الفصل العشرون

إن الذي يبني مجده على أكتاف الآخرين يزول مجده بزوالهم. فمجدك إن لم تصنعه يداك على أساسٍ من الكفاءة والعمل الجاد إنما هو سراب قد يفرح به الرائي، ولكن إذا بلغته الحقيقة وجدته وهمًا من الوهم، وهباءً من الهباء.

ولكن الذين يخدعون أنفسهم مساكين، فهم أول مَن يصدِّق أنفسهم حين تخدعهم، وهم في خداعهم هذا يعمون عن الحق ويطيشون عنه، ويظنون أن مجدهم هم صانعوه، وهيهات لهم أن يتبينوا الحقيقة من أنهم نباتات متسلقة على أشخاص آخرين. فإذا شاء حظهم التَّعِس وزال هؤلاء الآخرون طالعتهم الحقيقة صريحةً صارخةً لا قِبَل لهم بمواجهتها، ولا قِبَل لهم بتجاهلها، وويل لهم من أنفسهم حينذاك. فالنفس الممزقة والحقيقة التي تكشف الوهم وتجعل الدجل ينماع إلى زوال ويتهافت إلى تلاشٍ وينهار إلى هباء، تجعل الواهمين الدجالين في سُعار من الجنون يتخبطهم الشيطان فيعرف الناس عنهم أعماق الأعماق التي كان يغشِّيها الوهم ويذود عنها الدجل الرؤية الصادقة.

وقد يغيب الحق عن الظهور بعض الوقت ولكنه في موعده قادم لا شك، وهو في قدومه موكب له طبل وزمر وزفاف كفيل أن يجعل الخداع مهتَّك الأستار والدَّجل مفضوحًا ليس له من غطاء ولا وقاء.

لهذا لم أعجب وأنا في الكويت حين كنت أقرأ مقالات حسن، فالعهد الجديد يرفض أن يعطيه ما كان يعطيه العهد الماضي. فإذا هو يبالغ في مديح الماضي، وهو في مديحه لا يملك أدلة من واقع؛ فالهزيمة ماحقة والجِراح من النفوس والجسوم ما زالت تنزف، وليس هناك نظرية واضحة المعالم يستطيع أن يتخفى وراءها كما كان يتخفى حامد وراء نظرية. وهكذا أصبح موقف حسن مضحكًا. وكلما كتب ازداد الناس ضحكًا منه، ولكنه ضحك موجع مؤلم كله سخرية من ذلك الذي خدعهم حينًا ثم تكشَّف أمره عن بلياتشو كانت الأصباغ تغطي وجهه ثم أزالتها مياه الحرية، فإذا هم يتبينون أن الوجه لم يكن وجهه وإنما كان وجه الآخرين.

إن الشيوعيين حين يدافعون عن رأيهم يجدون نظرية مهما تكن فاسدة سفاحة قاتلة للإنسان في الإنسان، إلا أنها على كل حال نظرية اعتنقها سفاكون وفرضوها على دول. وهكذا كان حامد يستطيع أن يقول ويجد ما يقول. أما حسن فعن أي شيء يدافع؟ ليس في يده إلا وقائع كلها عسف وبطش وجبروت واعتداء على كل ما هو إنساني، جسمًا كان أو روحًا أو كرامة.

ووجد حسن مدخله إلى الحديث من باب ضيق حشر نفسه فيه فلم يخرج، فقد راح يدافع عن الهزيمة ويبيِّن أنها أمر لا يمكن تلافيه، وأن التفكير في حربٍ أخرى إنما هو الخراب الآخذ الشامل الذي لا خراب مثله. ويقرأ الجيش هذا الكلام فيزداد سخطًا على حسن، ويقرأ العرب هذا الحديث فيزدادون اشمئزازًا من الكاتب ورفضًا له.

