إمارة الشِّعْر

وتفرَّقوا شِيَعًا فكلُّ قبيلةٍ
فيها أميرُ المُؤْمنِينَ ومنبرُ

لعنة الله على هذه الإمارة الجوفاء، إمارة الشعر، فهي سخافة بلقاء أسقطتنا من عيون المغاربة، وأشدُّ الناس رقاعةً وعتاهيةً شاعر يحلم بها، وشرُّ الثلاثة أديب يدعو إليها، ويحمل الناس عليها حملًا، فهل كانت إمارة شوقي — وهو شاعر جيله — غير مهزلة سجَّلها الدهر، وأبى أن يكتمها علينا التاريخ الذي لا يمحي ما يسجِّل؟

وأنكى البلايا أن تكون «الردَّة» في مدرسة طه حسين؛ أَمَا أنكر شيخ هذه الطريقة على الناس مبايعتهم أمس؟ فكيف يمهِّد — اليوم — لها ويوطِّئها ليتقمَّصها فلان؟ أَنَسِيَ — هداه الله ونفعنا بعلمه — كيف سَخِر من مهرجان شوقي، وكيف شَهَّر من مؤمريه رجلًا يؤثِره أي حافظ إبراهيم؟ وإنْ أَنْسَ لا أَنْسَ أنه لم يَسْلَم من لسانه وألسنة أنصاره أحدٌ حتى النظَّارة.

أَخارجيُّ الأدب المتبوع يجترح اليوم ما عدَّه أمس جريرة لا تُغتفَر؟! لقد كان أحرج من النظام في حظر العفو، فما عدا ممَّا بدا حتى حشر الناس حول العقاد، فأيقظ فتنةً نائمةً وأعادها جذعة؟!

أَلَا ليت الطفولية تعود! فكم لهونا بمثل هذه الأضحوكة يوم كنَّا غلمانًا تغلي صدورنا توقانًا إلى الرجولية! فمَن لا يذكر مثلي تلك الأعراس الصبيانية … فعريسنا كان صبيًّا شارباه من صوف، والعروس صبية ذوائبها من ألياف لا حرج علينا بنوعها إن اجتمع فيها الطول، فما أجملها أعراسًا حافلة بكل طريف: دفوف من تنك، وخيول من قصب، والشراب ماء مصبوغ لا أذكر بماذا …

فهلا تتذكر معي تلك السخرية وتقول: «إنها وإمارة الشعر صِنْوان، تلك شهوة غلمان وهذه أمنية شيوخ قلائد العقيان، وكهول شكسبير وشبنهور وهوفمان …» ولقد صدق أغوسطينوس حين قال: «الرجال أطفال كبار.» ورحم الله نيتشه القائل: «طلبت رجالًا عظامًا، فلم أجد إلا قرودًا تقلِّد حركاتهم …»

•••

منذ سنوات أربع عرفت أستاذًا أجنبيًّا «جامعيًّا» ودكتورًا من السوربون أيضًا، تفرَّد للأدب ومارسه تعليمًا ونقدًا، فتذاكرنا مرةً أدب المغاربة واتجاهاته الحديثة، ومناحيه الأشبة، وموجاته الصاخبة، قبل الحرب وبعدها، فانجرَّ الحديث إلى أدب المشارقة عامةً، فأدب العرب خاصةً، وتلوى البحث كما طابت له الريح، فتناولنا حتى اللغة العامية والفصحى، فإذا صاحبي على دين كليمان هيار يرى رأيه، وملء عينه مرونة اللغة العربية وكفاءتها، كما وصفها لنا المتمشرق ماسينيون، ولو شكا حسين هيكل عَجْزَها عن تأدية مراده … ودعا سلامة موسى في «يومه وغده» إلى نبذها وأشار علينا — أصلحه الله — بالالتحاق بأوروبا حيث نفنى في ذلك الخضم العجاج، منتظرين «كالبهائي» أن نُؤهَّل يومًا إلى «الانعدام» في ذات تلك الوحدانية.

فمَن يقرأ محاضرة ماسينيون ولا يقول مع الشاعر:

نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِينَا
وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا!

