الأساس العقلي للموسيقى الحديثة١

ليست الموسيقى، ولا يمكن أن تكون، نظامًا صوريًّا تتوارثه الأجيال بلا تغيير ولا تبديل، بل هي تعبير عن ميلٍ يتجدد بلا انقطاع، وإرادة تتطور دوامًا. وهي في هذا التطور تساير الروح البشرية في تقلباتها وتتمشَّى مع الاتجاه العام الذي تسير فيه الحضارة؛ فالتطابق بين الموسيقى الكلاسيكية والروح العقلية الأوروبية واضح كل الوضوح، وكذلك كان الاتجاه الرومانتيكي في الموسيقى صورة جزئية من روحٍ رومانتيكية شاملة كانت تعبِّر عن ميلٍ أساسي طغى على العقل الأوروبي في كل مظاهره، خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

فالتجديد إذن كامن في ماهية الموسيقى، والفنان الناجح هو الذي يتجاوب مع عصره ويأتي في إنتاجه بما يعبِّر عن روح ذلك العصر. ولقد كانت الأسماء الكبرى في تاريخ الموسيقى، مثل باخ وبيتهوفن وفاجنر، مرتبطةً على الدوام بتجديدات معينة أتت بها، وبأساليب لم يأْلَفها الفن من قَبْلهم، وبثورة ساخطة على القواعد الجامدة التي تسود في عهدهم. وإذا كنا اليوم نَعُدُّ كلًّا من هؤلاء العباقرة «كلاسيكيًّا» فليس ذلك إلا لأن فنَّه قاوم فعل الزمان مدة طويلة، أما بالنسبة إلى عصورهم فقد كانوا جميعًا من المجددين، بل كان الكثيرون منهم يُعَدُّون من الشواذ الذين لا يفهمون؛ فلكَم اتُّهم بيتهوفن في عصره بالغموض والتعقيد، وخاصةً منذ أتى بسيمفونيته الثالثة، ولكَم لقي فاجنر من السخرية؛ ففي فضيحة «تانهويزر» في باريس عام ١٨٦٠م ما يُشعِر بمدى سوء الفهْم الذي يلقاه فنان كبير وسط جمهورٍ قد يكون مثقفًا ومهذبًا.

والحق أن عنصر التجديد أساسي في تذوقنا الفني للموسيقى؛ فمن التجارِب التي ألِفْناها جميعًا، أن القطعة الواضحة التي نُعجَب بها منذ الوهلة الأولى، وندرك كل جوانبها دفعة واحدة، كثيرًا ما تفقد هذا الجمال بعد أن يتكرر سماعها، وتصبح مملة ممجوجة. أما القطعة التي نجد في بعض عناصرها غموضًا غير مألوف لدينا، فالغالب أنها تزداد جمالًا بتكرار سماعها، وترتفع قيمتها في أعيننا كلما ازدادت عناصرها الغامضة اتضاحًا. وهنا يكون في التجديد الذي يخرج — إلى حدٍّ ما — عن المألوف ما يعلو بالقيمة الفنية للإنتاج الموسيقي.

ولقد غدت الحاجة إلى الخروج عن القواعد الموسيقية المألوفة ماسةً في أواخر القرن التاسع عشر؛ فقد اكتشف الفنانون في نهاية الأمر أن النظام الموسيقي الغربي، الذي يقتصر على اثنتي عشرة درجة، ضيِّق إلى حدٍّ يبعث على الاختناق؛ فلو تذكَّرنا أن كبار الموسيقيين، من بالسترينا إلى فاجنر، ومعهم المدارس الروسية والإسبانية والفرنسية المختلفة، لم يكن في متناوَل أيديهم جميعًا، في اللحن وفي الهارموني، وفي الآلات المنفردة والفرقة الكاملة، في الأغاني والتراتيل، في الأوبرات والدرامات الغنائية؛ في كل هذا لم يكن في متناوَل أيديهم سوى اثنتي عشرة درجة موسيقية، عندئذٍ يتبين لنا أن من الصعب أن نكتب لحنًا جديدًا كل الجِدة، وأن إمكانيات التوافق اللحني تضيق على الدوام — خاصةً وأن هذه الدرجات الاثنتي عشرة لا تقف كلها على قدم المساواة، بل تفضِّل على الدوام سبع درجات منها، وتظل للباقيات أهمية ثانوية بالنسبة إليها.

