امرأة عند نقطة الصفر

١

هذه المرأة حقيقية من لحم ودم، قابلتها في سجن القناطر منذ بضعة أعوام، كنت أقوم ببحث عن شخصية بعض النساء المتَّهَمات أو المحكوم عليهن في قضايا متنوعة.

وقال لي طبيب السجن: إن هذه المرأة حُكِمَ عليها بالإعدام؛ لأنها قتلت رجلًا، ولكنها ليست كالقاتلات المقيمات هنا في السجن؛ فهي شخصية مختلفة تمامًا، ولن تقابلي واحدة مثلها داخل السجن أو خارجه، إنها ترفض مقابلة أحد، وترفض أن تردَّ على أحد، وهي لا تأكل إلا نادرًا، ولا تنام إلا عند الفجر، تراها السجانة أحيانًا جالسة شاردة محدقة في الفراغ ساعات طويلة، وذات يوم طلبت ورقة وقلمًا، وقضت ساعات كثيرة منكفئة فوق الورقة، ولم تعرف السجانة إذا كانت رسالة إلى أحد، أم أنها لم تكتب شيئًا على الإطلاق.

وسألتُ طبيب السجن: وهل هي ستقابلني؟

وقال: سأحاول أن أقنعها بأن تجلس معك بعض الوقت، وربما توافق حين تعلم أنكِ طبيبة نفسية ولستِ محققة من النيابة؛ فهي ترفض الإجابة على أي سؤال، وقد رفضت التوقيع على الالتماس لرئيس الدولة من أجل تخفيف الحكم عليها من الإعدام إلى السجن المؤبد.

سألته: مَنْ كتب لها هذا الالتماس؟

قال: أنا كتبته لها؛ لأني في الحقيقة لا أشعر أنها قاتلة، لو نظرتِ في وجهها وعينيها فلا يمكن أن تتصوري أن هذه المرأة الرقيقة يمكن أن تقتل.

وسألته: ومَنْ قال إن عملية القتل لا تحتاج إلى رقَّة؟!

حملق في وجهي بدهشة لحظة خاطفة، ثم ضحك ضحكة عصبية قصيرة وقال: هل قتلتِ أحدًا؟!

قلت: وهل أنا امرأة رقيقة؟!

حرَّك رأسه إلى الناحية الأخرى، وأشار إلى نافذة صغيرة وقال لي: هذه هي نافذة زنزانتها، سأذهب لأقنعها بأن تنزل إليك.

وعاد إليَّ طبيب السجن وحده، رفضت فردوس أن تقابلني.

وكان عليَّ في ذلك اليوم أن أقوم بفحصٍ نفسي لبعض المسجونات الأخريات، ولكني ركبت سيارتي وغادرت السجن.

وفي بيتي عجزت عن عمل أي شيء، كان عليَّ أن أراجع مسودات كتابي الأخير، لكن ذهني كان عاجزًا عن التركيز في شيء آخر غير هذه المرأة المسماة «فردوس»، والتي سوف يُنَفَّذ فيها حكم الإعدام بعد عشرة أيام.

في الصباح الباكر من اليوم التالي وجدت نفسي في السجن، لم يكن طبيب السجن قد وصل بعدُ، وطلبت من السجانة أن تسمح لي بمقابلة فردوس، لكن السجانة قالت لي: لا فائدة يا دكتورة؛ إنها لن تقابلكِ أبدًا.

وسألتها: لماذا؟

قالت: إنهم سيشنقونها بعد أيام، فما الذي تريده منك أو من غيرك؟! اتركوها في حالها!

كانت لهجة السجانة غاضبة، ونظرت إليَّ بعينين حانقتين وكأني أنا التي سأشنقها بعد أيام.

وقلت للسجانة: أنا لست من المسئولين هنا في السجن أو خارج السجن.

قالت بغضب: كلهم يقولون ذلك.

سألتها: ولماذا أنتِ غاضبة إلى هذا الحد؟ هل تعتقدين أن فردوس بريئة ولم تقتل؟

ردت بغضب أشد: قتلت أم لم تقتل، إنها بريئة، ولا تستحق الشنق، إنهم هم الذين يستحقون الشنق.

سألتها: مَنْ هم؟

نظرت إليَّ في ريبة وقالت: مَنْ أنتِ؟ … هل «هم» الذين أرسلوك إليها؟

سألت مرة أخرى: مَنْ هم؟

تلفَّتت حولها في حذر أشبه بالخوف، وابتعدت عني وهي تقول: هم! ألا تعرفينهم؟

قلت: لا.

ضحكت ضحكة ساخرة وتركتني، وسمعتها تقول لنفسها: كيف لا تعرفينهم وكل الناس تعرفهم؟

وتكررت زيارتي للسجن، وفي كل مرة حاولت أن أرى فردوس، لكن محاولاتي كلها باءت بالفشل، وأصبح البحث النفسي الذي أقوم به مهددًا، بل إن حياتي كلها بَدَتْ أمام عيني كأنما هي فاشلة أو مهددة بالفشل، وأحسست أن ثقتي بنفسي بدأت تهتز أو اهتزَّت فعلًا. ومرت بي لحظات قاسية خَيَّلَتْ إليَّ أن هذه المرأة القاتلة والتي ستُقْتَل بعد أيام أفضل مني، وأنني إلى جانبها لست إلا نملة صغيرة تزحف على الأرض وسط ملايين الحشرات.

كلما تذكرت شكل عينَي السجانة أو طبيب السجن وهما يتحدثان عن رفضها لكل شيء، وإعراضها عن كل شيء — وبالذات عن لقائها بي — يزيد إحساسي بضآلتي، وفي إحدى الليالي أصابني أرق، وسؤال مُلِحٌّ في أعماقي لا يريد أن يكفَّ: أي نوع من النساء هي؟ وإذا رفضتني فهل معنى ذلك أنها أفضل مني؟ ولكنها رفضت أيضًا مخاطبة رئيس الدولة!

وتملَّكني إحساس غريب أشبه باليقين أنها أفضل من كل الرجال وكل النساء الذين نسمع عنهم أو نراهم أو نعرفهم.

وخطر لي هذا السؤال وأنا أحاول أن أتغلَّب على الأرق: هل رفضتني وهي تعرفني؟ أم رفضتني دون أن تعرفني؟

•••

في الصباح التالي وجدت نفسي في السجن، لم أكن أسعى إلى محاولات جديدة للقاء فردوس؛ فقد يئست تمامًا من لقائها، لكني كنت أبحث عن السجانة أو طبيب السجن.

لم يكن الطبيب قد ظهر بعدُ، ووجدت السجانة فسألتها: هل قالت لكِ فردوس إنها تعرفني؟

وردَّت السجانة: لا، لم تقل لي شيئًا. ولكنها تعرفك.

سألتها: وكيف عرفتِ أنها تعرفني؟

قالت: أنا أحس بها.

وظللت واقفة في مكاني جامدة، وتركتني السجانة إلى عملها، حاولت الاتجاه إلى سيارتي لأغادر السجن، لكني لم أتحرك من مكاني، إحساس ثقيل يجعل قلبي ثقيلًا وجسدي ثقيلًا وساقَيَّ ثقيلتين عاجزتين عن الحركة، إحساس أثقل من الأرض، كأنما الأرض هي التي تقف عليَّ، ولست أنا التي أقف على الأرض، بل إن السماء أيضًا أصبحت سوداء كالأرض، وتضغط هي الأخرى فوقي، إحساس لم أجرِّبه في حياتي من قبلُ إلا مرَّةً واحدة، ومنذ سنوات بعيدة حين أحببت رجلًا لم يحبني، وأصبح رفضه لي ليس رفض إنسان واحد في عالم ضخم مليء بملايين البشر، ولكنه رفض العالم كله لي، بكل ما فيه وبكل من فيه.

