محصول الشهر

لن ننقي محصول الشهر كعادتنا بل نجوله جولًا كما تفعل أم العيال حين تفرغ خليتها ويستعجلها مكاري المطحنة.

كان بعد ظهر السبت الأسبق مشئومًا، فما بلغت العاصمة حتى قطع عليَّ الطريق بائع صحف يرغبني في شراء «الحديث»، ثم ماشاني ملحًا ملحفًا كأنه من خريجي مدرسة الحطيئة، أو كأنما له عندي ثأر. استعفيت فأبى، خبرته أن محرريها أصحابي وأنها تأتيني كل يوم، فزاده اعتذاري تشدُّدًا وأراني قصيدة من نظم فحل الساحة حليم دموس، وشوَّقني إلى التمتع من شميم عرارها قبل المساء، وما بعد العشية من عرار، والتفتُّ لعَلِّي أرى مَن أستعديه، فلاح لي خبيث لاطئ بالجدار يكركر في الضحك، فعلمت أنه غريمي الذي عبث بي هذا العبث، فتصافحنا وانتهى المشهد الأول.

وأزفت الساعة الخامسة، فشهدت مجمع أمين تقي الدين في مدرسة الحكمة، فإذا بالشعراء ارفضُّوا عنه ولم يبقَ في الميدان إلا سعيد عقل، فسمعت أبياتًا طيبة أنستني بعض بلوتي بقصيدة ابن بلده شاعر البردوني. وركب المنبر الأستاذ السودا وألقى خطابًا عدَّد في ختامه نوابغ لبنان، علمانيين وإكليركيين ولم ينس إلا شيخهم الشدياق، فأدركت أنني أغنِّي في الطاحون … أما إذا كان الأستاذ المِدْرَه قد تقنَّع بقول الحريري: وألبس لكل حالة لبوسها، فهذا شأن آخَر!

وانصرفت إلى حيث واعدت رفيقين صديقين، فالتففنا حول الطاولة كيوم كنَّا في المدرسة، ولكننا لم نتهنأ بذلك المجلس؛ جاءتنا قصيدة حليم دموس، وأبى ظريف إلا أن يطربنا بمطلعها:

فتاة على جمر الغضا تتقلب
أليس لها يا قوم أم ولا أب

فقلت أعوذ بالله من شر شيطانك يا حليم، إن فتاتك هذه مثل سفُّود النابغة الذي نسوه عند الشواء، قد صارت هذه «الفتاة» شاورمة! إن استفهامك من نكبتها.

ظن الخادم أننا نطلب «شاورمة» فجاء بصحن منها، وهذه أول مرة يطعمنا النقد! تعوَّد القوَّالون أن يحملوا الريح سلامهم، أما حليم فجعل الشعر مرساله ووجَّهَه صوب الحجاز والعراق ومصر و… و… ولا عجب فشعر حليم من حوامل الأثقال التي حلت بساحة ابن رجاء.

أما النكبة بهذه القصيدة فقد كُتِبت لسماحة المفتي الأكبر ضيف لبنان، ولا شك أنه استقبلها بصبر جميل مردِّدًا قوله تعالى: قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا. أما أنا فتمثلت عند حلولها بقول الشاعر: «كان الذي خفت أن يكونا»، قلنا: خَلَتِ الجبهة الغربية من الأبطال — جبهة شعراء المناسبات — فإذا بهذا القرم العنيد يكشف عن رأسه متمثلًا بقول ابن العبد: إذا القوم قالوا مَن فتى …

ولم يسقط عنا هذا الحمل حتى قال أحدهم: وحليم قال قصيدة عصماء في حماة، ثم صفعنا بمطلعها:

لاحت على ضفة العاصي ربوع حما
فانزل بساحتها تنزل بخير حمى

فقلت: أهو حمل كوسا وباذنجان؟ وأردت أن أقول شيئًا آخَر فسبقني، وقال: اسمع قوله في مدح السيد موسى عزيز، أحد أركان الجالية الحموية المحتفى بهم.

قلت: قُلْ يا أخي، قُلْ! ليلة مشئومة! اكتمل النقل بالزعرور!

فقال:

سميه موسى كان الصخر فجَّره
ماء وموسى يفجر ماله ديما

قلت: هذا الذي يتكلم شيطانه بالهندية لا ذاك الذي خبرنا عنه علم البلاغة! فحتى متى يقرزم حليم؟ والله لا أدري، ومتى تتحنن عليه ربة النظم؟ العلم عند الله، كنتُ أسأتُ الظن بالراوي ولكن جريدة الشباب الطرابلسية أثبتت هذا الشعر المطهَّم الذي استولى على أمد الركاكة فصحَّ الصحيح وانقطع الرجاء. فإلى القوَّالين ننعي المواليا والدوبيت والدفن في الحازمية «أنفاليد لبنان».

وأشفق عليَّ رفاقي لأنني في حمية أوجبها عليَّ الدكتور الأمير رئيف أبو اللمع، فنفَّسوا عني، وأنا من لحم ودم؛ أَسْمَعوني قصيدة القاضي الشاعر مراد أبي نادر فطابت نفسي وشربت عليها كما كان يفعل الرشيد، ناسيًا أمر الطبيب. تذكرت نفس لبيد واطراد ميميته، فقلت ما أصدق حديث الأمثال: الله لا يبتلي حتى يعين.

وتركت الحانة أبغي عالية فصادفت الصديق الشاعر صلاح اللبابيدي، فلذنا برفرف نتذرَّى بظله من الطش، ثم انتقلنا إلى حيث شربنا القهوة وأنشدني أبياته في رثاء أمين، فسمعت شاعرًا يرثي شاعرًا ويقول فيه ما لا يُقال إلا به، فحمدت مَن جعل ليلي خيرًا من نهاري. حقًّا إن أحكامه لا تُدرَك!

١٢ / ١٩٣٧

(١) هذه طريقتي

عدنا وما كانت روحة بلا رجعة، كما تمنَّاها محبُّو السلامة، فكأنما القضاء سخَّرنا لبقية سهام في جعبته، فإن أصابت فلهذا بريت، وإن طاشت فلتهنأ المستهدفين العافية، ستقول في قولة العوام حين يدخل شباط وفي وجهه الشر: جاء بطبل وزمر.

نعم نعم، وبسيف وترس وتبَّان، فالحياة نضال وصراع.

مَن يلومنا إن اشتقنا إلى حديث «أدبنا وأدبائنا»، قد وقف قلمنا خمسة أشهر لمرض غلبناه بقوة هيكل — غير هيكل الروح القدس — أقل ما يقال فيه: كجلمود صخر حطَّه السيل من علٍ … أما خطتنا فتلك، ونصيحتنا إلى أحبابنا قول بولس الرسول للأعزاب والأرامل: مَن يدفع بتولته للتزويج فحسنًا يصنع، ومَن استطاع أن يحتمل فَلْيحتمل …

قد نقول يا قارئي العزيز: لو عرفنا بدائك لعدناك، أما جوابي لكَ فمن جراب الحدقي في سنَّته الجاحظية: «العالم محجوج والجاهل معذور»، فلو كان مارون عبود شَقَفَة موظف في جمهورية أفلاطون لجاءتك بأخبار وعكته الصحف، ولو كان أكثر من ذلك، وانهزَّ الماء في مصارينه أو عطس مع الصبح، لحسبوا لعطسته ألف حساب، ولكن مارون أديب، وفي لبنان.

وبعدُ، فما لنا وللناس، ما زال الدم نقيًّا، والعقل في الرأس، فأنا وأنت بألف خير، قد لبطت بعزرايل الأرض وعدت إلى مهنتي التي أرى فيها لذات الجاحظ ثلاثها.