•••

هكذا كانت مشكلة الموسيقى في أواخر القرن التاسع عشر: لغة تشكو من قلَّة حروفها، صِيغت بها كل المعاني التي يمكن أن تنطوي عليها تلك اللغة، وفنانون مخلصون لا يودون أن يكونوا من الأتباع المقلِّدين لهذا الفنان أو ذاك، بل يريدون البحث عن جديد، شأن كل فنان صادق؛ فكان المخرج الوحيد من هذه المشكلة هو التخلُّص من الفقر الشحيح الذي تتصف به مادة الموسيقى، وتوسيع نطاق تلك اللغة الضيقة النطاق، والقيام بانقلاب حاسم في القواعد والنُّظم الموسيقية.

•••

ولقد وجد هؤلاء الفنانون الثائرون في أبحاث علم الأصوات ما يبرِّر دعوتهم إلى التجديد؛ فقد أثبت ذلك العلمُ بطريقةٍ قاطعة أن النظام الحالي الذي تسير عليه الموسيقى ليس نظامًا ثابتًا تسير عليه الروح البشرية ضرورة، بل هو نظام عارض يتباين تبعًا للبيئات والعصور. وهكذا يخرج عن قيود الأزلية ميدان جديد من ميادين الروح البشرية، وهو الموسيقى.

فلكل نظام موسيقي سُلَّم معيَّن، وهذا السُّلم هو الأصوات التي تثبت عندها الأذن بين مختلف الدرجات التي تتراوح بين نغمة معينة، ونفس النغمة في طبقةٍ أعلى منها؛ أي الصوت كما يغنِّيه رجل وكما تغنِّيه امرأة مثلًا؛ ففي كل هذه الأصوات التي تبلغ عددًا هائلًا، تقف الأذن عند أصواتٍ معينة لتستطيع تمييزها مما يسبقها وما يليها، وتلك هي التي تكوِّن السُّلم الموسيقي. ولذلك السُّلم في الموسيقى الغربية درجات سبع محدودة، وله في غير الموسيقى الغربية نُظُم أخرى متباينة كل التباين؛ فلكلٍّ من الموسيقى الشرقية والموسيقى الزنجية، والموسيقى اليونانية القديمة، سلالمها الخاصة. وإذن فالسُّلم الغربي الشائع ليس مبنيًّا على قوانين طبيعية ثابتة، وليس تعبيرًا عن ميلٍ غريزي، بل هو نتيجة مبادئ جمالية خاصة اتخذها نظام موسيقي معيَّن.

ولقد اعتادت الموسيقى الكلاسيكية أن تسير على نظام خاص لا تحيد عنه؛ فالسُّلم العام ذو السبع درجات، تختلف أسماؤه تبعًا لأسماء الدرجات التي يبدأ منها وينتهي عندها، وإن كان هذا الاختلاف في الأسماء لا يؤثِّر بطبيعة الحال على المسافات بين الدرجات، والقطعة الموسيقية كانت تبدأ من سُلَّم معين، لنسمِه سُلَّم «دو» مثلًا، وتنتهي بنفس السُّلَّم ضرورة. وإذا حادت عنه في الوسط فإنما تنتقل إلى سلالم معينة تربطها بالسُّلم الأصلي صلةُ قربى. أما الموسيقى الحديثة، فلم يَعُد لديها ذلك التجانس النغمي القديم، ولم تَعُد تطيق البقاء في سُلَّم ذي إشارة واحدة، أو تنتقل إلى غيره بانتظام وتبعًا لقواعد خاصة، بل أصبح «الابتكار» هو أن يتغيَّر السُّلم تغيرًا متخبطًا؛ ففي كل فترة قصيرة بل في كل زمن وكل نغمة، تتغير إشارة السُّلَّم، ويسهُل التجديد في هذه اللعبة المسلية الخطرة إلى غير حد.

والحال كذلك في الهارموني بين الأصوات الموسيقية المختلفة؛ فبينما كان الانسجام النغمي يسري قديمًا بين أصواتٍ تنتمي إلى سُلَّم ذي إشارة واحدة، أصبح الانسجام — إن كان لنا أن نظل نستخدم هذه الكلمة — يقوم بين أصواتٍ تنتمي إلى سلالم مختلفة، بل حدث ما هو أغرب من ذلك؛ إذ أصبح الانسجام يقوم بين أعمدة مختلفة من الهارموني، كل عمود منها ينتهي إلى سُلَّم معيَّن، كأن يوضع عمود من سُلَّم «صول» الكبير تحت آخَر من سُلَّم «دو» الكبير مثلًا، وتستمر هذه العملية بين أكثر السلالم اختلافًا، وعلى الأذن بعد هذا أن تحتمل.