وشددت ظهري لأرفع قامتي وأتنفس شيئًا من الهواء، وخفَّ الثقل عن رأسي بعض الشيء، وبدأت أتلفت حولي وأندهش لوجودي في السجن في هذا الوقت المبكر، ورأيت السجانة منكفئة على بلاط أحد الممرات تمسح الأرض، وتملَّكني إحساس غريب بالاستخفاف بها؛ فهي امرأة تمسح بلاط السجن، ولا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف شيئًا في علم النفس، فكيف صدَّقت إحساسها على الفور! إن فردوس لم تقل لها إنها تعرفني، وإذا كانت لا تعرفني وترفضني، فإن هذا الرفض يجب ألا يؤلمني؛ لأنها لا ترفضني أنا بالذات، وإنما ترفض العالم كله بمن فيه.

تحركت ناحية سيارتي لأغادر السجن، وأنا أدرك أن مثل هذه الأحاسيس الذاتية يجب ألا تراود باحثة علمية أثناء إجرائها لأي بحث. وكنت أبتسم وأنا أفتح باب سيارتي، وقد أعاد ملمس سيارتي تحت يدي إحساسي بذاتي وكرامتي كطبيبة، مهما كانت فهي أفضل من امرأة محكوم عليها بالإعدام بسبب جريمة قتل، وعاد إليَّ إحساسي العادي بنفسي (الذي يلازمني معظم الوقت) حين أدرت محرك العربة وضغطت بقدمي على دواسة البنزين، وبكل قوتي أيضًا دست على إحساسي الطارئ (الذي يراودني أحيانًا في لحظات الفشل) بأنني لست إلا نملة صغيرة تمشي على الأرض وسط ملايين الحشرات. وسمعت صوتًا من خلفي غلب على صوت محرك العربة ينادي: يا دكتورة! يا دكتورة!

كانت هي السجانة، وقد جرت خلفي تلهث وبصوت لاهث كالأصوات التي أسمعها في الحلم، وفمها أيضًا أصبح كبيرًا، وشفتاها كبيرتين، تتحركان أمام عيني كمصراعَي بابٍ كبير يُفْتَح ويُغْلَق ثم يُفْتَح ويُغْلَق، وسمعتها تقول: فردوس يا دكتورة! فردوس ستقابلك!

لو أنها كانت تقول: إن رئيس الدولة هو الذي سيقابلني ما كان صدرها يعلو ويهبط بهذا الشكل، وما كانت أنفاسها تلهث بهذه السرعة، وما كانت عيناها أو وجهها يعكس هذا الانفعال العنيف!

وأصبحت أنفاسي تلهث هي الأخرى كأنما بالعدوى، أو بعبارة أصدق: ألهث لأن قلبي بدأ يدق دقًّا عنيفًا، لم أعرف كيف هبطت من العربة، وكيف سرت خلف السجانة أتبع خطاها، بل إن قدميَّ كانتا تسبقانها في بعض الممرات، قدمان سريعتان خفيفتان كأنما لا تحملان جسدي، وإحساس غريب أزرق، وكأنني أمسك السماء بعيني، وأمسك العالم بيدي، والعالم كله ملكي، إحساس لم أجربه في حياتي إلا مرة واحدة منذ سنوات بعيدة حين أحببت لأول مرة، وذهبت في أول موعد للقاء حبيبي.

وتوقَّفت لحظة قبل أن أدخل من باب فردوس لأجمع أنفاسي وأعدل ياقة ثوبي، كنت في الحقيقة أحاول أن أستردَّ نفسي، أن أسترد إحساسي العادي بنفسي، وبأنني باحثة علمية أو طبيبة نفسية أو أي شيء من هذا القبيل. وزاد من إحساسي بنفسي صوت مفتاح الزنزانة يصرُّ صريرًا غليظًا، وقلت لنفسي وأنا أضغط على مقبض حقيبتي الجلدي: مَنْ هي هذه المرأة المسماة فردوس! أليست إلا …

لكني لم أُكْمِل، وجدتني وجهًا لوجه أمامها، وتسمرت في الأرض، لم أتحرك ولم أتكلم ولم أسمع صوت قلبي وهو يدق، ولم أسمع صوت المفتاح وهو يغلق الباب علينا، كأنما متُّ في اللحظة الأولى التي التقت عيناي بعينيها: عينان قاتلتان كسكين ثاقب عميق ثابت، لا يرمش لها جفن، ولا تهتز في وجهها عضلة.

وأفقت بعد لحظات على صوت تبينت أنه صوتها، وصوتها أيضًا كالسكين، ثاقب عميق ثابت بارد لا تهتز فيه نبرة، وسمعتها تقول: أَغْلِقي النافذة.

وسرت نحو النافذة في طاعة عمياء وأغلقتها، تلفَّتُّ حولي في دهشة، لم يكن بالزنزانة سرير أو كرسي أو أي شيء يمكنني الجلوس عليه، وسمعتها تقول: اجلسي على الأرض.

ووجدت جسدي ينثني وحده ويجلس على الأرض، كنا في شهر يناير والأرض عارية، لكني لم أشعر ببرودتها.

كمن يتحرك وهو نائم، والأرض من تحتي لها شكل الأرض وفيها برودة الأرض، ولكنها برودة لا تصل إلى جسدي، كبرودة البحر في الحلم، أسبح فيه ولا أبرد ولا أغرق، مع أنني عارية الجسد ولا أعرف السباحة. وصوتها أيضًا كتلك الأصوات التي نسمعها في الأحلام، يُخَيَّل إلينا أنها تأتي من بعيد مع أنها قريبة، أو تأتي من قريب وهي بعيدة، ولا نعرف بالضبط من أين تأتي: من فوق أم من تحت، من يمين أو من يسار، وقد نظن أنها تأتي من بطن الأرض، أو من قلب السماء أو السقف، وقد تأتي إلينا من كل الجهات كهواء يملأ الأذن، لكنه ليس هواءً، وإنما صوت حقيقي أسمعه، وامرأة حقيقية من لحم ودم تجلس على الأرض أمامي، ونافذة الزنزانة مغلقة، ولا يمكن أن يكون هذا الصوت إلا صوتها.

٢

دعيني أتكلم ولا تقاطعيني؛ فليس عندي وقت لأسمعك، في الساعة السادسة تمامًا بعد الظهر سيأتون ويأخذونني، وفي صباح الغد لن أكون هنا، ولن أكون في أي مكان يعرفه أحد، إن هذه الرحلة إلى مكان مجهول يجهله كل الناس فوق هذه الأرض، بما فيهم الملوك والأمراء والحكام ورجال البوليس، تملؤني بالزهو، كنت أبحث دائمًا عن شيء يملؤني بالزهو، شيء يجعلني أحس أنني أفضل من جميع الناس، وعلى الأخص الملوك والأمراء والحكام، لم أكن أمسك أي جريدة وأرى فيها صورة لأي رجل منهم حتى أبصق على وجهه، كنت أعرف أنني لا أبصق إلا على ورق الجريدة الذي أحتاج إليه في فرش دواليب المطبخ، ومع ذلك كنت أبصق ثم أترك بصقتي تجف وحدها.