•••

قرأت مؤخرًا — والأصح سمعت واحدًا يقرأ — خبر رسالة — في لندرة كما أذكر — نامت في إدارة البريد سنوات، ثم فتشوا عن صاحبها فإذا به قد مات، فهل ترى بين موضوعي وتلك الرسالة الكهفية بعض النسب؟ المرض عذر مقبول، ودروس الأدب ليست أخبارًا محلية، ولا سندات تجارية يبطلها مرور الزمن، فاعذرني إذن إن حدَّثْتُك اليوم عن معركتين.

كان للشهر في هذا العام موسمان: الأول مع موسم البلح في مصر، والآخَر مع المشمس اللوزي في لبنان، أما الذي وافق موسم البلح فكان يوم عرس جلالة الملك فاروق، وخير ما قيل فيه قصيدة المهندس طه، وهي معارضة لقصيدة الشريف الرضي القافية التي عارض بها رائية البحتري:

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر

أما في النثر فقد جلى أمين نخلة — مندوب لبنان — إلى فرحة صاحب الجلالة، فأزرت خطبته بالكلام المنظوم، وقامت دليلًا على أن النثر يماشي الشعر في لبنان، وأن لنا في كليهما قدحًا أعلى. كانت خطبة أمين سلسلة من نور البيان فربطت الوادي بالجبل، طرحها شبكة فوق «بحرنا» فاصطاد كثيرًا، ولم يقف كئيبًا كبطرس القليل الإيمان. وكما كانت تلك «القنينة» بريد العيد بين البلدين يوم كانوا يعبدون معنا ابن بلدنا المرحوم أدونيس، هكذا كانت خطبة أمين تذكرة للقاهرة بعهود لا تتناساها:

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
مَن كان يألفهم في المنزل الخشن

وشاء بشارة الخوري — كعادته الحميدة — ألَّا يمر عرس بلا قرص، فنشر بعد رجعة أمين بضعة أبيات هنَّأ بها صاحب الجلالة من بعيد، فعدَّهَا الخبثاء تحديًّا للأمين وإفهامًا للبشر، وخصوصًا الغلاظ العقول مثلي، إن مبيِّض وجه لبنان هو شعر أخيطله العظيم، وكل ما عداه وساوس وهذيان، ولكن الذين يعرفون يؤكدون أن الأستاذ لا يزاحم في المضيق … أما الراسخون في العلم فيعرفون أن نثر الأمين الفذِّ خير من شعر مبتذل كقول بشارة:

أنزلت آية الهدى في جبينك
فإذا الكون كله طور سينك

أرأيت هذه العرائس: آية الهدى، وطور سينا وغيرها — كيف يحنِّيها الشاعر ويجلوها بخمار جديد ولسان حاله يقول: قومي تخطري يا زينة … ولكنها ويا للأسف لا تخطر ولا تتثنى، بل تقوم لحاجتها متحاملة كأنَّ عظامها من سنديان. فما أشنع طور سينا متصلة بها الكاف، ولو هطل الوحي فوقها ميازيب! وأبشع منها نزول الهدى في الجبين فهو يذكرنا الحفر والتنزيل، لا الوحي الذي يرفرف ولا يقع!

ثم تغار الشمس، وغيرة الشمس محرقة آكلة كغيرة إيليا على بيت الرب، ولكنها تعقَّلَتْ إذ رأت أن ليس في اليد حيلة فوقفت عند حدها، وقعدت ملومة محسورة تتمنى لو تكون من «عين» جلالته؛ ولذلك قال شاعر العرب يصف موقعة أبي قير:

فتن الشمس مفرق زين التاج
فودت لو أنها بعض عينك

ما معنى «عينك» يا أخي؟ أعانك الله على ترويض القوافي في هذه الآخرة، وكأنه قرأ في الصحف عن تقوى الملك الصالح فنظم ذلك شعرًا:

ما رأت مصر قبل يومك هذا
مثل دنياك في الملوك ودينك

ثم استحلى توتنخامون زاوية لهذه الصومعة المتواضعة، فاقتطع منها ما احتاج ليقول:

شرفًا عرش مصرته وتنقل
بين فاروق تارة وأمونك

لا أفهم الداعي إلى «شرفًا» التي قالها البحتري منذ ألف سنة وأكثر، قد تكون مثل قولهم: بشرفي. إن لشاعرنا الأكبر حق كشف الغطاء عن هذه الباذنجانة، أما المعنى فيذكرني كثيرًا قول شوقي حين قرَّع أمون الملك الوثني قائلًا له:

فؤاد أجلُّ بالدستور ملكًا
وأشرف منك بالإسلام دينًا

وتخيَّلَ بشارة الدهر راكعًا يلثم راحتي جلالة الملك أو العرش — لا أدري إلى مَن يعيد الضمير — ثم مسخه رجلًا كسيد درويش وهو يغني عبقري الألحان تحت غصون صاحب الجلالة. وإذا كان لا بد من أن يكون في الإمكان أكثر مما كان — اللهم في شعر المناسبات — قال شاعرنا الأعظم في النيل وشاطئَيْه ثلاثة أبيات من شعره الخالد ختمها بقوله:

حسدتك الأنهار حين أتاها
أن فاروق من هواك وطينك

أما هذه الطين فتستحق جائزة القرب. وحكاية جائزة القرب: أن المدارس تعطيها — أو كانت — مَن يقارب الثاني بضع مرات، وبما أن طين بشارة قاربت بكل فخر قول ذلك الأعرابي للأمير: «وأنت كتيس يقرع الخطوب …» اقترحنا إعطاءها جائزة، وعلى «المكشوف» أن يخلقها مثلما خلقه الله.

نعلم ولا نجهل أن للنيل طميًا خصبًا، ولكن ذكر الطين والوحل يستوحش في آداب شعراء الملوك، وخصوصًا إذا كان ختامًا. قد تعوَّدنا القول: مسك الختام لا طينه. أما إذا كان وحل النيل بلون المسك فإنني أعتذر، وإن قال أحد من رجال الجدل أَلَا تذكر الآية: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؟ قلت له: ليس هذا الكعك من ذاك العجين، وللكلام مواضع، والفن كله هناك.

ليت كلمة أمين نخلة في يدي لأنقل منها للقارئ بضع فقرات، فيقابلها بهذا الشعر المخيض الذي هو زبدة الحقب … كما قال أبو تمام.

أمَّا ما وافق موسم المشمش فمهرجان الأخ الحبيب ميشال زكور، رحم الله أخًا غرَّه سراب السياسة، ففلَّ في صحرائها ودُفِن في رمالها الملتهبة شبابًا نقيًّا كفجر عين كفاع، وبهيًّا كغروبها. كان ميشال طيرًا يرفرف في آفاق الأدب، فتدحرج كرةً على مائدة السياسة يتلقَّفها رجل رجل.

ليس فينا مَن ينكر أن يومه كان من أرهب أيام لبنان — فبطرك بجنز في باريز، ورئيس جمهورية يمنح وسام الأرز، و… و… ثم تجيء ذكراه الأولى فيكون لبنان كله فيها. ومَن يمثِّل لبنان غير رؤسائه الثلاثة، والثلاثة كانوا بأنفسهم، ولكن أيساوي هذا كله مقالة واحدة يرويها أبناؤنا لميشال حين يؤرخ الأدب؟

باع ميشال الآجِل بالعاجل، وما ربحت تجارته … بلى ربحت، فلو لم يكن ميشال وزيرًا ما احتفل به هذا الاحتفال، ولكنه احتفال ينساه البشر كما نسوا صولة عبد الحميد وأبهة المير بشير، ولكنه يشهِّينا ما نتكالب عليه، فلو قامت الحكومة — ولو مرة في رأس الزمان — بتعظيم أدبائها لارفضَّ عنها عشَّاق الوظائف من شبابنا المتأدب، وإن لم تكن غليظة القلب.