واطَّرَدَ الحديث فقال صاحبي: «عندكم أمير شعراء.»

قلتُ: «نعم يا سيدي، فنحن العرب نحب التأمُّرَ، ولو على أهل البيت!»

قال: «وهل لأميركم هذا عرش وتاج وصولجان كأحشورش استير؟»

قلت: «نعم، ويصلب هامان … له كل ما لملوك المهازل من أزياء وطراز. أَمَا لهذا من أَثَرٍ في بلادكم؟»

أجاب: «لا، فنحن إلى الجمهورية أميل منا إلى الملكية.»

فقلتُ: «أَمَا والله إنك لَجادٌّ. دَعِ المزاح، أتظن أن كبار أدبائنا يشايعون هذه البدعة؟»

قال: «أظن نعم.»

قلتُ: «لا يا صديقي العزيز، أَلَمْ تقرأ ما كتب طه حسين عنها؟ فطه حسين أديب مجدِّد، ضخم أمره، وله تشيَّع أنصار الجديد، فهو شيخ أزهري «شرقًا» وسربوني «غربًا»، وشمالًا وقبلةً يعلم الله ماذا. فهذا الإمام ولفُّهُ يسفِّهون حتى مَن يتحدَّث بالإمارة، وإنْ خبرت أنه جاء على ذِكْرها فَلِلْهزء والسخر …»

فقاطعني وقال: «لا تدافع يا صاحبي، حقًّا يا صديقي أنكم — معشر الشرقيين — مطبوعون على التبجيل والتعظيم.» وابتسم.

فقلتُ: «ما لكَ؟»

قال: «ألستم تقولون عندما تذكرون الله: «سبحانه وتعالى، جل جلاله»، بينا نحن لا نقول إلا: Le Bon Dieu، وإذا ذكرتم شعراءكم وكتابكم نسجتم حول أسمائهم عناكب ألقاب ونعوت حتى يختنقوا فيها كالذبابة التي تجذبها الرتيلاء؟ إن الألقاب عندكم تكال ولا تزان.»

قلتُ: «أمَّا تعظيمنا لله فما إخاله عيبًا، أما الشعراء فهم أبناء الآلهة، أليس كذلك؟»

فَلْنعد عن هذا، إنني لم أفرغ بعدُ من حديث «الإمارة»، فاسمح لي أن أدرأ هذه الشبهة، فأنتم كالحجاج وكثيرًا ما تأخذون بالشبهات.

أَلَمْ يأتِكَ نبأ العقاد — وهو من مدرسة المجددين — على طريقة غوت وشلي وشكسبير وهوفمان؟

فما سمع بمهرجان الإمارة حتى هدر كالجمل الأورق، وطفق يكتب فصولًا «الشعر في مصر» يدحض بها تلك الضلالة، هاك نتفًا منها، قال لا فُضَّ فوه:

ونظرت إلى العصور الحديثة بعد الإسلام، فلم أعثر بشاعر واحد أنبتته مصر يُذكَر بين أعاظم الشعراء وتُذكَر له رسالة من رسالات الحياة؛ فكل شعرائها عرب أو مقلِّدون للعرب، وكل هؤلاء وهؤلاء عالة على الأدب، ونفاية ضئيلة أولى بها أن تبيد وتهمل.

فطابت نفس صديقي واهتزَّ لما قلتُ وغمغم، فقلتُ اسمع أيضًا:

فشاعت بيننا مقاييس الأدب الإفرنسي الدارجة، وهي الطلاوة السطحية واللباقة العابثة، ومشينا معه في عيوبه ومحاسنه، وهي شبيهة بعيوننا ومحاسننا، فلم نفطن إلى فارق بين الصحيح والزيف، وبين الصدق والتمويه، ولم نخرج مما نحن فيه إلى مذهب غيره.

وتفرَّسْتُ بوجه صاحبي، فإذا بلونه قد اكفهرَّ وابتسامته اصفرت وقال: «أنت ماكر خبيث.»

قلتُ: «لا، صبرًا!» وسقت الكلام:

وخفيت علينا مقاييس الجد والاستقامة والبساطة التي امتاز بها الشعر الإنكليزي والألماني.

