الفصل الثاني

كتاب ديوان الإنشاء

قال القلقشندي: «لما ولي الفاطميون مصر صرفوا مزيد عنايتهم لديوان الإنشاء وكتَّابه، فارتفع بهم قدره، وشاع في الآفاق ذِكْره، وولي ديوان الإنشاء منهم جماعة من أفاضل الكتَّاب وبلغائهم ما بين مسلم وذمي.»١ هكذا وصف القلقشندي كتاب ديوان الإنشاء في العصر الفاطمي، «وما بلغه هذا الديوان على أيدي الكتَّاب من رفعة القدر وشيوع الذكر، ولا غرو في ذلك؛ إذ كان منصب ديوان الإنشاء لا يتولاه في الدولة الفاطمية إلا أجَلِّ كتَّاب البلاغة.»٢ ولمكانته وكفايته كان يُلقَّب بالشيخ الأجَلِّ وبصاحب الدست الشريف،٣ كما كان الخليفة يستشيره في أكثر أموره، ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه،٤ وقد تحدَّثَ ابن منجب الصيرفي — أحد كتَّابهم — عن الصفات التي يجب أن يتحلَّى بها رئيس ديوان الإنشاء، نلخِّص أهمها فيما يأتي:
  • (١)

    أن يكون ذا دين وورع وأمانة.

  • (٢)

    أن يكون دينه الإسلام.

  • (٣)

    أن يكون على مذهب الملك.

  • (٤)

    أن يكون من البلاغة والفصاحة إلى أعلى رتبة وأسنى منزلة، وبحيث لا يوجد أحد في عصره يفوقه في هذا الفن.

  • (٥)

    أن يكون مضطلعًا بفنون الكتابة، عالمًا بأصولها وفصولها.

  • (٦)

    أن يكون حافظًا لكتاب الله تعالى، وحافظًا للأشعار، راويًا للكثير منها.

  • (٧)
    أن يكون أصيلًا في قومه، رفيعًا في حسبه.٥
هذه أهم الصفات التي رأى ابن منجب أن يكون عليها رئيس ديوان الإنشاء، فهل اتخذ الفاطميون هذه الصفات دستورًا لهم في اختيار رؤساء هذا الديوان؟ يؤسفني أن أقول: إن الفاطميين لم يأبهوا بهذه الشروط والصفات التي اقترحها أحد كتَّابهم في كتاب قدَّمَه لوزير من وزرائهم، ولكن ابن منجب كان من كتَّاب القرن السادس للهجرة، في وقت بدأ فيه ضعف دولتهم وقوة أعدائهم، ولا سيما قوة الصليبيين، فلا غرابة أن نرى ابن منجب يشترط أن يكو ن الإسلام دين رئيس الديوان، «وخاصة بحكم الوقت الحاضر ألا يطلع على أسراره مَن يخالف شريعة الإسلام؛ لقرب دار العدو خذله الله وأباده.»٦ فإن وجود الصليبيين في بلاد الشام يناوئون الفاطميين، جعل ابن منجب يضطر إلى أن يشترط أن يكون رئيس ديوان الإنشاء مسلمًا، أما قبل عهد الصليبيين، ومنذ قامت دولة الفواطم في مصر، فقد كان يتولى ديوان الإنشاء بعض أهل الذمة، كما كان يتولاه بعض المسلمين.
ويذكر المؤرخون أسماء بعض مَن تولَّى هذا الديوان من أهل الذمة، مثل أبي المنصور بن نسطوروس النصراني كاتب العزيز، والرئيس فهد كاتب الحاكم، وغيرهما، كما كان يكتب ابن أبي الدم اليهودي في عهد الحافظ. معنى هذا أن الفاطميين لم يأبهوا بمذهب الكاتب أو دينه، بل لا أغالي إذا ذهبت إلى أن الفاطميين كانوا كثيرًا ما يستعينون بالذميين في دولتهم، وهذه ظاهرة سجَّلها المؤرخون في كتبهم عن الدولة الفاطمية، ولكن ليس معنى ذلك أن الفاطميين أبعدوا المسلمين عن الدواوين، فإن الكثرة الساحقة من كتَّاب الدواوين كانوا من المسلمين، فإذا عرضنا أسماء رؤساء ديوان الإنشاء التي وردت في صبح الأعشى رأينا أكثر الكتَّاب من المسلمين، فقد جاء في هذا الكتاب: «فكتب للعزيز بالله بن المعز، أبو المنصور بن نسطورس النصراني، ثم كتب بعده لابنه الحاكم ومات في أيامه، فكتب للحاكمِ القاضي أبو الطاهر النهركي، ثم كتب بعده لابنه الظاهر. وكتب للمستنصر القاضي وليُّ الدين بن خيران، ثم ولي الدولة موسى بن الحسن قبل انتقاله إلى الوزارة، وأبو سعيد العميدي. وكتب للآمر والحافظِ الشيخُ الأجل أبو الحسن علي بن أبي أسامة الحلبي، إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، فكتب بعده ولده الأجل أبو المكارم إلى أن توفي في أيام الحافظ، وكان يكتب بين يديهما الشيخ الأمين تاج الرياسة أبو القاسم علي بن سليمان بن منجب المعروف بابن الصيرفي، والقاضي كافي القضاة محمود بن القاضي الموفق أسعد بن قادوس، وابن أبي الدم اليهودي، ثم كتب بعد الشيخ أبي المكارم بن أبي أسامة المتقدم ذكره، القاضي الموفق بن الخلال أيام الحافظ وإلى آخِر أيام العاضد، وبه تخرج القاضي الفاضل البيساني، ثم أشرك العاضد مع الموفق بن الخلال في ديوان الإنشاء، القاضي جلال الملك محمود الأنصاري، ثم كتب القاضي الفاضل بين يدي الموفق بن الخلال قرب وفاته سنة ست وستين وخمسمائة في وزارة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكتب من إنشائه عدة سجلات ومكاتبات عن العاضد آخِر خلفائهم.٧
ولكن هذه الأسماء التي جاءت في صبح الأعشى، ليست عرضًا لرؤساء ديوان الإنشاء في العصر الفاطمي كله، كما أن الذي نراه في كتب التراجم وفي المراجع العامة الأخرى يختلف بعض الاختلاف عمَّا ورد في صبح الأعشى؛ إذ تحدِّثنا هذه المراجِعُ أن الحسين بن جوهر القائد كان يلي ديوان الإنشاء في عهد العزيز،٨ وأنه ظل في منصبه إلى أيام الحاكم، ثم استبدل به صالح بن علي الروزباري، ثم جاء بعده الكافي بن عبدون النصراني، ثم صرف وقرَّر بدله أحمد بن محمد القشوري الكاتب، ثم زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصراني الملقَّب بالشافي، وبعده حسين بن طاهر الوزان.٩ ونفهم من كلام ابن زولاق مؤرخ مصر أن مالك بن سعيد الفاروقي كان له النظر أيضًا في المكاتبات في عصر الحاكم،١٠ وتولى ابن خيران كتابة السجلات للظاهر والمستنصر،١١ ويذكر المؤيد في الدين لهبة الله الشيرازي في سيرته أنه ولي ديوان الإنشاء بمصر سنة ٤٤٣ﻫ.١٢ ويذهب المقريزي إلى أن الوزير ابن المغربي ولي ديوان الإنشاء بعد أن صرف عن الوزارة،١٣ وأن سناء الملك أبا محمد الزبيدي الحسني كان على رأس ديوان الإنشاء في عهد الآمر.١٤ وهكذا نستطيع أن نعرف عددًا آخَر من الكتَّاب الذين ولوا ديوان الإنشاء غير الذين ذكرهم القلقشندي، كما نستطيع أن نستخرج أسماء عدد كبير من الكتَّاب الذين كانوا يعملون في ديوان الإنشاء، ولكننا لا نستطيع أن نعرف مذاهبهم الفنية في الكتابة؛ لأن آثارهم فُقِدت ولم يَبْقَ لنا إلا عدة رسائل وسجلات لا تكفي لأن نكوِّن رأيًا صحيحًا عن كل كاتب من هؤلاء الكتاب، ولكن هناك عدة خصال عامة اشترك فيها كل كتَّاب هذا العصر، بحيث نستطيع أن نلمسها عند كل الكتَّاب الذين وصل إلينا شيء من كتاباتهم، فأول خصلة من هذه الخصال، هي أن الكتَّاب جميعًا التزموا السجع في كتاباتهم، نرى هذه الخصلة منذ ابتدأت الدولة الفاطمية إلى أن قوَّض صلاح الدين الأيوبي أركانها.
نراها في رسالة المعز لدين الله إلى القرمطي،١٥ وفي رسالة العزيز بالله إلى عضد الدولة البويهي، وهذه الرسالة كانت من إنشاء يعقوب بن كلس،١٦ وفي السجلات الكثيرة التي كُتِبت في عهد الحاكم،١٧ وفي رسائل المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي، وفي كتابات ابن خيران، ونستمر في إدراك هذه الخصلة عند الكتَّاب حتى نراها في رسائل ابن الصيرفي وابن الشخباء، ثم في رسائل القاضي الفاضل.

وخصلة أخرى نراها في فن هؤلاء الكتَّاب، وهي الاقتباس من القرآن الكريم، فكانوا أحيانًا يضمنون رسائلهم وسجلاتهم بعض آيات من القرآن، أو يقتبسون بعض معاني القرآن، متأثرين بهذا كله تأثُّرًا واضحًا في جميع ما خلف لهم من كتابات.

وخصلة ثالثة هي المبالغة في استخدام الزينة اللفظية والمعنوية في كتاباتهم، فهم يغرقون في المبالغة حين يحاولون تشخيص المعاني، ويولعون باستخدام الجناس، ويكلفون في تركيب جملهم بمراعاة النظير؛ فإذا بك تجد كتاباتهم تتألف من جمل قصيرة في الغالب، والجملة تتبع الأخرى في وزنها وموسيقاها ومعناها، وينتقل بك الكاتب من معنى إلى آخَر في رقة وعذوبة، فلا ينتقل بك انتقالًا فجائيًّا؛ مما يدل على فطنة الكاتب ومهارته، كما يدل أيضًا على أن الصنعة الفنية كانت تستهوي جميع الكتَّاب، على أن هذه الخصال التي عُرِفت في العصر الفاطمي عُرِفت أيضًا في رسائل ابن عبد كان، فلا غرابة إذا قلنا: إن أثر ابن عبد كان في كتَّاب مصر كان قويًّا شديدًا، وإن فنَّه الذي عُرِف به في العصر الطولوني قد ظهر واضحًا في العصر الفاطمي، وإن كان كتَّاب الفاطميين قد بالغوا في ذلك كله مبالغتهم في كل شيء في حياتهم. كما أن هذه الخصال نفسها هي التي عُرِفت بها كتابات القاضي الفاضل، وما القاضي الفاضل إلا أحد تلاميذ كتَّاب الفاطميين وبهم تخرَّج، والعجب حقًّا أن أرى بعض الزملاء يتوهَّم أن للقاضي الفاضل مذهبًا خاصًّا عُرِف به في الكتابة، وأن له مدرسة تتميَّز بخصائصها وطرائقها عن مدرسة الكتَّاب الفاطميين، وأخشى أن أذهب إلى أن هؤلاء الزملاء لم يدرسوا تطوُّر الكتابة في مصر دراسة كافية، فقصورهم في معرفة أسلوب كتَّاب مصر منذ أيام ابن عبد كان جعلهم ينسبون طريقة ابن عبد كان إلى القاضي الفاضل، ونحن نلتمس لهؤلاء الزملاء بعض العذر في حكمهم هذا؛ لأنهم كانوا تبعًا في ذلك للقدماء الذين أشادوا بذكر القاضي الفاضل، وتناسوا أساتذته وخصائص مذهبهم التي أخذها عنهم، وجاء المحدثون يتبعون القدماء في أحكامهم دون درس وبحث.

وخصلة أخرى تتميَّز بها رسائل كتاب الفاطميين، ونجدها ظاهرة في كل سجلاتهم، تلك هي المقدمات التي كان يبدأ بها الكتَّاب رسائلهم وسجلاتهم، فقد دفعتهم عقيدتهم الدينية، وتمذهُبهم بالمذهب الفاطمي إلى أن يبدءوا رسائلهم وسجلاتهم بالحمد لله، ثم بالصلاة على النبي وعلى الوصي والأئمة من أهل البيت، ويتعمدون دائمًا أن يذكروا أن محمدًا جد الأئمة، فكأنهم كانوا يحاولون إثبات نسبهم في كل رسالة من رسائلهم، وكل سجل من سجلاتهم، وكأنهم أرادوا بتكرار هذه الناحية تأكيد ما حاوَلَ خصومهم نفيه، أو كأنه رد على سجلات العباسيين في دحض نسب الفاطميين، هذه الظاهرة واضحة كل الوضوح في كل رسائل الفاطميين منذ دخل جوهر مصر إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية، ولعل هذه الظاهرة هي التي تميِّز رسائل الكتَّاب الفاطميين عن غيرهم من كتَّاب الأقطار الأخرى التي لم تخضع لحكم الفاطميين، بل أرى هذه الظاهرة في رسائل أتباع مذهب الفاطميين إلى اليوم. وكما كانوا يبدءون كتاباتهم وسجلاتهم بالحمد والصلاة على النبي والأئمة، كانوا يختمون هذه الكتابات والسجلات، لم يشذ عن ذلك كاتب من كتَّابهم، ولعل هذه الخصلة تظهر في سجلات الفاطميين أوضح من ظهورها في رسائلهم، والسبب في ذلك أن السجلات الفاطمية كانت أقرب إلى البلاغات الرسمية التي تصدر عن ديوان أي ملك في عصرنا الحديث، ففي هذه السجلات التي كانت تصدر عن ديوان الإنشاء تسجيل خطوات الإمام الفاطمي، فإذا خرج للصلاة صدر بذلك سجل من الديوان، وإذا خرج الإمام إلى فتح الخليج صدر السجل، وإذا انتصرت الجيوش المصرية صدر السجل بالفتح وهكذا، ففي كل هذه السجلات تظهر هذه الخصلة.

وكما تأثَّر الشعر بالعقائد الفاطمية تأثَّرَتِ الكتابة بهذه العقائد تأثُّرًا يظهر في السجلات التي تصدر في الأعياد والمواسم، أو في تولية إمام أو أحد رجال الدولة من وزراء وقضاة ودعاة، ففي مثل هذه السجلات كان الكتَّاب يلمون بالعقائد، ويئولون بعض آيات القرآن الكريم تأويلًا يتفق مع مذهبهم الفاطمي، ويذكرون في كتاباتهم رأي الفاطميين في كل مناسبة وفي كل عيد، فالسجلات التي صدرت في عيد الغدير كانت تنصبُّ على ولاية علي بن أبي طالب والأئمة المنصوص عليهم من بعده، وسجل مأتم عاشوراء كان في الحسين بن علي وما لاقاه أهل البيت من أهوال، وسجل رؤية رمضان في ذكر عقيدة الفاطميين في هلال رمضان، وهكذا كانت هذه السجلات حافلة بالمعتقدات الفاطمية التي لا يمكن أن تصدر عن دولة غير فاطمية المذهب.