إن «عبدو» و«ديوروسكي» — حصانَيْ سباق — فازا بألفي ليرة ولم يصب الشدياق قرشًا مقدوحًا ينفق على يوبيله الخمسيني، ولكن المال آخِر مطالب الأدباء، فحسب الحبيس صحن مخلوطة ورغيف يابس يتطاير شعاعًا كشعر بشارة، فسعادته الكبرى في أن يخال العذراء تبسم له في الحنيَّة، ويتململ المصلوب أمامه على الخشبة.

سامح الله أخانا ميشال الذي تركنا وصار حزبًا لغيرنا، لسنا ننسى ابتسامته الحلوة ولا شيبته الفتية الفاتنة. كان — رحمه الله — شبابًا يمشي على الأرض، وكان «معرضه» زمنًا معرض الأدب.

تتناثر أيامي كأوراق ازدرختتي، واحدة خلف واحدة، فإخواني الذين يتدهورون في الأعماق هم تلك الحواجز التي تحجب عني رهبة الهوة الأبدية، ولكنني — والله — مغرور أكاد لا أصدق أنني سأموت، بل أرى الموت بعيدًا مني فلا أنفكُّ لاهيًا عابثًا، غير متذكر عواقبي الأربع كما علَّمَني جدي الخوري، أتبع هواي غير عابئ بمَن يريدونني على غير ما أردْتُ لنفسي. إن الحكم للغد، فلا يمشي بالعكاز إلا كل محلول الظهر، ولا يقول: الدرب الدرب، إلا مَن ليس في وجهه عينان؛ ففي الانحراف عن السكة لذات لا يعرفها إلا مَن ذاقها، هناك ما يرى وما لا يرى، أما الجادة فلا تريك شيئًا جديدًا، ما أشبه قولهم: نقد علمي، بحث علمي … إلخ. بقول الكاهن للمعترف: زُرْ كنيسة الرعية يوم عيد السيدة، وصَلِّ الإبانا والسلام خمس مرات تربح غفران مائة يوم … إن بونا ونتورا صلى كما شاء وهو اليوم قديس عظيم قاعد في السماء مستريحًا، ويريح مَن يطلبون شفاعته بحرارة إيمان؛ فَلْندع البحث العلمي لأصحابنا العلماء، وما أنا منهم — والحمد لله — فَلْنترك النقد العلمي لحَمَلَة البركار والزاوية والفادن والذراع، فالفنان يصوِّر بالمكنسة، أما الناقل عن الصور الشمسية فليس في تأنِّيه السلامة، ولو استعار ريشة رافايل.

نقد علمي، نقد فني، نقد يقطيني، كل هذه لا أفهمها، أفهم طريقتي فقط، فمَن أعجبته فَلْيقبلها، ولست لجنابه من الشاكرين، ومَن لم تعجبه فلينشقَّ. أما مَن يكلف الناقد أن ينسج على نول المنقود، فكالطالب من الصائغ الأستاذ أن يكون في خزنته ألف دينار، وإلا فكيف ينقد الذهب ويقدر عياره؟ خُذْ يا أخي من المخزن ما تودُّ ولا تَلُمْ تاجرًا؛ لأن دكانه ليس كمخازن ألف باء تاء … اقرأ ولا تتحكم.

يعجبني جدًّا هذا الجمود، بل هذا التفكير، فبعد ما كنَّا نغرق للزنار في شعر المناسبات، وبعد ما كانوا يقولونه حتى على اللهجة — المازة — صرت لا تسمعه إلا في موضوع جليل كعرس ملك، أو موت وزير … قرأت منذ حين كلمة لصحافة مصر تساءلت فيها: أين الشعراء لا يمدحون جلالة الملك؟ فارتحت أيما ارتياح. حسن جدًّا هذا الإحجام وأحسن منه عدُّ العشرة قبل الإقدام، وأحسن الأحسنين تنزيه الشعر عن المواضيع التافهة؛ فملك محبوب كفاروق — أطال الله بقاه — يقال فيه الشعر كما يقال في تصوير أشرف العواطف وأصدقها، ورجل كميشال زكور يستحق أن يبكيه أصحابه شعرًا، فهو رجل مات والرجال قليل. فبحراسة الله يا ميشال، وإلى اللقاء، إنما بعد إعادة عهد لبيد، وسؤال الناس كيف مارون؟

أما الآن فاسمع نقدي لما قيل في رثائك، فشد ما أحييت هذا النقد، وحثثت على المضي فيه، وكان الجواب أن تذكرت لا توص حريصًا.

فَلْنبدأ بقصيدة موسى نمور زميلك في وزارة الداخلية والصحافة.

(٢) موسى نمور، خليل مطران، الملاط، بشارة الخوري

ضرب موسى نمور صخرة الفن بعصاه، فأخرجت نميرًا غير غزير، تطيَّرتُ — فنيًّا — من مطلع قصيدته، فقوله: «أحبابنا، رفقًا بمَن خلفتم» يعيد إلى الذاكرة — على بعد العهد — قول المرتل في الكنيسة المارونية بلسان الأنفس المطهرية:

أصحابنا لا تهملوا مَن يرقد
في مطهر نيرانه تتوقد

وإن تسألني ما الأنفس المطهرية؟ أَقُلْ لك — ثاني مرة: هؤلاء قوم يهلكون، موقتًا، كما تقف الحكومة الصحف، فيطهرون بالنار كما علمتنا أمنا الكنيسة الكاثوليكية، ليدخلوا السماء أتقياء. ولهؤلاء البؤساء سفير «رسمي» على الأرض هو الأستاذ الغليوني، ورَّثه المرحوم والده فيما ورث، الوصاية عليهم، والعمل البري، لنشلهم من بحيرة النار بواسطة القداسات والصلوات، ولكن سيدنا المطران مبارك شجب العمل أخيرًا، فقطع اللقمة.

أما ما بقي من القصيدة، فشعر سائغ محتمل، بل هناك شعر رصين ما مسَّ قطُّ تابوت عهد الفصاحة، لولا قوله حين ذكر الصديقين ميشال وأمين تقي الدين: قبله فيدون كل بيت استقام وزنه وصحَّ تعبيره، حتى يسمعنا نصف دزينة من «علم الشعب»، فيذكرنا بقول المهلهل: «قربا مربط النعامة مني …» فهل لقحت حرب شعر المناسبات عن حبال. ولولا خمسة أبيات بعدها فيها شيء من نفحات شعر الخليل القديم، لخَلَتِ القصيدة من الشعر، وأنكرت أن يكون خليل مطران ضيعة لا رئيس أساقفة أقطار … ثم يعود المطران إلى حوكه الأول فيقول:

أيها المنكرون أن
ينقص البدر حين تم

لست أدري لماذا أتعب مولانا قلبه، أليحل هذه المعضلة شعرًا؟ فأي ذكي … ينكرها؟ وكأني بشاعر «سجدوا لكسرى»، و«هل تذكرين» و«ملحمة نيرون»، لم تصعب عليه معرفة نفسه اليوم، فما تفرعن ولا تعرَّم علينا، ولكن المطران كاسمه يعمل دائمًا بقول المرتل: القلب النقي المتواضع لا يرذله الله، فهو يقرظ نافجًا كل مستعط ثناء، وكلهم عنده أشعر العرب، رحم الله النابغة مبدع هذه الحكومة!

