موسيقى وآلات وضجيج١

كلنا نعرف أن الواسطة التي تُستخدم في نقل الأنغام الموسيقية إلى آذان السامعين تُسمَّى «آلة»، وأن الفرقة الموسيقية تضم عددًا يقل أو يكثر من «الآلات» التي يؤدي كلٌّ منها دورًا معينًا في عملية النقل هذه. ومع ذلك فقد كنا، في لغتنا العربية غير موفَّقين على الإطلاق في اختيار اسم «الآلة» للدلالة على هذه الواسطة الموسيقية، وكان الناطقون باللغات الأجنبية أدقَّ منَّا كثيرًا حين عبَّروا عن هذا المعنى بلفظٍ تترجمه كلمة «الأدوات» الموسيقية؛ ذلك لأن الآلة هي قبل كل شيء جهاز أو نظام لديه القدرة على أداء وظيفته على نحوٍ تلقائي إلى حدٍّ ما. وأهم ما يميز الآلة من الأداة أن الأولى مستقلة عن الإنسان، بينما الثانية امتداد طبيعي لقواه وقدراته الخاصة. صحيح أن استقلال الآلة عن الإنسان لا يمكن أن يكون تامًّا؛ لأن أدق الآلات الإلكترونية ما زالت تعتمد في إدارتها وتوجيهها على الإنسان، ومع ذلك فإن لدى الآلة قدرة ذاتية على أداء وظيفتها والسير في عملياتها بأدنى حدٍّ ممكن من تدخُّل الإنسان. ومن هنا كان من الخطأ الشديد استخدام اسم «الآلة» للدلالة على الواسطة الموسيقية؛ إذ إن ما نسميه بالآلة الموسيقية ليس في واقع الأمر إلا أداة تطيع الإنسان كأحسن ما تكون الطاعة، ولا تملك في ذاتها من حولٍ ولا قوة إلا بما تمليه عليها أصابع الفنان الماهر من أوامر — صادرة بدورها عن حسِّه وذوقه المرهف — تلبِّيها «الآلة» طائعة مختارة.

وإذن فنحن حين نتحدَّث عن صلة الموسيقى بالآلة، لا نقصد صلتها بتلك الواسطة أو الأداة التي تحرِّكها أنامل الإنسان كيفما شاءت، وإنما نقصد صلتها بالآلة بمعناها الصحيح؛ أعني تلك «الماكينة» الخرساء التي تملك القدرة على أداء أعمالها بنفسها مستقلة — بدرجات متفاوتة — عن الإنسان.

إننا نعيش دون شك في عصر الآلة، بل إن عصر الآلة ليرجع، على أقلِّ تقدير، إلى أكثر من قرنين من الزمان؛ فلماذا لم يبدأ تأثير هذه النزعة الآلية في الظهور بصورة واضحة إلا في القرن العشرين، مع أن عصر الصناعة نفسه، وعصر سيادة النزعة الآلية قد بدأ منذ أواسط القرن الثامن عشر على الأقل؟ قد لا يرى البعض في هذا الفارق الزمني إلا مظهرًا من مظاهر تأخُّر الظواهر الحضارية في الاستجابة للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية. ولكن حقيقة الأمر هي أن التعقيدات الآلية الكفيلة بالتأثير في فنٍّ كالموسيقى وكذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي مهَّدت الأذهان لقبولِ أشد التجديدات تطرُّفًا، لم تظهر بوضوح إلا في القرن العشرين. وهذا هو السبب الحقيقي لذلك التأخُّر الظاهري في استجابة الموسيقى لنداء الآلية، ذلك النداء الذي سبقتها في الاستجابة إليه كثير من علوم الإنسان وفنونه.