ولعل أول قطعة نثرية وصلتنا عن الدولة الفاطمية، هي ما كتبه القائد جوهر الصقلي فاتح مصر، وتلك هي الأمان الذي قطعه على نفسه وعلى إمامه للمصريين، وإن كان هذا الأمان من السجلات التاريخية فهو صورة من الصور الأدبية التي دبجتها يراعة هذا القائد، فقد كان جوهر كاتبًا للمعز قبل أن يوليه قيادة جيوشه بالمغرب.١٨ ويحدِّثنا المقريزي أن القائد جوهرًا كان كاتبًا بليغًا، ومن مستحسن توقيعاته في رقعة رُفِعت إليه بمصر:
سوء الاجترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الذمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاحتساب؛ لأنكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة إلا تقتضي الذم لكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم.١٩

فتوقيع جوهر القائد على هذا النحو يدل على أن جوهرًا كان على مقدرة وكفاية في فن الكتابة، كما كان على مقدرة وكفاية في فنون الحرب. فهذه الجمل القصيرة المسجوعة، وهذه المعاني المتسقة والمقابلات بين معنى الجملة والأخرى، ترينا أن فن الكاتب هو نفس الفن الذي ساد العصر الفاطمي، بل كاد يسود العالم الإسلامي، فالزينة اللفظية في هذه القرون كانت حلية الكتَّاب جميعًا.

أما الأمان الذي هو أول نصٍّ حُفِظ لنا عن الدولة الفاطمية فقد جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله صلوات الله عليه، لجماعة أهل مصر الساكنين بها من أهلها ومن غيرهم: إنه قد ورد مَن سألتموه الترسل والاجتماع معي، وهم أبو جعفر مسلم الشريف أطال الله بقاه، وأبو إسماعيل الرسي أيَّدَه الله، وأبو الطيب الهاشمي أيَّدَه الله، وأبو جعفر أحمد بن نصر أعَزَّه الله، والقاضي أعَزَّه الله؛ وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابًا يشتمل على أمانكم في أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدَّمَ به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وحسن نظره لكم، فَلْتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسعادة عليكم، وبالسلامة لكم، وهو أنه صلوات الله عليه لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة، إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم … إلخ.٢٠

ويستمر جوهر في ذكر ما يجب على المصريين أن يتبعوه، وما على الحكومة الجديدة من تعهُّدات نحو الشعب المصري، ويُخَيَّل إليَّ أن كاتب هذا النص لم يكن عنده الوقت الكافي لأن يُظهِر صناعته الفنية في المزاوجة بين الجمل والتزام السجع في كل فقراته، وإن كان الكاتب حاوَلَ أن يرتفع بأسلوبه، وأن يجعله أسلوبًا أدبيًّا.

وإذا تركنا كتاب الأمان الذي كتبه جوهر، رأينا رسالة أخرى للمعز أرسلها إلى الحسن بن أحمد القرمطي، ونحن لا ندري مَن الذي كتب هذه الرسالة عن المعز، فالرسالة التي وصلت إلينا طويلة ولكنها ناقصة، ومع ذلك فنحن نستطيع أن نتخذها صورة للكتابة في أول العصر الفاطمي، حتى نستطيع أن نميِّز تطوُّر الكتابة في العصر الفاطمي كله، فقد جاء في هذه الرسالة:

من عبد الله ووليه، وخيرته وصفيه، معد أبي تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين، وسلالة خير النبيين، ونجل علي أفضل الوصيين، إلى الحسن بن أحمد.

بسم الله الرحمن الرحيم، رسوم النطقاء، ومذاهب الأئمة والأولياء، ومسالك الرسل والأوصياء السالف والآنف منَّا. صلوات الله علينا وعلى آبائنا، أولي الأيدي والأبصار، في متقدم الدهور والأكوار، وسالف الأزمان والأعصار، عند قيامهم بأحكام الله، وانتصابهم لأمر الله، الابتداء بالإعذار، والانتهاء بالإنذار، قبل إنفاذ الأقدار، في أهل الشقاق والآصار، لتكون الحجة على مَن خالَفَ وعَصَى، والعقوبة على مَن باين وغوى، حسبما قال الله — جل وعز: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا، ووَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، وقوله سبحانه: قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وفَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ.

أما بعدُ، أيها الناس، فإنا نحمد الله بجميع محامده، ونمجده بأحسن مماجده، حمدًا دائمًا أبدًا، ومجدًا عاليًا سرمدًا، على سبوغ نعمائه، وحسن بلائه، ونبتغي إليه الوسيلة بالتوفيق والمعونة على طاعته، والتسديد في نصرته، ونستكفيه ممايلة الهوى، والزيغ عن قصد الهوى، ونستزيد منه إتمام الصلوات وإفاضات البركات، وطيب التحيات، على أوليائه الماضين، وخلفائه التالين، منَّا ومن آبائنا الراشدين المهديين المنتخبين، الذين قضوا بالحق وكانوا به يعدلون.

أيها الناس: قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ليذكر مَن يذكر، وينذر مَن أبصر واعتبر. أيها الناس، إن الله — جل وعز — إذا أراد أمرًا قضاه، وإذا قضاه أمضاه، وكان من قضائه فينا قبل التكوين أن خلقنا أشباحًا، وأبرزنا أرواحًا، بالقدرة مالكين، وبالقوة قادرين، حين لا سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا شمس تضيء، ولا قمر يسري، ولا كوكب يجري، ولا ليل يجن، ولا أفق يكن، ولا لسان ينطق، ولا جناح يخفق، ولا ليل ولا نهار، ولا فلك دوَّار، ولا كوكب سيَّار، فنحن أول الفكرة وآخِر العمل بقدر مقدور، وأمر في القدم مبرور، فعند تكامُل الأمر، وصحة العزم، وإنشاء الله — جل وعز — المنشآت، وإبداء الأمهات من الهيولات، طبعنا أنوارًا وظلمًا، وحركة وسكونًا، وكان من حكمه السابق في علمه، ما ترون من فلك دوَّار، وكوكب سيَّار، وليل ونهار، وما في الآفاق من آثار معجزات، وأقدار باهرات، وما في الأقطار من الآثار، وما في النفوس من الأجناس والصور والأنواع، من كثيف ولطيف، وموجود ومعدوم، وظاهر وباطن، ومحسوس وملموس، ودانٍ وشاسع، وهابط وطالع، كل ذلك لنا ومن أجلنا، دلالة علينا، وإشارة إلينا، يهدي به الله مَن كان له لبٌّ سجيح، ورأي صحيح، قد سبقت له الحسنى، فدَانَ بالمعنى … إلخ.٢١

ولعل أول ما يلفت نظرنا في هذه الرسالة تلك الاصطلاحات الفاطمية والمعاني الباطنية، بحيث نستطيع أن نقول إنه لا يمكن أن تصدر مثل هذه الرسالة إلا من كاتب من كتَّاب الفاطميين، حتى لو كان الكاتب لم يبدأ رسالته بأنها من إمام من أئمة الفاطميين، فالاصطلاحات الفاطمية «الناطق» و«الوصي»، ثم حديثه عن خلق الأشباح — أي الممثولات — قبل خلق العالم، وأن الأئمة أول الفكرة، أي إنهم مثل للعقل الأول «المبدع الأول»، وأن كل المخلوقات وُجِدت للدلالة على الأئمة الذين هم مثل للعقل. كل هذه من المعاني الباطنية التي يدين بها الفاطميون، فالرسالة كلها مملوءة بمثل هذه العقائد، فليست الرسالة من الرسائل التاريخية السياسية التي تفيد المؤرخ السياسي في معرفة العلاقة بين الفاطميين والقرامطة فحسب، وليست رسالة أدبية تبيِّن لنا صورة من صور الكتابة في النصف الثاني من القرن الرابع للهجرة، بل هي من أهم الرسائل التي تتحدث عن العقائد الفاطمية، وترينا تطوُّر المذهب الفاطمي إذا قارناها بما جاء في كتب منصور اليمن الحسين بن حوشب، الذي وُجِد قبل عصر المعز؛ أو كتب القاضي النعمان، وجعفر بن منصور، والمروزي، الذين كانوا في عهد المعز، ثم كتب الدعاة الكبار الذين كانوا بعد عصر المعز. فمؤرخ العقائد الفاطمية يجد مجالًا للبحث في هذه الرسالة الهامة.

وأسلوب الرسالة هو ذلك الأسلوب الذي تحدَّثْنا عنه من قبلُ، وتظهر فيه كل خصائص الكتابة في العصر الفاطمي، وكل خصائص مدرسة ابن عبد كان في الكتابة. انظر إلى هذه القطعة من تلك الرسالة:

فأما أنت أيها الغادر الخائن، الناكث البائن، عن هدي آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه أنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفي عني خبرك، ولا استتر دوني أثرك، وإنك مني لبمنظر ومسمع، كما قال الله — عز وجل: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ، ومَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا؛ فعرفنا على أي رأي أصلت، وأي طريق سلكت، أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة، وبعمل أبي طاهر قدوة، أما نظرت في كتبهم وأخبارهم، ولا قرأت وصاياهم وأشعارهم، أكنتَ غائبًا عن ديارهم وما كان من آثارهم.

فأنت تقرأ هذه القطعة فتشعر أنك تقرأ رسالة ابن عبد كان التي كتبها إلى العباس بن أحمد بن طولون عندما ثار على أبيه، فهذه الجمل القصيرة المسجوعة، والاقتباسات من القرآن الكريم، وضم الجملة إلى ما يشاكلها؛ كل هذه من خصائص فن ابن عبد كان، ونقلها تلاميذه عنه، واستمرت طوال العصر الفاطمي.

ووصلت إلينا رسالة كُتِبت في عهد العزيز بالله، كتبها إلى عامله بمصر يبشِّره بالفتح حين خرج إلى قتال القرامطة بالشام سنة ٣٦٧ﻫ، ونحن لا نعرف أيضًا كاتب هذه الرسالة، ولكن لا شك في أنها كُتِبت في العصر الفاطمي؛ لما فيها من الخصائص الفاطمية التي تحدَّثْنا عنها من قبلُ، سواء أكان ذلك من حيث العقائد أو من حيث الأسلوب الفني، فقد جاء في هذه الرسالة:٢٢

من عبد الله ووليه نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين، إلى حسين بن القاسم. سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على جده محمد نبيه ورسوله، صلى الله عليه وعلى الأئمة من عترته الأبرار، الطاهرين المطهرين وسلَّمَ تسليمًا.

أما بعد، فالحمد لله الملك العظيم، العليم الحليم، ذي الطول الكريم، والمن الجسيم، والعز المديد، والمحال الشديد، ولي الحق ونصيره، وماحق الباطل ومبيره، المتكفل بالنصر والتمكين، والتأييد والتحصين، لأوليائه المتقين، وخلفائه المصطفين، الذابين عن دينه، والقائمين بحقه، والدالين على توحيده، الحاكم بإعلاء كلمتهم، وإفلاج حججهم، وظهورهم على أعدائه المشاقين له، الضالين عن سبيله، الملحدين في آياته، الجاحدين لنعمائه، المنزل رجزه وقوارع بأسه على مَن عصاه فحاده، وصد عنه فناده، القاضي بالعواقب الحسنى، والفوز والنعمى، لمَن أسلم وجهه له، وتوكَّلَ عليه في أمره، وفوَّضَ إليه حكمه، كل ذلك فضلًا منه وعدلًا، وقضاءً فصلًا، وهو الحكم العدل الذي لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

فأنت ترى في هذه القطعة كيف ذكر الكاتب أن محمدًا جد الإمام العزيز، وأن الأئمة هم صفوة الخلق المصطفون الذابون عن دين الله، فهذه كلها من المعاني الفاطمية التي لا يقول بها غيرهم، فإذا مضينا في قراءة الرسالة رأينا الجزء الأول منها يجري هذا المجرى الذي رأيناه في القطعة السابقة، حتى إذا وصلنا إلى الغرض من الرسالة، وهو الحرب مع القرمطي رأينا الكاتب يفصل حركات العزيز وانتقالاته إثر عدوه، حتى قال الكاتب:

فبعدما طمع، قاده الحين الغالب، والقدر الجالب، وما أراد الله — عز وجل — من استدراجه إلى موضع نكاله، ومنهل وباله، ورحل من بيسان رحيل من استعجلته البلية، واستدعته الرزية، فحلَّ بموضع يُعرَف بكفر سلام، كافرًا بحدود الإسلام، متجرئًا على الله محاربًا لنجل نبيه عليه السلام، وأقام بها متلددًا في حيرته، مترددًا في سكرته، ثم استجره شؤمه، وقاده حينه ولؤمه، إلى أن رحل فنزل بكفر سابا البريد، فأنبأه اسمها بما حلَّ به من السبي المبيد، والخزي الشديد، ثم لم يلبث أن ضرب مضاربه المأكولة، ونصب أعلامه المخذولة، وأقام صفوفه المغلولة، وأظهر آلة الحرب إقدامًا، وأخفى عن اللقاء إحجامًا … إلخ.

وعلى هذا النحو من الأسلوب سار الكاتب في هذه الرسالة، التي لا تكاد تختلف في أسلوبها عن أسلوب الرسالة السابقة.

وفي عهد الحاكم الذي عُرِف بنزعاته وتقلُّباته في حكمه، كثرت السجلات والأمانات في عهده، وأصاب الكتَّاب من تقلباته أذى كثير، ونقل المقريزي عن المسبحي صديق الحاكم وجليسه: «في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة أمر «الحاكم» بعمل شونة مما يلي الجبل مُلِئت بالسنط والبوص والحلفاء، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد، وظَنَّ كل مَن يتعلق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أن هذه الشونة عُمِلت لهم، ثم قويت الإشاعات، وتحدَّث العوام في الطرقات، أنها للكتَّاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم، فاجتمع سائر الكتَّاب بأجمعهم في خامس ربيع الأول، ومعهم سائر المتصرفين في الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة، ولم يزالوا يقبلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجون ويسألون العفو عنهم.»٢٣ ويروي المقريزي أيضًا أنه كتب فوق المائة سجل بأمان لأهل الأسواق،٢٤ ومما أورده المقريزي صورة سجل أمان أصدره الحاكم وهو:
هذا كتاب من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين لأهل مسجد عبد الله. إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحق المبين، وأمان جدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا عليٍّ خير الوصيين، وآبائنا الذرية النبوية المهديين، صلى الله على الرسول ووصيه وعليهم أجمعين، وأمان أمير المؤمنين على النفس والحال، والدم والمال، لا خوف عليكم ولا تمديد بسوء إليكم، إلا في حد يقام بواجبه، وحق يُؤخَذ بمستوجبه، فيوثق بذلك؛ ليعول عليه إن شاء الله تعالى. وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة والحمد لله، وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وعليٍّ خير الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوة، وسلم وتسليمًا كثيرًا.٢٥
كما ورد في صبح الأعشى٢٦ سجل بتولية الحسين بن علي بن النعمان القضاء في عهد الحاكم بأمر الله، وفي هذا السجل تظهر الصنعة الفنية التي نراها في كتاب الأمان السابق، ومما جاء في هذا السجل:

أمره أن يتقي الله — عز وجل — حق التقوى، في السر والجهر والنجوى، ويعتصم بالثبات واليقين والنهى، وينفصم من الشبهات والشكوى والهوى، فإن تقوى الله تبارك وتعالى، موئل لمَن وئل إليها حصين، ومعقل لمَن اقتفاها أمين، ومعول لمَن عول عليها مكين، ووصية الله التي أشاد بفضلها، وزاد في سناها، بما عهد أنه من أهلها، فقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.