من يراني وأنا أبصق على الوجه يظن أنني أعرفه بالذات، لكني لم أكن أعرفه بالذات، فلست إلا امرأة واحدة. لا يمكن لامرأة واحدة مهما كانت أن تعرف كل الرجال الذين تنشر الصحف صورهم. مهما كنت فلم أكن إلا مومسًا ناجحة، ومهما نجحت المومس فلا يمكن لها أن تعرف كل الرجال. ولأن كل رجل عرفته أردت أن أرفع يدي عاليًا في الهواء ثم أهوي بها على وجهه، ولأنني كنت أخاف أن أرفع يدي، ولأنني كنت مومسًا، فقد كنت أُخْفِي خوفي بطبقة من المساحيق، ولأنني كنت ناجحة، فقد كانت مساحيقي ثمينة جيدة النوع، كمساحيق النساء الشريفات من الطبقة العليا، وشعري مصفف عند حلاق متخصص في شعور نساء العائلات، وشفتاي صُبِغَتا بلون طبيعي شريف، لا يكشف عن الخلاعة ولا يُخفيها في الوقت نفسه، وعيناي رُسِمَتا بخطوط متقنة فيها نداءٌ وفيها رفضٌ، كزوجة أي موظف كبير في الطبقة العليا، لم أكن أنتمي للطبقة العليا إلا بمساحيقي وشعري وحذائي الثمين، وأنتمي إلى الطبقة المتوسطة بشهادتي الثانوية ورغباتي المكبوتة، وأنتمي إلى الطبقة السفلى بمولدي من أبٍ فقير فلاح، لم يقرأ ولم يكتب، ولم يعرف من الحياة إلا أن يزرع الأرض، ويبيع الجاموسة المسمومة قبل أن تموت، ويبيع ابنته العذراء قبل أن تبور، ويسرق زراعة جاره قبل أن يسرقه جاره، وينحني على يد العمدة دون أن يقبِّلها، ويضرب زوجته كل ليلة حتى تعضَّ الأرض، وصباح كل جمعة يرتدي جلبابًا نظيفًا ويذهب ليصلي الجمعة في الجامع، وأراه بعد الصلاة يمشي بين أمثاله من الرجال يتحدثون عن خطبة الجمعة، وكيف أن إمام الجامع كان عظيم البيان والبلاغة، وإعجازه ما بعده إعجاز؛ فالسرقة حرام، والظلم حرام، والضرب حرام، والطاعة واجبة، وحب الوطن واجب، وحب الحاكم من حب الله، حفظ الله الملك أو الرئيس، وأدامه ذخرًا للوطن والعروبة والإنسانية جمعاء.

أراهم يسيرون في الحواري، ويهزون رءوسهم بالإعجاب والإيجاب على كل ما قاله فضيلة الشيخ الإمام، يهزون رءوسهم ويمسحون أيديهم، اليد باليد أو اليد بالجبهة، يبسملون ويحوقلون ويتمتمون ويبسبسون.

كنت أحمل فوق رأسي «الزلعة» الثقيلة المملوءة، عنقي تحت الثقل يلتوي إلى الخلف أو إلى ناحية اليمين أو اليسار، أحاول أن أحفظ توازن الزلعة فوق رأسي فلا تقع، وأحرِّك ساقي وأنا أسير لأحفظ توازن عنقي بطريقة معينة درَّبتني عليها أمي، كنت لا أزال صغيرة لم يظهر ثدياي بعدُ، ولم أعرف عن الرجال شيئًا بعدُ، لكني كنت أسمعهم يبسملون ويحوقلون، وأراهم يهزون رءوسهم ويفركون أيديهم، ويسعلون ويتمخطون بصوت عالٍ غليظ، ويهرشون دائمًا تحت إبطهم أو ما بين فخذيهم، وينظرون فيما حولهم بعيون حذرة متلصصة متشككة متربصة عدوانية في شبه ذلَّة.

أحيانًا لم أكن أتعرَّف على أبي من بينهم، كان يشبههم تمامًا إلى حد أنني لم أعرف أنه أبي، وسألت أمي عن أبي، وكيف ولدتني بغير أبٍ، فضربتني، وأتت بامرأة معها مطواة أو شفرة موس، وقطعوا قطعة من اللحم بين فخذي.

بكيت طوال الليل، وفي الصباح لم ترسلني أمي إلى الحقل ككل يوم، كانت تحمل السباخ فوق رأسي، وأذهب إلى الحقل، وكنت أفضِّل الحقل على الدار؛ ألعب مع الماعز، وأركب الساقية، وأعوم في الترعة مع الأولاد. ولد صغير اسمه «محمدين» كان يقرصني تحت الماء، ويتبعني داخل الخص، وتحت القش، يجعلني أرقد وأرفع جلبابي، ونلعب معًا لعبة عريس وعروسة، وأشعر بلذة شديدة تنبعث من مكان فيَّ لا أعرفه بالتحديد، وأغمض عيني، وأحاول أن أبحث عن هذا المكان حتى أجده، وأدرك أنني كنت أعرفه من قبل، ونلعب مرة أخرى حتى تغيب الشمس، ونسمع صوت أبيه ينادي عليه من الحقل المجاور، فأمسك به لكنه يجري ويقول إنه سيأتي غدًا.

لم تعد أمي ترسلني إلى الحقل، وقبل طلوع الشمس تلكزني في كتفي لأصحو وآخذ الزلعة لأملأها، ثم أعود لأكنس تحت البهائم وأعجن الجلَّة وأرصَّها في الشمس، وفي أيام الخبيز أعجن وأخبز.

أجلس القرفصاء وبين ساقي ماجور العجين، ألتُّ وأعجن، ووهج الفرن في وجهي يحرق أطراف شعري، فلا أعرف أن جلبابي قد انحسر عن فخدي إلا حينما أرى يد عمي تتحرك ببطء من وراء الكتاب الذي يقرؤه وتلمس ساقي، ثم لا تلبث أن تصعد حذرة مرتعشة متلصصة، تبتعد كلما دبَّت في مدخل الدار قدمٌ، وتلتصق بشدة وبعنف إذا أطبق السكون والصمت، اللهم إلا صوت عود من الحطب أكسره وأُلقي به في الفرن، أو صوت أنفاسه المنتظمة من وراء الكِتاب، لا أرى وجهه، ولا أعرف إذا ما كان نائمًا يشخر أو يقظًا يلهث.

كان يفعل ما فعله محمدين وأكثر، لكني لم أكن أشعر بتلك اللذة الشديدة تنبعث من ذلك المكان المجهول والمعلوم من كياني، وأغمض عيني أحاول أن أبحث عن اللذة دون جدوى، كأنما ضاع المكان أو كأنما جزء من كياني اختفى مني إلى الأبد.

ولم يكن عمي صغيرًا، كان أكبر مني بسنين كثيرة، يسافر وحده إلى مصر، ويذهب إلى الأزهر ويتعلم، ولم أكن إلا طفلة لم تفكَّ الخط بعدُ، يضع عمي بين أصابعي قلم الرصاص، ويجعلني أكتب فوق لوح الأردواز: أ، ب، ج، د … وأحيانًا يجعلني أردِّد وراءه: الألف لا شيء عليها، والباء نقطة تحتها، والجيم نقطة وسطها، والدال لا شيء عليها، ويهزُّ رأسه وهو يتلو ألفية ابن مالك كما يتلو القرآن، وأهزُّ رأسي أنا الأخرى وراءه، وأردِّد بالحرف الواحد ما يقول.

وتنتهي الإجازة، ويركب عمي الحمارة، وأحمل فوق رأسي «السبَت» الكبير مليئًا بالبيض والجبن والفطير، ومن فوقه كتبه وملابسه، وأسير وراءه حتى محطة قطار الدلتا، ويحدثني عمي طوال الطريق عن حجرته في القلعة في نهاية شارع محمد علي، والأزهر، والعتبة الخضراء، والترام، والناس في مصر، ويغني بصوت عذب وهو يهتز فوق الحمارة: «في البحر لم فتكم، في البر فتوني.

بالتبر لم بعتكم، بالتبن بعتوني.

آه يا ليلي يا عيني آه.»

وحين يركب عمي القطار ويسلِّم عليَّ أبكي وأقول له: خذني معك إلى مصر، ويقول عمي: ماذا ستفعلين في مصر يا فردوس؟! فأقول له: سأدخل الأزهر وأتعلم مثلك، ويضحك عمي ويقول: الأزهر لا يدخله إلا الرجال. وأبكي وأمسك بيد عمي والقطار يتحرك، لكنه يشد يده من يدي بكل قوته، فأقع على وجهي فوق الأرض.

وأعود أدراجي مُطرِقة الرأس، أتأمَّل شكل أصابع قدمي على الطريق الزراعي، وأسأل نفسي: من أنا؟ ومن أبي؟ ومن هي أمي؟ وهل سأقضي عمري كله أكنس الروث من تحت البهائم وأحمل السباخ فوق رأسي، وفي أيام الخبيز أعجن وأخبز!