وعلى حين كان الانسجام بين الأصوات في النظام الكلاسيكي يقوم بين أبعادٍ معينة من هذه الأصوات، بحيث يكفُل التناغم بينها، أصبح على الموسيقى الحديثة أن تسعى إلى كشف مسافات جديدة بين أصوات الهارموني؛ فأصبح من المألوف أن يقوم الانسجام بين صوت والصوت التالي له مباشرة، بل بين أنصاف الأصوات بلا تحفُّظ. وحجة الموسيقيين المحدثين في ذلك أنه لما كان نظام الموسيقى بأسره مبنيًّا على الاثني عشر نصفًا من الأصوات، فلا بُدَّ من استغراق كل هذه الأنصاف، أفقيًّا في اللحن ورأسيًّا في الهارموني، واستنفاد كلِّ ما بينهما من إمكانيات، مهما كان الصوت النهائي غريبًا غير مألوف للآذان. وبينما كان كل نشاز يحل إلى انسجام في الموسيقى التقليدية، أصبحت الموسيقى الحديثة لا ترى ضيرًا في بقاء هذا النشاز على ما هو عليه دون التخلُّص مما ينطوي عليه من تنافر.

وأساس هذا الانقلاب في اللحن وفي الهارموني، هو التحديد الجديد لمسافات الأصوات الموسيقية، كما ظهر بوجه خاص عند «شونبرج»؛ فالمسافة بين النغمة الأساسية ومثيلتها في الطبقة التي تعلو عنها اثنا عشر نصفًا من الأصوات، ويقوم السُّلَّم المألوف بضغط هذه الأصوات إلى سبعة، بحيث تكون المسافة بين خمسة منها صوتًا كاملًا، وبين اثنين منها نصف صوت. أما عند شونبرج، فالأصوات كلها تتساوى أهميةً، وليس هناك داعٍ لتخطي بعضها وإعطاء بعضها الآخر أهمية خاصة. ومن هنا كان سُلَّمه مكوَّنًا من اثنتي عشرة درجة كلها من أنصاف الأصوات (أو التونات).

وبينما كان شونبرج يقوم بأكبر انقلاب في ميدان الهارموني بسُلَّمه الجديد، لم تظهر لديه الرغبة في تجديد «قالب» الموسيقى؛ فلا زال لمقطوعاته نفس الإطار القديم، وعدد الحركات وترتيبها كما عرفته الموسيقى الكلاسيكية؛ فنظريته الجديدة لم تخلق التركيب الموسيقي الملائم لها. أما الموسيقي الذي أتى بأكبر انقلاب في ميدان الصورة، بجانب ما استحدثه من كشوفٍ في مادة الموسيقى، فهو «سترافنسكي»؛ فقد تأمَّل النظام القديم الذي كان يسير عليه اللحن، وهو أن يستمر في جملٍ وأنصاف جمل موسيقية منتظمة، وينتهي بسكون كما تنتهي الكتابة إلى نقطة، وأدرك أن هذا التوقُّف النهائي والتوقُّف الجزئي المتوسط لا داعي له على الإطلاق؛ فليس هناك ما يدعو إلى أن يتخذ ختام اللحن شكل النقطة النهائية؛ لأن اللحن ليس جملة، بل هو خط ممتد لا يتطلب قاعدة معينة ينتهي على أساسها، وإنما يتوقف حيثما يشاء مزاج كاتبه. كذلك لم يرَ داعيًا لالتزام ذلك النظام المطرد في الإيقاع، أو التقيد بنفس عدد الضربات داخل الحاجز الموسيقي الواحد، بل يمكننا بتنويع نظام الضربات أن ندفع الملل عن نفس السامعين، ونقدِّم إليهم إيقاعًا يتجدد دوامًا. ومن هنا تنوَّعت الإشارات الدالة على الزمن داخل الحواجز المختلفة في كثير من مؤلَّفات ديبوسي وسترافنسكي، بل لم تَعُد بالموسيقى الحديثة إلى التقسيم على أساس الحواجز حاجة.