وتلي قصيدة المطران قصيدة الشاعر القائل:

أنا جذع لبنان القديم فما ذوى
ورقي ولا لوت المصائب ساقي

فهذا البيت صورة الملاط الناطقة، فشبلي متنبئي الأخلاق، والنفس، والحظ، وشعره نمَّ على صاحبه من قبل، فاسمعه كيف يفتتح رثاءه:

أبا مكرم لولا العلى والمحامد
لما كان محسود ولا كان حاسد

إن قصيدة الملاط هذه من الشعر الرصين ذي المستوى الواحد، فلا تحليق ولا إسفاف، يدوم فيها الشاعر كبواشق أيلول، ولا يغيب غيبات النسر، تعبِّر قصيدته عن عاطفة مكبوتة فتقذف الحمم، ويعلن ألمًا يذيب الشحم ويقرض اللحم:

هنيئًا لقبر أنت فيه وحبذا
مكان أمين ليس فيه مصائد

وكان شبلي كريمًا، كعادته في هذه المناسبات، فما أكل حق حزب ولا جماعة، مدحهم جميعًا على السواء، ولو تخلص شاعرنا المطبوع من زنجير «للضرورة أحكام» لانبثق نهرًا عجاجًا لا يخرسه الاندماج بالبحر. لا أدري مَن يعني بقوله:

نصرنا رجالًا ثم عند اختبارهم
ندمنا وكم في التجربات فوائد

إنني أخشى — يا أستاذي — أن تقضي حياتك كلها «داخلًا في التجارب ولا تنجو من الشرير»، فوالله أنت مظلوم …

ويمر على الشباح فتتراكم الذكريات حتى تعود به إلى مقاعد المدرسة السوداء — كانت سوداء على عهدنا — فتتدفق العاطفة كماء بركة المتوكل، فينظمها شعرًا برَّاقًا كالفضة السائلة، حتى إذا بلغ آخِر الشوط وقف وقفة جواد بلغ الغاية ورفاقه لا يزالون في المضمار، وكأنه يتذكر طرفة فلا يكسل ولا يتبلد بل يقول: «الحرب لمَن يريد الحرب»:

عواذل لبنان إذا شئتم الوغى
فلا تفزعوا فالسيف في الغمد راقد
ولكنما في غاب لبنان معشر
إذا غاب منا ماجد قام ماجد

في قصيدة شبلي شيء سمَّاه العرب التضمين كقوله: إذا مات منا … وكقوله: أَلَا كل شيء ما خلا الذكر بائد، وفيها أيضًا طباق كثير يذكرنا صناعة حبيب، ولكنه جاء عفو الخاطر.

تدل القصيدة على طول نفس قائلها، والملاط لا يدانيه في هذا حد، إن رئته واسعة المسام، فهو لا ينخر ولا يشخر فكأنما يتنفس من كير. تنزهت قصيدته هذه المرة عن التشبيب بمحاسن ومكارم أخلاق حبيبه بشارة، فأين ذهب ذلك الغرام؟ وأين تلك الشرَّة والعرام؟ أما بشارة فأبى عليه طبعه ألَّا يذكر بالخير أحبابه ومريديه فقال:

ورُبَّ أخٍ رأى فرجًا بذمي
فقلت رضيت ذمك لو شفاكا
أتطمع أن تحلق للثريا
فتطفئها عدمت إذن حجاكا

أرأيت كيف يدجِّل بشارة؟ إننا نشتغل ليل نهار لنهديه الصراط المستقيم، ويسمي عملنا قدحًا وذمًّا، إننا نسلم أمرنا لله ونقول: إن قصيدة بشارة على الكاف المفتوحة كما ترى، وبحرها الوافر، والبحر والقافية كفؤان لهذا الموضوع، فَلْنَرَ ما قال. لا أدري أبهاء الدين يعارض أم أبا الطيب؟ فبشارة هتلري المطامع ولكنه لا يُحسِن انتهاز الفرص، ويسعى إلى الهيجا بغير سلاح … ضمَّن قصيدته من شعرهما وشعر غيرهما فكأنه يقلد أبا نواس. أما مطلع قصيدته فجيد، غير أنه لا يخطو ثلاث خطوات حتى يتعثر بأذيال الغلو والإغراق فيقول:

أجُنَّ الموت أم هو رام كفؤًا
فهزَّ شباب قومك واصطفاكا

إن هذا «الهزَّ» ملائم جدًّا لموسم المشمش، وعلى الشاعر أن يطابق مقتضى الحال، ولكن مَن يرثي بشارة؟ أيبكي وزيرًا كالحمل الوديع، أم يندب كبشًا نطاحًا، سفاحًا جلادًا؟ وإلا فكيف يكون الرجل كفؤًا للموت؟ ويمضي بشارة راسمًا على لوحته صورًا سخيفة خفيفة كخربشة الأولاد على دفاتر الخط، فيقول: «حبيب الأرز بؤبؤ ناظريه …» ثم يقول:

إذا احترقت حشاه أسى فقدمًا
حرقت على مجامره صباكا

إذا سلمنا باحتراق حشا الأرز، مع إننا زرناه منذ أيام فوجدناه بخير وعافية، فماذا تقول في «قدمًا»؟ أعمر المرحوم ميشال مثل متوشالح ومات عن شيخوخة متناهية، متزودًا الأسرار الإلهية؟ قاتَلَ الله الوزن، بل قلة الذوق والجلد! ثم تسعف الشاعر ذاكرته فلا ينسى لف الفقيد بالعلم اللبناني، فيبدو له اللواء ذائبًا حزنًا على المرحوم كأنه أمه أو أبوه. الأفضل لي ولك «ولبراءة» الذمة خصوصًا، أن تسمع البيت:

ومَن شهد اللواء يذوب حزنًا
عليك يظن أمك أو أباكا

ماذا يعملان يا ترى؟ المعنى في قلب الشاعر كما يقول العوام. رحم الله حنا زكور وزوجته فقد نشرا بيرقًا في مأتم ولدهما النبيه، أرأيتَ كيف تكون الصور صبيانية مبتذَلَة، وكيف يكون التجسيد مضحكًا؟ إن هذا يكشف لك أسرار مخيلة بشارة الواسعة وإبداعه العظيم … ويبسط لك «سِفْر تكوينه» لتعلم أن هناك واحدًا آخَر يخلق ذكرًا وأنثى … فوحِّد ربك ما شئتَ، وقُلْ: إن تعدوا نعم الفن لا تحصوها. ففي هذه الدُّرَّة اليتيمة ألفاظ عذبة مثل «صاك وزاك» تذكرك أسطورة البدء، يوم كان روح الله يرفُّ على وجه المياه … وفيها الجناس الأجل الأمجد مثل «وشاكا ووشاكا» وأطراف قوافيها ما تسمع الآن:

إذا وطن أهال بنابغيه
سبقت السابقين وقلت هاكا

أي قال: «أحِهْ»، كما كنا نقول حين نلعب القفيزى صغارًا. ولا شك أن عقل بشارة الباطن ادخرها له لمثل هذه الساعة العصيبة. إن في صفاء الأذهان لآياتٍ لأُولِي الألباب، وبهذا تتميز الشعراء، وينتقل بشارة إلى التعريض بممدوحيه الذين لم يدرَّ على مرعاهم اللبن فيقول:

كرهت الشعر يمدح غير حر
ولو كان المليك أو الملاكا

أفي الملائكة عبيد يا ترى؟ أم في القافية مغنطيس جذب بشارة كما جذب الحليب الخنفشار؟ إنها خنفشارية حقًّا، لا، قاتل الله النسيان، أليس جبريل مرسال الله عبدًا في الملائكة؟ أما رأينا شعراءنا كبشارة وغيره يخسرونه في جميع المآتم والأعراس وغيرها من مواكب، وقد تعجبت كيف لم يمشوه في مناحة زكور إما مجنحًا محلِّقًا كالطائرات، أو ماشيًا خلفه ساكعًا، منكِّسًا قوادم جناحيه كما ينكِّس الجندي سلاحه … كيف غفل بشارة عن البطل المغوار رئيس وزارة الله؟ إنه سميُّ المرحوم، والأرواح المجنحة صالحة للمواكب الرسمية، فمخايل صاحب سيف وله في المعركات غبار، كان ولا يزال وزير حربية الرب، وقد أعاد الأمن إلى نصابه يوم ثار الملائكة على الأب الأزلي ليقبلوا حكومته الدائمة …

وبعدُ، فمَن قال لبشارة امدح؟ أما نهيناه وما ارعوى؟ فالحمد لله على رجوعه فائزًا من الغنيمة بالإياب، لقد صحَّ به قول المثل: «خفة الرأس تتعب السيقان.» ولكنني أكذب عيني وأذني ولا أصدق أبدًا، فما وجه بشارة وجه مَن يتوب، فهو مستعد أن يذرِّي كلما طابت الريح.