وأدخل دار أبي، أنظر إلى الجدران الطينية كواحدة غريبة عن الدار لم تدخله من قبل، وأتلفَّت حولي وكأنما فيَّ دهشة، وكأنما لم أولد هنا، وإنما سقطت من السماء فجأة، أو خرجت من بطن الأرض؛ لأجد نفسي في مكان غير مكاني، ودار غير داري، وأب غير أبي، وأم غير أمي.

أكانت أحاديث عمي عن مصر والناس في مصر هي التي تغيرني؟ أم أنني كنت واحدة أخرى غير التي ولدتها أمي؟ أم أن أمي ولدتني حقًّا وأنا تغيرت؟ أو هي التي تغيرت وأصبحت امرأة أخرى تشبه أمي لكنها ليست أمي؟

كنت أحاول أن أذكر شكل أمي الحقيقي كما رأيتها لأول مرة في حياتي، عينان بالذات أذكرهما، لا أعرف شكلهما، عينان بالذات أرقبهما أو هما ترقباني، عينان وإن اختفيت عنهما ترياني وتتبعاني، فإذا تعثرت وأنا أتعلم المشي أمسكتاني.

كنت كلما أحاول المشي أقع؛ قوة من الخلف تدفعني لأنكفئ على وجهي، وقوة من الأمام تدفعني من بطن الأرض، وأنا بين كل ذلك أقاوم؛ أشد ذراعي وساقي وأحاول أن أنهض، لكني أسقط، وأتأرجح، تتجاذبني القوى المتصارعة من كل جانب، كحجر قُذِفَ به في بحر متلاطم بغير شاطئ وبغير قاع، يضربه الماء إذا غاص، ويضربه الهواء إذا طفا، فإذا به يغوص ويطفو، ولا شيء بين السماء والأرض يمسك به إلا هاتان العينان، أمسك بهما ويمسكان بي، عينان بالذات لا أذكر شكلهما، ضيقتان أم واسعتان، لهما رموش أم ليس لهما رموش، كل ما أذكره دائرتان من البياض الشديد داخلهما دائرتان من السواد الشديد، ما إن أنظر فيهما حتى يصبح بياضهما أشد وسوادهما أشد، كأنما يملؤهما ضوء الشمس، ينفذ إليهما من مكان سحري ليس على الأرض وليس في السماء؛ لأن الأرض مظلمة سوداء، والسماء ليل ليس فيه شمس ولا قمر.

عرفت أنها أمي، كيف عرفت؟ لا أدري. وزحفت إليها لتدفئني في صدرها، كانت دارنا باردة، وحصيرتي ووسادتي ينقلهما أبي في الشتاء إلى القاعة البحرية الباردة، ويأخذ مكاني في قاعة الفرن، وفي الصيف أجد حصيرتي ووسادتي في قاعة الفرن، ولم تكن أمي في الشتاء تدفئني، كانت تدفئ أبي، وفي الصيف أراها جالسة عند قدميه، وفي يدها كوز تغسل ساقيه بالماء البارد.

بعد أن كبرت يدي قليلًا، وضع أبي الكوز في يدي، وعلَّمني كيف أغسل ساقيه، وأصبحت أقوم بدور أمي، أين ذهبت أمي؟ لم أعرف، ولكني رأيت امرأة أخرى، ضربتني على يدي وأخذت مني الكوز، وقال لي أبي إنها أمي. كان شكلها وجلبابها ووجهها وحركاتها تمامًا كأمي، وعرفت أنها أمي. حينما كنت أنظر في عينيها لم تكن هما العينان اللتان تمسكاني قبل أن أقع، لم تكن هما الدائرتان؛ البياض الشديد داخلهما السواد الشديد، ما إن أنظر فيهما حتى يصبح بياضهما أشد وسوادهما أشد، كأنما يملؤهما ضوء الشمس أو القمر.

لم يكن الضوء يصل إلى عينيها أبدًا، حتى في الأيام المشرقة، وفي عز سطوع الشمس، لم يكن الضوء يصل إليهما. وأمسكت بيدي رأسها ذات نهار، وحرَّكته ليصبح وجهها ناحية الشمس، لكن عينيها بقيتا مطفأتين لا يصل إليهما الضوء. وبكيت وحدي في الليل، كنت أبكي بصوت مكتوم حتى لا يسمعني إخوتي الصغار الراقدون إلى جواري، وكان لي — ككل الناس — إخوة وأخوات، يتزايدون بسرعة في الربيع كالكتاكيت، وفي الشتاء يرتجفون ويسقط عنهم ريشهم، وفي الصيف يسهلون ويَنْحَلون، ثم يموتون واحدًا وراء الآخر.

حين تموت البنت منهم، يأكل أبي عشاءه وتغسل أمي ساقيه وينام ككل ليلة. وحين يموت الولد يضرب أبي أمي، ثم ينام بعد أن يتعشى، لم يكن أبي ينام بغير عشاء مهما حدث، وأحيانًا حين لا يكون بالدار طعام نبيت كلنا بغير عشاء إلا هو، كانت أمي تُخفي طعامه منا في فتحة داخل الفرن، ويجلس يأكل وحده ونحن ننظر إليه، وذات مرة مددت يدي داخل صحنه فضربني على يدي.

من شدة الجوع لم أبكِ، جلست أمامه أراقبه وهو يأكل، عيناي تتبعان يده منذ أن تهبط إلى الصحن حتى ترتفع وتدخل فمه، كان فمه كبيرًا كفم الجمل وفكَّاه عريضين، يهبط الفك الأعلى فوق الفك الأسفل بصوت عالٍ مسموع، وأسنانه تمضغ الطعام حتى آخره، ثم تصطكُّ بعضها بالبعض، ولسانه يدور داخل فمه في حركة دائرية، كأنما لسانه يمضغ هو الآخر، وقد يمتد خارج فمه ليلعق شيئًا سقط على شفتيه أو ذقنه.

وتُناوله أمي كوز الماء فيشرب ويتجشَّأ، ويطرد من فمه أو بطنه الهواء بصوت عالٍ مسموع، ثم يدخِّن الجوزة ويملأ الدنيا من حوله بدخان كثيف، ويسعل ويتمخط، ويشفط بأنفه وفمه، ثم يترك الجوزة ويرقد، وما هي إلا لحظات حتى يرتفع شخيره في الدار كلها.

عرفت أنه ليس أبي، عرفت دون أن يقول لي أحد ودون أن أدري، ولم أهمس بهذا السر لأحد، كنت أكتمه بيني وبين نفسي، وفي كل مرة يأتي إلينا عمي في الإجازة الصيفية، أتشبَّث بجلبابه وأقول له: خذني معك، كان عمي أقرب إليَّ من أبي، فهو ليس كبيرًا في السن مثل أبي، وهو يجعلني أجلس إلى جواره، وأنظر في كتبه، وقد علَّمني الحروف الأبجدية، وأرسلني بعد أن مات أبي إلى المدرسة الإلزامية، وبعد أن ماتت أمي أخذني معه إلى مصر.

أيمكن أن يولد الإنسان مرتين! حين وضعت يدي على «الزِّر» وعمَّ الحجرة نور الكهرباء، أغمضت عيني من شدة الضوء وصرخت، ثم فتحت عيني وخُيِّلَ إليَّ أنني أفتحهما لأول مرة، أو أنني أُولد للمرة الأولى، أو الثانية؛ فقد كنت أعرف أنني وُلِدت من قبل، ولأول مرة أرى نفسي في مرآة، لم أعرف أول الأمر أنها مرآة، وفزعت حين رأيت أمامي فتاة صغيرة ترتدي فستانًا يصل إلى الركبتين فقط، وقدماها داخل حذاء، وتلفَّتُّ في الحجرة حولي، لم يكن بها أحد غيري، لم أدرك أول الأمر من أين جاءت هذه الفتاة، لم أعرف أنها أنا؛ لأني كنت أرتدي جلبابًا طويلًا يلامس الأرض، وقدماي حافيتان بغير حذاء، لكني تعرَّفت على الفور على وجهي، كيف عرفت أنه وجهي؟ فلم أكن رأيت نفسي في مرآة من قبل، لكن الحجرة كانت خالية، ومرآة الدولاب أمامي، وهذه الفتاة الواقفة أمامي هي أنا، وهذا الفستان القصير والحذاء اشتراهما لي عمي لأذهب بهما إلى المدرسة.