ففي تلك الفترة الغريبة من فترات تاريخ الفن؛ أعني في الربع الأول من القرن العشرين، ظهرت أول دعوة إلى صبغ الفن الموسيقي بصبغة متأثرة بالنزعة الآلية. وكان على رأس أصحاب هذه الدعوة جماعة أطلقت على نفسها اسم «جماعة المستقبليين» في إيطاليا، وأبرزهم «لويجى روسولو» و«باليلا براتيلا»؛ ففي عام ١٩١٣م بعث الأول إلى الثاني برسالة حوت خلاصة آرائه، وعُدَّت وثيقةً لهذه المدرسة الفنية، حتى سُمِّيت ﺑ «بيان المستقبليين»؛ في هذه الرسالة قال روسولو: «لقد وُلد الضجيج في القرن التاسع عشر، باختراع الآلات. واليوم أصبح الضجيج ظافرًا، وكُتبت له السيادة على حواس الإنسان … فنحن نزداد اقترابًا بالتدريج من موسيقى الضجيج … وعلينا أن نحرِّر أنفسنا من ربقة هذه الحلقة الضيقة من الأصوات الموسيقية الخالصة، وأن نغزو تلك الأرض المترامية الأطراف إلى ما لا نهاية، أرض الأصوات ذات الضجيج.»

وختم روسولو بيانه بقوله: «على موسيقيي المستقبل أن يوسِّعوا على الدوام ميدان الصوت ويزيدوه ثراءً … فلنطلب إلى موسيقيينا الشبان، ممن يتصفون بالجرأة والعبقرية، أن يصغوا بانتباهٍ إلى كل أنواع الضجيج؛ حتى يمكنهم أن يدركوا الإيقاعات المتنوعة التي تتألَّف منها، ويميِّزوا بين أنغامها الرئيسية والثانوية … ولقد كان اقتناعي بأن الجرأة تجعل كل شيء مشروعًا وممكنًا، هو الذي دفعني إلى تصوُّر ذلك التجديد الهائل للموسيقى، عن طريق فن الضجيج.»

مثل هذه الأفكار قد تبدو جنونًا مطبقًا، وهي بالفعل كانت كذلك في نظر الكثيرين، بدليل أن استقبال جمهور باريس لحفلات هؤلاء «المستقبليين» الموسيقية بما فيها من قرقعات وصدمات وهمسات وصرخات، بلغ من العداء حدًّا اضطُر معه «المجددون» الإيطاليون إلى تقسيم أنفسهم فريقين: فريق يواصل أداءه على المسرح، والآخر يصد هجمات الجمهور الساخط ويشتبك معه في معارك حدثت فيها بالفعل بعض الإصابات!

غير أن هذه الاتجاهات تُؤخذ في كثير من الأحيان مأخذ الجد في عصرنا هذا، وتُقدَّم لتبريرها نظريات جمالية توهم المرء أحيانًا بأن في الأمر فنًّا جديدًا يستحق الاهتمام والتقدير.

ولقد بلغ هذا الاتجاه قمَّته في «الموسيقى الإلكترونية» التي تعتمد تمامًا على إمكانيات الأجهزة الصوتية الحديثة، ولا سيَّما آلة التسجيل المغناطيسي، في إنتاج أنواع جديدة غير معروفة من قبلُ من المؤلَّفات الموسيقية. وتستطيع أن تجرِّب بنفسك صورة بسيطة لما يقوم به هؤلاء الموسيقيون إذا سجَّلت صوت صفير القطار، مثلًا على شريطٍ بسرعة معينة، ثم أعدت سماع هذا التسجيل بسرعة مختلفة، عندئذٍ تكتشف صوتًا جديدًا مختلفًا كل الاختلاف عن الصوت الأصلي، وقد يكون مختلفًا عن كل ما تسمعه في البيئة المحيطة بك من الأصوات. وما هذا، كما قلت، إلا مَثَل شديد التبسيط لإمكانيات الشريط الإلكتروني الصوتية؛ فقد استطاع أصحاب هذا الاتجاه أن يستخلصوا منه، بطريقة آلية، أصواتًا من كل نوع، وذلك بشطر الشريط، ورفع الأصوات وخفضها إلكترونيًّا، والجمع بينها وبين أصوات آلات موسيقية مألوفة، وتأليف مقطوعات يشترك فيها الشريط التسجيلي مع الأوركسترا. كانوا في هذا كله يبحثون، كما يقولون، عن اللاشعور، ويتغلغلون صوتيًّا في عالمٍ مجهول حافل بإمكانيات لا حد لها.