ولا نستطيع أن نعرف الكاتب الذي سطَّرَ هذه السجلات، وكتب الأمان التي صدرت في عصر الحاكم؛ لأن ديوان الإنشاء في عهده تداوَلَه عدد كبير منهم، بحيث يصعب على المؤرخ أن يعرفهم أو يعرف كم أمضى كل كاتب منهم في الديوان، واستمر الأمر في غموض، ولعل أول كاتب في هذا العصر المضطرب نستطيع الحديث عنه هو ولي الدولة ابن خيران.

ابن خيران

أما هذا الكاتب فهو أبو محمد أحمد بن علي بن خيران، ولُقِّبَ بولي الدولة، ويذكر ياقوت أن ابن خيران ولي ديوان الإنشاء بعد أبيه في عهد الظاهر،٢٧ ونحن لا نعرف شيئًا عن أبيه سوى ما يرويه ياقوت: «كان أبوه أيضًا فاضلًا بليغًا، أعظم قدرًا من ابنه وأكثر علمًا.»٢٨ كذلك لا نعرف متى ولي والده ديوان الإنشاء، ومتى ولي الابن بعده، ولكن المقريزي يحدِّثنا في خططه أن أبا الحسن عمار بن محمد — وكان يلي ديوان الإنشاء، واستوزره الحاكم، وهو الذي تولَّى البيعة للظاهر — قُتِل في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، فاستوزر بعده بدر الدولة أبا الفتوح موسى بن الحسين، وكان يتولى الشرطة، ثم ولي ديوان الإنشاء بعد ابن خيران.٢٩ ويُخَيَّل إليَّ أن ابن خيران المذكور في نص المقريزي هو الأب؛ لأن ولي الدولة ظل في منصبه حتى شاهد عصر المستنصر، ومع ذلك فنص المقريزي يختلف عن نص ياقوت؛ إذ يذهب ياقوت كما رأينا إلى أن الابن حَلَّ محل أبيه في ديوان الإنشاء، على حين يذهب المقريزي إلى أن أبا الفتوح موسى بن الحسين هو الذي ولي الديوان بعد ابن خيران، ولا نستطيع أن نرجح إحدى الكفتين؛ لأن المصادر التي بين أيدينا قليلة، ولا تعطينا صورة دقيقة لرجال ذلك العصر.
ومهما يكن من شيء فإن ولي الدولة ابن خيران تقلَّدَ ديوان الإنشاء للظاهر، ثم للمستنصر، ويحدِّثنا المقريزي: أنه في سنة أربع عشرة وأربعمائة قرَّر الشريف الكبير العجمي، والشيخ نجيب الدولة الجرجرائي، والشيخ العميد محسن بن بدوس، مع القائد معضاد، ألا يدخل على الظاهر أحد غيرهم، وكانوا يدخلون كل يوم خلوة ويخرجون فيتصرفون في سائر أمور الدولة، والظاهر مشغول بلذاته، وصار شمس الملوك مظفر صاحب المظلة، وابن خيران صاحب الإنشاء وداعي الدعاة ونقيب نقباء الطالبيين وقاضي القضاة، ربما دخلوا على الظاهر في كل عشرين يومًا مرة، ومَن عداهم لا يصل إلى الظاهر البتة.٣٠ وإذن فقد كان ولي الدولة ابن خيران صاحب ديوان الإنشاء في سنة ٤١٤ﻫ. ويقول ابن خلكان عن الشاعر أبي الحسن علي بن أحمد بن نوبخت أنه توفي بمصر في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة، وهو على حالة من الضرورة وشدة الفاقة، وكفله ولي الدولة أبو محمد أحمد بن علي المعروف بابن خيران الكاتب الشاعر، وهذا ابن خيران كان متولي كتب السجلات عن الظاهر بن الحاكم.٣١ فهذا النص يدلنا على أن ابن خيران كان في ديوان الإنشاء سنة ٤١٦ﻫ.
ويروي المقريزي أن ابن خيران وقع عن الخليفة المستنصر: «الفقر مر المذاق، والحاجة تذل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في الإطلاق، ما عندكم ينفد وما عند الله باق.»٣٢ فابن خيران إذن كان صاحب ديوان الرسائل في أواخر عهد الظاهر وفي عهد المستنصر أيضًا. ويروي ياقوت: أن رزقه كان في كل سنة ثلاثة آلاف دينار، وله عن كل ما يكتبه من السجلات والعهودات وكتب التقليدات، رسوم يستوفيها من كل شيء بحسبه، وكان شابًّا حسن الوجه، جميل المروءة، واسع النعمة، طويل اللسان، جيد العارضة، وسلم إلى أبي منصور بن الشيرازي رسول أبي كاليجار إلى مصر من بغداد جزأين من شعره ورسائله، واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على الشريف المرتضي أبي القاسم وغيره ممَّن يأنس به من رؤساء البلد، ويستشير في تخليدهما دار العلم؛ لينفذ بقية الديوان والرسائل إن علم أن ما أنفذه منها ارتضي واستجيد.٣٣ وعلى الرغم من أن شعره فُقِد ولم يَبْقَ منه إلا عدة مقطوعات قصيرة، فإننا نستطيع أن نقول: إن ابن خيران كان معجبًا بنفسه، يكثر الإشادة بشعره وبنثره. انظر إليه وهو يقول:
ولقد سموت على الأنام بخاطر
الله أجرى منه بحرًا زاخرًا
فإذا نظمت نظمت روضًا حاليًا
وإذا نثرت نثرت درًّا فاخرًا٣٤

ويقول مرة أخرى:

خلقت يدي للمكرمات، ومنطقي
للمعجزات، ومفرقي للتاج
وسموت للعلياء أطلب غاية
يشقى بها الغاوي ويحظى الراجي٣٥

وهو القائل أيضًا:

قد علم السيف وحد القنا
أن لساني منهما أقطع
والعلم الأشرف لي شاهد
بأنني فارسه المصقع٣٦

من هذه المقطوعات نستدل على أن ابن خيران قد فُتِن بشعره وبنثره إلى درجة أن وصف نفسه بأن منطقه يأتي بالمعجزات، ويُخَيَّل إليَّ أن إعجابه بنفسه لم يكن في الشعر أو في النثر، بل إن حياته كان يسيطر عليها هذا التيه والإعجاب بنفسه، حتى لو كان في ذلك ما يجازف فيه بحياته، ولعل القصة التي أوردها ياقوت عنه تدل على ذلك كله، قال ياقوت: كان ابن خيران قد خرج إلى الجيزة متنزهًا، ومعه من أصحابه المتقدمين في الأدب والشعر والكتابة، وقد احتفوا به يمينًا وشمالًا، فأدى بهم السير إلى مخاضة مخوفة، فلما رأى إحجام الجماعة من الفرسان عنها، وظهور جزعهم منها، قنع بغلته، فولجها حتى قطعها، وانثنى قائلًا مرتجلًا:

ومخاضة يلقى الردى مَن خاضها
كنت الغداة إلى العدا خواضها
وبذلت نفسي في مهاول خوضها
حتى تنال من العدا أغراضها٣٧

وعلى الرغم من أن ابن خيران ظلَّ مدة طويلة في ديوان الإنشاء، وأن له رسائل كثيرة جمعها في حياته، فإنه لم يصل إلينا من نثره سوى هذه القطعة التي كتبها توقيعًا عن المستنصر، ويروي ياقوت عن الرئيس هلال بن المحسن: «أن الرسائل صالحة سليمة، قد انتُزِعت من المنظوم على خلوة إلا من الوزن والقافية.»

وتوفي ابن خيران في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة من الهجرة.

وبعد ابن خيران تولى محمد بن أحمد بن محمد العميدي ديوان الإنشاء للمستنصر في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة من الهجرة، وكان نحويًّا لغويًّا، وصنَّفَ عدة كتب منها: كتاب تنقيح البلاغة في عشر مجلدات، وكتاب الإرشاد إلى حل المنظوم، وكتاب الهداية إلى نظم المنثور، وكتاب انتزاعات القرآن، وكتاب العروض، وكتاب القوافي.٣٨ فهذه المصنفات تدلنا على أن العميدي كان متأثرًا بهذه الثقافة اللغوية النحوية، وأرجِّح أن كتابته في رسائله كانت متأثرة أيضًا بهذه الألوان من العلوم التي حذقها فصنَّف فيها هذه الكتب، مضافًا إليها خصائص الكتابة في مصر التي تحدثنا عنها. وقد أورد ياقوت له بيتين من الشعر هما:
إذا ما ضاق صدري لم أجد لي
مقر عبادة إلا القرافة
لئن لم يرحم المولى اجتهادي
وقلة ناصري لم ألق رافة

ولعلك تلاحظ هذه الجناس بين «القرافة» و«ألق رافة»، ولا ندري مقدار استخدامه لهذه المحسنات البديعية في كتابته؛ لأننا لم نعثر على شيء منها، ولم يعمر العميدي طويلًا في الديوان، إذ توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ﻫ.

ثم توالى الكتَّاب بعده على ديوان الإنشاء، نذكر منها أبا الفرج الذهلي، وأبا الطاهر النهركي، وولي الدولة موسى بن الحسن وغيرهم، إلى أن ولي المؤيد في الدين هبة الله الشيرازي ديوان الإنشاء سنة ٤٤٣ﻫ، وقد تحدَّثنا طويلًا عن المؤيد في الدين، ونكتفي الآن بأن نعرض صورة من رسائله التي حفظها في كتابه «السيرة المؤيدية»، من ذلك رسالته إلى الوزير اليازوري إبَّان خروج المؤيد لمؤازرة البساسيري في حركته المعروفة:

رسالة من كتاب المؤيد

ووصل كتاب الحضرة العالية فاستفدت السرور بمطلعه، والسكون إلى علم مودعه، من ذكر شمول السلامة والسعادة، جعلهما الله متصلتي الأسباب، منهلتي السحاب، وفهمته. فأما ما ذكر جوابًا عن قولي حين نهيت أن أرعى تاج الأمراء سمعي، لقيني بوجه التفتير في العزم، أنني ما شاهدت تاج الأمراء ولا علم لي ما يكون منه في ذلك، فإن خاطبني على شيء منه خاطبني بلسان، كل الناس به ناطقون، وعليه متفقون، لو كان كلامهم فيَّ ناجعًا، ومني موقع القبول واقعًا، إن الحضرة العالية — حرس الله عزها — عارفة بمَن يلقي ذلك إليَّ على جهة الإشفاق وهو غل، والنصيحة وهو غش، وإنها لو شاءت أن تسميهم لي أو تصدر كتبهم إليَّ لفعلت وذكرت ورود مكاتباتهم يبذلون الخدمة في هذا الوجه، ولكنها — حرس الله عزها — تتجنب ما يوزع سري، فمن أجل ذلك تكف، فقد عرفته، ومسلم للحضرة العالية — حرس الله عزها — ثقوب الرأي والبصيرة والألمعية والمحاسن التي توحدها الله به. فأما علم الغيب فقد انتفى منه النبي بدليل الكتاب: وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، ولعله نما إليها — حرس الله عزها — ذكر رجل أو رجلين تكَلَّمَا بذلك، هما قليل من كثير، ناظروني على ذلك، وقبحوا عليَّ فعلي كيف استجبت له وأنا بالقاهرة المحروسة يومئذٍ، ثم في عامة الطريق … إلخ.٣٩
ولعلك تلاحظ من هذه القطعة من رسالة المؤيد في الدين أنها لم تظهر فيها خصائص الكتابة في مصر، والسبب في ذلك هو أن المؤيد في الدين لم يكن مصريًّا، إنما وفد على مصر بعد أن استكمل خصائصه الفنية في الشعر والنثر، فلم يتأثَّر بمدرسة الكتَّاب المصريين، بالرغم من أن المؤيد كان يرى نفسه أقدر في فن الكتابة من الذين ولُّوا ديوان الإنشاء قبله، فهو يذكر أنه قال مرةً للوزير اليازوري، وقد جرى ذكر كتَّاب الإنشاء: «معلوم ما كان لمتولي هذا الديوان من الجاه الوسيع والرزق السني الكثير، ولئن كانت أشخاصهم مفقودة، فإن آثارهم في صناعتهم حاضرة موجودة، وأنت كاتب تفرِّق بين الجيد والرديء، والضعيف في الصناعة والقوي، وأريد أن تعتبر مَن انتصب هذا المنصب من خمسين سنة إلى اليوم مقايسة إليَّ، فإن كنت ممَّن يجري في حلبتهم فرسه، ويطول نحو أمرهم باعه، فأنزلني منزلتهم من الجاه والمال، وإلا فقُلْ لي ما أنت مثلهم، ولا في آفاقهم، فقد رضيتك حكمًا، وجئت لحكمك مستسلمًا.»٤٠ ولكن لا ننسى أن الذي يقول ذلك هو المؤيد في الدين، الذي عُرِفَ بغروره وطموحه.٤١
وكان الذي ينوب عن المؤيد في ديوان الإنشاء أثناء غيابه عن مصر وسفره إلى العراق في حركة البساسيري، هو القاضي القضاعي الذي تحدَّثْنا عنه في فصل المؤرخين، ولكن لم تصل إلينا كتاباته،٤٢ وناب عنه أيضًا أبو الحسن علي بن الأنباري الذي ولي الوزارة بعد ذلك سنة ٤٥٧.٤٣ ثم اختلف على ديوان الإنشاء عدد من الكتَّاب لم تصل إلينا أسماؤهم ولم تُحفَظ آثارهم، إلى أن نلتقي باسم اثنين من أكبر كتَّاب ذلك العصر، أما الأول فهو أبو الفرج الموفقي الذي وصفه العماد بقوله: «أحد كتَّاب مصر من الطبقة الأولى.»٤٤ ولكن العماد لم يحدِّثنا بشيء عنه سوى هذه الجملة، وأورد له ثلاثة أبيات من الشعر في وصف ناعورة. أما الكاتب الثاني فكان معاصرًا للموفقي والمؤيد، وكان بينه وبين الموفقي بعض الرسائل، وهو ابن الشخباء.