ظللت واقفة أحملق في المرآة، أحملق في وجهي، مَنْ أنا؟

فردوس كما ينادون اسمي، وهذا الأنف الكبير المكور يشبه أنف أبي، وهذا الفم الرفيع يشبه فم أمي.

إحساس ثقيل زحف على جسدي وأنا واقفة، لم أكن أحب شكل هذا الأنف، ولا شكل هذا الفم، وكنت أظن أن أبي مات، لكنه لا زال حيًّا بأنفه الكبير المكور، وأمي أيضًا لا تزال حية بشفتيها الرفيعتين، وأنا فردوس نفسها لم تتغير ولم تتبدل، وإن ارتدت حذاء وإن ارتدت فستانًا.

وكرهت المرآة، ولم أعد أنظر إليها، وإذا نظرت إليها فأنا لا أنظر إليها، وإنما أمشط شعري أو أمسح وجهي أو أعدل ياقة فستاني، وأحمل حقيبة كتبي وأجري إلى المدرسة، كنت أحب المدرسة؛ فهي مليئة بالأولاد والبنات، نلعب في الفِناء ونجري ونلهث، ونقزقز اللب، ونطرقع اللبان، ونشتري «العسلية» والخروب، ونشرب العرقسوس والتمر الهندي وعصير القصب، وكل شيء كان له طعم لذيذ حاد.

وأعود إلى البيت لأكنسه وأمسحه، وأغسل ملابس عمي، وأرتب سريره وكتبه، واشترى لي عمي مكواة حديدية ثقيلة، أسخِّنها على وابور الجاز وأكوي له قفطانه وعمامته، وقبل غروب الشمس بقليل يعود عمي من الأزهر فأحضر له عشاءه، نأكل معًا ثم أرقد على الكنبة الصغيرة، ويجلس عمي في سريره يقرأ بصوت عالٍ، وأقفز إلى جواره في السرير، وأمسك أصابع يده الطويلة الكبيرة، وأنا أمسكها رعشة رهيبة تذكِّرني برعشة منذ الطفولة، كحلم قديم لا أزال أذكره.

وفي ليالي الشتاء الباردة أتكوَّر كالجنين في حضن عمي يدفئني وأدفئه، وأدفن وجهي في صدره أريد أن أقول له: أحبك، لكني لا أقول، وأريد أن أبكي لكني لا أبكي، وأنام نومًا عميقًا حتى الصباح.

ومرضت يومًا بالحمَّى، فجلس عمي إلى جواري في السرير يمسك رأسي، ويربِّت بأصابعه الطويلة الكبيرة على وجهي، ونمت طوال الليل وأنا أمسك يده في يدي.

واشترى لي عمي ساعة يد صغيرة حين حصلت على الشهادة الابتدائية، وأخذني تلك الليلة إلى السينما، ولأول مرة أدخل السينما، ورأيت امرأة ترقص وفخذاها عاريتان، ورأيت رجلًا يعانق امرأة ويقبِّلها في شفتيها، وأخفيت وجهي بيدي، ولم أجرؤ على أن أنظر ناحية عمي، وقال لي عمي: إن الرقص حرام، والتقبيل في الشفتين حرام. لكني لم أعد قادرة على أن أنظر في عينيه، وحين عدت في تلك الليلة إلى البيت لم أجلس إلى جواره في السرير كما كنت أفعل كثيرًا، واختفيت تحت اللحاف فوق كنبتي الصغيرة.

كنت أرتجف، وأحس من حيث لا أدري أن أصابع عمي الطويلة الكبيرة ستقترب مني بعد قليل وترفع اللحاف عني بحذر كبير، وأن شفتيه ستلامسان وجهي وشفتي، وأصابعه ستمشي فوق فخذي بطيئة مرتعشة لتصعد إلى فوق.

شيء غريب لم أعرفه من قبل؛ لأنه لم يحدث أبدًا، أو لأنه كان يحدث على الدوام، وفي مكان ما في جسدي أشعر أن هناك لذة قديمة مفقودة، أو لذة جديدة لا أعرفها ولا أستطيع أن أحددها، فكأنها في مكان ما خارج جسدي، أو جزء من كياني لم يعد جزءًا مني.

وأصبح عمي يخرج كثيرًا، أصحو في الصباح فإذا به خرج، وأنام في الليل قبل أن يعود، وحين أناوله كوب ماء أو صحنًا فيه طعام يأخذه دون أن ينظر إليَّ، وحين أخفي رأسي تحت اللحاف لأنام، أرهف السمع لوقْع قدميه، وأكتم أنفاسي وأتظاهر بالنوم، وأنتظر أصابعه لتأتي، لكنها لا تأتي، وأسمع صرير سريره حين يرقد فوقه، وأعرف أنه نام حين يصل إلى أذني صوت الشخير المنتظم.

وأصبح عمي رجلًا آخر، ولم يعد يقرأ قبل أن ينام، ولم يعد يرتدي الجبة والقفطان، واشترى بدلة و«كرافتة»، وعُيِّن موظفًا في وزارة الأوقاف، وتزوج ابنة أستاذه في الأزهر.

وأدخلني عمي المدرسة الثانوية، وأخذني معه إلى بيته الجديد لأعيش مع زوجته، كانت زوجته امرأة قصيرة سمينة بيضاء البشرة، حين تمشي يتمايل جسدها البطيء الحركة من جنب إلى جنب، فتكاد تشبه في مشيتها البطة «المزقَّمة»، وصوتها رقيق، ليس في رقته رقة، وإنما قسوة وغلطة، وعيناها سوداوان واسعتان، في اتساعهما خمول ونعاس أكثر من النشاط واليقظة.

لم تكن تغسل قدمَي عمي، ولم يكن عمي يضربها أو يرفع صوته على صوتها، كان يعاملها بأدب شديد، لكنه هذا النوع من الأدب الخالي من الاحترام الذي يعامل به الرجال النساء، كنت أحس أنه يخشاها أكثر مما يحبها، وأنها من طبقة أعلى من طبقته. وحين يزورنا أبوها أو أحد من أفراد أسرتها يشتري عمي اللحم أو الدجاج، وترن في البيت ضحكاته، وحين تزورنا عمته بجلبابها الريفي الطويل ويديها المشققتين ينزوي في ركن البيت لا يبتسم ولا يتكلم.

وتبكي عمته إلى جواري في السرير، وتتحسَّر على «الكردان» الذهبي الذي باعته ليتعلم في الأزهر، وفي الصباح تُفرغ «السبَت» من الدجاج والبيض والفطير، وتحمله في ذراعيها فارغًا وتخرج، وأقول لها: ابقي معنا يومًا آخر يا جدتي، لكن عمي لا يقول لها شيئًا، زوجته أيضًا تظل صامتة.

كنت أذهب إلى المدرسة، وأعود لأكنس البيت وأمسحه وأغسل الصحون والملابس، زوجة عمي كانت تطبخ فقط، وتترك لي الصواني والحلل لأدعكها وأغسلها، ثم أتى عمي بخادمة صغيرة أصبحت تنام معي في حجرتي، أنا فوق السرير وهي على الأرض، وفي ليلة باردة قلت لها: تعالي ونامي إلى جواري في السرير، وجاءت زوجة عمي ورأتها نائمة في سريري فضربتها وضربتني.

وعدت من المدرسة في يوم فوجدت عمي غاضبًا مني، وزوجته ظلت غاضبة حتى أخذني عمي ومعي ملابسي وكتبي، وأصبحت أبيت في القسم الداخلي بالمدرسة، وفي نهاية كل أسبوع يأتي إلى المدرسة الآباء والأمهات أو الأقارب يزورون بناتهن في الداخلية أو يأخذنهن لقضاء الخميس والجمعة بالبيت، وأطل عليهم من فوق السور العالي، وأنظر إلى الشارع والناس كما ينظر السجين إلى الحياة خارج السجن.