وقد تميَّزت في هذه الموسيقى الإلكترونية مدرستان: مدرسة كولونيل، بألمانيا، وعلى رأسها «شتوكهاوزن»، ومدرسة نيويورك، وعلى رأسها «جون كيج». أما الأول فقد بلغ به التحمُّس لتجديداته حدًّا جعله يؤكد أن قاعات الموسيقى الحالية لا تصلح ﻟ «عصر الفضاء» الذي نعيش فيه، وأن من الواجب أن تأتي الموسيقى في المستقبل إلى المستمع من ستة اتجاهات: من أمامه وخلفه وفوقه وتحته ومن الجانبين. وهكذا وضع تصميم مسرح يجلس فيه المستمعون معلِّقين في رصيف مركزي، وكأنهم في جزيرة تحيط بها الأصوات الإلكترونية من كل جانب. وأما زميله الأمريكي فهو أقدم منه عهدًا في الإغراب؛ إذ بدأ يتحدث منذ العقد الرابع من هذا القرن عن الإمكانيات الصوتية الهائلة التي لم يستطلعها الإنسان أو يقترب منها بعدُ، ويتصور الموسيقى على أنها طريقة للإصغاء إلى إيقاع نفس هذه الحياة التي نحياها؛ فيكفي أن يستمع الإنسان وهو يسير في شوارع مدينة حديثة، أو يعمل في مصنع حديث، إلى الأصوات المحيطة به من كل جانب، ليدرك أن العصر الذي نعيش فيه يأتينا بأصواتٍ وإيقاعات لم تعرفها العصور السابقة قطُّ، وأنه بالتالي يقتضي موسيقى تختلف عن كل ما عرفته الأذن البشرية من قبلُ.

ويتخذ هذا التجديد الموسيقي المتطرف شكلًا ثالثًا يبدو مضادًا تمامًا للشكلين السابقين: ذلك هو ما يُسمَّى بالموسيقى العينية concrete وهو نقل الأصوات الطبيعية مباشرةً، دون أي تعديل أو تهذيب. وإنه لمن الغريب حقًّا أن يسير أنصار التجديد المتطرف في مثل هذه الاتجاهات المتعارضة في آنٍ واحد؛ أي أن يستطلعوا إمكانيات الآلات الإلكترونية، وهي أعقد ما وصل إليه الإنسان من المخترعات، وينقلوا في الوقت ذاته أصوات الطبيعة في بساطتها وبدائيتها وسذاجتها. غير أن هذا الجمع بين الأضداد ليس بالأمر المستغرب؛ فأحدث اتجاهات الرسم والنحت؛ أعني تلك التي ظهرت في ظل أشد درجات التعقيد، تذكِّر المرء بالرسوم والتماثيل البدائية في الكهوف القديمة، أو تبدو في بعض الأحيان أشبه بأعمال طفل ذكي خصب الخيال. وموسيقى «الجاز» التي تزدهر بدورها في أشد مجتمعات البشر تعقُّدًا وتصنيعًا، تزخر هي الأخرى بإيقاعات الغابة وصرخات الإنسان البدائي، والأمثلة كثيرة على أن الإنتاج الحضاري كثيرًا ما يدور دورة كاملة بحيث تتلاقى أعقد النهايات بأبسط البدايات في مركَّب واحد متكامل. وهكذا ظهرت «الموسيقى العينية» المستمَدة من تلك الأصوات التي نصادفها في حياتنا اليومية المعتادة. ومن المعروف أن كثيرًا من الموسيقيين كانوا يستعينون بأصواتٍ طبيعية أو محاكية للطبيعة في مؤلفاتهم، كأصوات الطيور في سيمفونية بيتهوفن السادسة، وفي مقطوعة «أشجار الصنوبر في روما» لرسبيجي، وغيرها من الأصوات الطبيعية في سيمفونية «لعب الأطفال» لهايدن. غير أن الأصوات الطبيعية تقوم في الموسيقى العينية المعاصرة بدور مختلف كل الاختلاف؛ فهي ليست عنصرًا عابرًا في القطعة الموسيقية، وإنما هي العنصر الأساسي فيها، وهي المحور الذي يدور حوله التأليف الموسيقي، بحيث يتعيَّن على الفرقة الموسيقية أن تضم، من أجل أداء هذه الأصوات، مجموعة غريبة من الأدوات، كالمطارق والصفائح الفارغة والصفارات والأواني … إلخ.