فقد كانت الحرب هي الأمل الوحيد الذي يتحدثون به، وقد كنت أنا بعد الهزيمة واثقًا أنه لا حرب هناك. وكيف تكون الحرب مع جيشٍ هزم الجيش المصري في ساعات والجيش السوري في دقائق؟!

ولكنني مع ذلك كنت لا أميت الأمل في نفس محدثي، وأذكر بيت الشعر:

إذا تَمنيتُ نِمتُ الليلَ مُغتبطًا
إن المُنى رأس أموال المفاليسِ

وقد كنت أعتقد اعتقادًا راسخًا أننا أصبحنا أكثر هوانًا من كل مفاليس العالم.

أما أنا فلست كاتبًا، وأنا لا أنشر رأيي على الناس، فمن حقي أن أظن ما أشاء، وأعتقد ما أريد أن أعتقد، ما دام هذا الظن وذلك الاعتقاد حبيسين في نفسي لا يخرجان منها إلى كلام منشور في صحف.

أما الكاتب، فإنه وإن كان واجبه أن يكون إنذارًا للناس ونورًا لهم ومصباحًا على غدهم، وكشفًا لأمسهم، إلا أنه لا يجوز أن يكون لهم حسرةً وبأسًا. فإذا توجَّس وجب عليه أن يذكر مكان الأمن، وإذا حذَّر تحتَّم عليه أن يبيِّن طريق الرشاد. أما أن يكون ارتكاسة مع الحكام ومعولًا مع الخراب وهزيمة مع الهزيمة، فهذا ما لا يرضاه أحد من كاتبٍ ولا يرضاه أحد له.

وقد كان حسن ارتكاسةً وحطامًا ومعولًا وخرابًا وهزيمةً في وقت معًا.

في أول رمضان جئت إلى القاهرة لأقضي الشهر مع حورية وحلمي ومع أمي، وبدأ الشهر، بدأ طبيعيًّا، ولكن ما كادت تمضي منه أيام ستة حتى انفجر في العالم العربي ذاك الخبر الذي قلب موازين العالم أجمع.

مصر تعبر القناة.

كان حلمي في تلك السن التي تبهرها الأنباء ولا تطل إلى ما وراءها، فإذا الفتى يكاد يُجَن من الفرح، فهو رائحٌ غادٍ في البيت وفي يده الراديو، أو وهو ممسك به عيناه على التليفزيون التصقتا به.

أما زوجتي فهي خائفة على الشباب الذي يحارب، وهي في نفس الوقت فرِحة سعيدة، فهي تعتقد أنه لم يكن لنا سبيل إلى استعادة الحياة إلا بحربٍ أخرى ولتكن نتيجتها ما تكون. أما أمي فلا تترك كرسي الصلاة على السجادة، فقد كانت لا تستطيع أن تصلي إلا وهي جالسة وهي تدعو الله في تجرُّد كامل لوجهه سبحانه أن يحمي أبناء مصر المحاربين.

أما أنا فقد كان أمري عجيبًا! لقد توقَّعت هزيمة محققة. والآن وأنا أفكِّر بعد كل هذه السنوات أجدني كنت محقًّا في تفكيري، وإلا فكيف لجيش هُزِم منذ ست سنوات فقط في ست ساعات أن يعود إلى حربٍ أشد شراسة بنفس الرجال ونفس السلاح ويريد أن ينتصر؟!

لقد كان في الحرب الأولى مع العدو على أرض واحدة لا تفصله عنه حدود من طبيعة أو من صنع الإنسان، والآن يريد أن يعبر القنال ويحطِّم خط برليف وما فيه من ألسنة لهب مثَّلوها لنا كنار جهنم، ثم ينتصر!

أينهزم ولا حدود بينه وبين عدوه وينتصر وبينه وبين عدوه حواجزُ من بحار وجبال ونيران؟! هيهات!

ولكن الآن لا بد أن أقول إذا لم يكن الجيش قد انتصر وأمامه كل هذه العقبات لما حقَّق المعجزة، وقد شاء ربك من فوق سماوات سبع أن يقول لعباده آمِنوا بي، فإن أكن قد قطعت عنكم رسالات السماء فإني أرحم بكم من أن أقطع عنكم معجزاتها.