ابن الشخباء

أبو علي الحسن بن عبد الصمد بن الشخباء، ولُقِّبَ بالمجيد ذي الفضيلتين، وصفه العماد بقوله: «مجيد كنعته، قادر على ابتداع الكلام ونحته، له الخطب البديعة، والملح الصنيعة.»٤٥ وقال ياقوت عنه: «أحد البلغاء الفصحاء الشعراء، له رسائل مدونة مشهورة.»٤٦ ووصفه ابن خلكان بقوله: «صاحب الخطب المشهورة، والرسائل المحبرة، كان من فرسان النثر، وله فيه اليد الطولى.»٤٧ ويقول ابن بسام في ذخيرته: «كان من البلغاء الأفراد؛ وأبهر نجوم تلك البلاد، طلوعًا من ثنايا الأدب، واجتناء لخبايا لسان العرب، فقد كاشَفَ حقائقها، واستخرج دقائقها، وأحرز مسبوقها وسابقها.»٤٨ إذن تكاد تُجمِع هذه المصادر على علو كعبه في صناعة الكتابة، وكفايته فيها، حتى قيل: إن القاضي الفاضل كان جلُّ اعتماده على حفظ كلامه، وأنه كان يستحضر أكثره،٤٩ وربما كان هذا هو السبب الذي من أجله قال بعض الذين كتبوا عن القاضي الفاضل: إنه تلميذ ابن الشخباء؛ لأنه كان يحذو حذوه في الصناعة. لم يكن ابن الشخباء مصريًّا بل كان من عسقلان، وبالرغم من أن الحدود الجغرافية تجعل عسقلان بلدًا في فلسطين، ولكن يجب ألا ننسى أن فلسطين كانت ولاية من ولايات مصر منذ العصر الطولوني، واستمرت تابعة لمصر، خاضعة لتأثيرها السياسي والفكري إلى عهد قريب، فوحدة فلسطين مع مصر أشد وأقوى من وحدتها مع البلاد الأخرى؛ فلا غرو أن رأينا ابن الشخباء العسقلاني النشأة، يتأثَّر بما تأثَّر به الكتَّاب الذين نشئوا وترعرعوا في مصر، بهذه الخصائص التي كانت تسود الكتابة المصرية. إلا أن ابن الشخباء استطاع بشخصيته أن يبرز ويتفوق في هذا الفن، وأن يبالغ في استخدام المحسنات اللفظية والمعنوية حتى بهر معاصريه بفنه، وجعل المؤرخين يشيدون بفضله، ويُخَيَّل إليَّ أن ابن الشخباء كان على علم تام بحل ما كان يحيط بالعرب في الجاهلية والإسلام، حافظًا لأشعارهم وحكمهم، متمكنًا من لغتهم، ويظهر ذلك في رسالته التي أرسلها إلى أبي الفرج الموفقي، ففيها يقول:

وصلت رقعة مولاي والصبح قد سل على الأفق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة الله صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروب من الفضل تقصر قاصية المدى، ويجري به في مضمار الأدب مفرده.

فكأن روض الحسن تنثره الصبا
فأطلت من قرطاسها أتصفح

فأما ما تضمنته من وصفي، فقد صارت حضرته السامية تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا مواقع الحقيقة، فإن كنت قد بهرجت عليها فَلْتراجع نقدها تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلًا، ولا أعد لكلمة واحدة منه أهلًا، وبالجملة فالله ينهضني بشكر هذا الإنعام الذي يقف عنده الثناء ويضلع، ويحصر دونه الخطيب المصقع.

هيهات تعي الشمس كل مرامق
ويعوق دون منالها العيوق

وأما الفضل الذي أودعه الرقعة الكريمة من قوله: «فأما فلان فيحل في قومه ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد. قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوعن النشر العبقسي، ويرضعن مراضع ثعالة المجاشعي.» وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما عندي فيه، فقد تأملته طويلًا، وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغبًا في الرضا بما بلغت إليه المقدرة، وتجليل ذلك بسجوف الصفح. أما قوله: «يفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد» فيقع لي أنه أراد خالد بن الوليد المخزومي، وذلك أن مسيلمة الحنفي كان قد تنبَّأ بعد رسول الله ، وحديثه مشهور — منبعث إليه أبو بكر رضي الله عنه، خالد بن الوليد المقدم ذكره في جيش كثيف من المسلمين؛ ففتح اليمامة، وقتل مسيلمة، وأباد جماعة كثيرة من بني حنيفة. وأما قوله: قدوره عمارية، فإن هذا الفصل لما كان مبنيًّا على الذم، وجب أن يتطلب لهذا السبب معنى يجب حمله عليه، ولم نجد ما ينسب إليه إلا قول الفرزدق:

لو أن قدرًا بكت من طول ما حبست
عن الحقوق بكت قدر ابن عمار
ما مسها رسم مذ فض معدنها
ولا رأت بعد نار القين من نار

وأما قوله: «عطسات جواريه أسدية» فيقوى في وهمي أنه أراد قول الأول في هجائه:

إذا أسدية عطست فنكها
فإن عطاسها طرق الوداق

وأما قوله «يهوين لو خلق الرجل خلق الضباب» فإن الجاحظ ذكر في كتاب الحيوان أن للضب أيرين، وللضبة حرين. وحكى أن أير الضب أصله واحد، وإنما يتفرق فيصير أعلاه اثنين، واستشهد على ذلك بقول الفرزدق:

رعين الدبا والبقل حتى كأنما
كساهن سلطان ثياب مراجل
سيحل له نزكان كانا فضيلة
على كل حاف في البلاد وناعل

والنزك: اسم أير الضب. وأنشد الأصمعي لابن دزماء فيما رواه أبو خالد النمري:

تفرقتم لا زلتم قرن واحد
تفرق أير الضب والأصل واحد

ومن ها هنا قالت حبي المدنية لما عذلها أبوها في تزوجها ابن أم كلاب:

وددت بأنه ضب وأني
ضبيبة كدية وجدت خلاء

وأما قوله «يتضو عن النشر العبقسي» فمن أمثال العرب: هو آخِر صفقة من شيخ مهو، وهو بطن من عبد القيس بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن نزار بن معد بن عدنان، وكان من خبره أن إيادًا كانت أنس العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ، ومعه حلة نفيسة، فقال: يا معشر العرب، مَن يشتري مني مثلبة قوم لا تضره بحلتي هذه؟ فقال الشيخ المهوي: أنا أشتريها. فقال الإيادي: أشهدكم يا معشر العرب أني قد بعت فساء إياد لوافد عبد القيس بحلتي هذه، وتصافَحَا وافترَقَا متراضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم فصارت …

فصارت عبد القيس أفسى العرب، وقيل لابن مناذر: كيف الطريق إلى عبد القيس؟ فقال: شم ومر.

فإن عبد القيس من لؤمها
تفسو فساء ريحة تعبق
مَن كان لا يدري لها منزلًا
فقل له يمشي ويستنشق

وأما قوله: «أعطش من ثعالة المجاشعي»، فمن أمثال العرب فيما ذكره الكلبي قال: هما رجلان من بني مجاشع عطشَا، فالتقم كل واحد منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغن عنهما شيئًا، وماتا عطشًا ووُجِدَا على تلك الحال، قال جرير يهجو بني دارم:

رضعتم ثم بال على لحاكم
ثعالة حين لم يجدا الشرابَا
هذا ما وقع لي في هذا الفصل، وأرجو أن أكون قد ذهبت إلى ما قصده قائله.٥٠

ففي هذه الرسالة نرى كيف حاوَلَ ابن الشخباء أن يشرح بعض النصوص التي غمضت على أبي الفرج الموفقي، فكان يستعين على هذا الشرح بما ورد في كتب القدماء، من التاريخ حينًا ومن الشعر حينًا آخَر، وبالأمثال مرة، وبما رواه الجاحظ عن الحيوان مرة أخرى، فهذا كله يدل على أن ابن الشخباء كان ملمًّا بهذه الألوان من الثقافة والعلوم، وأنه كان يستخدمها في كتاباته، بل في شعره أيضًا.

نرى ظاهرة أخرى في هذه الرسالة، وذلك أن ابن الشخباء كان يحلي كتاباته بأبيات من الشعر تناسِب ما جاء في نثره، وهذه الظاهرة ليست جديدة على الكتابة المصرية، ولكن ابن الشخباء أكثَرَ منها بحيث لا نكاد نرى رسالة من رسائله التي حُفِظت تخلو من هذه الظاهرة، ولا سيما رسائله إلى إخوانه وأصدقائه، فمن ذلك ما كتبه إلى صديق له:

لما حديت ركاب مولاي أخذ صبري معه، وصحبه قلبي وتبعه.

فعجبت من جسم مقيم سائر
كمسير بيت الشعر وهو مقيد

وبقيت بعده أقاسي أمورًا تخف الحليم، وترعى الهشيم، إن رجوت منها غفلة اقتحمت، وإن رمتُ منها فرجة تضايقت والتحمت. وأما الوحشة، فقد اصطحبت منها كأسًا مترعة، وتجرعت من صابها أمر جرعة، ورأيت فؤادي إذا مرَّ ذكر مولاي يكاد يخرج من خدره، ويرغب في مفارقة صدره، حنينًا يجدده السماع، وصدودًا تنتفض منه الأضلاع، وزفرة يدمى في غرارها، ويطلع في الترائب شرارها.

أداري شجاها كي تخلي مكانها
وهيهات ألقيت رحلها واطمأنت
وأما ما أعاني بعد مسيره فأشياء، منها عبث الألم مرة، وزوال الاستمتاع بما يعرفه من تلك المسرة، ومنها اضطراري إلى كثرة مكابرة من أعلم دخل سرائره، واختلاف باطنه وظاهره، وتكلف اللقاء له بصفحة مستبشرة، وأخلاق غير متوعرة … إلخ.٥١
ولعلك تلاحظ مما أوردناه من فن ابن الشخباء في الكتابة أنه استخدم جميع الخصائص المصرية في الكتابة؛ فنجد الكتابة المسجوعة، واستخدام التشخيص والتصوير ومراعاة النظير، إلى غير ذلك من هذه المحسنات التي أكثر منها المصريون، وقد أصيب هذا الكاتب البارع بنكبة لا ندري سببها؛ إذ حُبِس في خزانة البنود، ثم قُتِل سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.٥٢ ويذهب ابن ميسر أنه قُتِل سنة ست وثمانين وأربعمائة، وأنه أنشد وهو في سجنه:
أصبحت تخرجني بغير جريمة
من دار إكرام لدار هوان
كدم الفصاد يراق أرذل موضع
أبدًا ويخرج من أعز مكان
ثقلت موازين العباد بفضلهم
وفضيلتي قد خففت ميزاني٥٣
وفي عهد المستنصر أيضًا ولي أبو الفرج محمد بن جعفر المغربي ديوان الإنشاء، بعد أن صُرِف عن الوزارة سنة ٤٥٢ﻫ، ولا أدري كيف يقول المقريزي عنه: وكان الوزراء إذا صُرِفوا لم يتصرفوا، فاقترح أبو الفرج بن المغربي لما صُرِف أن يتولَّى بعض الدواوين، فولي ديوان الإنشاء الذي يُعرَف اليوم بوظيفة كتابة السر، وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر.٥٤ وواضح هذا التخبط الذي وقع فيه المقريزي؛ فإن ديوان الإنشاء في الديار المصرية أقدم عهدًا من أبي الفرج بن المغربي، بل أقدم عهدًا من الدولة الفاطمية، وقد ذكرنا أن ديوان الإنشاء وُجِد بمصر منذ عهد أحمد بن طولون. ومهما يكن من شيء فإن أبا الفرج أحد أفراد بني المغربي الذين كان لهم شأن كبير في الدولة الفاطمية منذ عهد العزيز، ولكن نشاطهم كان سياسيًّا أكثر منه أدبيًّا، حقًّا تحدَّثَ عنهم ابن القارح في رسالته، وتبودلت رسائل إخوانية بين أبي القاسم بن المغربي وبين أبي العلاء المعري، ولكن هذه الرسائل كانت إبَّان فرار بني المغربي من مصر واستقرارهم في العراق حينًا، وفي ديار بكر حينًا آخَر، ولذلك آثرنا ألا نتحدث عنهم طويلًا في هذا البحث، وكذلك لم تصل إلينا رسائل أبي الفرج بن المغربي الذي ولي ديوان الإنشاء سنة ٤٥٢ﻫ.

وتمر السنون على ديوان الإنشاء، ويتعاقَب عليه الكتَّاب، حتى نلتقي بكاتب من أكبر كتَّاب الدولة الفاطمية، ومن أحسنهم حظًّا، فقد انتهت إلينا بقية صالحة من رسائله وسجلاته، بل بقي لنا كتابان من كتبه الكثيرة التي صنَّفها، ذلك الكاتب هو ابن الصيرفي المولود في شعبان سنة ثلاثٍ وستين وأربعمائة ﻫ.