وحبًّا بالاختصار قلتُ له: «ويقول عن شاعركم العظيم هيغو أنه مجلجل مزوق خلَّاب، فهل مَن يقول هذا يؤمن بإمارة شعر، و…»

فقطع عليَّ حديثي وقال: «أينظم شعرًا صاحبك هذا؟»

قلتُ: «نعم.»

قال: «وكيف أسلوبه وديباجته؟»

قلتُ: «لا يطبع على غرار هيغو.»

قال: «لا شك، أظن أنه نيء التعبير.»

قلتُ: «لم أقرأ له بعد ما يصح السكوت عليه فأحكم. إليك الآن ما يقوله عن «أمير الشعراء» وإمارته في معرض نقده «خطاب العرش» الذي ألقاه الأمير في مهرجان «المبايعة» على وفود الشرق، قال — أي العقاد:

وقد يكون أميرًا كأمير الشعراء، لا حسَّ فيه ولا عبقرية، ولا أشعار له ولا ألحان.» ثم «فإن كل إمارة كذَّابة في هذه الدنيا فهي إمارة هذا الذي لا يكفيه أن يُعَدَّ شاعرًا حتى يُعَدَّ أمير شعراء، وحتى يُقال إنه عنوان لأسمى ما تسمو إليه النفس المصرية من الشعور والحياة.»

فقاطعني هنا قائلًا: «أيطمع هذا أن يكون أمير شعراء؟» قلت: «لا لا لا، اسمع أيضًا:

إنما هم جميعًا — أي شعراؤنا — سواسية في تشبيع الورد بالخدود، والبلابل بالقيان، والأزهار بالأعطار. ثم يقول: فكل شعرائنا طويل قصير، بدين هزيل، أبيض أسود، أحول أعمش … وكل ما يشهدونه من روعة الحياة لا يتعدَّى ذلك الذي يشهده كل ذي عينين حيوانيتين، كلبيتين أو بقريتين أو فيليتين إلى آخِر ما في الحديقة من ذوات العينين. فلو نظمت الكلاب والقطط يومًا باللغة العربية، لَعلمت منها أنها هي أيضًا تفهم كما يفهم شعراؤنا أن الورد أحمر … إلخ، وربما زادت على شعرائنا بفهم ما لا يفهمونه وهو تحية الحب … إلخ.»

فصاح صاحبي: «هوب، لا، إنه يغالي جدًّا، هذا سباب وشتائم، ما هذا نقدًا!»

وكان معي صديق يسيغ الأدب ويلذ له حديثه، فقال لي: «فضحتنا يا شيخ، بحياة أبيك، كُفَّ عنَّا شرَّك، أإلى هذا الحد ينتهي تجريسك بنا؟»

فأجبتُ: «لا تحتدَّ يا أخي! كل هذا في كتاب العقاد «ساعات بين الكتب».»

فقال صاحبنا الأستاذ الإفرنسي: «ولكنها ساعات سويداء، أظن أنه كان يحلم بالإمارة والتقنفش ساعة كتب هذا!»

وافترقنا على أن نلتقي، ولكن البحر ابتلع صاحبي الأستاذ، ففُجِع به الأدب والعبقرية.

•••

وكان مساء وكان صباح عام ثانٍ، على لغة سِفْر التكوين، وطوى الموت أمير الشعراء، فخوى العرش الأسنى، فقلتُ في نفسي: «لقد أراح القضاءُ طهَ والعقاد من خزعبلةٍ خالِط ألمها اللحم والدم.» ولشد ما تعجبت حين فجأتني الصحف بشاول بين الأنبياء.