ويحاول في البيت التالي أن يبرِّئ شعره من المديح فيقول:

إذا غنَّى حماة الحق شعري
فكم غنَّى البشامة والأراكا
يطل به الزمان على الليالي
شعاعًا من هناك ومن هناكا

إن شعرًا يغني البشامة والأراك وحوله ما حوله من سحر الكون — حتى في البوشرية التي لا تطلب منها العافية — ليس شعر شاعر يحقُّ له القول:

ويا وطنًا كسوناه جمالًا
على العلات أنفسنا فداكا

فَلْنَدَعْ هذا الآن فما هنا محله، وَلْنَعُدْ إلى البشامة، لماذا خصَّها الشاعر بالذكر وهي بنت عم النقاخ؟ أليس بمعذور لو تركها في ذقن أهلها؟ إنه لم يرها قطُّ، ولكن التقليد الأعمى أجراها والأراك في شق قلمه، ولأجلها استحق صاحبنا لقب شاعر العرب. لست أقول شيئًا في «شعاعًا من هناك ومن هناك» إلا أنها تصك الآذان حين تُنشَد، وشاعرنا يصك كثيرًا حين يجري في مضمار الاحتيال على الخلود.

(٣) بشارة أيضًا – الدكتور حبيب ثابت

ويبلغ بشارة تصوير العاطفة فيقول شعرًا:

خليلي كيف أنسى عهد كنا
وقد نسج الزمان لنا وحاكا
تطوف بنا مجنحة الأماني
فتعبث في مفارقها يداكا
وكم أفق هناك يفيض سحرًا
كأنك قد طبعت عليه فاكا

الثلاثة من جيد الشعر لولا الإكثار من «قد» التي لا تستسيغها أذني في النظم ويكاد يغص بها حسي، ثم لو قال الشاعر «يوم كنا» بدلًا من «عهد كنا» لأمن شر هذا النبو. أما «تعبث في مفارقها» فقد أساء بها الشاعر من جهتين: الأولى لغوية، فعلى شاعر العرب الأكبر أن يحسن التعدية، والثانية فنية ذوقية، فقد شاك مفرق مجنحة الأماني حين جمع. أما البيت الأخير فتصوير جميل لا يضيره النقص في بعض خطوطه وألوانه، وما أجمل صرخة بشارة الصادقة:

فيا ذكرى الأحبة مات قلبي
فإني لا أحس له حراكًا

ففي «مات قلبي» حياة فنية لا حد لها، والشاعر يصدق دائمًا حين يحدثنا عن قلبه، فهذا الفتور الذي تحسه في شعره اليوم يأتينا بنبأ أكيد عن احتضار هذا القلب الذي أحسن شوقي مخاطبته أيضًا حين قال:

واليوم تبعث فيَّ حين تهزُّني
ما يبعث الناقوس في النسَّاك

ويتذكر بشارة أمين تقي الدين فيطريه إطراءً يستحقه أدب الأمين وذوقه الفني، ثم تسنح الفرصة فيغتنمها شاعر حماة الحق ليقول مثل شوقي القائل:

رواة قصائدي فاعجب لشعر
بكل محلَّة يرويه خلق

فيسمعنا:

ذكرتك تملأ الآفاق باسمي
فتنفحني الزهور شذا شذاكا
إذا أنشدت قافية بقطر
جعلت طراز بردتها ثناكا

كان البيت الأول حسنًا لولا ركوب الشذا على الشذا، أما الثناء المطرز البردة فزمنه مضى وراح، ذاك كان يا أخي يوم لم يكن نقد ولم يكن تجديد، يوم كان التقريظ يكال بالمدِّ للشعراء ويقولون: أحشفًا وسوء كيلة؟ أما اليوم فالفأس ملقاة على أصول الأشجار … أَمَا بلغك أن الدنيا تغيَّرت، وأن الحرب العظمى قلبت الأرض بالطول والعرض، فماذا تبتغي منا يا حبيب القلب … وأنت اللاهج بالبشامة والأراك بفخر جزيل؟ إذن ليس الحق علينا. تحرَّك قليلًا، قم من فرشتك نقم معك، فكل ما في الكون يردد في مسامعك «ديوغراسياس»، أنسيتها؟ تذكر فجر مدرسة الحكمة، وحنجرة قسيس الليل … ولم نلُمْك فمناخ البوشرية لا يساعد على القيام الباكر.

يعلم الله يا عزيزي أننا لا نرى فرجًا بذمك — فرَّج الله كربتك وكربتنا — أما أن هناك ثريا نطمع أن نحلق «لها» فنطفئها، فما نظن. ليت هناك مسرجة كالتي رثاها الشاعر العربي، وإنْ كنتَ لا تصدقنا فعمَّا قليل سنوجِّه المجهر صوب ثرياك ونريك أن وراء هذه النجوم السبع عشرات مثلها، قاتل الله خداعَ النظر، كم يرينا الأسود أبيض!

ويتذكر بشارة قول زهير: «يعزُّ عليَّ حين أدير عيني»، فيضعه في محله. أما شطر المتنبي فجاء كقوله: «ووضع الندى في موضع السيف بالعلى»، فقول بشارة:

وتدعونا البلاد فلا نبالي
«أنمشيها أذاة أو هلاكًا»

لا يصح إلا إذا كان محل بشارة من الإعراب «مضافًا» إلى ميشال زكور، وإذا كان قوله هذا كقولي، مثلًا: أنا والمستر فورد أغنى خلق الله، فبشارة لا يجازف في السياسة ولا يغامر، فهو في أقل حساب نصف إمَّعة … وهناك بيت آخَر لا بد من التعليق عليه وهو ختام قصيدته:

ويا وطنًا كسوناه جمالًا
على العلات أنفسنا فداكا

أما المعنى فمتى كسا بشارة هذا الوطن جمالًا وهو القاعد كالزبرقان؟ فشعره كما حدَّده لنا؛ إما مديح للذين يسميهم حماة الحق، وإما غناء للبشامة والأراك. وإذا نظرنا إلى المبنى رأينا «على العلات» تعل القلب، ولو قال: «على علاته نفسي فداكا»، لكان الخطب أهون. وأنا أضمن له تسامح ميشال، قد فداه ميشال واستراح، فالله نسأل أن يطيل بقاء بشارة ليغني البشامة والأراك، وحماة الحق عند اللزوم، وإياه نعظم لهذا الجمال الذي خلعه ويخلعه كل يوم على هذا الوطن المحتاج إلى خلع أمير شعراء العرب.

وإن قلتَ أيها القارئ العزيز: ما هذا التعنُّت؟ وأي فرق بين قولنا: على العلات، وعلى علاته؟ قلت هذا ينبئك به ابن الأثير، فاقرأ «المثل السائر»، فليس في مكنتي قول كل شيء.

والآن قد بلغنا «مسك الختام» — أي قصيدة الدكتور حبيب ثابت — إنها من الشعر الطري الناعم كغزل البنات وشباب المرثي، فيها من طرافة ملبسه شيء كثير، ومن أناقته ما لا يحد. لسنا نغالي إذا عددناها قصيدة الموسم بل قصيدة العام، فلقد سبق الدكتور ثابت شعراء مهرجان زكور، في قصيدته «خيال الشاعر وفن الناظم»، وفيها حمى العاطفة — والإبداع حمى — ولكن بلا انتفاض كحمى الربع ولا هذيان كالدور الخبيث. والخلاصة أن قصيدة ثابت بريئة من عواء النادبات وهرير النادبين.