ابن الصيرفي

قال ياقوت: الشيخ الفاضل علي بن منجب بن سليمان الصيرفي، أحد فضلاء المصريين وبلغائهم، مسلم ذلك له غير منازع فيه، وكان أبوه صيرفيًّا، واشتهى هو الكتابة فمهر فيها.٥٥ ويحدثنا ابن ميسر أن ابن منجب الصيرفي أخذ صناعة الترسل على ثقة الملك أبي العلاء صاعد بن مفرج صاحب ديوان الجيش، ثم انتقل منه إلى ديوان الإنشاء، وبه سناء الملك أبو محمد الحسيني الزيدي.٥٦ ويذكر ياقوت أن الأفضل بن بدر الجمالي هو الذي استخدم ابن منجب في ديوان المكاتبات ورفع من قدره وشهره، ثم إنه أراد أن يعزل الشيخ ابن أبي أسامة عن ديوان الإنشاء، ويفرد ابن الصيرفي به، واستشار في ذلك بعض خواصه ومَن يأنس به، فقال له: إن قدرت أن تفدي ابن أبي أسامة من الموت يومًا واحدًا بنصف مملكتك، فافعل ذلك ولا تخلي الدولة منه فإنه جمالها.٥٧ وقد وصف المقريزي ابن أبي أسامة بقوله: الشيخ الأجل أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة، صاحب ديوان الإنشاء في أيام الخليفة الآمر بأحكام الله، وكانت له رتبة خطيرة ومنزلة رفيعة، ويُنعَت بالشيخ الأجَلِّ كاتب الدست الشريف، ولم يكن أحد يشاركه في هذا النعت بديار مصر في زمانه.٥٨
فنحن إذن أمام كاتب أخذ الصنعة عن عدد من شيوخ الكتابة في مصر في العصر الفاطمي، فقد كان بين يدي الشريف سناء الملك الذي كان كاتبًا في أواخر أيام المستنصر، وهو الذي كتب سجل تولية المستعلي،٥٩ وأصبح له ديوان الإنشاء في عهد الآمر، ثم ولي الديوان بعده الشيخ ابن أبي أسامة حتى سنة ٥٢٢ﻫ، فأصبح الديوان لابنه أبي المكارم إلى أن توفي أيام الحافظ، فولي ابن منجب الصيرفي الديوان بعده، فهذه المدة الطويلة التي قضاها ابن منجب الصيرفي في الديوان من أسباب شهرته في الكتابة، وذيوع عدد من رسائله وحفظها، وبالرغم من أنه أصبح رئيسًا لديوان الإنشاء في عهد الحافظ، فإنه هو الذي كتب سجل انتقال المستعلي وولاية الآمر سنة ٤٩٥ﻫ،٦٠ ثم نراه يكتب سجلات كثيرة، وهو لم يزل كاتبًا في الديوان، منها ذلك السجل الذي كتبه في شهر المحرم ٥٠١ﻫ الخاص بالخراج، وتحويل السنة الخراجية، وقد جاء في هذا السجل:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي ارتضى أمير المؤمنين أمينه في أرضه وخليفته، وألهمه أن يعم بحسن التدبير عبيده وخليفته، وأورثه مقام آبائه الراشدين الذين اختصهم بشرف المفخر، وجعل اعتقاد موالاتهم سبب النجاة في المحشر، وعناهم بقوله: يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وأعلى منار سلطانه بمدبر أفلاك دولته، ومبيد أعداء مملكته، وأشرف من نصب للجند علمًا وراية، ووقف على مصلحة البرية نظره ورأيه، السيد الأجل الأفضل، الذي نبه في السياسة على ما أهمله مَن سبقه، وأغفله مَن تقدَّمَه، وتتبع أحوال المملكة فلم يدع مشكلًا إلا أوضحه وبيَّنَ الواجب فيه، ولا خللًا إلا أصلحه وبادَرَ بتلافيه، إيثارًا لعمارة الأعمال، وقصدًا لما يقضي بتوفير الأموال، واعتناء برجال الدولة العلوية وأجنادها، واهتمامًا بمصالحهم التي ضعفت قواهم عن ارتيادها، ورعاية لمَن ضمته أقطار المملكة من الرعايا، وحملًا لهم على أعدل السنن وأفضل القضايا. يحمده أمير المؤمنين على ما أعانه عليه من حسن النظر للأمة، وادخره لأيامه من الفضائل التي ضفت بها ملابس النعمة، ويرغب إليه بالصلاة على محمد الذي ميَّزه بالحكمة وفصل الخطاب، وبيَّنَ به ما استبهم من سُبُل الصواب، وأنزل عليه في محكم الكتاب: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، صلى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أبينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، كافيه فيما أعضل لما عدم المساعد، وواقيه بنفسه لما تخاذل الكف والساعد، وعلى الأئمة من ذريتهما العاملين برضا الله تعالى فيما يقولون ويفعلون، والذي يهدون بالحق وبه يعدلون … إلخ.٦١
فهذا السجل صورة من صور الكتابة التي تظهر فيها خصائص الكتابة في مصر الفاطمية، تلك الخصائص التي تحدثنا عنها من قبلُ، وهي التي تجدها عند كل الكتَّاب تقريبًا، وهذه الخصائص تظهر في كل الرسائل والسجلات التي انتهت إلينا عن ابن الصيرفي، من ذلك ما كتبه في عيد النصر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ﻫ، وعيد النصر هذا من الأعياد التي ابتُدِعت في القرن السادس للهجرة تذكارًا لخلاص الخليفة الحافظ من سجنه، فقد استبد وزيره أبو علي بن الأفضل المُلقَّب بكتفيات، بالأمر وسجن الخليفة سنة ٥٢٤ﻫ، فلما قُتِل الوزير في سادس عشر المحرم سنة ٥٢٦ﻫ أُخرِجَ الخليفة من معتقله، واتُّخِذَ هذا اليوم عيدًا أسماه عيد النصر، ففي ذكرى هذا العيد كتب ابن منجب إلى بعض الخطباء للاستعداد لهذا العيد:

عيد النصر وهو أفضل الأعياد وأسناها وأعلاها، وأدلها على تقصير الواصف إذا بلغ وتناهَى، ونحن نأمرك أن تبرز في يوم الأحد السادس عشر من المحرم سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة على الهيئة التي جرت العادة بمثلها في الأعياد، وتقرأ على الناس الخطبة التي سيرناها إليك قرين هذا الأمر بشرح هذا اليوم وتفصيله، وذكر ما خصَّه الله به من تشريفه وتفضيله، وتعتمد في ذلك ما جرى الرسم فيه في كل عيد، وتنتهي فيه إلى الغاية التي ليس عليها مزيد. فاعلم هذا، واعمل به إن شاء الله تعالى.

ولم يكن ابن الصيرفي كاتبًا من كتَّاب الرسائل فحسب، بل كان مؤرخًا ومصنِّفًا، ومن تصانيفه: كتاب عمدة المحادثة، وكتاب عقائل الفضائل، وكتاب استنزال الرحمة، وكتاب منائح القرائح، وكتاب رد المظالم، وكتاب في السكر، وله اختيارات كثيرة لدواوين الشعراء كديوان ابن السراج وأبي العلاء المعري وغيرهما، وهذه الكتب كلها مفقودة الآن، وإنما وصل إلينا من كتبه كتابان: الأول قانون ديوان الرسائل، والثاني كتاب الإشارة إلى مَن نال الوزارة.

أما الكتاب الأول «قانون ديوان الرسائل»، فقد صنَّفَه ابن منجب لكي يكون قانونًا يعرف به مَن يجب أن يولى رياسة ديوان الرسائل، ومَن يجب أن يكون تلوه في المنزلة من المستخدمين فيه من الكتَّاب واحدًا واحدًا من الخدام الذين لا غنى عنهم، والصفات التي ينبغي أن يكون عليها كل واحد منهم، التي إذا سُلِكت في هذا الديوان أدت إلى ضبط أموره، وأمن معها من اختلال شيء منها وفساد يدخل عليها، وسهل وجود ما يلتمس من علم أمور تقادم عهدها وبعدت أزمنتها،٦٢ فكأنه أراد أن يجعل من كتابه هذا دستورًا لاختيار كتَّاب الرسائل، وهو يصرح في مقدمته أن السبب الذي من أجله صنَّف هذا الكتاب أنه «لما رأيت أولي الفطر الصحيحة والعقول الرجيحة، قد سبقوا إلى النظر في سائر العلوم، ووضعوا فيها المصنفات، ونظموا ذكرها في الكتب والمؤلفات، ثم انتقلوا عن ذلك إلى قوانين الأشياء، فقرَّروا في كل منها ما كان أصلًا يُعتمَد عليه، ونهوا عمَّا كان فسادًا لنظامها أو أدَّى إليه، وخالَفوا بين أحكام تلك التصنيفات، لاختلاف الأزمنة وتبايُن البلاد والأوقات، فوجدتهم قد صنَّفوا في كتابة الخراج كتبًا كثيرة، وعنوا بكتابة الجيش عناية كبيرة، فألَّفَ كل من العراقيين والمصريين في ذلك ما وصلت إليه طاقته، واقتضاه ما أوجبه وقته، والبلد الذي يحتله. فأما صناعة الشعر وذكر بديعه وسائر أنواعه وتقاسيمه، فقد أكثر كلٌّ منهم فيه المقال، وتوسَّعَ في تصنيفه وأطال، ورأيتهم أهملوا الكلام في الكتابة الجليلة قدرًا، النبيهة ذكرًا، الرفيعة شأنًا، العلية مكانًا، التي هي كتابة حضرة الملك المشتملة على الإنشاء إلى ملوك الدول، والمكاتبة عنه إلى مَن قل من الأمم وجل، وكيف يجب أن يكون متوليها وما يخصه من الأخلاق والأدوات، وما يجب أن يكون فيه من الفضائل، وأن يجتنبه من القبائح والرذائل … إلخ.٦٣
هذا السبب الذي من أجله ألَّفَ كتابه هذا، ولكن هل حقيقة قصر المؤلفون في الحديث عن الكتابة بحيث لم تُوضَع كتب مثل قانون ديوان الرسائل؟ من الحق علينا أن نقول: إن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست سهلة هينة، فإن أكثر كتب القدماء فُقِدت وإن بقي أسماء بعضها، وقد عرضت بعض المراجع العامة العربية التي تهتم بسرد كتب المؤلفين، مثل: الفهرست، ومعجم الأدباء، وكشف الظنون وغيرها، فوجدت بعض المؤلفين وضعوا كتبًا في الكتابة والكتَّاب، نذكر منهم عبد الحميد الكاتب الذي وضع رسالة إلى الكتَّاب، يتحدث فيها عن فضيلة الصناعة، وما يجب عليهم أن يتبعوه حتى يجودوا صناعتهم،٦٤ ووضع الصولي أدب الكتَّاب، وألَّف ابن قتيبة أدب الكاتب.
ونذكر أحمد بن سهل البلخي صاحب كتاب فضل صناعة الكتابة،٦٥ وأحمد بن محمد بن يوسف الأصفهاني صاحب كتاب طبقات البلغاء، وكتاب أدب الكتَّاب،٦٦ وأحمد بن محمد بن الفضل الأهوازي مؤلِّف كتاب مناقب الكتَّاب،٦٧ وأحمد بن محمد النحاس المصري المتوفى سنة ٣٣٧ﻫ، صاحب أدب الكتاب وصناعة الكتاب،٦٨ وغيرهم. وأكثر هذه الكتب لم تصل إلينا، فلم نعرف ما اشتملت عليه، ولكن من أسمائها نستطيع أن نرجح أنها تختلف بعض الاختلاف عمَّا أراده ابن منجب من كتابه «قانون ديوان الرسائل»، فإن كتابه في الحديث عن الأحوال التي يجب أن يكون عليها رئيس ديوان الإنشاء، وعن العلوم والمعارف التي يجب أن يكون حاصلًا عليها، وعن اختصاصه في عمله، ثم تحدَّثَ بعد ذلك عن معاونيه من الكتَّاب في الديوان، فجعل لكلِّ عملٍ كاتبًا خاصًّا له مميزات خاصة، فمَن يُستخدَم لتخريج الكتب الواردة له صفات خاصة، ومَن يُستخدَم برسم الإنشاء له خصائص، ومَن يكون ناسخًا في الديوان له مميزات، وهكذا. فكتاب ابن منجب في أغلب الظن يختلف عن الكتب التي وُضِعت في الكتاب والكتابة؛ لأنه يتحدث قبل كل شيء عن نظام ديوان الرسائل، ثم عن موظفيه، فهو صورة مختصرة جدًّا للكتاب الذي أُلِّفَ بعد ذلك، وهو كتاب صبح الأعشى للقلقشندي.

أما الكتاب الثاني الذي بقي لنا من كتب ابن منجب، فهو كتاب «الإشارة إلى مَن نال الوزارة» … فهو كتاب تاريخ مَن ولي الوزارة في عهد الدولة الفاطمية، سجَّلَ فيه ابن منجب اسم كل وزير وتاريخ توليته وما لُقِّبَ به، وما تَمَّ على يديه من أعمال، فهو من أهم الكتب التي تتحدث عن تاريخ الفاطميين.

ولابن منجب عدة مقطوعات من الشعر، ولكنه لم يُعرَف بالشعر كما عُرِف بالكتابة، وروى له ياقوت قوله:

لما غدوت مليك الأرض أفضل من
جلت مفاخره عن كل إطراء
تغايرت أدوات النطق فيك على
ما يصنع الناس من نظم وإنشاء

وقوله:

لا يبلغ الغاية القصوى بهمته
إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب
يطوى حشاه إذا ما الليل عانقه
على وشيج من الخطى مخضوب

ولكن ابن منجب لم يُعَدَّ بين الشعراء، بالرغم من أن شعراء المائة الخامسة كان أكثرهم من كتَّاب الإنشاء، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان مُقِلًّا في الشعر مُكثِرًا في الرسائل، حتى قيل: إن ديوان رسائله يزيد على أربعة مجلدات.

وتوفي ابن منجب في يوم الأحد لعشرٍ بقين من صفر سنة ٥٤٢ﻫ،٦٩ ولكن ياقوت يذهب إلى أنه توفي في أيام الملك الصالح بن رزيك بعد سنة خمسين وخمسمائة،٧٠ وليس بين أيدينا شيء من النصوص التي تجعلنا نرجح إحدى الروايتين.

أبو الفتح بن قادوس

كان مع ابن الصيرفي في ديوان الإنشاء كاتبان شاعران من أقدر كتَّاب مصر الفاطمية وشعرائها، أما الأول فهو الفاضل المفضل كافي الكفاء أبو الفتح محمود بن القاضي الموفق إسماعيل بن حميد الدمياطي المعروف بابن قادوس، شاهد عصر الأفضل بن بدر الجمالي، وامتدت به الحياة إلى أن توفي في عهد الملك الصالح طلائع بن رزيك، أي إنه عاصَرَ شعراء مصر وكتَّابها في النصف الأول من القرن السادس، وعرف اتجاهاتهم الفنية في الشعر والكتابة، فلا غرو أن نرى أمية ابن أبي الصلت يتحدَّث عنه في رسالته المصرية، ونرى العماد يقول عنه: «أشعاره محكمة النسيج، كالدر في الدرج.»٧١ ووصفه ابن ميسر بقوله: «كان من أماثل المصريين وكتَّابهم، مقدَّمًا عند ملوكهم.»٧٢ لم يصلنا شيء عن حياة هذا الكاتب الشاعر، فقد فُقِدت ترجمة حياته، كما فُقِدت تراجم رجال مصر الفاطمية، ومع ذلك فقد حُفِظت في بعض المراجع قصته مع زميله وصنوه أبي علي حسن بن زبيد الأنصاري، وكيف كان ابن قادوس سببًا في أن يلقى زميله حتفه على نحو ما ذكرنا من قبلُ، فإن هذه القصة تدل على أن ابن قادوس بالرغم مما قاله القدماء عن فضله وكفايته في صناعتي الشعر والنثر، فإنه كان ضعيف الخُلُق، يحسد زملاءه ويُوقِع بهم في المهالك. وهناك قصة أخرى يرويها القدماء عنه، وهي انتصاره للجليس بن الحباب، فقد ذكرنا أن ابن الصياد الشاعر كان مولعًا بهجاء الجليس، كثير الدعاية بأنفه، حتى قيل: إن مقطعات ابن الصياد في ذلك بلغت ألف مقطوعة، فانبرى له ابن قادوس ينتصر للجليس قائلًا:
يا مَن يعيب أنوفنا الشمَّ
التي ليست تُعَاب
الأنف خلقة ربنا
وقرونك الشم اكتساب٧٣

فما الذي جعل ابن قادوس ينتصر للجليس؟ لا شك في أن ضعف خُلُق ابن قادوس جعله يتوهَّم أن الجليس ربما ساعَدَه في الوصول إلى مآربه الشخصية في الديوان، أو في غير الديوان من مناصب الدولة، بحكم تلك الصلة القوية التي كانت بين الجليس والخليفة الفاطمي من ناحية، وبين الجليس والملك الصالح طلائع بن رزيك من ناحية أخرى، فلذلك انتصر للجليس، ولولا أطماعه ما كان ينشد هذين البيتين.