هذه الاتجاهات المفرطة في غرابتها تقدِّم من النظريات لتبرير ذاتها أكثر مما تقدِّم من الإنتاج الفني ذاته. والحق أننا نستطيع أن نقول إن قيمة المدارس الفنية تتناسب — إلا في حالة قليلة — تناسبًا عكسيًّا مع مقدار ما يقدِّمه أصحابها لتبريرها من النظريات؛ ذلك لأن العمل الفني الرائع يبرِّر نفسه بنفسه، ولا يحتاج لتبريره إلى الكثير من الدفاع والمرافعة، أما العمل الهزيل فهو الذي يحتاج حقًّا إلى مدافعين ومحامين يقدِّمون إليه أساسًا عقليًّا يعوِّض شيئًا من تفاهته الفنية. ومن الأخطاء الشائعة التي يتعرَّض النقاد للوقوع فيها أنهم يخلطون في كثير من الأحيان بين الأساس النظري الذي تقدِّمه مدرسة فنية معينة لأعمالها وبين قيمة هذه الأعمال ذاتها، مع أن الأمرين منفصلان تمامًا؛ فقد يكون هذا الأساس النظري سليمًا متينًا، وقد تكون الفلسفة الكامنة فيه عميقة كل العُمق، ومع ذلك يظل العمل الفني المبني على هذا الأساس هزيلًا من جميع الوجوه؛ ذلك لأن سلامة النظرية الجمالية التي يقوم عليها عمل فني ما، لا تضمن أبدًا جمال هذا العمل ذاته، وإنما المعيار السليم الذي ينبغي الحكم على العمل الفني من خلاله هو معيار النقد الداخلي، والتذوُّق الجمالي من خلال تجرِبة فنية كاملة، لا من خلال التفكير النظري في الأُسس التي قام عليها.

وهكذا نجد لهذه الاتجاهات الموسيقية فلسفة جمالية نستطيع أن نَعُدُّها سليمة إلى حدٍّ بعيد، وإن لم تكن مع ذلك قادرة على أن تبرِّر لأذواقنا ما يقوم على أساسها من أعمال فنية. وأقوى هذه المبررات النظرية هو الإهابة بتاريخ الفن الموسيقي لإثبات أن التجديدات الجريئة كانت مكروهة ومذمومة في عصورها في معظم الأحيان، ولكنها أصبحت في العصور التالية مقبولة ومستحبة، بل أصبحت تمثِّل التراث التقليدي الذي يدافع عنه معاصروه ضد موجة التجديد التالية. إن العالم اليوم يتخذ من موسيقى بيتهوفن مثالًا واضحًا للتراث الموسيقي النقي السليم، ولكن كيف كان معاصرو بيتهوفن ينظرون إليه؟ لقد وصف أحد النقاد المعاصرين له سيمفونيته الثانية — وهي من أقل أعماله جرأة وتجديدًا — بأنها «أشبه بوحش مفترس، أو بأفعوان قبيح جريح يأبى أن يسلِّم الروح، ورغم أنه ينزف بغزارة في الحركة الأخيرة، فإن ذَنَبه يظل يضرب كل ما يوجد حوله بوحشية.»