وتمت المعجزة.

ويماري فيها أقوام في نفوسهم إحنٌ وأحقاد مثل حسن وحامد ولكنها معجزة. وما لهذين ولأمثالهما ألا يماروا! وإلا فماذا كنا نريد منهم أن يقولوا؟! أعيدوا إلينا شلالات الأموال التي كانت تنسكب علينا، وآيات المجد التي كانت تحيط بنا، وطقوس الإجلال التي كانت تُفرش تحت أقدامنا.

وما لهم ألا يماروا وقد خسروا بانتصار مصر طريقَهم إلى خراب مصر.

استعاد حلمي ابني نفسه وأحسَّ أنه إنسان مكتمل، وفي يوم وقف إطلاق النار فوجئنا به على المائدة يقف والدمع في عينيه ويصيح بأعلى صوته: أنا مصري، بابا أنا مصري، نينا أنا مصري، ماما أنا مصري.

كانت بداية مشرقة لعامه المدرسي، فقد كان في الثانوية العامة، وقد اختار هو دون أي تدخُّل من أحد أن يكون في القسم العلمي. وكانت درجاته العلمية تتيح لي أن أستبشر خيرًا باختياره هذا.

وكان حلمي في الإجازة قد وثَّق صلته بقريتنا الرمايحة، وقد أغراه فريد بن الحاج سعدون الذي أصبح يشرف على أرضنا بعد أبيه أن يربي بعض عجول بدلًا من أن يترك العزبة خالية من البهائم تمامًا، وقد أحببت أن يرتبط عدلي بالرمايحة وشجَّعت تحمُّسه المراهق، وفرح وبدأ مشروعه، وقد كان الفتى يعرف حقوقه وواجباته، وكنت واثقًا أن اشتغاله بالعجول لن يشغله عن الدروس، وكنت أمزح معه قائلًا: يا عدلي يا بني العجول لا تغني عن العقول.

ويبتسم في ثقة ويقول: لا تخف.

•••

انتهى شهر رمضان وعدت إلى الكويت لأقضي بها أسبوعين. لقد عادت مصر إلى مكانها، بل إنها عادت إلى أرفع مكان تبوَّأته في تاريخها، وما لها ألا تعود وقد حققت النصر الوحيد في العصر الحديث؟ ولكن عجيبة! أم تُراها ليست عجيبة؟ لقد كانت الهزيمةُ هزيمةَ مصر وحدها، ولكن وبقدرة قادر — أم تُراني يجب أن أقول بقدرة ظالم — أصبح النصرُ نصرَ العرب أجمعين! لا بأس فليكن كذلك، وهل مصر والعرب إلا كما قال الشاعر:

وهل أنا إلا من غَزِيةَ إنْ غوتْ
غويتُ وإنْ تَرشُد غَزِيةُ أَرشُدِ

وانتهى الأسبوعان. وركبت الطائرة عائدًا إلى القاهرة. شعور عجيب يتولاني كلما عُدت من الخارج إلى مصر. مهما يكن المكان الذي كنت فيه والذي أعود منه إلى مصر. أنا دائمًا مشوق إليها بكل حال هي عليه. أنا مشوق إليها والظلم يتغشَّاها ويتغشَّاني معها، ومشوق إليها وحقي وحقوق المصريين مكفولة. ومشوق إليها حتى بعد أن خامرها ما خامرها من طريق غير سوي وماء متفجر وكهرباء مقطوعة وتليفون لا ينطق، بل ربما أنا أشد شوقًا إليها وهي في تلك الحال من شوقي إليها وهي لا تعاني. وهل نعرف قيمة الأم إلا إذا مرضت الأم. وهل نحبها في مألوف أيامنا قدْر ما نحبها وهي تعاني. وأمنا الخالدة تعاني، فنحن أبناءها أعظمُ لها حبًّا، وأكثر إليها لهفة، وأشد عليها حرصًا.