مهما يكن من شيء، فإن ابن قادوس كان من أماثل الكتَّاب في القرن السادس الهجري، فالرسائل التي بقيت لنا من إنشائه تدل على مقدرته وعلو كعبه في الإنشاء، فمن إنشائه ما كتبه بمناسبة ركوب الخليفة في عيد النحر، ومنها:

أما بعد، فالحمد لله ماحي دنس الآثام بالحج إلى بيته الحرام، وموجب الفوز في المعاد لمَن عمل بمراشد أئمة الهدى الكرام، ومضاعف الثواب لمَن اجتهد فيما أمر الله به من التلبية والإحرام، ومخول الغفران لمَن كان بفرائض الحج ونوافله شديد الولوع والغرام، وصلى الله على جدنا محمد الذي لبَّى وأحرم، وبيَّنَ ما أحلَّ الله وحرَّم، وعلى أخيه أبينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي ضرب وكبر، وحقر مَن طغى وتجبَّر، وعلى الأئمة من ذريتهما أعلام الدين، وحتوف المعتدين، وسلَّم وكرَّم، وشرَّف وعظَّم، وإن من الأيام التي كملت محاسنها وتمت، وكثرت فضائلها وجمت، ووجب تخليد عز صفاتها، وتعين تسيطر تأثيراتها، يوم عيد النحر من سنة (كذا): وكان من قصصه أن الفجر لما سل حسامه، وأبدى الصباح ابتسامه، نهض عبيد الدولة في جموع الأولياء والأنصار، وأولي العزيمة والاستبصار، ميمِّمين القصور الزاهرة متبركين بأفنيتها، ومستملين بسعادتها، وتألفوا صفوفًا تبهر النواظر، ويخجل تألفها تألف زهر الروض الناضر، مستصحبين فنونًا من الأزياء تروق، ومستتبعين أصنافًا من الأسلحة يغض لمعها من لمع اللهب والبروق، والأعلام خافقة، والرياح بألسنة النصر على الإخلاص لإمام العصر متوافقة، فأقاموا على تشوُّف لظهوره، والتطلع للتبرُّك بلامع نوره، ولما بزغت شمس سعادته، وجرت الأمور على إيثاره وإرادته، وبدت أنوار الإمامة الجليلة، وظهرت طلعتها المعظمة البهية، خَرَّ الأنام سجودًا بالدعاء والتمجيد، والاعتراف بأنهم العبيد بنو العبيد، واستقل ركابه أمير المؤمنين، ووزيره السيد الأجل الذي قام بنصر الله في إنجاد أوليائه، وتكفل للإسلام برفع مناره ونشر لوائه، وناضل عن حوزة الدين وجاهد، وناصل أحزاب الكفار وناهد، يقوم بأحكام الوزارة، وتدبير الدولة تدبير أولي الإخلاص والطهارة، ويتبع آراء أمير المؤمنين فيما تنفذ به أوامره، ويعمل بأحكام الصواب فيما تقتضيه موارده ومصادره، ويحسن السياسة والتدبير، ويتوخى الإصابة في كل صغير أمور الدولة العلوية وكبير، ويخلص لله — جل وعز — ولإمامه، ويكفكف من الأعداء ببذل الجهد في إعمال لهذمه وحسامه.

وسار أمير المؤمنين والعساكر متتابعة في إثره، متوافقة على امتثال أمره، قد رفعت السنابك من العجاج سحابًا، وخيلت جنن الجند للناظرين في البر عبابًا، والجياد المسمومة تموج في أعِنَّتِها، وتختال في مراكبها وأجلتها، وتسرع فتكسب الرياح نشاطًا، وتفيد المتعرض لوصفها إفراطًا، وتهدي لمَن يحاوِل مماثلتها غلوًّا واشتطاطًا، وأصوات مرتفعة بالتهليل، وأصوات الحديد تسمع بشائر النصر بترجمة الصليل، ويكاد يرعب الأرض تزلزل الصهيل، وترض سنابكها الهضاب، وتغدو صلابها كالكثيب المهيل …٧٤
وكتب ابن قادوس بالبشارة بوفاء النيل:
النعم، وإن كانت شاملة للأمم، فإنها متفاضلة الأقدار والقيم، فأولاها بشكر تنشر الآفاق أعلامه، واعتداد تحكم بإدراك الغايات أحكامه، نعمة يشترك في النفع بها العباد، وتبدو بركتها على الناطق والصامت الجماد، وتلك النعمة النيل المصري الذي تبرز به الأرض الجرز في أحسن الملابس، وتظهر حلل الرياض على القيعان والبسابس، وترى الكنوز ظاهرة للعيان، متبرجة بالجواهر واللجين والعقيان، فسبحان من جعله سببًا لإنشار الموات، وتعالى مَن ضاعَفَ به ضروب البركات، ووفَّرَ به مواد الأرزاق والأقوات … إلخ.٧٥
هذان مثلان مما كتبه ابن قادوس من سجلات هي من خصائص مصر، فلا ينازع مصر بلد آخَر في هذا اللون من السجلات، ولا سيما في البشارة بوفاء النيل، ولكن اللون الآخَر، وهو ركوب الإمام الفاطمي لصلاة عيد النحر، فهو من ترتيب الدولة الفاطمية، وقد رأينا تأثير العقائد الفاطمية في السجل الفاطمي، مما لا يدع شكًّا في أن العقائد أثَّرَتْ في الكتابة كما أثَّرَتْ في الشعر، أضِفْ إلى ذلك كله هذه الصنعة الفنية في الكتابة التي رأيناها عند جلِّ كتَّاب الفاطميين، وقد حفظ العماد قطعةً من رسالة لابن قادوس كتبها إلى ابن معروف، وتظهر في هذه الرسالة صنعته الفنية التي ظهرت في السجلين السابقين:

أطال الله بقاء الحضرة لغرائب مجد يبتدعها، وفرائض جود يشرعها، وقوادم يذلل صعابها، ومسايف سعود يطرق جنابها، وأدام أيامها التي هي للدهر تمائم، وفي المحل غمائم:

غرر من الأيام توضح فخرها
والدهر من ظلم النوائب عاتم
ملك تملكه الندى وتجمعت
في راحتيه غمائم وسمائم
فالروض يجدب وهو روض ممرع
والغيث يقلع وهو غيث دائم

وشتان ما بينهما، تلك سحاب قد رعدت بوارقها، وعدت صواعقها، وروض يجف نباته، وتضوع زهراته، ومكارم الحضرة تزيد جدة على التكرار، وتماثل فعل الفلك المدار، فهي تباري الشمس نهارًا، وتزور مزار الطيف سرارًا:

منن بغير أهلة مستورة
فطلعن في فلك العلا أقمارًا
ومواهب ومناقب ومناسب
رفعت له فوق السماك منارًا٧٦
وتوفي ابن قادوس سنة ٥٥١ في سابع المحرم، وقيل: إن الملك الصالح حضر من القاهرة إلى مصر للصلاة عليه، ومشى في جنازته إلى تربته عند مسجد الأقدام.٧٧ ووافق العماد على تاريخ وفاة ابن قادوس على هذا النحو، غير أن المقريزي روى قصة طويلة زعم فيها أن أبا الفتح يانس الأزمني وزير الحافظ لما عظم شأنه سنة ٥٢٦ﻫ، وثقل على الخليفة أخذ كلٍّ منهما في التدبير على الآخَر، فأعجل يانس وقبض على حاشية الخليفة، ومنهم قاضي القضاة وداعي الدعاة أبو الفخر وأبو الفتح ابن قادوس وقتلهما، فاشتدَّ ذلك على الحافظ وعمل على سمِّ وزيره.٧٨ أي إنه ذهب إلى أن ابن قادوس قُتِل سنة ٥٢٦ﻫ، وقد وهم المقريزي في هذه الرواية؛ فإن الأدلة تكاد تُجمِع على أن ابن قادوس شاهد عصر الملك الصالح طلائع بن رزيك، من ذلك أن قصة ابن قادوس مع أبي علي حسن بن زبيد الأنصاري كانت في الخلاف بين حسن بن الحافظ وأبيه، وهذا الخلاف نشأ بعد سنة ٥٢٦ﻫ، ونحن نعلم أن ابني الزبير لم يتقدَّمَا في الديوان إلا بعد قتل الظافر سنة ٥٤٩ﻫ، بل لم يكن لهما ذكر في الدولة قبل هذا التاريخ، وقد روينا هجاء ابن قادوس لابن الزبير، فمعنى هذا أن هذا الهجاء كان بعد مقتل الظافر، أي بعد سنة ٥٢٦ﻫ أيضًا، ومن ذلك أن العماد يحدثنا أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان يغري ابن الصياد بأنف الجليس بن الحباب، فأنشد ابن الصياد هذه المقطعات التي أشرنا إليها مرارًا، ولم يسكته إلا ابن قادوس، فنفهم من ذلك أن ابن قادوس حضر عهد الملك الصالح، أضِفْ إلى ذلك ما رواه ابن خلكان: أن الخليفة العاضد الفاطمي أشرَكَ ابن قادوس مع الموفق بن الخلال في ديوان الإنشاء، وإذن فنحن نؤيِّد رواية العماد وابن ميسر، أنه توفي سنة ٥٥١ﻫ.
أما الشاعر الكاتب الثاني، فهو أبو علي حسن بن زبيد الأنصاري الذي كان ابن قادوس سبب قتله، وقد تحدَّثْنا عنه شاعرًا، أما صفته الكتابية، فقد وصفه العماد بأنه كان من المقدَّمين في ديوان المكاتبات،٧٩ وقال مرة أخرى: «ومن نثره ما يدل حسنه على رونق فرنده.»٨٠ وحقًّا، كان أبو علي الأنصاري من الكتَّاب الذين ملكوا ناصية اللغة والمقدرة على التصرف بالألفاظ، فكان يضع اللفظ فيما خصص له، ويختار من الألفاظ ما يناسب المعنى الذي قصده مع التزامه الخصائص الأخرى التي رأيناها عند غيره من الكتَّاب، ومن هنا ظهرت مواهب أبي علي الأنصاري في النثر كما ظهرت من قبلُ في الشعر. اقرأ هذه الرسالة التي كتبها إلى صديق له يهنِّئه بالشفاء من مرض:
إذا قدم الوداد، وصحَّ الاعتقاد، ووصفت الضمائر، وخلصت السرائر، حلَّ الإخاء المكتسب، محل أخوة النسب، وصار المتعاقدان على الإيثار، والمتحابان على بُعْد الدار، متساهمين فيما ساء وسرَّ، ومتشاركين فيما نفع وضرَّ، وتلك حالي وحال حضرة مولاي، فإني وإياها كنفس قُسمَتْ على جسمين، وروح فُرِّقَتْ بين شخصين، فما آلمها فقد مضى وأزعجني، وأما برؤها فقد سرَّني وأبهجني، وعرفت خبر إبلالها من ألم كان بها، فشكرت الله على خلتين معًا، ونفعين اجتمَعَا: أحدهما أنني أعلم تألُّمها، فكنتُ ألاقي ما يكدر الشراب، ويمنع تلاقي الأهداب، وأجد على حال الصحة ما يجد المريض، وأرى الدنيا على إيثارها بعين البغيض. والآخَر علمي ببرئها عند حلوله، ومعرفتي به عند تخييمه بساحتها ونزوله.٨١
واقرأ له يهنِّئ صديقه بمولود:
وردت البشارة السارة بالقادم الأمجد، المستقبل بالطالع الأسعد، وأخذ المملوك من المسرة بأوفر حظ الأولياء المخلصين في الولاء، المغمورين بجزيل الآلاء، وسأل الله سبحانه تخليد الأيام المالكية مديدة الأمد، وافرة العدد، نامية الأهل والولد، حتى يرى هذا المبشر بقدومه ممتطيًا صهوات الجياد، مخوف الشذا يوم الجلاد، يخفق وراءه اللواء، وتخاف سطوته الأعداء، وتخص البلاد بقواضبه، وتشنف الأسماع بذكر مناقبه، وترى من أولاده أمجادًا عن الإسلام ذادة، وأملاكًا لامتلاك البلاد سادة، لا زالت تبلغ أقصى الأماني، وتسمع نغم التهاني، وتمد ظلها على القاصي والداني.٨٢
ثم اقرأ له هذه القطعة من رسالة في العزاء بغريق:
لعمري لقد نزَّهَه الله عن سهك الجرباء، وملاقاة الحصباء، والمقام تحت أديم الأرض، وانطباق بعضها على البعض، ورفَعَه عن أن يذل في الحدث جبينه، ويعفر في العثير عرنينه، فجعل ضريحه في شبهه جوادًا وكرمًا، وضريبه محاسن وشيمًا، فتضمنه الماء، وتغطمط فوقه الدأماء، فإذا استسقى السحاب، واستسمح التراب، فهو في البحر الوافر، واللج الزاخر، بحيث تتفرَّع المناهل، ويرد كل ناهل.٨٣

فهل رأيت كيف كان أبو علي الأنصاري فنَّانًا يجيد صناعته، فينتقي من اللفظ أجوده، ومن المعاني أسماها وأجملها؟ فلا عجب أن رأينا ابن قادوس يحسده على مهارته، ويخشى منافسته، فدَبَّرَ المكيدة التي أدَّتْ به إلى حتفه.

الموفق بن الخلال

ولعل آخِر مَن ولي ديوان الإنشاء في مصر الفاطمية هو يوسف بن محمد المعروف بابن الخلال، الملقَّب بالموفق، وقد وصفه العماد بقوله: «هو ناظر مصر وإنسان ناظرها، وجامع مفاخرها، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل يكتب كما يشاء.»٨٤ ويذهب ابن خلكان إلى أن الموفق كان صاحب ديوان الإنشاء بمصر في أيام الحافظ، وأنه استمَرَّ في مرتبته إلى آخِر عهد الدولة الفاطمية.٨٥ ويُعَدُّ الموفق بن الخلال الأستاذ المباشِر للقاضي الفاضل، وقد روينا كيف وفد القاضي الفاضل إلى ديوان الإنشاء، ومثل بين يدي الموفق ولازَمَه، وتدرَّبَ بين يديه، وكيف طلب منه الموفق أن ينثر ديوان الحماسة مرة بعد أخرى، إلى أن أجاد القاضي الفاضل فنَّ الترسل، وبلغ هذه الدرجة الرفيعة في هذا الفن؛ لذلك يقول ابن خلكان: «ولم يزل ابن الخلال بديوان الإنشاء إلى أن طعن في السن، وعجز عن الحركة، فانقطع في بيته. ويقال إن القاضي الفاضل كان يرعى له حق الصحبة والتعليم، فكان يُجرِي عليه كل ما يحتاج إليه.»٨٦ وابن الخلال أحد الذين ذكرهم عمارة اليمني فقال: «ووجدت بحضرته (أي بحضرة الصالح بن رزيك) من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعالي بن الحباب، والموفق بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء، وأبا الفتح محمود بن قادوس، والمهذب أبا محمد الحسن بن الزبير، وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانية والرياسة الإنسانية بأوفر نصيب، ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب.»٨٧ إذن تكاد تُجمِع المصادر التي بين أيدينا، والتي حدَّثَتْنَا عن الموفق بن الخلال أنه كان على جانب من علو الهمة والفضل، وعلى براعته في فن الترسل، وقد حفظ من إنشائه سجل كتبه بولاية شاور الوزارة لثاني مرة؛ أي بعد انتصاره على ضرغام، جاء فيه:

سلام عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلي على جده محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين الأئمة المهديين، وسلَّم تسليمًا. (أما بعد)، فالحمد لله مانح الرغائب ومنيلها، وكاشف المصاعب ومزيلها، ومذِلُّ كل عصبة كلفت بالغدر والشقاق ومذيلها. ناصر مَن بغى عليه، وعاكس كيد الكائد إذا فوق سهمه إليه، وراد الحقوق إلى أربابها، ومرتجع المراتب إلى مَن هو أجدر برقيها وأوابها، ومسني الخير بتيسير أسبابه، ومسهل الرتب بتمهيد طرقه وفتح أبوابه، ومدني نائي الحظ بعد نفوره واغترابه، ومطلع الشمس بعد المغيب، ومتدارك الخطب إذا أعضل بالفرج القريب. مبدع ما كان ويكون، ومسبب الحركة والسكون، محسن التدبير، مسهل التعسير. قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. والحمد لله الذي اختصَّ أولياء أمير المؤمنين بالاستعلاء والظهور، وذلَّلَ لهم جوامح الخطوب ومصاعب الأمور، وآتاهم من التأييد كل بديع مستغرب، وأنالهم من كل غريب إذا أورد قصصه أطرب، ومكَّنَهم من نواصي الأعداء، وشملهم بعناياته في الإعادة والإبداء، وضمن لهم أحمد العواقب، وأرشدهم إلى الأفعال التي ثبتت لهم في صحائف الأيام أفضل المناقب، وهداهم بأمير المؤمنين إلى ما راق زلاله وتم غاية التمام، كما أنه كان لرضا الله سبحانه، وحسن ثوابه ومآله، ويمدهم في المجاهدة عن دولته بالتأييد والتمكين، ويحظيهم من أنوار اليقين، بما يجلو عن أفئدتهم دجى الشك البهيم، ويُظهِر لأفهامهم خصائص الإمامة في حلل التفخيم والتعظيم، ويريهم أن خلوص الطاعة منجاة في المعاد بتقدير العزيز العليم.