لقد آمَن طه بما جحده أمس، والتفت صوب العراق، وشوقي لم يُدفَن بعدُ، وقال: إن إمارة الشعر ستكون في العراق بعد شوقي، كأنها الخلافة البطرسية، فلا بد منها للكنيسة الكاثوليكية …

يا سبحان الله! إن التحول والتطور أظهر في الآراء والأميال منه في كل ما هو كائن، وإلا فكيف يعترف طه بإمارة زائفة تهزَّأ بها أمس؟ وهَبْه أقرَّها وأرادها فلِمَ أشاح وجهه عن خليل مطران وهو أحد الثلاثة المفروضين؟ ألَمْ يُثْنِ عليه طه؟ ألَمْ يقدِّمه حين ذكره في مقالاته «حافظ وشوقي»؟

ودارت الأفلاك دورتها والعقاد كالسماك الأعزل، لا يفتأ يذكر يوسف، لا يشارك ولا يساهم أدباء الجيل في شيء حتى كان يوم ٢٧ أبريل؛ فإذا بحفلة تُقام للعقاد بمسرح الأزبكية من أجل «نشيد» نظَمَه، فينتصب طه حسين فيها خطيبًا، ويتكلم عن «العقاد الشاعر»، وتكلَّمَ وتكلَّمَ وتكلَّمَ «على لغته» حتى نُودِي بالعقاد أمير شعراء، فحلَّ اليوم — في شرع طه والعقاد — ما لم يَجُزْ البارحة، إنما لنكد طالعهما ويمن طالع الأدب والتاريخ لم يكن في الحفلة شاعر، فكانت الحفلة مفلسة «أدبيًّا» غير مكثور عليها «وطنيًّا»، فكانت إمارته كولاية ابن المعتز، فلم يُحْصَ بين الخلفاء.

أما الشعراء فأدركوا بدهائهم — وهم أبناء الإلهام — تلك الحيلة المدبرة، فلم يقعوا في فخِّ معاوية الذي أوحى إلى «مسكين» أن ينصبه، فراح — وا أسفاه! — تعب النقَّادة الحاذق سُدًى كصيحة النسر في الجو، وارفضَّتِ الحفلة عن لا شيء، اللهم إلا عن شنشنة نعرفها من أخزم …

وهكذا فشل العقاد وطه كما فشل الهراوي من قبلُ بدعوته إلى «الموسم»، فقامت عليه قيامة الكتَّاب والشعراء في «السياسة» يتهمونه بمراودة إمارة الشعر عن نفسها، كما راودها ويراودها في كل قطر غواةٌ، وهواةٌ، هم أشبه بضفدعة لافونتين، فانشقوا وما صاروا جواميس!

وأتت نوبة العقاد وطه بعد شهرين، فثار عليهما الشباب الشعراء وشقوا عصا الطاعة. انقلابات ومفاجئات تذكِّرني بما يحدث في المكسيك والبرازيل وأميركا الوسطى حول انتخابات الرؤساء …

وإذا كنتَ لم تملَّ حديثي بعدُ، فاسمع أحدِّثك كيف ردَّ الشعراء على حفلة العقاد؛ التأموا بمسرح الهمبرا — أظنها الحمراء تنكرَتْ علينا ككلمة Alcool فعرَّبَها أحد الفطاحل «الألكحول» — وأقاموا حفلة كبرى لزكي مبارك، افتتحها خليل مطران — لا أقول شاعر الأقطار، فلكل قطر من فيض الله ألف شاعر، وأنا لستُ من مذهب مَن فاته اللحم … — افتتحها خليل بنثر وشعر، وقال فيها شعرًا: ناجي «وراء الغمام»، وأبو شادي «الينبوع»، والهراوي «الموسم»، والزجال رمزي نظيم، وغاب عنها صاحب «الملاح التائه»، وغنَّى عبد الوهاب، وهذا هو الوفاء، فهو يرعى عهد «أميره» في مثواه، أَوَلَمْ يقل عبد الوهاب عن نفسه «إنه قصيدة من قصائد شوقي»؟ إذن كيف لا يكون مطرب حفلة تقام ردًّا على طه والعقاد؟

وبعدُ، أفلم تَرَ مثلي أن الناس احتفلوا ليكرموا كاتبًا — أنا أرى رَأْيَ المازني في شاعرية زكي، وقد عاهدتُ نفسي ألَّا أُحَابِي — فتجمَّعَتْ فئة من رءوس الشعراء لتقول فيه شيئًا؟ واحتفي بشاعر نظم «نشيدًا» لم يترنم به أحد، بل بكاتب أقام الدنيا وأقعدها ليحطم شاعر الجيل، فما حضر الحفلة شاعر؟ أَلَا رحم الله الصاحب ابن عباد، فهو والعقاد عندي سواء، كما سوف ترى.