لقيني حلمي في البيت، وما هدأ بي المقام حتى وجدته ينتهز فرصةَ صمتٍ ويسارع قائلًا في لهفة، وقد وضح لي أنه كان يختزن ما يقوله منذ أيام، وينتظرني متعجلًا عودتي ليعرض علي ما يعرض.

– يا بابا من المفروض أن يأتي إلى العجول طبيب بيطري ليرى إن كانت قد بلغت الحجم الذي تستحق معه الحصة المخصصة لها من العلف أم لا، وقد جاء الطبيب ورأى العجول وقرَّر أنها لا تستحق بعد تلك الحصة، وقبِلت رأيه كأمرٍ مقرَّر ولم أناقشه، وخرج الطبيب من المنزل هو والتمورجي الذي يعمل معه، ولكن ما هي إلا دقائق حتى عاد التمورجي ليهمس في أذني: إذا كنت تريد أن يقرر الدكتور حصة العلف فادفع خمسة جنيهات عن كل رأس. وسألته: لمن؟ قال للدكتور. قلت: أهي تمغة أو ضريبة حكومية مثلًا؟ قال: لا، وإنما هي إكرامية للدكتور. قلت: ولك؟ قال: اللي تشوفه. قلت: ولكن الإكرامية من الإكرام، والإكرام لا يكون بالعافية. قال: والله أمرك. قلت: اتركني أفكِّر في الأمر. والحقيقة أن المبلغ بسيط لا يستحق التفكير، ولكنني يا بابا لا أتصور أن أبدأ حياتي بالرشوة، وفي نفس الوقت أرفض أن يقع علي ظلم لأنني رفضت أن أقدِّم رشوة. ماذا أفعل؟

ولا أدري إن كان قد ظهر على وجهي ما شقيت به من ذلك الحديث أم لم يظهر، فُجِعت فجيعة كبرى. ليس الأمر غريبًا علي. ولكنني شأن الناس أرى الشيء وهو بعيد ولا أتوقع أن يلاقيني أنا في طريقي. ماذا أنا قائل لابني الآن؟ أأقول اقبل أن تكون راشيًا؟ هذه هي المُثُل العليا التي يريد أب مثلي أن يرسيها في نفس ابنه. وماذا سيكون أمري أمام ابني وهو يرفض لنفسه أن يكون راشيًا وأنا أقبل له هذا؟ أم أقول له ارفض وهو يريد أن يخوض الحياة وقد بدأ خوضها فعلًا بتلك العجول التي يربيها؟ وكيف يستطيع خوضها وهو بكل هذه الطهارة؟ ويل لمصر مما مر بمصر!

قد يصلح الطريق فيها للسيارة، ولكن ما أظن أنه سيصلح للمُثُل العليا، وقد لا تنقطع فيها الكهرباء ولكن نور الشرف سيتأخر عن الإنارة، وقد يتحدث التليفون ولكن شقة عمي ما زالت تعمل، وما زال التليفون يُستعمل في إقامة لياليها.

قلت لحلمي في حسم: حلمي ما دمت قد دخلت إلى الحياة فينبغي أن تقرِّر طريقك فيها وحدك. انظر أنت ماذا تريد أنت أن تفعل وافعله.

قال الفتى في حسم: بابا، أنا لن أدفع مليمًا واحدًا، وليكن بعد ذلك ما يكون.

قلت في نفسي: لهفي عليك يا بني، لقد اخترت طريقك لا شك في ذلك، فاللهم يا رب العالمين يا حق يا عدل يا سبحانك ثبِّته على هذا الطريق وإن لقي فيه ما لقي الحسين بن علي.

وقررت أن أقيم في مصر، وهنا بجانب ابني، فإنه في هذا الطريق سيحتاجني لأكون له نسمةَ هواء في هجيره، ونفحةَ دفء في جليده. أنا هنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