ولقد حاول بعض الموسيقيين أن يستحدثوا انقلابًا أوسع نطاقًا، بتقسيم السُّلم إلى أربع وعشرين درجة، كما هي الحال في كثير من السلالم الشرقية. وليس في هذا التقسيم الجديد أي خطر؛ إذ إن الأذن تستطيع أن تميِّز «ربع» الصوت بسهولة. وهكذا تصبح إمكانيات اللحن والهارموني لا متناهية في هذا النظام الجديد، ولكن ينقص هذا الانقلاب بناء نظام موسيقي كامل، وخاصةً في ميدان الهارموني، يتناسب مع ذلك الميدان الجديد للموسيقى. ومن العقبات التي تعترضه كذلك ضرورة تعديل كثير من آلات الأوركسترا الغربية؛ فالبيانو والآلات الهوائية سيُعدَّل تركيبها على هذا الأساس تعديلًا أساسيًّا، وتختلف طريقة العزف عليها اختلافًا تامًّا، ويبدأ الفنانون في كشف طرقِ جديدة تناسب النظام الذي ابتكروه. وليس كل هذا مستحيلًا أو غير معقول، ولكنه سابق لأوانه إلى حدٍّ ما؛ إذ إن سُلَّم شونبرج ذا الدرجات الاثنتي عشرة المتساوية، ما زال منطويًا على إمكانياتٍ عديدة لم نحقق منها بعدُ شيئًا.

والنتيجة لهذا كله أن تنتج مادة صوتية خام قد لا يجد فيها كثير من المستمعين إلا صخبًا وجلبة. غير أن الفنان المتحمِّس لها يرى فيها ارتيادًا لمناطق مجهولة في ميدان الأصوات الموسيقية لم يكشفها أحدٌ من قبل؛ فإذا أصررت على أن تستمع إلى الموسيقى من خلال علم النفس؛ أي من حيث هي معبِّرة عن مشاعر معينة، فلن تجد لتلك الموسيقى أي معنًى. أما إذا شئت أن تستمع إلى موسيقى خالصة لا تهدف إلا إلى ذاتها، فستجد في ذلك الانقلاب الحديث خير ما يكفُل لك هذه المتعة الجمالية الخالصة.

فالموسيقى الخالصة مقتصرة على ذاتها، بعيدة عن الإهابة بأي موضوع خارجي معيَّن. وهي — إن شئنا أن نطلق عليها اسمًا فلسفيًّا — «موضوعية» تنظر إلى المعنى المادي أو العاطفي الذي يمكن أن تشير إليه الألحان نظرة محايدة. والواقع أن هذا الانقلاب إنما هو مَثَلٌ من أمثلة ثورة الروح الحديثة على الخلط بين الفنون كما شاع في العصر الرومانتيكي؛ فقد أخذ كل فنٍّ يتجه إلى أن يصبح «خالصًا»؛ أي مقتصرًا على ذاته، منفصلًا عن غيره من الفنون، لا يهيب بشيء؛ فأنت ترى اليوم شعرًا خالصًا، ورسمًا خالصًا، وموسيقى خالصة (ومما له دلالته هنا أن سترافنسكي وبيكاسو قد أصبحا صديقين حميمين في النهاية، وأنهما تعاونا سويًّا في تأليف باليه راقص هو «بولتشينللو»)؛ فكل فن من هؤلاء يسعى إلى الاستقلال عن غيره، وإلى أن يتخذ له من ذاته وحدها غاية؛ أي إن الموسيقى لم تَعُد تسعى إلى أن تثير في ذهنك معاني شعرية، أو صورًا مادية — ومن هنا كان عصر فاجنر وديبوسي يُعَد عتيقًا بالنسبة إلى الفنانين المتطرفين في نزعتهم المحدثة، واستبعد تمامًا عنصر التعبير وإثارة المشاعر — وبعد أن كانت النغمة رمزًا، وعلامة، وطريقة للتعبير مشحونة بمحتوًى وصفي، أصبحت «نغمة» فحسب؛ أي مادة خالصة، ووجودًا يكتفي بذاته ولا يشير إلى شيء.

•••

فإذا انتقلنا إلى الجانب النقدي من هذا البحث، فلنؤكد أولًا أن التجديد الموسيقي أمرٌ لا مفرَّ منه؛ إذ إن تقلُّب القواعد الموسيقية وتطورها في القرون الماضية خير شاهد على ذلك. والواقع أن مؤلفي الموسيقى في الفترة الأخيرة قد أحسُّوا بضيق نطاق قواعدهم القديمة إلى حدٍّ كان كفيلًا بأن يبعث فيهم الجمود. والواقع أيضًا أن كبار الموسيقيين كانوا دائمًا يخرجون عن القواعد المألوفة كلما واجهتهم مشكلة تعبيرية تعجز عن حلها القواعد؛ ففي الحركة الثانية من سيمفونية بيتهوفن الثالثة، وفي الحركة الرابعة لسيمفونية تشايكوفسكي السادسة، وفي مقدمات عديدة لفاجنر، مثل مقدمة «الهولندي الطائر»؛ في كل هذا كانت المعاني التي يعبِّر عنها المؤلِّف أوسع مما تحتمله القواعد الشائعة؛ ولهذا تجاوزوا تلك القواعد وتَعَدَّوها على نحوٍ كان يبدو غريبًا في أعين معاصريهم.