وأحببت المدرسة رغم كل شيء؛ كتب جديدة، وعلوم جديدة، وصديقات في مثل عمري، نذاكر معًا، ونحكي بعضنا للبعض حياتنا وأسرارنا وأعماقنا، لم ينغِّص علينا حياتنا إلا ضابطة الداخلية، تمشي على أطراف أصابعها تتجسس علينا بالليل والنهار، تتسمَّع أحاديثنا، وتفتش على نومنا وأحلامنا، فإذا ما تنهَّدت واحدة منا وهي نائمة أو صدر عنها — وهي تحلم — صوت أو حركة؛ انقضَّت عليها الضابطة بغتةً كما ينقضُّ الموت.

وكانت لي صديقة اسمها «وفيَّة» سريرها إلى جوار سريري، أقرب رأسي من رأسها بعد أن يُطْفَأَ نور العنبر، ونظل نتحدَّث ونتحدث حتى منتصف الليل، تحكي عن ابن عم لها تحبه ويحبها، وأحكي لها عن آمالي في المستقبل، لم يكن في طفولتي أو حياتي الماضية ما أحكيه، ولم يكن في حاضري حب أو شيء من هذا القبيل، وأصبح المستقبل هو الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أحكي عنه، فالمستقبل لا زال ملكي أنا، أرسمه بخيالي كما أريده، وأغيِّر فيه بحرِّيَّتي واختياري.

أحيانًا أتخيل أنني سأكون في المستقبل طبيبة أو مهندسة أو محامية أو قاضية. وذات يوم خرجت المدرسة في مظاهرة كبيرة ضد الحكومة، فإذا بي محمولة على أكتاف البنات أهتف بسقوط الحكومة، وعدت إلى المدرسة مبحوحة الصوت، منكوشة الشعر، ممزقة الملابس، لكني قضيت الليل وقد تخيلت نفسي زعيمة كبيرة أو رئيسة دولة.

كنت أعرف أن النساء لا يصبحن رؤساء للدول، لكني كنت أحس أنني لست كالنساء، ولست كالبنات؛ فالبنات من حولي كلهن يتحدثن عن الحب، وأنا لا أتحدث عن الرجل، ما يشغل البنات لم يكن يشغلني، وما يهم البنات لم يكن يهمني.

وسألتني وفية ذات ليلة: هل أحببتِ يا فردوس؟ وقلت لها: أبدًا يا وفية، لم أحب أبدًا، ونظرت إليَّ بدهشة وقالت: غريبة! وقلت: لماذا غريبة؟ قالت: لأن شكلك يوحي بأنكِ تحبين. قلت: وما هو الشكل الذي يوحي بالحب؟ قالت وهي تهز رأسها: لا أعرف، ولكني أحس أنكِ أنتِ بالذات لا يمكن أن تعيشي بغير الحب. وقلت: ولكني أعيش بغير الحب، وقالت وفية: إما أنك تكذبين أو أنك لا تعيشين.

نامت وفية وظللت مفتوحة العينين أحملق في الظلام، صور بعيدة غارقة في الظلمة تظهر شيئًا فشيئًا، وأرى «محمدين» راقدًا في «الخص» فوق القش، أستعيد رائحة القش في أنفي، وأستعيد ملمس أصابعه فوق جسدي، وينتفض كياني بلذة قديمة لا أعرف مكانها ولا أستطيع تحديدها، فكأنما تنبعث من شيء بعيد عني، خارج كياني، مع نهايتها شيء كاللذة، شيء أحاول أن أمسك به، أن ألمسه لو للحظة، لكنه يفلت مني كالهواء أو كالسراب أو كالحلم يتبدَّد ويضيع، وأبكي وأنا نائمة، كأنما ضاع الآن فقط، ولم يضِع مني من قبلُ.

الليل في المدرسة كان طويلًا، والنهار كان أطول، أذاكر كل دروسي، وتبقى أمامي الساعات الطويلة قبل أن يدق جرس النوم، واكتشفت مكتبة المدرسة: حجرة مهملة في الفناء الخلفي، مقاعدها مكسورة، ورفوفها مخلوعة، فوقتها تراب كثيف يغطي الكتب، أمسح الكتاب بفوطة صفراء، وأجلس على مقعد مكسور تحت لمبة ضعيفة أقرأ.

أحببت القراءة، وفي كل كتاب كنت أعرف أشياء جديدة: عرفت الفراعنة، وعرفت الفرس والأتراك والعرب، قرأت عن جرائم الملوك والحكام، وعن الحروب وثورات الشعوب وحياة الثوار، وقرأت روايات الحب وقصائد الغزل، لكني كنت أفضِّل أن أقرأ عن الحكام أكثر مما أقرأ عن الحب، قرأت عن الحب، قرأت عن حاكم كان عدد جواريه من النساء والمومسات كعدد جنود جيشه، وحاكم آخر لا يشغله في حياته إلا الخمر والنساء وجلد العبيد بالسياط، وحاكم آخر لا يحب النساء، وإنما يستعذب الحرب والقتل وتعذيب الرجال، وحاكم مجنون بنفسه وعظمته، لا يعترف في البلد برجل آخر غيره، وحاكم يهوى المؤامرات والمناورات، ويكذب على الناس والتاريخ.

وأدركت أنهم كلهم رجال، ونفوسهم شرهة مشوهة، وشهواتهم للمال والجنس والسلطة لا حدود لها ولا رقابة عليها، وأنهم يُفسدون وينهبون الناس، ولهم حناجر قوية، صوتهم مقنع، وكلامهم معسول، وسهامهم مسمومة، ولا يكتشف التاريخ حقيقتهم إلا بعد أن يموتوا، ويكرر التاريخ نفسه بغباء وإصرار شديد.

وكانت الصحف والمجلات تأتي إلى المكتبة فأقرؤها وأرى صورها، وأشهد الحاكم منهم وهو جالس في صلاة الجمعة يبربش بعينيه في نظرة منكسرة ذليلة، هل يخدع الله كما يخدع الناس! ومن حوله رجال حاشيته يهزون رءوسهم على كل ما يقال بالإعجاب والإيجاب، يبسملون ويحوقلون ويفركون أيديهم، وينظرون فيما حولهم بعيون حذرة متلصصة متشككة متربصة عدوانية في شبه ذلَّة.

وأراهم يصلُّون على أرواح شهداء الوطن، الذين ماتوا في حرب أو مجاعة أو وباء، وأرى رءوسهم تهبط إلى الأرض ومؤخراتهم ترتفع في الهواء، مؤخرات سمينة مكتنزة باللحم والخوف معًا، وحين تخرج كلمة «الوطنية» من بين شفاهم المكتنزة أدرك على الفور أنهم لا يخافون الله، أما الوطنية فهي أن يموت أبناء الفقراء من أجل أرضهم.

وحينما أملُّ القراءة وأملُّ التاريخ المُعاد والصور والقصص المتكررة، أجلس في فناء المدرسة وحدي، قد يكون الليل مظلمًا بغير قمر، وجرس النوم دق، وكل النوافذ قد أُغْلِقَت وأظلمت، لكني أجلس في الظُّلمة وحدي أفكر، تُرى ماذا أكون في المستقبل؟ وهل سأدخل الجامعة؟ هل سيُدْخِلني عمي الجامعة؟

رأتني مرة إحدى المدرسات وأنا جالسة، فزعت أول الأمر حين رأت في الظلمة كتلة بحجم الجسم ثابتة. قالت من بعيد وقبل أن تقترب مني: من الذي جالس هناك؟ وقلت بصوت ضعيف خائف: أنا، أنا فردوس، واقتربت مني وعرفتني ودُهِشَت؛ فأنا من أحسن بنات فصلها، وأحسن بنات فصلها يَنَمْنَ بمجرد أن يدقَّ جرس النوم.