والحمد لله الذي استثمر من دوحة النبوة الأئمة الهادين، وأقامهم أعلامًا مرشدة في محجة الدين، وبيَّنَ بتبصيرهم الحقائق، وورث أمير المؤمنين شرف مقاماتهم، وجعله محرز غاياتهم، وجامع معجزاتهم وآياتهم؛ وقضى لمَن التحَفَ بظل فنائه، واشتمل بسابغ نعمه وآلائه، وتمسَّكَ بطاعته، واعتصم بولائه؛ بالخلود في النعيم المقيم، والحلول في مقام رضوان كريم، ذَٰلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

ثم يقول:
وراقب الله فيما ألقاه إليك، فقد فوض إليك مقاليد البسط والقبض، والرفع والخفض، والولاية والعزل، والقطع والوصل، والتولية والتصريف والصرف، والإمضاء والوقف، والغض والتنبيه، والإخمال والتنويه، والإعزاز والإذلال، والإساءة والإجمال، والإبداء والإعادة، والنقص والزيادة، والإنعام والإرغام، وكل ما تحدثه تصاريف الأيام، وتقتضيه مطالب الأنام، فهو إليك مردود، وفيما علق بنظرك معدود. وأما العدل ومد رواقه، وإقامة مواسمه وأسواقه، والإنصاف واتباع محجته، والاعتماد على أحكامه وأقضيته، وكف عوادي الجور والمظالم، وحمل الأمر على قصد التصاحب والتسالم، وإظهار شعار الدين، في إنصاف المتداعين إلى الشرع المتحاكمين، والدعوة الهادية وفتح أبوابها للمستجيبين، وإعزاز مَن يتمسك بها من كافة المؤمنين، والأموال والنظر فيها، والأعمال أقاصيها وأدانيها، فكل ذلك محرر في تقليد وزارتك الأول، وأنت أولى مَن حافظ على العمل به وأكمل … إلخ.٨٨

فمن هذه القطعة نستطيع أن نتبيَّن كيف تبع الموفق بن الخلال ما تبعه غيره من كتَّاب مصر الفاطمية من الخصال الفنية التي ذكرناها من قبلُ، ثم نتبيَّن كيف استطاع الموفق أن يستغل مصطلحات بعض العلوم، وينظمها في سلك كتابته؛ ليضيف إليها قوة في الصناعة.

لم يكن الموفق كاتبًا فحسب، بل كان شاعرًا أيضًا، شأنه في ذلك شأن عدد كبير من الكتَّاب الفاطميين، ويظهر في شعره هذه الصنعة البديعة التي تظهر في نثره أيضًا، فهو يقول من قصيدة:

عذبت ليال بالعذيب خوالي
وحلت مواقف بالوصال حوالي
ومضت لذاذات تقضي ذكرها
تصبي الحليم وتستهيم السالي
وجلت موردة الخدود فأوثقت
في الصبوة الخالي بحسن الخال
قالوا سراة بني هلال أصلها
صدقوا كذاك البدر فرع هلال٨٩

كما روي أن بيتًا أنشده كان سبب قطع صلة شاعر من شعراء القصر؛ ذلك أن الشاعر أبا القاسم بن هانئ — وكان من سلالة الشاعر ابن هانئ الأندلسي المعروف — كان يهجو ابن الخلال، فأضمر هذا له حقدًا، فاتفق في بعض المواسم أن تقدَّم الشعراء للنشيد بين يدي الخليفة، وانتهت النوبة إلى ابن هانئ، فأنشد وأجاد، فسأل الخليفة الموفق بن الخلال رأيه في قصيدة ابن هانئ، فلم يسعه إلا أن يثني عليه، ويبالغ في وصفه، ثم قال: ولو لم يكن له ما يمت به إلا انتسابه إلى ابن هانئ الأندلسي شاعر هذه الدولة، ومظهر مفاخرها، وناظم مآثرها، لولا بيت أظهر منه الضجر عند دخول جوهر هذه البلاد. فقال له الخليفة: ما هو؟ فتحرَّجَ الموفق من إنشاده، وأَبَى الخليفة إلا أن ينشده، وفي أثناء ذلك صنع ابن الخلال بيتًا هجا فيه الأئمة الفاطميين.

فعظم ذلك على الخليفة، وقطع صلة الشاعر، وكاد يُفرِط في عقوبته.٩٠ وتوفي ابن الخلال في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ست وستين وخمسمائة من الهجرة.٩١

عمارة اليمني الناثر

وعلى الرغم من أن عمارة اليمني لم يكن من عمَّال ديوان الرسائل، ولم يُعرَف عنه أنه كان كاتبًا لأحد الأمراء، فإننا نستطيع أن نلمس في رسائله الإخوانية التي حُفِظت لنا، خصائصَ الكتابة التي عُرِفت عند كتَّاب الدواوين، وكما تأثَّرَ عمارة في شعره بمصر وبشعرائها، فقد ظهر أثر مصر وأثر كتَّابها في نثره. ونختم هذا الفصل من الكتاب برسالة طريفة أرسَلَها عمارة إلى صديق له ولي على أسوان، وقد رأينا أن ننقلها بأكملها؛ لما فيها من صنعة فنية، وطرائف لا نجدها في السجلات الرسمية التي أوردنا صورًا منها من قبلُ. كتَبَ عمارة:
إن جرى بيننا وبينك عتب
أو تناءت منا ومنك الديار
فالوداد الذي عهدت مقيم
والدموع التي شهدت غزار

كان عزمي، أطال الله بقاء حضرة مولاي، أن أستفتح هذا الكتاب، بأليم العتاب، وأشحنه من الخطاب بما لا يُستطَاب، وأقيم أعنة القوارص، وأسدِّد أسنة الخوارص، وأجلب بخيل التوبيخ ورجاله، وأجمع بين رويته وارتجاله، وأجهز تعنيفًا يضيق له البحر بمراكبه، والبر بمواكبه، ثم قلت السلام قبل الكلام، والملاطفة أولى من الملام، ثم عطفني حفظي لعهدك، وحفاظي على ودك، وشافع أولي، ووفاء سموءلي، فلاطفاني حتى لزمَا كفي، وخزمَا أنفي، فعدت من شب نار الوجد عليك، إلى التشبيب بذكر الشوق إليك، وكتابي هذا صادر عن صدر مملوء بودك، وقلب مصدوع ببُعْدك، وأسف لفقدك، لا يظعن قاطنه، ولا يخفى باطنه، وغرام لو تصوَّرَ لك لبانت على وجهه جناية الفراق، ومراسم الاحتراق، ولَعلمت أن صورتك في القلب مغروسة، ومكاتبتك منه محروسة، وأنك شغل خاطري ومسرحه، ومرمى ناظري ومطرحه:

يا حبذا سفوان لي من مرقع
ولربما جمع الهوى سفوان

بل حبذا ليالي محاضرتك ومذاكرتك، ومراوحتك ومباكرتك:

وأيامًا لنا ولكم نعمنا
زمانًا في حواشيها الرقاق
ليالي نحن في غفلات عيش
كأن الدهر عنَّا في وثاق

هذا يا مولاي فصل مقصور على صحيح التشوق، لا سقيم التسوق، وخاطرك، والكاف ألذ من الضمير في مخاطبتك، وأعذب من الماء النمير في مكاتبتك، تعلم صدق دخيلتي وودق مخيلتي. وأعود إلى ما في نفسي من عتابك، بل سبابك، والتظلم من جفائك، والتألُّم من عدم وفائك. يا أعصى من العود، وأقسى من الجلمود، بل يا قصير العزيمة وطويل الهزيمة، مضت لك شهور هي عندي دهور، لم تهزك فيها ريح الأريحية، ولا شيمة النفس المضرحية، ولا استفزك المنصب الأبي ولا الحسب الغري، قطعت من مكاتبتك رسمي، فلا تلفظ في كتبك إلى الناس باسمي، فقد كنتُ أرضى منك أن أكون تحت الحسبلة لا فوق البسملة، ولقد رأيت لك كتبًا سلطانية، وأخرى إخوانية، فقبلت اسمك من عنوانها، قبل الوقوف على بيانها. هذا وأنا كنانة سرك، وخزانة حلوك ومرك، والمتهم فيك بما سمع من فيك، وأظن اسمي لو مَرَّ بسمعك، لحذفت خمسيه ليكون عمى الأبصار، ولست أعلم لك عذرًا أحمل فعلك عليه وأنسب تحاملك إليه، إلا أن تكون طينة البلد والمنشا، غشي فؤادك منها ما غشي، فإنها الطينة التي تنبت العقارب، وتعادي بين الأقارب، وأنت تعلم أن آل الزبير والكنز إليهم منتهى رياسة أعلامها وسياسة أقلامها، ونحلتي سيفها وضيفها، ورحلتي شتاؤها وصيفها، مَن منهم إلا من عداوته أسباطية لأخيه، أنباطية في توخيه، يبدون المودة ويخفون العداوة، أهل حاضرة وفيهم جفاء البداوة، وهذا ما ليس لهم في دفعه حيلة، ولا في منعه وسيلة؛ لأنه طبع جرى في مائهم، ونسيم سمائهم، وامتزج بأهوائهم من أهوائهم، وإلا فخذ إليك، واحسب على يديك، كم هنا لك من راسخ أنساب، وشامخ أحساب، وصحة أديم، ومجد قديم، وفخر عميم، وكرم صميم. أو ليس أسوان بهم مأوى الطريد، ومقر الشريد، وأمان الخائف، والذمة من الدهر الحائف، ثم هم سداد الثغر إذا انفتح، وسداد الأمر إذا فدح، وشعلة الزناد إذا قدح، وعنوان الصدق لمَن مدح، العاملون إلا على الوفر، والفاصلون بين الإسلام والكفر.

وأرجع يا مولاي إلى مخاصمتك ومواصمتك، ومشاتمتك وملاكمتك، والعرض من عندك، والكف من عبدك، هذه مكاتبة غير مواتية، ومخاطبة الحمَّالين والنواتية، ومقاشرة، وسوء معاشرة، وكأني بمولاي إذا انتهى إلى هذا الحد، تمثَّلَ وأنشَدَ:

لئن ساءني أن نلتني بإساءة
لقد سرني أني خطرت ببالك

أأمنت أن أغضب فأقول: لا سقاني الله بنوئك، ولا هداني بضوئك، ولا بلاني بسوئك، فإنك من أسوان والهمزة إذا حُذِفت عنها، فهمت تثنية السوء منها، وأنت الذي جلبت إليها التعنيف، وفتحت عليها الكنيف، فإن كان هوى البلد أعداك، فقد هوى بك وأرداك، وإن كانت الرياسة المحدثة — ولا أكسر دالها — ألهتك عن أصفيائك، وحسن وفائك، فما إخالك، وفلان خالك، تجفو مَن ينصفك، وتنكر مَن يعرفك. أجدني يا مولاي قد اشتفى منك قرمي، وانطفأ عنك ضرمي، وأخمدت الفتنة نارها، ووضعت الحرب أوزارها، وسفرت المسألة عن جبينها، وأخذت صفقة ثمينها.

وهذا أوان تسرُّعي إلى حسن ذكرك، وتبرعي إلى حمدك وشكرك، وإتمام ما أعرضت عنه من ذكر الشوق إلى لقائك، والدعاء بطول بقائك، وأما هذا الكلام فهو هذر ساقط، وهدر ما له لاقط، وجلالة قدرك، وطهارة صدرك، وجميل اعتقادك، وخالص ودادك وسؤددك، وشرف قومك ونفسك، وحسن يومك وأمسك، يحملني على علمك بأن مكاتبتك من قلبي ثابتة المكان، قوية الأركان، ولولا ذلك لقلت للنفس سقيت مهلًا، وسلبت علمًا، ولبست جهلًا، ووجدت حزنًا، وعدمت سهلًا، ما هذه الجرأة على الأعراض المحرمة، والبيوتات المكرمة! أتعرفين بخلت يداك بمَن تسمحين؟ وعميت عيناك إلى مَن تطمحين؟ إن لم يَقِك الوجل، فَلْينهك الخجل، وإن لم يرعك الريث فلا يستفزك العجل، أما تعلمين أن هذه رتبة الأحكام الشرعية، ورتبة أهلها واجبة مرعية، بل رتبة النظر والإشراف، ونفاذ الكلمة في الأوساط والأطراف.

واتصل بي أن مولاي قبض يده عن أحكام القضاء، وبسطها في الأموال والإمضاء، وإن كان الكسل حدَّ من نشاط نفسك، وطوى بعض بساط أنسك، وأنا أعيذك أن تغلط في وهمك، أو يعترض الشك على فهمك، لا تقل ذهبت أجمل الخدمتين، وأكمل النعمتين؛ فإن مَن زاد في الكراء ملك الدار، وهذه الشقراء والمضمار، وأما الخدمتان: فها أنا أجلوهما على مرآة عقلك وهي صافية، وأعرضهما على بصيرة فضلك وهي شافية؛ أما الشريعة فهي ملسوعة عدمت الراقي، ومريضة روحها في التراقي، حدودها متروكة، وحرماتها مهتوكة، ومعالمها مطموسة، وأعلامها منكوسة، وقد نفل أديمها، ونسي قديمها، وعفي وردها، وبلي بردها، حتى وقعت الزهادة، في لفظ الشهادة، وثقل الأذان على الآذان، وكان القضاء لا يتولاه إلا مَن قرأ ودرى، وشبع من المعارف وتضلع، وتشوق إلى الكمال وتطلع، وبسط يده بالعطايا، وقبض رجله عن الخطايا، وقد صار القضاء في وقتنا لما قضى الله به من مقتنا، مبذولًا لمَن بذل قرضًا، معروضًا على مَن لا يصون عرضًا، شعارهم طول السبال والقامة، وعرض اللحية والعمامة، يعرفون أن اشتقاق الرشا من الرشوة، وينكرون الفرق بين النشا والنشوة. هذه حال الشرع في الأمصار الواسعة، والأقطار الشاسعة. فأما أسوان فهي كما قال أبو الفتح البستي:

أكتاب بست كم يحاسدكم على
كتابة بست وهي سخنة عين
وخفي حنين فوق ما تطلبونه
فكم بينكم يا قوم حرب حنين

وهل في أحكام أسوان غريبة لا تعرف، ونازلة تستطرف؟ ما من أحد إلا وهو يعرف السلف على الزبيب والتمر، والوالي يصفع المعربدين على المزر والخمر، حاكمها مستريح من إقامة الناموس، وإحضار المصحف لليمين الغموس؛ لأن يمين التجار «وإلا يغرق في شبر من الماء»، ويمين الحمال «وإلا عذبت في صحراء عيذاب بالظما»، والعشار يقول: «وإلا فالكلب على عياله، والحمار على أخت خاله.» والسفساف يقول: «وإلا لصفع الوالي قفاه، ورض فاه.»