روى سلامة موسى صاحب «المجلة الجديدة» عن طه حسين في معرض الكلام، عن الذين «يسمون أنفسهم أدباء الشباب» أنه قال له: «حُبُّ الشُهْرة عدو الفن.»

لقد وقعت على موضوع عتيد، إنما أسأل الآن الدكتور طه حسين على عَجَلٍ: هل يطيق مولانا — أيَّدَه الله — أن يطبِّق لنا ما نصح به أدباء الشباب على طه حسين؟ أقول هذا ولا إخال مطلبي يعجز من عنده مقياس ديكارت.

حاشية: لقد بَعِلْتُ بأمري — على لغة المنفلوطي الذي فرَضَ درسه مجلسُ معارفنا الأعلى، وقد كنتُ بينهم ولا فخر، وأهمل جبران — وتلفتُّ كثيرًا لعلِّي أرى المازني إما هنا وإما هناك، فما وقفت له على أثر؛ فقلت في نفسي: لئن تخلَّفَ عن شهود حفلة تنصيب الأمير، ليسمعنا مقالًا أشبه بخاط لي زيد قباء … ولكنني تعبت الليل كله ولم أصطد شيئًا كما قال بطرس لمعلمه.

•••

قُلْ معي إذن يا أخي: قاتل الله إمارة الشعر، البشعة أمس، الحلوة اليوم في عيني العقاد! إن هذه الإمارة فتنة عمياء كمنايا زهير؛ فهي في أدبنا بيت الداء، وطلَّابها متخمون حتى الأفواه، يمضغون ما يتجشَّئون ويجترُّون، وعلى هذا الضعف في المعدة والأمعاء يحاولون أن يكونوا أمراء، ولما أتى نبأُ إمارة العقاد خليلَ مطران، ظل يردِّد حتى آخِر الليل بيته في علي يوسف:

بَنَاتُ الدَّهْرِ عُوجِي لَا تَهَابِي
خَلَا الْوَادِي مِنَ الْأُسْدِ الْغِضَابِ

هلا، هلا، يا خليل، ففي كل وادٍ أُسْد وأشبال لولا تقليم أظافرها. فالمستأثرون بالشهرة الناهون عن طلَّابها يحوِّلون الأنظار عن الأجم، فعطفًا على الذرية ففيها بقاء النوع، وتعهدوا الشباب كالبستاني الذي يشد الفسيلة الجذعة إلى جذع الشجرة الشائخة.

بحياتك قُلْ لِطَهَ عني أن يلاطف أدباء الشباب — قد تكون كلمة «يلاطف» لا تعجبه ككلمة «تلاشى» — ويجري معهم على ما عوَّده إياه حفني ناصف، أَمَا قال طه عن حفني: «كنا نستعينه على أن نكون خيرًا منه، وكان يعيننا على ذلك راضيًا به …»؟ فما بقي من جملة الأستاذ لا يعنيني، ولا أقول لا يعجبني، كما يقول هو، فأنا حسبي الرضا.

وقصارى الكلام: إنْ كنا نروم خَلْق أدب عربي غزير المتاع، عظيم الخطر، يتعدى ما يشهده ذووه من روعة الحياة ذلك الذي يشهده كل ذي عينين حيوانيتين كلبيتين أو بقريتين … إلخ. فلا نزدرِ نتاج الشباب، وَلْنمدَّ إليه مبضع النطاسي لا مدية الجزار.

أما إذا أردنا أدبًا، إنْ نظمَتْ فيه الكلاب والقطط باللغة العربية، علمت أنها هي أيضًا تفهم كما يفهم شعراؤنا أن الورد أحمر … إلخ. فاجعل «صاحبك» أمير الشعراء وخاتمة الأدباء.

وإن رأى سموه أن كلمتي هذه لاذعة قارصة جارحة، فإنني أحيله على زميله العتيق، الصاحب بن عباد القائل: هذه بضاعتنا رُدَّتْ إلينا، والسلام على مَن أدَّى الأمانة ورد التحية.

٨ / ١٩٣٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