قلت لها: إنني مؤرَّقة ومُتْعَبَة. فجلست معي، كان اسمها «إقبال»، ممتلئة الجسم وقصيرة، شعرها أسود طويل، وعيناها سوداوان، رأيتهما أمامي في الظلمة، تنظران إليَّ، ترياني رغم الظلمة، وكلما أبعدت رأسي تتبعاني، تمسكان بي ولا تتركاني، ومهما أخفيت عيني بيدي ترياني، وأجهشت بالبكاء ويداي فوق عيني، فأمسكت يدي ورفعتهما عن وجهي، وقالت: فردوس، فردوس، أرجوك لا تبكي. قلت لها: دعيني أبكي. وقالت: لم أرَك أبدًا تبكين، فما الذي حدث؟ قلت: لا شيء، لا شيء. قالت: لا يمكن، لا بد أن شيئًا حدث! قلت لها: لم يحدث أي شيء يا أبلة إقبال. قالت بدهشة: أتبكين بغير سبب؟! قلت لها: لا أعرف السبب، ولم يحدث في حياتي شيء جديد.

ظلت جالسة إلى جواري صامتة، عيناها السوداوان شاردتان في الظلمة، تغرورقان بالدموع فتلمعان لحظة، وتزم شفتيها وتبتلع الدموع، فتجف عيناها وتضيع اللمعة، ثم لا تلبث عيناها أن تغرورقا بالدموع وتلمعا، وتزم شفتيها فتختفي الدموع، لكن دمعة ظلت باقية في عينيها، ثم سقطت على أنفها، فأخفت وجهها بيد وأخرجت منديلها باليد الأخرى ومسحت أنفها. قلت لها: أتبكين يا أبلة إقبال. قالت: لا يا فردوس. وأخفت منديلها، وابتلعت ريقها، وابتسمت.

كان الليل صامتًا ساكنًا، لا صوت ولا حركة، والدنيا ظلامًا، لا شمس ولا قمر، ووجهي ناحية وجهها، وعيناي في عينيها، ورأيت أمامي دائرتين من البياض الشديد، داخلهما دائرتان من السواد الشديد تنظران إليَّ، وكلما كنت أنظر فيهما يشتد بياضهما ويشتد سوادهما، فكأنما ضوء ينفذ إليهما من مكان مجهول سحري، ليس فوق الأرض وليس في السماء؛ لأن الأرض مظلمة بالليل والسماء سوداء بغير شمس ولا قمر.

أمسكت عينيها بعيني، ومددت يدي فأمسكت بيدها، وفي التلامس المفاجئ الغريب انتفض جسدي بلذَّة عميقة قديمة، أقدم من عمري الذي أعيه، وأعمق من وعيي الذي عاش معي، أحسها في مكان ما في كياني، فكأنما وُلِدَت معي، وكبرت أنا وحدي وهي لم تكبر، أو أنني عرفتها قبل أن أولد، أو وُلِدت أنا وبقيت هي دون أن تولد.

تذكرت شيئًا وانفرجت شفتاي لأقوله، لكن صوتي اختنق كأنما نسيت الشيء لحظة تذكُّره، وقلبي اختنق بضربات قوية تشبه الخوف على شيء ضاع أو سيضيع، ويدي أمسكت يدها في قبضة قوية، ولا يمكن لأي قوة أخرى أن تنزع يدها من يدي.

أصبحت في كل مرة ألقاها تنفرج شفتاي بشيء أذكره وأنساه، ويدق قلبي بضربات خوف أو ما يشبه الخوف، وأودُّ أن أمدَّ يدي وأمسك يدها، لكنها كانت تدخل إلى الفصل ثم تخرج دون أن تراني، وإذا نظرت إليَّ فهي تنظر إلى أي تلميذة أخرى.

وفي سريري قبل أن أنام أفكر: هل نسيت أبلة إقبال؟ وتُقرِّب «وفية» سريرها من سريري وتسألني: نسيت ماذا؟ وأقول لها: لا أعرف يا وفية، وتقول وفية: أنتِ تعيشين في الخيال يا فردوس، وأقول لها: أبدًا يا وفية، أبدًا، لقد حدث. وتسألني وفية: ما الذي حدث؟ أحاول أن أقول لها ما حدث، لكني لا أعرف كيف أقوله أو لا أجد ما أقوله، شيء ونسيته، أو كأنما لم يحدث شيء على الإطلاق.

وأغمض عيني أحاول أن أسترجع الصورة، وتتراءى لي الدائرتان الشديدتا السواد ومن حولهما البياض الشديد أحملق فيهما، وكلما حملقت فيهما اتسع السواد واتسع البياض واتسعت الدائرتان، ويصبح السواد كبيرًا بحجم الأرض، والبياض أبيض ساطعًا بحجم قرص الشمس، وعيناي تغرقان في البياض وفي السواد معًا، تعميان عن البياض وعن السواد، وتختلط أمامهما الصور، فلا أعرف وجه أمي من أبي من عمي من محمدين من إقبال من وفية، وأفتح عيني في ذعر كمن أوشك أن يفقد البصر، وأرى حدود وجه وفية أمامي في الظلمة، لم تَنَمْ بعدُ، وتقول لي: أتحبين أبلة إقبال يا فردوس؟ وأرد بدهشة: أنا؟ وتقول: نعم، أنتِ ومَنْ غيرك؟! وأقول لها: نعم، ولكنها امرأة، وهل يمكن أن أحب امرأة؟

لم يكن قد بقي على الامتحان النهائي إلا بضعة أيام، ووفية لم تعد تحدثني عن حبيبها، وجرس النوم لم يعد يدق مبكرًا، وفي كل ليلة أجلس مع وفية والبنات في حجرة المذاكرة، وضابطة الداخلية تمر علينا من حين إلى حين، تفتش على مذاكراتنا كما كانت تفتش على نومنا، فإذا ما رفعت واحدة منا رأسها من فوق الكتاب لتتنفس أو لتحرك عنقها أو تفرد ظهرها؛ ظهرت الضابطة فجأة من حيث لا تدري، فتضع رأسها في الكتاب على الفور.

كنت أحب الدروس والمذاكرة رغم الضابطة ورغم كل شيء، وظهرت نتيجة الامتحان النهائي، وكان ترتيبي الثانية على مدرستي والسابعة على جميع مدارس القطر، وفي ليلة حفل توزيع الشهادات نادت الناظرة على اسمي في القاعة المليئة بمئات الآباء والأمهات والأقارب، ولم يتقدم إليها أحد، ودب الصمت في القاعة، ونادت الناظرة على اسمي مرة ثانية، حاولت أن أقف، لكني لم أقف، وقلت وأنا جالسة: نعم، ورأيت الرءوس تستدير، والعيون كلها تتجه نحوي، عيون كثيرة تحولت أمام عيني إلى دوائر كثيرة من البياض داخلها دوائر كثيرة من السواد، كلها تتحرك في حركة دائرية واحدة، تستقر في النهاية في عيني أنا وحدي.

وجاءني صوت الناظرة يقول بلهجة آمرة: لا تردي وأنتِ جالسة، قفي. وعرفت أنني وقفت؛ لأنني رأيت الدوائر البيضاء ومن داخلها الدوائر السوداء تتحرك إلى أعلى، وتصل مرة أخرى إلى عينَيَّ لتستقر عليهما.

وقالت الناظرة بصوت عالٍ رنَّ في أذني عاليًا، أعلى من أي صوت سمعته في حياتي: أين وليُّ أمرك؟ ودبَّ الصمت في القاعة ثقيلًا، كأنما أصبح له صوت، وهواء القاعة أيضًا أصبح له صوت وأنفاس الجالسين أصبح لها صوت، وصل إلى أذني وأنا أقف وراءهم، وكانت الرءوس قد عادت إلى موضعها، ولم أرَ إلا الظهور من الخلف.