وقال عنه ناقد آخر: «إن مؤلفاته تتخذ على الدوام طابع الإغراب المتعمَّد … ومعظم ما ينتجه يصل في غموض تركيبه وامتلائه بالتوافقات الصوتية الغريبة والمنفرة حدًّا يُحار معه الناقد بقدْر ما يرتبك السامع.» هذان النقدان كُتبا في عامي ١٨٠٤م و١٨٢٤م على التوالي، وهما إن دلَّا على شيء فإنما يدلان على أن من الأمور الشائعة أن يسخر الناس من أي شيء لا يوافق ذوق العصر؛ فقد ظنَّ الناس أن بيتهوفن مجنون لأنه لا يكتب الموسيقى كما كتبها السابقون عليه، وكثيرًا ما وُجهت انتقادات مماثلة إلى برليوز وشوبان وفاجنر وغيرهم. وقد شاع استخدام لفظ «الضجيج» للدلالة على كل اتجاه موسيقي مجدِّد، وانتشر هذا اللفظ بين نقاد فاجنر وليست وديبوسي، حتى أصبح في نظر الكثيرين رمزًا معبِّرًا عن هذا النوع من الموسيقى. ومع ذلك فقد دخل هؤلاء كلهم التاريخ، وتمكَّنت الأجيال التالية من تذوُّق أعمالهم بسهولة، وأصبح ما كان يبدو ضجيجًا، جزءًا من تركيب الآذان الموسيقي، إن جاز هذا التعبير. ومن هذا يخلص الموسيقيون المستقبليون والعينيون والإلكترونيون إلى نتيجة هامة: هي أن المستقبل كفيل برد اعتبارهم وبتعويد آذان الناس على ما يبدو لها اليوم ضجيجًا لا معنى له.

ويلجأ أنصار هذا النوع من التجديد الموسيقي إلى مبرِّرات أخرى مستمدَّة من طبيعة العصر الذي نعيش فيه؛ ففي عِلم الطبيعة المعاصر، وفي فيزياء الكم على وجه الخصوص، يسود مبدأ «اللاتحدُّد»، وقد استعار هؤلاء المفكرون الموسيقيون هذا اللفظ، كما استعاروا لفظ «عدم القابلية للتنبؤ» من نفس المجال أو من نظريات علم الإحصاء؛ ليقدِّموا إلينا بناءً على تفسيرٍ باطل لهذه الأفكار، موسيقى «عشوائية»، تتميز بعدم التحدُّد، وبأنها لا تقبل التنبؤ بما يمكن أن يحدث فيها. وإذا كان من أوضح العيوب التي يوجِّهها النقَّاد إلى ملحِّن أنه يأتي بالألحان «كيفما اتفق»؛ فقد أصبحت «كيفما اتفق» هذه فضيلة في نظر هؤلاء الفنانين؛ فهم يرفضون مبدأ انتقاء الأصوات واختيار ما يلائم خاطرًا محدَّدًا في ذهن الفنان، ويدعون إلى أن يقبل المؤلِّف الموسيقي الأصوات التي تحيط به من كل جانب، ويجمع بينها في عمله، بغض النظر عن كونها تؤلِّف كلًّا منسجمًا أم لا. ونستطيع أن نتصوَّر الناتج النهائي إذا عُدنا بأذهاننا إلى أصوات الفرقة الموسيقية قبل العزف، حين يتمرَّن كل عازف على حدة أو يضبط أوتار آلته. في هذه الفترة، التي تسبق العزف المنظَّم، توجد «موسيقى عشوائية» من ذلك النوع الذي يثير إلهام بعض الفنانين المعاصرين ويوحي إليهم بإمكانيات جديدة في عالم الأنغام، إمكانيات تتلاءم، على حدِّ قولهم، مع طبيعة العصر الذي نعيش فيه، بما يتضمنه من نظرياتٍ تقوم على الصدفة واللاتحدُّد والعشوائية؛ فالعلم الحديث، كما يفهمونه، يفتح أمامنا أبوابًا ينبغي ألا نتجاهلها، وإنما الواجب أن نستغلها بقدْر استطاعتنا.

فما هي النتائج المحتملة لهذه التجديدات المتطرفة في الموسيقى، إذا نجحت بالفعل تلك الخطط الطموحة التي وضعها أصحابها؟ إن من نتائجها الممكنة أن تَحُلَّ الآلات الكهربائية والإلكترونية محل الأدوات الموسيقية اليدوية الحالية. ومعنى ذلك أن يتضاءل بالتدريج دور القائم بالأداء في الموسيقى، بل يصبح مؤلِّف الموسيقى هو ذاته عازفها ومؤديها، وتغدو واسطة الموسيقى هي الشريط التسجيلي بإمكانياته اللامتناهية، بل إن البعض ليذهب إلى حد القول بأن نجاح الآلات الإلكترونية كفيل بجعلها أفضل وسيلة لأداء الموسيقى التقليدية بدورها؛ فمن الممكن محاكاة جميع الآلات الموسيقية المألوفة بدقة كاملة عن طريق الشريط التسجيلي. ويأتي بعض المتحمسين بأمثلةٍ عديدة لضجر كبار المؤلفين الموسيقيين من عجز العازفين عن متابعة الأفكار العميقة والتعبير عنها بوضوح، فيؤكِّدون أن هذا كله سينتهي عهده عندما تَحُلُّ الآلة الإلكترونية محل العازف في أداء أعمق الأعمال الموسيقية وأصعبها.