فمن مستلزمات الفن إذن، تلك الحرية والتلقائية التي تؤدي إلى التجديد. غير أن التجديد الذي لا يُقصد منه شيء سوى الاختلاف عن كلِّ ما عُرف من قبل، ليس إلا شذوذًا عقيمًا، ولو وُجد فنان تبلغ أصالته وابتكاره حد الانفصال تمامًا عن التفاهم مع كلِّ مَن يعيش معه، لما استحق منا تقديرًا كبيرًا. ومن هنا رأينا كبار الفنانين يبدءون بدراسة القواعد الموروثة في فنهم؛ إذ هي موجز لتجارِب ذلك الفن الماضية، ولكنهم لا يدرسونها ليتقيدوا بها تقيدًا حرفيًّا، وإنما لكي تتوافر لديهم القدرة على استعمالها استعمالًا حرًّا مجددًا. ومن هنا قيل إن المرء لا يدرس القواعد القديمة في الفن إلا ليتعلم كيف يخرج عنها. ولقد أكَّد شونبرج، وهو صاحب انقلابٍ من أكبر الانقلابات الموسيقية الحديثة، ضرورةَ مرور دارس الموسيقى بالتجارِب الماضية، بحيث لا يتخلَّى عنها إلا تحت ضغطٍ ينبع من باطن نفسه؛ فالحاجة إلى التجديد يجب أن تنشأ عن الشعور بعدم كفاية الصور القديمة، وعن كشف المرء في تاريخ تلك الصور عن ميلٍ نحو وجهة جديدة يحاول هو تحقيقها وإبرازها إلى حيز الوجود؛ فدراسة الماضي إذن ضرورية؛ لأنها تكشف للمرء عن علاقات جديدة توحي لنا بالطريق الذي يجب أن نسير عليه في إعادة بناء تلك القواعد من جديد.

ولكن ما حدث في التطور الأخير للموسيقى هو أن يبحث بعض المؤلفين عن التجديد لذاته، وذلك في مذاهب مختلفة يعبِّرون عنها باسم «المدرسة المجددة» أو «المستقبلية»؛ فهنا يبعُد الفنانون عن كل سابقة تاريخية في الفن، ظانين أن المثل الأعلى للفن هو التجديد بغير حدود. والواقع أنه إذا كان صحيحًا أن كل عمل فني جميل يجب أن يتضمن شيئًا من التجديد، فإن عكس هذه القضية، وهو أن كل جديد جميل، ليس صحيحًا على الإطلاق؛ إذ إن السعي إلى الجِدة لذاتها، في عملٍ لا شرط له إلا أن يكون مختلفًا كل الاختلاف عمَّا وُجد من قبل، يؤدي بنا إلى إنتاج فني عقيم لا جدوى منه؛ فعلينا إذن ألا نثق بالانقلابات الفنية التي تزعم أنها تنكر الماضي كله دفعة واحدة؛ إذ إن تجديداتها ستكون عرضية زائلة، سرعان ما ينتهي عهدها بعد أن يتضح عجزها عن الاندماج في التطور التاريخي للموسيقى.