بكى حبيب صاحبه ميشال كما بكى داود صديقه يوناتان بن شاول، بَيْدَ أنه لم يقل كقاتل أوريا: قد ضاق ذرعي عليك يا أخي يوناتان، لقد كنت شهيًّا إليَّ جدًّا، وكان حبك عندي أولى من حب النساء، وقد أحببتك حبَّ أم لابنها الوحيد …

أدرك الدكتور أن الشعر صور وألوان، ومعانٍ راقصة كالفراشات حول ثغور الأزهار، فسار على رسله لا هادئًا ولا متعسِّفًا فشبَّهَ صاحبه بالأمل، وذاك الأمل أشبه بالفراش يرفُّ ويلعب حتى:

هبَّتْ عليه من الرياح سمومها
فإذا الفراش مشرَّد ومخضب

ويطل هذا الأمل على الوجود هنيهة فيشعشع ويكوكب، فتغمر المنى الروابي الخضر، ويلهب الوهج الرمال الحمر، ويذوي الربيع المعشب، في القصيدة وحدها، وفيها ألوان الطراز المعلم، وهذا الذي سمَّاه العرب تدبيجًا، وقد أجاد الذي قال:

بيض صنائعنا خضر مرابعنا
سود وقائعنا حمر مواضينا

لقد عرفنا التلوين قبل الذين اتخذهم شبابنا مثلًا أعلى وسمَّوهم رمزيين، ولكن القدماء لم يذهبوا فيه إلى أبعد الحدود فلوَّنوا ما لا لون له، حتى إنهم لم يقنعوا بتلوين الماء. إنهم لو يقولوا كمتطرفة شعراء الفرنج: صراخ السنونو الأزرق …

وفي القصيدة بحر شباب يعجُّ ويصخب، ومركب ضال — غير سكران كمركب مارمه — يتنكر له الشاطئ، وهناك كفُّ الموت تحمل منجلًا وتضرب حيث ميشال:

فهوى كفرخ النسر من عليائه
لا يشتكي ألمًا ولا يتعذب

إن «فرخ النسر» هذه لا تعجبني، وليت الشاعر نزَّه قصيدته عن معنى مبتذل كهذا، كما أنني أرفض «يتعذب» رفضًا باتًّا، فالشعر العالي لا يقبل الزغل.

ويدخل شعر حبيب نَقْعَ السياسة فلا تفسده، ويغبر في السرايا تصونه لغته الشعرية التي يتعمَّدها، وتتغلب صوره وألفاظه على سرد الأخبار المحلية التي تهتك حرمة الشعر. احتزم حبيب بقرعات الفن، وألقى نفسه في العباب فنجا ولم يغرق، وبلغ شط الختام غير عاجز عن الخلق والإبداع، وإليك هذه الصورة الرائعة:

أرأيت بلور النهار محطمًا
يبكي عليه بمقلتين المغرب
أم راعك البدر الذبيح مجندلًا
بين الغيوم السود وهو معصب
أم راعك الليث الهصور مصفدًا
لانت ملامسه ولان المخلب
أم راعك الطفل الصغير ميتمًا
لا الأم تسمع مشتكاه ولا الأب
خفِّف عليك فكل حيٍّ في الورى
يأتي إلى وادي الدموع ويذهب

الأبيات مطمئنة هادئة، وأكاد أراها باسمة، رغم ما صوَّر الشاعر من أهوال. إنها كصاحبة عمر حين أفرخ روعها، ما خلع عليها هذه الحلة القيصرية إلا ألفاظها التي أحسن الدكتور تزويجها، وشفاها من «الأمراض الجلدية» التي تذهب بالكثير من الحسن، ولكنها لم تخلُ من «لو»، فقد كنتُ أُفضِّل أن يقول: يبكي عليه بمقلتيه المغرب، فالتعريف أولى لئلا يظن أن للمغرب أكثر من عينين، وما بكى على ميشال إلا بثنتين، بينما أصحاب حبيب أقاموا الأرض وأقعدوها، وبشارة حرق الأرز.

ثم لو قال: كلُّ المخلب، أو لفظة أخرى مشدودة بدلًا من «لان» لتمت له الموسيقى، فالفنان لا يتكل على الوزن وحده، وكنتُ أفضِّل أيضًا أن يقول: لا أم تسمع مشتكاه ولا أب؛ إذ لا حاجة إلى التعريف، وفي التنكير غنى عن «لل ولل» التي تخفف من شدة التقطيع، فاللام رخوة واللامان أرخى إذا اجتمعا. أما وادي الدموع فهذا لقب خلعه الآباء اللاهوتيون على أمنا الدنيا ليستروا عورتها، أما الشعراء المرحون، حتى في الرثاء، فلا مبرر لاعتناقهم هذا اللقب؛ إن الفن وقح لا يستحي …

مسكينة الدنيا مأكولة مذمومة مثل خبز البخيل، أما أنا فلو سئلت التنازل عن سنة واحدة بوادي الدموع لقاء ألف أعطاها في الآخرة لما رضيت، ومَن يقل غير هذا فهو موسوس، أو معطل المحرك فلا بد له من الوقوف. فيا لله من هؤلاء الذين يحببون إلينا الموت! إنهم يريدوننا حيوانات مغامرين.

وشاء حبيب أن يرد العجز على الصدر، فتجاوز هذا المقطع ليقول:

ونعيش بالأمل النضير ونرتوي
من مدمع الماضي البعيد ونشرب
ونموت بالألم المرير يلفُّنا
أمل بألوان الغمام مذهَّب

وهذه موتة الأبرار والصديقين التي بشَّرَنا بها بولس الرسول بقوله: إن الذين يموتون بالربّ لا ينبغي أن تحزنوا عليهم كسائر الناس الذين لا رجاء لهم. ليت حبيبًا وقف على شفار وادي الدموع، فما نفع الجناس والطباق قصيدته شيئًا، كما أنه ليس في ردِّ العَجُز على الصدر بلاغة سحبان، فدَعْه لغيرك يا حبيب، أنت لا تُحسِنه، وإذا طبعت ديوانك وأثبتَّ فيه هذه القصيدة الجديرة بالبقاء فاحذف هذين البيتين، كما أنني ألفت نظرك إلى «وهو معصب» ففيها رائحة الطب ومطهراته وأضمدته، فدَعْ هذا لمرضاك وأعف منه قراءك.

هذا شعر نحب أن نقرأه، ونحب أن يُحتذَى؛ فلا هو بالغامض الممقوت، ولا بالواضح المكشوف العورات. إنني أهنئك يا حبيب، فقد ربحت المعركة وبيَّضْتَ وجه الفن، كما أهنئ زميلك الدكتور أبا اللمع، ذلك الأديب الذي يزج نثره في معترك الشعر فلا يقصر عنه، بل يسبق الكثيرين من ناظميه.

وبعدُ فلنفِ، فَلْنقُلْ كلمتنا في شعر بشارة عامة، فشاعر العرب ينتظر.

قد سئمتُ الآن فَلْينتظر أيضًا!

(٤) غذاء الخلود

قال أمرسون: يجب أن أفعل ما يعني شخصيتي، لا ما يفكر الناس أن أفعل. وقال ريمي غورمون ردًّا على غوت: إن النقد السلبي ضروري، فكثيرًا ما نضطر إلى تحطيم تماثيل غير محكمة الصنع، وطرحها في البوتقة.