مثل هذه الموسيقى تلقي على المستمع مزيدًا من الأعباء؛ فالإمكانيات الصوتية الجديدة تقتضي من الأذن مزيدًا من الجهد النفسي والعضوي معًا؛ حتى تستطيع أن تتابع التعقيدات النغمية الهائلة التي لم تألَف لها من قبلُ مثيلًا. والأهم من ذلك أنها تقتضي من السامع مزيدًا من الفاعلية. صحيح أن الاستماع عملية خلَّاقة دائمًا، غير أن هذا العنصر الخلَّاق يتضاعف في حالة الأنواع الموسيقية المجددة؛ فعلى المستمع أن يجهد خياله ليكشف نواحي الجمال في إيقاعات الطبيعة وأصواتها المألوفة التي قد لا تثير في الأذن العادية أي اهتمام؛ أي أنَّ عليه، بالاختصار، أن يشارك الفنان نفسه مجهوده الخلاق.

وقد يظن القارئ من هذا العرض الذي قدَّمته أنني من المؤمنين بهذا النوع من التأليف الموسيقي أو بمستقبله، ولكن الواقع أن هدفي الوحيد إنما هو التنبيه إلى بعض الاتجاهات الجديدة المفرطة في غرابتها. وفي اعتقادي أن عرض هذه الاتجاهات يكفي، في ذاته، لإيضاح مواطن الضعف فيها، ولإثبات استحالة انتهاء فن عظيم كالموسيقى إلى مثل هذا المصير.

ذلك لأن الموسيقى هي قبل كل شيء «اختيار» لأصواتٍ معينة وسط ذلك العدد اللامتناهي من الأصوات الممكنة التي تحيط بالإنسان من كل جانب، والخطأ الأكبر في مثل هذه الفلسفات الجمالية المجددة أنها تظن الاختيار والتنظيم ضعفًا، وتتوهَّم أن في توسيع مجال الأصوات كيفما اتفق إثراءً لتجرِبة الإنسان الموسيقية. والواقع أن عنصر التنظيم والتهذيب والضبط ليس ضعفًا على الإطلاق، وإنما هو مصدر الجمال في كل عمل فني، وهو الذي يحدِّد الخط الفاصل بين الفن واللافن — إذا أباح لنا القارئ استخدام هذا اللفظ الأخير.

وسأروي، في ختام هذا المقال، قصة برنامج إذاعي طريف استمعت إليه ذات مرة، وينطوي في ذاته على تفنيدٍ حاسم لهذه الاتجاهات المفرطة في غرابتها؛ ففي أواخر عام ١٩٦١م استمعت إلى تسجيل إذاعي منقول عن «البرنامج الثالث» للإذاعة البريطانية، تضمَّن خدعة فنية طريفة قام بها ناقد موسيقي إنجليزي؛ فقد نشر هذا الناقد بين الأوساط الموسيقية خبرًا عن قدوم موسيقي بولندي من أنصار … الاتجاهات الحديثة المتطرفة اسمه بيوترزاك وقال … إنه سيذيع قريبًا قطعة من مؤلفاته مكتوبة لمجموعة آلات الإيقاع وجهاز التسجيل (وهو أمرٌ لا يُعَدُّ غريبًا في مثل هذه الاتجاهات). وبعد بضعة أيام أُذيعت القطعة ولم تكن في الواقع إلا قطعةً زيَّفها مقدِّم البرنامج نفسه، ليس فيها عازف طبول ولا جهاز تسجيل، وكل ما فعله مقدِّم البرنامج هو أنه وضع الطبول أمامه وأخذ يتنقل من واحدة إلى الأخرى يركلها بقدميه أو يدفعها بيديه، كما أخذ يصطنع أصواتًا أمام «الميكروفون»، فينفخ في السماعة أو ينقرها أو «يطرقع» أصابعه أمامها، وبمثل هذا العزف الخادع استمرت القطعة من بدايتها إلى نهايتها.