ومن ذلك النقد السابق يتفرَّع نقدٌ آخر على جانب كبير من الأهمية؛ إذ إن سعي هؤلاء المحدثين إلى التجديد لذاته قد جعلهم ينحدرون إلى مستوى «المجربين» فحسب؛ فأعمالهم «تجارِب» في عالم الموسيقى، يهدف كلٌّ منها إلى كشف عنصر صوتي لم يُكشف من قبلُ. وهنا تتبدَّى لنا صفة أساسية في هذا النوع من التأليف الموسيقي، هو أنه يبدأ ﺑ «نظرية». وأيًّا ما كانت فكرة المرء عن خلق العمل الفني، فسيسلِّم حتمًا بأن نقطة البداية في الإنتاج الفني هي عاطفة أو إحساس معين، لا نظرية عقلية — وهذه العاطفة تؤدي في كثيرٍ من الأحيان إلى التعبير عنها بقواعدَ تُستخلص منها نظرية جديدة — أي إن النظرية نتيجة وليست سببًا؛ فنقطة بداية الفنان «المستقبلي» إذن باطلة؛ إذ يبدأ بأن يقصد ابتداع أسلوب جديد، ولا يكون له من هدفٍ سوى الجِدة في الأسلوب، فيكون الدافع له في إنتاجه دافعًا نظريًّا خالصًا، وتختفي من عمله كل آثار الحساسية الفنية الشعورية. والواقع أن بدء الفنان بوضع منهج تجديدي معيَّن، يعني سبق القواعد على الإلهام، ويعني — فوق ذلك — فهْمًا سيئًا لمهمة علم الجمال؛ فهنا يظن الفنان أن هدف ذلك العلم هو أن يرشد الخلق الفني مقدَّمًا؛ أي أن تسبق القيمُ الفنية عملَ الفنان ذاته وتُفرض عليه مقدَّمًا، بينما الواقع أن العمل الفني ذاته هو الذي يخلق تلك القيم خلال عملية الإبداع؛ فعلم الجمال لا يتحكم في مصير العمل الفني ولا يحدِّد اتجاهاته، بل هو لاحق لعملية الخلق مستمد منها. ولا شك في أن كل نظرية توضع مقدَّمًا، ويكون مكانها خارج تجرِبة الفعل الإبداعي ذاته، تعوق المسار الحر للفنان، ولا تمكِّنه من بلوغ القيم الأصلية التي تكمُن فيه، والتي يتجه إليها تلقائيًّا. حقًّا إن الجمال علمٌ معياري، ولكنه ليس معياريًّا بمعنى أنه يفرض قيم الجمال على الفنان ويوجهه مقدَّمًا، بل بمعنى تحليله وتقنينه لتلك القيم فحسب.

والواقع أن اتخاذ الفنان نقطة بدايته من نظريةٍ معينة، يعني أن إعجابنا به عقلي محض؛ فعن طريق التحليل العقلي وحده نصل إلى تقدير مَن يأتي لنا بنظرية جديدة أو بكشفٍ مبتَكر في ميدان الموسيقى. ولكن الحقيقة أن هذا التقدير العقلي إنما يكون الأساس الخلفي للعمل الفني؛ لأن النظرية تمهيد للخلق الفني وليست أساسًا لإعجابنا به. ولقد شبَّه أحد الكتاب الموسيقيين ذلك الاهتمام بالأساس العقلي للموسيقى بأنه أقرب ما يكون إلى اهتمام المرء — عند تأمُّله منظرًا مسرحيًّا بديعًا — بالأساس المادي الذي يجري وراء المسرح، بحيث يظل يفكِّر طوال الوقت في الأسلاك والأجهزة الكهربائية والحبال والأصوات المختلفة التي تدور خلف المسرح، وينتج عن تأثيرها هذا المنظر الذي يشاهده؛ فإعجابنا العقلي لا يجب أن يطغى بأي حال على تقديرنا النهائي للإنتاج الفني في صورته التامة؛ أي كما ينتقل إلى آذاننا على أكتاف النظرية العقلية الممهِّدة له.

ونتيجة ذلك أن أصبح كثير من موسيقيينا اليوم يفتقرون إلى العنصر الأساسي لكل إنتاج فني، وهو الإلهام. وأيًّا ما كانت نظريتك في تفسير الإبداع الفني فستعترف — ولا شك — بأهمية هذا العنصر الغامض الذي لا نملك عنه إلا تعبيرات شعرية غير دقيقة. هذا العنصر كان دائمًا القوة الأولى الدافعة لكبار الموسيقيين؛ فعلى الرغم مما كان يجده فنان مثل بيتهوفن من عناء في الخروج بألحانه إلى الصورة التي نلمسها، وعلى الرغم من طول الوقت الذي كان يستغرقه تأليف سيمفونية عند برامز، على الرغم من ذلك فإن هذا العناء كان، في أغلب الأحيان، راجعًا إلى صقل القطعة وتهذيبها، وإلى إخراجها على الصورة النهائية التي تصل بها إلى آذاننا، أما التيار الأصلي لها، والاتجاهات الأولى للحن، فغالبًا ما كانت تصدر مستقلة عن كل نظرية سابقة عن طريق مفاجئ هو الذي اصطلحنا على تسميته بالإلهام.

وتكاد هذه الطريقة في التأليف الموسيقي تقرب من الاختفاء اليوم؛ فالمؤلفون الموسيقيون يقصرون همهم على الوسائل، لا على الغايات — وهدف كلٍّ منهم هو أن يبحث عن مادة صوتية موسيقية جديدة، دون أن يفكِّر في كيفية الاستفادة من المواد الهائلة التي توافرت للموسيقى الحديثة بعد كشوفها الأخيرة.