هذه الخدمة يا مولاي قد شرحت لك حالها، وعرضت عليك جمالها، وهي زبدة كلها زبد، ومورد صفوه زبد، وعيبة محشوة بالعيوب، وذنوب مملوءة بالذنوب. وأما التصرف في الأموال، والبسطة في الأعمال، فأنت تعلم أن المال بلغك من المجلس العالي إلى أن أخلاك في ركابه، واختصك بخطابه، وكنت متكسلًا فتنشطت، ومنقبضًا فتبسطت، ونظر إليك وخلع عليك، ووعدك من الصيت والتنويه، فوق ما تأمله وتنويه، ثم افرض أنك وحاكم ثغرك وقاضي مصرك قدمتما على الوالي فأدلى القاضي بالدنية، وأدليت أنت بالهدية، ومت على الوالي بوقاره، ومتت بما قدمت إلى داره. هنالك والله تعرف أن الجمال بخدمة المال، وإلى اليمين فضل الشمال، وأن صاحب الإحسان أمكن من صاحب الطيلسان. ثم لو جمعكما مسجد الجامع، وبرزتما للناظر والسامع، لَامتلأ مجلسك بالعمال والخزان، والمؤدين إلى الوزان، وأطافت بك الأعوان السلطانية والنوَّاب الديوانية، وحفَّتْ بك أرباب الرواتب والجوازي، ولم تجد من قولك مَن يراجع أو يجازي، وقلت قدموا هذا وارفعوه، وأخِّروا ذلك واصفعوه. وأما القاضي فلم يكن مجلسه يغتص، ومقصورته تختص، إلا باليتامى والأرامل، والمرضعات والحوامل، ويتيم ظلمه عمه، وأعرج رجله مخلوجة، ويده مفلوجة، ومشايخ عظامهم نخرة، وكوادمهم بخرة؛ ثم القاضي — أيَّدَه الله — نائب حكم الصعيد، وأنت نائب صاحب العصر والقصر المشيد.

وما ضر أرباب الدواوين أنهم
نصارى وإن لم يؤمنوا بمحمد
وها نحن إن رمنا سلامًا عليهم
دفعنا عن الأكمام فضلًا عن اليد

وهذه صورة الحال، من غير انتحال، وكأني بك إذا فهمت أطربت، وشددت يدك على ما فيها وربطت، وعلمت مقدار حظك فاغتبطت. وأريد يا مولاي أن أصطادك بهذا الجنب، أربط مرزأتي في هذا الذنب، وأشوي في نارك سمكتي، وأجلب إلى شوقك رمكتي. فلأمر ما نصبت هذه الراية، وأجريت إلى هذه الغاية، وجازفت وحققت، وعن صبوح رققت، علمك محيط بكثرة ما أتلف، وقلة ما أخلف، وغنى نفسي عن سؤال الغمام، فضلًا عن الأنام، وليس للتوسع لأني مبذر، بل سائل من أهل اليمن والحجاز لا يعذر، قد ركب اللجة الخضراء، والقفرة الغبراء، وقصد بابي، ونزل جنابي، أفأصون صون قرضي، وأبذل عرضي:

وإن أحق الناس باللؤم شاعر
يلوم على البخل الرجال ويبخل

وأما حاشيتي الضافية، وعدتي الوافية، فأنت في كثرتها أصدق مخبر، وأفصح معبر، ولما طالت محنة الغز وعرضت، ورجوناها أن تصح فمرضت، رجعت إلى كنانة ذكري، وخزانة فكري، فكنت أكرم خاطر في خاطري، وأحسن وجه يمثل لناظري، وسيرت إليك بعض خروجاتي للجاري الذي جمدت أنهاره، وخمدت ناره، ومبلغه يسير في جنب كرمك، حقير إذا قُرِن بهممك.

فكم في الأرض من حسن ولكن
عليك من الورى وقع اختياري

ولا تقل كم بين الفسطاط وآخِر الصعيد، إن هذا لهو المرمى البعيد، فلو كنت أعلم أني عندك ممَّن ينده سربه، ويكدر بالأعداء شربه، لقصرت ما أطلته، وبخلت بما بذلته، ولكني قلت هذا أمر قد سهلت مسالكه؛ إذ أنت مالكه، وغيري يقبل من جودك بعض مجهودك، وقد أقسمت عليك وإبرار القسم إليك، للنفس الأمارة: سامحيني في عمارة، واتركي عنك قصور باعك، وجفاء طباعك، فإن هذا سواد الناظر، بل ضمير الخاطر، وسقف السماء، وعذب الماء، وكأني بالوصول وقد آلَ إلى الحصول، وبالسؤال في يد الرسول:

ألا إن نفسًا بين جنبي محمد
إذا هم بالمعروف قالت تقدم
ويا طالما قالت له عند فرصة
من الجود خذها لا تفتك فتندم
يا مولاي قد أجلت الرسول شهرًا، وأنا أعده دهرًا، وأقف حيث انتهيت وأسأل الجواب عمَّا أنهيت، فإن الحاجة سائق حثيث، والوقت غريم خبيث، ولرأيك الفضل المعروف بالتفضل، والطول المشفوع بالتطول، ولولا أن هذه الرسالة صادرة عن قائل لا يتقوَّل، واردة على قابل لا يتأوَّل، لسألت كرمك عن بسط العذر عمَّا فيها من التقصير، وحسبنا الله ونعم النصير.٩٢

فهذه الرسالة على الرغم من إسرافها في الطول، تجمع بين عدة فنون وأغراض كانت من أغراض الشعر، ولكن تقدَّمَ النثر منذ القرن الثالث للهجرة في كل الأقطار الإسلامية، وجعل النثر يعرض للأغراض التي كانت للشعر من قبلُ، ففيها ذكر الفراق والعتاب، والتهكم الذي هو أقرب إلى الهجاء … إلى غير ذلك من الموضوعات.

ثم نرى هذه الرسالة تجمع هذه الخصائص الفنية التي ظهرت عند كل كتَّاب مصر الفاطمية، فالرسالة تقوم على السجع، ثم على هذه الألوان المختلفة من البديع، من تورية واقتباس، وتضمين واستشهاد، ومراعاة النظير، وتشخيص، وغير ذلك من هذه الألوان التي نفق سوقها عند كتَّاب مصر الفاطمية، ولم يشذ عن اتباعها كاتب واحد من كتابهم، فإذا جاء القاضي الفاضل في أواخر العصر الذي نؤرخه، والعصر الذي يليه وأسرف في استخدام هذه الألوان البديعية، فهو لم يأتِ بشيء جديد، إنما أخذ عن أساتذته من كتَّاب مصر الفاطمية طرائفهم في الكتابة، وسار على منهجهم وسننهم، ولكن اشتهر أمر القاضي الفاضل في التاريخ الإسلامي والتاريخ الأدبي أكثر من شهرة أساتذته كتَّاب مصر الفاطمية؛ لأن القاضي الفاضل قرن اسمه باسم صلاح الدين الأيوبي؛ فكان وزير صلاح الدين ومستشاره، والمؤرخون أشادوا بصلاح الدين، فمن الطبيعي أن يرفعوا شأن القاضي الفاضل، ويثنوا عليه الثناء كله، حتى بالَغَ بعض الكتَّاب فقال: إن القاضي الفاضل ابتدع طريقةً جديدةً في الكتابة عُرِفت بالطريقة الفاضلية، وكم كنتُ أود ألا يتسرَّع بعض المحدثين في أحكامهم وكتاباتهم التي ساروا فيها على نمط مَن سبقهم، فنسبوا إلى القاضي الفاضل هذا المذهب الجديد — في نظرهم — عن الكتابة في مصر، فالقاضي الفاضل لم يكن إلا من تلاميذ كتَّاب مصر الفاطمية.

وهذه الطريقة التي نُسِبت إليه، عرفها كتَّاب مصر الفاطمية، بل عرفها كتَّاب مصر منذ عهد الطولونيين.

١  صبح الأعشى: ج١، ص٩٦.
٢  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٤٤؛ وصبح الأعشى: ج١، ص١٠٢.
٣  المصدر السابق.
٤  المصدر السابق.
٥  قانون ديوان الرسائل لابن منجب: ص٩٤ وما بعدها.
٦  قانون ديوان الرسائل لابن منجب: ص٩٥.
٧  صبح الأعشى: ج١، ص٩٦.
٨  خطط المقريزي: ج٣، ص٢٢.
٩  اتعاظ الحنفا: ص٣٠٠ وما بعدها.
١٠  الولاة والقضاة: ص٦٠٦.
١١  ابن خلكان: ج١، ص٣٥٨.
١٢  السيرة المؤيدية (من مطبوعات دار الكاتب المصري).
١٣  خطط المقريزي: ج٣، ص٢٥٧.
١٤  الخطط: ج٤، ص٧٨.
١٥  اتعاظ الحنفا: ص٢٥١.
١٦  النجوم الزاهرة: ج٤، ص١٢٤.
١٧  الخطط: ج٣، ص٣٣.
١٨  سيرة الأستاذ جوذر (مخطوط).
١٩  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٠٧.
٢٠  اتعاظ الحنفا: ص١٤٨ (طبعة دار الفكر العربي).
٢١  اتعاظ الحنفا: ص٢٥١ (طبعة دار الفكر العربي).
٢٢  الرسالة بأكملها في صبح الأعشى: ج٦، ص٤٣٤ وما بعدها.
٢٣  خطط المقريزي: ج٣، ص٣٢.
٢٤  المصدر نفسه: ج٣، ص٣٣.
٢٥  المصدر نفسه.
٢٦  صبح الأعشى: ج١٠، ص٣٨٥.
٢٧  معجم الأدباء: ج٤، ص٥ (طبعة فريد رفاعي).
٢٨  المصدر نفسه.
٢٩  خطط المقريزي: ج٢، ص١٦٧.
٣٠  خطط المقريزي: ج٢، ص١٦٨.
٣١  ابن خلكان: ج١، ص٣٥٨.
٣٢  خطط المقريزي: ج٢، ص٢٣٨.
٣٣  معجم الأدباء: ج٤، ص٥.
٣٤  المصدر السابق: ج٢، ص٨.
٣٥  المصدر السابق: ج٤، ص١٠.
٣٦  المصدر السابق: ج٤، ص١٢.
٣٧  معجم الأدباء: ج٤، ص٦.
٣٨  معجم الأدباء: ج١٧، ص٢١٢.
٣٩  السيرة المؤيدية: ص١٠٥ (طبعة دار الكاتب المصري).
٤٠  السيرة المؤيدية: ص٩٤.
٤١  راجع مقدمة ديوان المؤيد في الدين.
٤٢  السيرة المؤيدية: ص١٠٣.
٤٣  الإشارة إلى مَن نال الوزارة: ص٥٢؛ وأخبار مصر لابن ميسر: ص٣٣.
٤٤  الخريدة: ورقة ٥.
٤٥  الخريدة: ورقة ١٤.
٤٦  معجم الأدباء: ج٩، ص١٥٣.
٤٧  ابن خلكان: ج١، ص١٣٣.
٤٨  الذخيرة: القسم الرابع، ورقة ١٨٣ (نسخة فتوغرافية بمكتبة الجامعة).
٤٩  ابن خلكان: ج١، ص١٣٣.
٥٠  معجم الأدباء لياقوت: ج٩، ص١٥٧.
٥١  معجم الأدباء لياقوت: ج٩، ص١٥٤.
٥٢  ابن خلكان: ج١، ص١٣٤.
٥٣  تاريخ مصر لابن ميسر: ص٢٩.
٥٤  خطط المقريزي: ج٣، ص٢٥٧.
٥٥  معجم الأدباء: ج١٥، ص٧٩.
٥٦  تاريخ مصر لابن ميسر: ص٨٧.
٥٧  معجم الأدباء: ج٥، ص٧٩.
٥٨  خطط المقريزي: ج٣، ص١٤٠.
٥٩  ابن ميسر: ص٣٥.
٦٠  المصدر نفسه: ص٤.
٦١  خطط المقريزي: ج٢، ص٤٩.
٦٢  قانون ديوان الرسائل: ص٩١ (طبعة مصر سنة ١٩٠٥).
٦٣  قانون ديوان الرسائل: ص٨٨.
٦٤  تجد الرسالة في كتاب رسائل البلغاء، وفي كتاب الوزراء، والكتاب للجهشياري.
٦٥  معجم الأدباء: ج٣، ص٦٦.
٦٦  المصدر نفسه: ج٥، ص١٣٥.
٦٧  معجم الأدباء: ج٤، ص٢٤٤.
٦٨  المصدر نفسه: ج٤، ص٢٢٨.
٦٩  تاريخ مصر لابن ميسر: ص٨٧.
٧٠  معجم الأدباء: ج١٥، ص٧٩.
٧١  الخريدة: ورقة ٤٩.
٧٢  تاريخ مصر لابن ميسر: ص٩٧.
٧٣  الخريدة: ورقة ٦٨.
٧٤  صبح الأعشى: ج٨، ص٣٢٦.
٧٥  المصدر نفسه: ص٢٢٨.
٧٦  الخريدة: ورقة ٥١.
٧٧  ابن ميسر: ص٩٧.
٧٨  خطط المقريزي: ج٣، ص٢٧.
٧٩  الخريدة: ورقة ١١٠.
٨٠  المصدر نفسه: ورقة ١١٤.
٨١  المصدر نفسه: ص١١٥.
٨٢  الخريدة: ورقة ١١٥.
٨٣  المصدر نفسه: ورقة ١١٨.
٨٤  ابن خلكان: ج٢، ص٤٠٧.
٨٥  المصدر نفسه، وهذا ما يُفهَم أيضًا من أقوال القلقشندي في كتاب صبح الأعشى: ج١، ص٩٦.
٨٦  ابن خلكان: ج٢، ص٤٠٩.
٨٧  النكت العصرية: ٣٤.
٨٨  صبح الأعشى: ج١، ص٣١٠.
٨٩  ابن خلكان: ج٢، ص٤٠٨.
٩٠  ابن خلكان: ج٢، ص٤٠٩.
٩١  المصدر نفسه.
٩٢  النكت العصرية: ج٢، ص٤٣١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