أعجبت العرب خطة شعرائهم فلم يميلوا عن طريقهم، وألَّهوا أصنامهم الأدبية ستة عشر قرنًا، لم يشكوا قطُّ إلا بالصفات الزائدة على هذه الآلهة فقالوا: هذا شعر منحول، وهذا مسروق، وهذا مسبوق إليه … إلخ. أما الصفات الأصلية فما عرضوا لها بخير ولا بشر إلا قليلًا، بل قدَّسوها وجعلوا خطأهم قواعد فارتبكنا بها، وهكذا عاش الأبناء على ملة آبائهم يعبدون ما عبدوا، وإنْ خالفتَ معتقدهم بكلمةٍ قالوا لك: أدينك يأمرك؟

ما شعر بشارة في القرن العشرين إلا هُبَل الجاهلية، فهو تقليد شعرٍ خلا من العناصر التي تشبه مجاعتنا الروحية. وبشارة — في نظر المنصفين — آلة ذات وتر واحد، أما في نظر نفسه فكآلة الفارابي الغريبة الشكل، يبكي ويضحك وينوِّم مثلها. يريد أن ينطق بألسنة عديدة كالرسل الأطهار حين حلَّ عليهم البارقليط، وعدَّته أكلها العث، وديباجته حلَّة غسلت وكويت.

يطمع بشارة بخلود هذا الشعر الذي يقوله، ولا يدري أنه كجبن الزكرة لا يسلم طويلًا، فليته يتداركه بملح الشخصية الذي يضاد الفساد والتعفن، ولكن من أين له هذا الملح وهو شاعر تفكير لا شاعر إلهام؟ ترعرع بشارة وفيه كثير من ملامح البهاء زهير، فقال في عنفوان شبابه شعرًا لا أدري كم يعيش، فبعضه شعر حي إنْ فاته التجديد لا يفوته حسن التقليد، فيه شعور حار والحرارة تضمن الحياة إلى أجل ما.

أما إذا استثنينا العاطفة المتَّقِدة فبشارة أضعف الشعراء في صوره، فقير في إبداعه، وموسيقاه موسيقى دفٍّ مخشخش. أما هو فيرى أنه أغنى خلق الله، على مائدته ألف لون، والخمور المعتقة تتدفق كنبع أفقًا، يصدق بشارة كل هذا ويشكره تعالى ويبوس الأرض، وهو يظن أن نعمة ربه حلت عليه بشكل حمامة، ولا يبعد أن يكون الله قد صاح ولم نسمع: هذا هو ابني الحبيب!

إن بشارة قانع، والقناعة كنز لا يفنى، وما للدرويش وللناس فهو راضٍ بما قسمه الله، لا يطمع بالزيادة، يرى في كشكوله دنيا لا حدَّ لها ولا طرف، يسكن كوخًا يحسبه قصرًا من قصور ألف ليلة وليلة.

إذا استعرضنا شعر بشارة كله — ما خلا المأخوذ عن الفرنجة — رأينا صوره من عاديات العرب ولكنه جدَّد فرنيشها، فهمه أن يلتقط من أقبية القدماء بعض الدمى فيجلوها برماد التعمل ويجعلها آيته للناس، فبشارة يعدُّ — في عالم الأدب — عالمًا أثريًّا ينبش الآثار الدفينة ويعرضها في متحفه، ولو كانت تصلح للمتحف اللبناني لأغناه وكساه جمالًا كما كسا الوطن.

قال بشارة شيئًا يوم كان قلبه ينبض، أما اليوم فقد مات — كما قال — ولحق به الشعر، أعاضنا الله بطول بقاء الأمير وألهمه الصبر الجزيل.

لا يجمل الشعر إذا كان كله حركات هندسية، ولا يصلح للبقاء إن عافته يد الفنان، فشعر بشارة يحدثنا عن متاعب يزيدها بؤس التفكير وفقر التعبير ضنى وشقاء، وكيف يثري مقعد لا يؤمن بفوائد الأسفار الخمس؟ فلا تعجب إن قال في رثاء زكور: «حبيب الأرز بوبوء ناظريه …» أي يا حبيبي، يا بصبوص عويناتي، ولو كان بشارة من دير القمر لقال له: يا غلاتي، فالحنطة اليوم عزيزة غالية. ولا تعجب إنْ سمعته يهنِّئ فخامة رئيس الجمهورية — إده — بالعود قائلًا، وهو يهنئ كل راكب وقادم:

هنيء الأرز فالرئيس أطلا
يا حبيب القلوب أهلًا وسهلًا

فإذا كنتَ جبليًّا عتيقًا مثلي تتبادر إلى ذهنك تلك الأهازيج اللبنانية — التراويد — وتتذكر:

طل القمير على العربان رحلم
يا سعد مَن لو مع العربان رحالي

فهذه الترويدة الحافلة بالصور الشعرية يستقبل بها اللبناني القادمين عليه في أفراحه، أما بشارة فبدون هذه الصور يقابل الرئيس، ولأجلها يطلب أن نضفر له إكليلًا من غار لبنان، بينا نراه كأمِّ نوح ينتقل من «طيونة» إلى عليقى.

كم استغلب عليَّ الضحك إذ سمعت هذه الترويدة المنظومة شعرًا! شاء مَن قرأها عليَّ أن يبلوني كما بلا لبيدًا قومه قبل أن يهجو لهم النديم الذي يولج فيها أصبعه … فعرفت دونما تردُّد أنها من بضاعة شاعر العرب والعجم. إن أغنية العوام التي ذكرتها أغنى منها فنًّا، وأخصب أسلوبًا، فناظمها يرحب بزائره الكريم مستعينًا بالخيال ويشبهه بالقمر المطلِّ، وهو لم يصغره اضطرارًا، كما يفعل الشعراء الرسميون، بل للتحبُّب أيضًا، ناهيك أنه يقول حقًّا. فالقمر الذي يطل يكون قميرًا، ثم يصف عاطفةً صادقةً، فالقمر ينتظر وتنفتح له القلوب حيث الزيت شيخ الأنوار، والسرج زينة الديار.

ويا ليت شعري، هل في بيت بشارة شيء من روعة قول العامي: «يا سعد مَن لو؟» ففي هذا النداء الرمزي المغري ما لا تجد بعضه في قول بشارة: «يا حبيب القلوب أهلًا وسهلًا». قال الشاعر العامي ما شاء وتركَكَ تفكِّر، أما بشارة فبقَّ كلامًا معربًا يذهب جُفاء لأنه لا ينفع الناس.

لا ننكر أن شعر بشارة هذا من السهل الممتنع، فمَن يستطيع غيره أن يقول:

هنيء الأرز فالرئيس أطلا
يا حبيب القلوب أهلًا وسهلًا

فيجمع التهنئة والأرز والرئيس، وطلته، وحبيب القلوب، وأهلًا وسهلًا … إن هذا لمن جوامع الكلم في زمن فسد فيه لسان العرب: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. لو كان الكلام من بحر الطويل أو البسيط لحدَّثَتْ أحدًا نفسه أن يأتي بشعر من مثله، ولكنه بحر الخفيف، والخفيف ضيق، لا يلجه إلا الفحول العتاق المذاكي.

فما أسعد عصرنا بشاعره القائل للرئيس أيضًا:

أيها الشاعر الذي ينظم المجـ
ـد قصدًا بكل حسن تحلَّى
حسبك الشاعر الذي ينظم الخلـ
ـد وما ضرَّ أن يكون مقلا

أظنها «قصيدًا» لا قصدًا كما كتبت، ومهما يكن من شيء فالبلاغة تسكره، ففي «بكل حسن تحلى» ألف جمال تجلى، فكأن المتنبي عنانا وشاعرنا بقوله:

فتى ما سرينا في ظهور جدودنا
إلى عصره إلا نرجي التلاقيا

فيا لسعادة عرب القرن العشرين بشاعرهم الذي ينظم الخلد في مسلخه، ويصنع من فرائه جبة لإمارة الشعر. وقد اجتمعت لبشارة في هذه القصيدة مرافق لم تجتمع لآكل الرءوس الذي وصفه الجاحظ، فهي آخِر ما استنبطته القريحة العربية، ولن تبلغه عبقرية فرنجي مهما طحر وزحر.