ولقد أدَّى هذا الاهتمام المفرط بالوسائل إلى أن غابت عن أذهاننا فكرة المعنى النهائي للإنتاج الموسيقي؛ ففي إزالة شونبرج لكل حاجز بين أنصاف الأصوات، اختفى العنصر الذي يضفي «النور» على القطعة الموسيقية؛ فحين تصبح درجات السُّلَّم كلها متساوية الأهمية، تكتسي كل أصواتها لونًا باهتًا غامضًا لا يميِّز بين الواحدة منها والأخرى؛ فأساس التنوُّع في ألوان الموسيقى السائدة في القرن التاسع عشر، هو اتباعها نظام سُلَّم تتفاوت درجاته أهمية، مما يؤدي إلى أن تتخذ حركة كل قطعة معنًى معينًا يمكن تغييره كما يشاء خيال الفنان. والواقع أن مساواة شونبرج بين الأصوات الكروماتيكية كلها، يذكِّرنا بفكرٍ مثل فكر برجسون؛ إذ يرفض الموسيقي تقييد حركة التحوُّل الموسيقية الحرة في مقولات أو صور أولية سابقة، تُفرض على التدرُّج النغمي وتتحكَّم فيه؛ ففي تلك الموسيقى تحوُّل دائم لا يعوقه العقل في شيء. غير أنه إذا كانت هذه الصيرورة المستمرة جائزة في ميدان التفكير الفلسفي، فهي في ميدان الموسيقى تغيير خطير للعناصر الأساسية في لغتها، وإبدال حروف جديدة بحروفها المألوفة، وإن كنا لا نعلم يقينًا ما إذا كان التأثير الصوتي لمجموعات هذه الحروف الجديدة يؤدي إلى جُمل موسيقية أعمق في معناها من الجمل القديمة أم لا. وعلى أي حال فالموسيقى الحديثة — باعتراف مبدعيها — لا تعبيرية، فإن ظلَّ المرء يسعى إلى أنغامٍ ذات محتوًى نفسي معيَّن، فلن يجد في تلك الموسيقى شيئًا، وإنما عليه أن يحصر إعجابه الفني بها في نطاقٍ نغمي خالص لا تشوبه أية شائبة نفسية. والنتيجة المباشرة لهذا أن تصبح الموسيقى ضجة مسلية، فيها توثُّب وحياة، ولكنها لا تعبِّر عن شيء. وهذا هو حقًّا ما تشعر به وأنت تسمع كثيرًا من قطع سترافنسكي مثلًا؛ فهي أشبه بالطبيعة في سذاجتها السعيدة، وفي عدم اكتراثها كلَّ معنًى ومدلول يضفيه عليها عقل الإنسان؛ ومن هنا سُميت قطعة مثل «طقوس الربيع»، باسم «مزامير الأرض»، وليس في هذا ضير على تقديرنا لمثل هذه الموسيقى، غير أن ما يهمنا هنا هو أن دلالة الفن الموسيقي قد اختلفت، وأصبح التعبير عنصرًا غريبًا عنه لتحل محله كشوفٌ تنتمي — قبل كل شيء — إلى مجال الصوت الخالص.

ولسنا نود أن نطيل في وصف مظاهر استغلال هذا الانقلاب الموسيقي استغلالًا سيئًا، وإنما يكفينا أن نشير إلى ما شاع في الموسيقى الحديثة من العودة إلى الإيقاعات البدائية وإلى سيادة آلات الدق والطبول على حساب بقية الآلات، إلى ما عمد إليه الأمريكيون من الإفراط في الغرابة والشذوذ، كأن يؤلفوا «كنشرتو» للآلة الكاتبة مع الأوركسترا، وقطعًا موسيقية تُطلَق في وسطها طلقات نارية، أو تأليف قطع راقصة آلية، تؤديها الآلات الحالية عن طريق الكهرباء لا عن طريق العزف الإنساني عليها. ونحن هنا لا نرمي إلى الحط من قدْر الموسيقى البدائية لذاتها، بل نكتفي بالإشارة إلى أنها وُضعت في مجتمع معيَّن لأجل ذلك المجتمع ذاته، وإلى أن إنكار التقدُّم الفني خلال عشرات القرون والعودة إلى حالة بدائية أمرٌ لا مبرر له على الإطلاق بعد تطور الذوق الموسيقي كل هذا التطور. أما العزف الآلي فتجرِبة ثبت إخفاقها؛ إذ إن كلَّ ما وصلت إليه الآلة هو أن تحفظ فن الإنسان وتسجله، كما في الأسطوانات الموسيقية، أما أن تَحُلَّ محل الإنسان في العزف، فهذا ما يؤدي بالفعل إلى تدهورٍ لا إلى تقدُّم؛ فالموسيقى، قبل كل شيء، حديثُ إنسان لإنسان.

