخصص الإمام الفاضل، والوصي العادل، والبر الفاضل، والغيث الوابل، ذا الآيات المعجزات، والعزائم النافذات، الباذل نفسه الكريمة في حين الأزل والكربات، الصابر في البأساء والضراء حتى طهَّرَ الأرض من جبابرة الأعداء، عبدك ووليك ونجيبك وصفيك أبا الطاهر، المنصور بك والمتوكل عليك، والمفوض إليك، العامل بما يرضيك، ويقرب إليك، ويزلف لديك. الذي فجَعْتَنا بفقده، وأَوْحَدْتَنا ببُعْده، وأفْرَدْتَنا منه وأوحشتنا، فقبلت دعاءه، وأجبت نداءه، وجمعت بينه وبين أحبته في مستقر جنتك، وسعة رحمتك. إن القلق وشدة الحرق عليك يا أبتاه يا سيداه يا إسماعيلاه يا أبا الطاهراه، يا بحر علوم الأئمة الطاهرين، الهداة المهديين، يا بقية أبناء الرسول، وأبناء الوصي والطاهرة البتول، يا إمام الأمة، ومفتاح باب الرحمة، يا سراج الهدى وشمس الورى، ومجلي الطخياء، يا مخصوصًا من الله بتعجيل الكرامة، عظم والله علينا المصاب بك، وحلَّ البلاء، وعدم العزاء لفقدك، وقصرت الألسن عن إدراك إحصاء شمائلك وتعداد مناقبك، فوحق الذي اختصَّكَ بكرامته، وحباك بجزيل عطائه، وشرَّفَك بأبوة رسوله، لولا ما أوعزت إليَّ به، وأكدته عليَّ من القيام بحق الله، والذب عن أمة جدك رسول الله، واستنقاذهم من غمرة الجهالة، وبحار الضلالة، ومهاوي الفتن ومعاطب المحن، وما تقرَّرَ عندي، ورسخ في صدري من الجزاء بمقدار الوفاء لله ولرسوله ولأئمة الهدى؛ لضربت على وجهي سائحًا في البلاد، قاليًا للمهاد، راضيًا ببلغة من الزاد، إلى أن يلحقني الموت سريعًا بك، فأفوز بقربك ورحمة ربك. لكني فكَّرْتُ ونظرت وتدبَّرْتُ؛ فلم أَرَ لي وجهًا أستوجب به درجتك، واللحاق بشرفك، سوى الصبر والاحتساب، فتجلَّدْتُ، وصبَّرَني ربي فصبرت، وغلب على اليقين فأمسكت، فأقول: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الرحمن الرحيم، له الحمد على ما أبلى، والشكر على ما أولى … إلخ.٨

وأكتفي بهذا القدر من هذه الخطبة القيمة التي وردت في كتاب «سيرة الأستاذ جوذر»، ولعلك تلاحظ أن المعز قد أتى في خطبته هذه ببعض العقائد الفاطمية، من السهل الآن على القارئ أن يدركها، والمهم الآن أن نلاحظ هذه الصنعة الفنية في أسلوب الخطبة؛ فالجمل قصيرة، وتكاد الجملة تكون على وزن وطول الجملة التي تليها، والسجع ظاهر فيها، وينتقل المعز من معنى إلى آخَر انتقالًا طبيعيًّا لا تكلُّفَ فيه.

وإذا قرأنا توقيعات المعز التي ضمَّنها القاضي النعمان بن محمد كتابه «المجالس والمسايرات»، وتوقيعاته التي أرسلها إلى وليه الأستاذ جوذر التي جمعها صاحب «سيرة جوذر»؛ رأينا أن هذه الصنعة الفنية في الكتابة لا تلازِم الإمام المعز في توقيعاته، فقَلَّ أن نجد السجع، ولا هذا التكلُّف الذي رأيناه في خطبته، فتوقيعاته أقرب إلى الكلام العادي الذي يتحدَّث به أمام الناس في الشئون المختلفة، مع سلامة أسلوبه، وفصيح عبارته، مثل توقيعه إلى جوذر ردًّا على رقعة رفعها إلى الإمام يسأل فيها ضيعة يرتفق بها ابن أحد كتَّابه: «وقفنا على رقعتك، ومحل محمد محل مثله ممَّن صدقت نيته، وقدمت في الجميل صحبته، ونحن نحب أن يسبغ الله نعمنا على مَن لم يعرفنا، فكيف مَن لم يعرف إلا بنا، ونحن نسعف جعفرًا لسؤالك ما سأل فيه إن شاء الله.»٩
وكذلك نقول عن الأئمة الذين جاءوا بعد المعز؛ فقد كانوا على ثقافة واسعة وعلم غزير جعلهم يهتمون بالكتابة، ويميزون بين الجيد منها والرديء، بل تُنسَب إلى بعضهم رسائل مثل مجموعة الرسائل التي تُنسَب إلى المستنصر الفاطمي، والتي عُرِفت «بالرسائل المستنصرية»،١٠ والتي قيل إنها الرسائل التي تبودلت بين المستنصر وبين علي بن محمد الصليحي صاحب اليمن، فمؤرخو الإسماعيلية يؤكِّدون أن هذه الرسائل من إنشاء المستنصر نفسه، ولكني — بعد أن اطَّلَعتُ على هذه الرسائل — أستطيع أن أقول إن أسلوبها أقرب إلى أسلوب المؤيد في الدين داعي الدعاة.
وكذلك نقول عن «رسالة الهداية الآمرية»١١ التي ينسبها الإسماعيلية إلى الإمام الآمر بأحكام الله، فقد شك الأستاذ آصف فيظي ناشر هذه الرسالة في نسبتها إلى الإمام الآمر، ورجَّحَ أن تكون من إنشاء أحد الكتَّاب الذين كانوا في عصر الآمر.

ومهما يكن من شيء فإن الكتابة في العصر الفاطمي قد ازدهرت بازدهار الحياة المصرية في ذلك العصر، ولشدة إقبال الناس على التماس العلم والنهل من منابعه التي كثرت، وتعددت ألوانها وفنونها، وتطور الكتابة يتبع دائمًا تطور الحياة العلمية، فإذا ارتقت العلوم تبعها رقي في الكتابة، وإذا انحطت العلوم انحطت الكتابة.

١  صبح الأعشى: ج٣، ص١٧.
٢  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٣٦.
٣  المصدر نفسه: ج٢، ص٢٢٩.
٤  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٤٢.
٥  المصدر نفسه: ج٢، ص٢٠٤.
٦  معجم الأدباء: ج٤، ص٥ (طبعة رفاعي).
٧  الروضتين: ج١، ص١٩٢.
٨  سيرة الأستاذ جوذر (نسخة خطية بمكتبتي).
٩  المصدر السابق.
١٠  مجموعة خطية بمكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن.
١١  الرسالة الموسومة بالهداية الآمرية في إبطال دعوى النزارية، تحقيق الأستاذ آصف علي صغر فيظي (من مطبوعات جمعية الأبحاث الإسلامية بالهند).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