راجع قصيدة بشارة في زكور وافحصها فحصًا إفراديًّا كما يفحصون بزر القز في كورسكا، أو في عينطورة كسروان، فإنْ عثرتَ بمعنى ليس من مترادف أحاديث العوام فلك مني ما تتمنى، إن كان في مكنتي.

إن الأشياء لا تقول شيئًا لشاعر العرب، فعيناه في قفاه، فهو شاعر غير نباتي، الجمال البشري وحده يوشوشه فيقول الشعر تارة حيًّا وتارة نيًّا، وهو في كل حال قال الذي عنده، فمن البغي والعدوان أن نسأله تجديدًا.

حدَّد إدغار بو الشعر بقوله: «يجد الشاعر غذاءه المخلد في الكواكب المتلألئة، وفي ثنايا الأزهار، وفي الأشجار الضخمة المنحنية صوب الشرق — كخرُّوب كفر عبيدا — وفي الأنجم اللاطئة بالأرض، وفي تموُّجات الحصاد، وفي قمم الجبال المزرقة، وفي مواكب الغيوم، وفي لمعان الجداول المظللة، وبريق الأنهر الفضية، وفي هدوء البحر، وفي أعماق الينابيع المعتزلة حيث تتمرأى النجوم.

إنه يراه جليًّا في أغاني الطير، وعلى معزف Eole، وفي تنهدات رياح الليل، وفي أصوات الغابة المؤثرة، وتموجات الشاطئ، وفي صفير الأحراج، وفي عبق السوسن الشهي، وعبير المساء الساحر، وفي الجزر البعيدة المجهولة.

إنه يجده في كل تفكير سام، وفي كل الغرائز النقية، وجميع أفعال البطولة، وفي نكران الذات. إنه يحسه في جمال المرأة، في ملاحة مشيتها، في تألُّق عينيها، وموسيقى صوتها، في ضحكتها العذبة، في تنهداتها، في حفيف ثوبها ووسوسة حليها.

أرأيت أين يجد الشاعر غذاء الخلود؟ فبشارة لا يعنيه شيء من هذا، فهو جشع ملهوف لا يحيا بالروح، وحياة الجسد قصيرة العمر.

فسنة بشارة في الحب: نقل فؤادك. ولكنه سرعان ما ينسى الحبيب الأول! إذا رأى أحبَّ وتحرَّقَ، وقد شهد هو على نفسه بقوله:

أفحتم عليَّ إرسال دمعي
كلما لاح بارق في محيا

أرأيت كيف يشط رياله كلما رأى طلعة؟ فلو رافق بشارة في حبه شخصًا واحدًا، أو أخلص لمحبوب، لوصف لنا تطور هذا الحب، وقال شيئًا جديدًا، ولكنه ميال مع الهوى يراجع الدرس لكل طالب جديد يدخل مدرسته. إن بشارة كالحجل لا يخرج من منطقته مهما تكاثر عليه الصيادون، أما اليوم ففي لبنان شعراء تجاوزوا التخوم المحبوس بها شاعرنا الذي غنَّى شعره حماة الحق والبشامة والأراك، ولكنني أشهد أن بيت بشارة السابق لم يقل أحلى منه شاعر غزلي حتى اليوم.

الشاعر هو مَن يدل على ما عنده كما يدل النبات على النبع الدفين في القاع، لا أعني بذلك هذا الغموض الذي مُنِي به شعراؤنا الجدد حتى انتهوا إلى أدغال الأحاجي والألغاز، وبدت حاجتهم القصوى إلى المواد الأولية، فهم يرددون كلمات بعينها، وتعابير مرت بها رياح الصيف، آثروا بمحبتهم ألفاظًا خاصة فأقبلوا عليها كالغوغاء في سوق النبطية، واللفظة كالمرأة متى كثر عشَّاقها لا تبقى تلك العقيلة المصونة. فتنهم الأب بريمون والشاعر فاليري فتهافتوا على ألوان وأنغام واحدة فأصبحوا كأنهم واحد، ما سموا حتى انحطوا، نقرأ قصيدة أحدهم فنجد مفرداتها وتراكيبها عندهم كلهم، وصورهم هي هي كأنهم يستقون من بئر واحدة وبدلو واحد. وقد نصحت زعيم هذه المدرسة أن يخرج من هذه الدائرة — دائرة اللفظ والكنى والرموز المعلومة — لئلا يصبح شعره طقطقة ووشوشة، وأن يفتش عن ذات أخرى يستقل بها، أما الآن فقد اجتيحت بلاده، والعوض بالله.

لست أقول إن الكلمة دابة معلوم حملها، بل أقول إن على الشاعر أن يحملها ما تطيق، فعلى شعرائنا أن ينتبهوا للحروف فموسيقاها معدومة عندنا، وكل اتكالنا على الوزن وعلى عبارات مترجمة عن فرلين ومالرمه وبودلير ورمبو وسامان وفاليري وغيرهم، فَلْنتقن علم فسيولوجيا اللغة لنحسن تركيب الأجسام، ولنعدل عن أخذها مركبة كالعقاقير الطبية التي تصدِّرها إلينا أوروبا، إنما يداوى المرء بأعشاب بلاده كما قال الحكيم العربي.

إنهم يريدون الشعر موسيقى بلا فكر، ولهذا قلتُ منذ ثلاثة أعوام: إن هذا الشعر كثير الفوسفور، قليل الفيتامين. فالشعر عندي فكرة موسيقية تضاف إليها طرواة النفس التي لا يكون الشاعر بدونها، والعوامُّ يقولون: نفسه خضرا … وهذه النفس الخضراء هي التي تقول شعرًا إذا أمدها الخيال، أما خضرة النفس فلبشارة منها حظٌّ غير قليل، أما الخيال فليس له أثر في شعره الذي يطل به الزمن على الليالي.

لقد صرفنا سنوات ونحن نقول له: كخ كخ، وهو مهاجم مستقتل، فهل يتسبب بهذا الشعر يا ترى؟

قال رنان: «إن نفسي ستحوم بشكل طائر البحر حول أبواب كنيسة مار مخائيل، ويقول عنها الفلاح إذ يراها إنها نفس كاهن يطلب الدخول إلى الكنيسة لتلاوة قدَّاسه.» فعلَّق محرِّر الديبا على هذه الكلمة بقوله: «ولكنها ويا للأسف، لا تجد أبدًا أولادًا يخدمون هذا القداس.» أما نحن فإننا نتمنى لصديقنا بشارة قداسًا احتفاليًّا، وبالعصا والتاج أيضًا، ولكن نحذِّره، فشمامسة اليوم ستمحوهم الأيام، فهل يجد حينئذٍ مَن يحمل له المبخرة؟

إن هذا الجنون في الأدب العربي وليد عصور، أنمته المنافرة، وسرى في عروق الذرية حتى انتهى إلى بشارة الذي تَخَيَّلَ شعره تطاير شعاعًا من هناك ومن هناكا. أما أنا فيظهر لي — والعلم عند الله — أنه لا يبقى منه إلى حينٍ غير بعيد إلا أبيات كثيرات الضرات، وإننا نصارح بشارة وأمثاله أن تاريخ الأدب لا يخلِّد إلا الشخصية والتجديد، فهل عند بشارة شيء من هذا؟ ليفحص ضميره!

سيعلم التاريخ يا عزيزي أننا لا نرى فرجًا بذمك. وعلى ماذا نحسدك؟ إننا لا نطمع أن نحلق «للثريا» فنطفئها، إننا نبحث الثرى حيث أنت ونحن مقيمون.

إنني أعرف نفسي وأثق بإخلاصي للأدب والفن، أما هذا العنف الذي تضيق به أنت فهو جبلَّة، فلومك على المرحوم والدي الذي فطرني، فسُبَّ دينه، أو تَرَحَّمْ عليه، فما قُدِّرَ كان …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