كذلك أود أن أشير من بعيدٍ إلى ما أدَّت إليه الموسيقى الحديثة من تعقيد متكلَّف؛ ففي بعض موسيقيي اليوم نزعةٌ إلى التعقيد لذاته، يُخْفون بها عجزهم عن الابتداع والابتكار، ويُغرقون السمع في خضمٍ من التركيبات العويصة، حتى لا يُكشف افتقارهم إلى الهدف الصحيح؛ ففي هذا الغموض المتعمَّد يعجز المرء عن الحكم على العمل الفني حكمًا صادقًا وسط تعقيد الأداء، وما على المؤلِّف إلا أن يضيف إلى تيارات الموسيقى طبقات أخرى عديدة، ويأتي بما يخرج عن المألوف في الهارموني، ليشغل السامع بغموض القواعد عن تقدير قيمة عمله الفني كاملًا.

•••

ولهذا البحث هدفٌ لا بُدَّ من إيضاحه بعد عرض مظاهر الانقلاب الموسيقي، هو عدم إمكان الحكم على ذلك الانقلاب على نحوٍ نهائي ثابت؛ ففي التجديدات الموسيقية الجزئية السابقة، كنا ننعت مَن يتمسَّك بالقديم وينكر الكشوف الجديدة بالتحجُّر والجمود؛ لعجزه عن مسايرة التطور. أما في هذا الانقلاب الحديث الشامل، فليس لنا أن نصف بالعجز مَن لم يتابعه؛ إذ إن من صفات الانقلابات التي يمكن متابعتها، أن تتدرج على نحوٍ معقول. وليست الثورة الفنية كالثورة السياسية تشتعل فجأة (وإن كان لهذه الأخيرة ذاتها مقدماتها البعيدة في كل الأحوال)، بل تتغيَّر القواعد تدريجيًّا كلما تهيأت لها الأذهان. وقد نصف الانقلاب الموسيقي الحديث بأنه مفاجئ وعنيف، وبأن المقدمات السابقة عليه لم تمهِّد له تمهيدًا كافيًا؛ فإذا شئنا أن نتجاوز عن هذا القدْر من المفاجأة، ونحاول مسايرة ذلك الانقلاب، فليس لنا، مع هذا، أن نلوم مَن لم يتابعه بنفس سرعته. وتلك صفة يتميز بها التطور الأخير وحده للموسيقى. أما التطورات السابقة فكانت كما قلنا، متدرجة لا عذر لمن لم يسايرها.

وأخيرًا، فقد يلمس المرء هنا قدْرًا من عدم الرضا عن بعض الاتجاهات المتطرفة في الموسيقى الحديثة، ويتساءل: ما الحل إذن؟ الواقع أن فترة الانقلاب العنيف يجب أن تنتهي؛ فقد فُتحت أمامنا الآفاق الجديدة، ولم يستغل الموسيقيون بعدُ كل إمكانياتها حتى يحاولوا تجاوزها. ومهمة الموسيقى الآن هي أن تقوم بعمليةٍ أغفلها ذلك الانقلاب عامدًا، وهي إدماج الكشوف الجديدة في التراث القديم؛ فقد اكتفينا بما اكتشفناه، وأصبح علينا أن نجني ثمار هذه الكشوف بقدْر طاقتنا، ونقوم بعملية تمثيل تهضم تلك المادة الجديدة وتدمجها بكياننا الموسيقي الكامل. وهنا نرى أنفسنا نسير في اتجاهٍ مماثل لذلك الاتجاه المجيد الذي سار فيه من قبلُ أقطاب الموسيقى الكلاسيكية، ولكن مع سعة في المادة التي أصبحت في متناول أيدينا. وهنا أيضًا نجد أسماء وضاءة لامعة تنير لنا الطريق الذي يجب أن نسير فيه: أسماء ديبوسي ورخمانينوف وسيبيليوس وبروكوفييف وشوستاكوفتش، الذين عرفوا كيف يمزجون كشوفهم بالتقاليد النافعة الماضية، ويقدِّمون إلى العالَم فنًّا مبتكرًا لا ينفصل عن التطور الموسيقي الغابر.

١  «مجلة علم النفس»، فبراير ١٩٥٢م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