وبدأت خطابات المستمعين وتعليقات النقاد تتوالى؛ فأعرب معظم المستمعين عن عدم إعجابهم بالقطعة، وإن كان بعضهم قد ذكر أنها فتحت آفاقًا جديدة، غير مطروقة، لآذانهم في عالم الصوت، وأنها كانت تجرِبة شيقة في عالمٍ عذري من الأصوات التي لم تألفها الأذن من قبلُ (وهؤلاء بالطبع هم فئة المتحذلقين الذين يريدون إثبات سَعة أفقهم بأي ثمن، وهم أسهل الناس وقوعًا في مثل هذا الخطأ). أما النقاد المحترفون فقد أجمعوا تقريبًا على أن القطعة ضئيلة القيمة من حيث هي عمل موسيقي، ولكن أحدًا منهم لم يكتشف الخدعة أو يشك في وجودها. ثم كشف صاحب البرنامج عن سر الخدعة، ودعا اثنين من النقاد الذين كتبوا عن هذه القطعة إلى ندوة إذاعية، وكانت وجهة نظر هذين الأخيرين أن النقاد لم ينخدعوا؛ لأنهم أجمعوا على أنها عمل رديء. ولكن الاعتراض الحاسم الذي وجَّهه مقدِّم البرنامج إليهم هو أن النقاد قد رأَوا في تلك القطعة «عملًا فنيًّا» على أية حال، وأصدروا حكمهم على هذا الأساس. وهذه هي المشكلة الكبرى؛ فالموسيقى الحديثة قد وصلت، بفضل هذه الاتجاهات، إلى المرحلة التي أصبح من الممكن فيها أن يُنظر إلى العمل اللافني على أنه عمل فني، وهذا أمر كان يستحيل حدوثه أيام موتسارت أو بيتهوفن. صحيح أن كل عصر كانت له موسيقاه الرديئة، ولكن مثل هذه الخدعة كانت مستحيلة من قبل، ولم يكن من الممكن أن يأخذ النقاد مثل هذه الأعمال الخادعة مأخذ الجد، أو يصدروا حكمهم عليها بوصفها عملًا فنيًّا.

وهذا في رأيي هو التفنيد الحاسم لمثل هذه الاتجاهات التجديدية المتطرفة في الموسيقى، بل في غيرها من الفنون أيضًا؛ فقد تكون الفلسفة الجمالية التي يستند إليها أصحاب هذه المدارس مقنعة أو معقولة، ولكن يظل من الصحيح مع ذلك أن باب الخداع سيُفتح فيها على مصراعيه. وقد يكون معظم هؤلاء الفنانين مخلصين لأفكارهم ولنظرياتهم، ولكن هذه النظريات والأفكار ذاتها لا تستطيع أن تحول دون تسرُّب الأفاقين والمخادعين إلى صفوف الفن، بحيث يظل المستمع أو المتفرج ذاته عاجزًا عن إيجاد معيار قاطع يفصل بين العمل المخلص وبين الغش والخداع. وهكذا فإن إمكان تسرُّب الخداع، والعجز عن إيجاد معيار حاسم يفصل بين العمل الفني والعمل اللافني، هو في رأيي أقوى تفنيد لاتجاهات التطرف المعاصرة، وهو المبرِّر الكافي للعودة إلى النظرة السليمة إلى الفن بوصفه تنظيمًا وتهذيبًا للتجرِبة، وانتقاءً لعناصرَ معيَّنة منها، لا مجرد التقاط عشوائي لأية عناصر صوتية أو لونية أو مادية تدخل في نطاق الإدراك الحسي للإنسان.

١  «الثقافة»، العدد ٢٩، فبراير ١٩٦٤م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