عينان فقط ظلتا في عيني، عينان فقط رأيتهما أمامي تمسكان بعيني، ومهما أبعدت عيني أو حرَّكت رأسي تتبعاني وتمسكان بي، وأظلمت القاعة في عيني، وغاب عنها الضوء تمامًا، إلا من هاتين العينين السوداوين الشديدي السواد ومن حولهما دائرتا البياض الشديد، وكلما نظرت فيهما يشتد السواد ويشتد البياض كأنما ينفذ إليهما الضوء من مكان مجهول لا أعرفه؛ لأن القاعة مظلمة والليل خارج القاعة مظلم.

خُيِّلَ إليَّ في الظلمة أنني مددت يدي وأمسكت بها، أو أنها هي التي مدت يدها وأمسكت بي، وأحسست التلامس المفاجئ، فانتفض جسدي بألم دفين يشبه اللذة، أو هي في الحقيقة لذة تشبه الألم، لكنها لذة بعيدة في القاع البعيد، قديم! أقدم من ذاكرتي، وأقدم من عمري الذي أذكره، فإذا بي أنساها بمجرد أن أذكرها، فكأنها حدثت لي يومًا ثم ضاعت في الزمن، أو أنها لم تحدث على الإطلاق.

وانفرجت شفتاي لأقول لها، لكنها قالت لي: لا تقولي شيئًا يا فردوس، وقادتني من يدي بين صفوف الجالسين حتى وصلنا إلى المنصة حيث وقفت الناظرة وتسلمت أبلة إقبال شهادتي، ووقَّعت بأنها استلمت شهادة تفوقي، وقرأت الناظرة مجموع درجاتي في العلوم، وسمعت ضجة في القاعة تشبه التصفيق، ومدت الناظرة يدها بعلبة ملفوفة في ورق ملون، ومن حولها شريط أخضر رفيع، ومددت يدي لكن يدي لم تمتد، ورأيت أبلة إقبال تقترب مرة أخرى من الناظرة، وتأخذ العلبة الملفوفة، ثم عادت بي بين صفوف الجالسين إلى حيث كنت أجلس، وجلست، فوضعت الشهادة ومن فوقها العلبة على ركبتي.

وانتهى العام الدراسي، وجاء الآباء وأولياء الأمور واستلموا بناتهم، وأرسلت الناظرة برقية إلى عمي، فجاء هو الآخر واستلمني، لم أكن رأيت أبلة إقبال بعد الحفل، وحين دق جرس النوم في تلك الليلة لم أنم، سرت إلى الفناء، وجلست في الظلمة وحدي.

وكلما سمعت صوتًا من بعيد أو أحسست حركة ما تلفَّتُّ حولي، ورأيت كتلة بحجم الجسم تتحرك قرب مدخل الفناء، فانتفضت واقفة، قلبي يدق ورأسي يدق وصدري يدق، وخُيِّل إليَّ أن الجسم الذي رأيته يقترب مني، فسرت نحوه في الظلام ببطء، وفي حركة السير أدركت أن العرق الغزير قد بلَّل كل جسدي بما في ذلك شعر رأسي وبطن يدي، وشعرت بشيء من الخوف وأنا أسير في الظلام وحدي، فناديت بصوت خافت لم يصل إلى أذني: أبلة إقبال، ولم أسمع صوتًا، واشتد خوفي، لكني كنت لا أزال أرى في الظلمة كتلة بحجم الجسم، وقلت بصوت عالٍ سمعته بأذني هذه المرة: مَنْ هناك؟ وكأنما بدَّد الصوت العالي الحلم كمن يتكلم وهو نائم فيصحو على الصوت. وانقشعت الظلمة عن جدار قصير بُنِيَ أمام مدخل الفناء، جدار قصير بطول الإنسان وبغير طلاء، خُيِّل إليَّ أنه بُنِيَ هذه اللحظة فقط، وإن كنت رأيته من قبل.

وقبل أن أترك المدرسة لآخر مرة، ظللت أتلفَّت حولي، عيناي تمسحان النوافذ والجدران والأبواب، تترقبان شيئًا يفتح فجأة وتطل منه عيناها لحظة قبل أن أمشي، أو تلوح لي يدها بحركة الوداع العادية، ولكن عيناي تكفَّان عن الحركة، وفي كل لحظة أفقد الأمل، لكن الأمل سرعان ما يعاودني، وعيناي تروحان وتجيئان بسرعة، وصدري يعلو ويهبط بسرعة أشد، وقبل أن يخرج عمي إلى الشارع وأنا معه، قلت له وأنا ألهث: أرجوك، انتظرني لحظة أخرى، وحين أصبح عمي في الشارع وأنا من خلفه، ومن خلفي باب المدرسة الذي أُغْلِقَ خلفنا، ظللت أنظر إلى الباب، ظللت أنظر إلى الباب المغلق كأنما سيُفْتَح، كأنما الباب فعلًا سيُفْتَح.

وسرت خلف عمي بخطوات ثقيلة والباب المغلق لا زال في عيني، حين أشرب أو آكل أو أنام يظل الباب المغلق أمام عيني، كنت أعرف أنني أصبحت في بيت عمي، وأن امرأة تعيش معه هي زوجته، وأن أطفالًا يجرون في البيت هم أولادهما، وأن البيت ليس فيه مكان لي إلا الكنبة: كنبة خشبية صغيرة في حجرة الطعام، لا يفصلها عن حجرة النوم إلا جدار رفيع، يصلني من خلاله كل ليلة أصوات خافتة:

– ليس من السهل هذه الأيام الحصول على عمل بالثانوية، وهي لا تعرف أن تكتب على الآلة الكاتبة، لا تعرف أعمال السكرتارية أو الاختزال أو مسك الدفاتر أو أي شيء من هذا القبيل.

– وماذا تعرف إذن؟

– لا شيء، هذه المدارس الثانوية العامة لا تعلمهم شيئًا، كان من الأفضل أن أدخلها مدرسة التجارة المتوسطة.

– كان فعل ماضي، ولكن الآن ماذا ستفعل بها؟

– يمكنها أن تبقى معنا حتى أجد لها عملًا.

– قد يبقى هذا الحال من عام إلى عشرة، والبيت ضيق والدنيا غلاء، وهي تأكل ضعف ما يأكله كل عيالنا.

– إنها تساعدك في أعمال البيت والأولاد.

– عندنا الخادمة، وأنا أطبخ، ولسنا في حاجة إليها.

– قد تخفف عنكِ الطبخ، وتتفرغين أنتِ لرعاية الأولاد.

– طبخها لا يعجبني ولا يعجبك أيضًا، ألا تذكر «البامية» التي طبختها لنا وقلت لي: إنها ليست البامية التي تعودت أن تأكلها من بين يدي؟

– يمكنكِ أن تُبقيها بدل سعدية، ونوفر أجر الخادمة.

– لا يمكن لها أن تسدَّ بدل سعدية، سعدية خفيفة سريعة، قلبها حامٍ، وأكلها قليل، ونومها خفيف، أما هي فثقيلة الحركة باردة القلب.

– وما العمل؟

– يمكننا التخلص منها بإرسالها إلى الجامعة، وتعيش في بيت الطالبات.

– الجامعة؟ لتجلس بجوار الرجال؟ شيخ محترم ورجل دين مصلٍّ يرسل ابنة أخيه لتخالط الرجال؟! ثم من أين آتي بمصاريفها في بيت الطالبات، وثمن الكتب واللبس، والدنيا غلاء كما تعرفين، والأسعار تزيد بسرعة مجنونة، وراتب الحكومة لا يزيد كل عام إلا بضعة ملاليم؟!

– عندي فكرة هائلة يا سيدنا الشيخ.

– ما هي؟

– خالي الشيخ محمود رجل صالح، ومعاشه كبير، وليس له أولاد، وهو وحيد منذ ماتت زوجته العام الماضي، ولو تزوج الشيخ محمود فردوس، لعاشت معه حياة طيبة ووجد فيها الزوجة المطيعة التي تخدمه وتؤنس وحدته، فردوس كبرت يا سيدنا الشيخ ولا بد أن تتزوج؛ إن بقاءها حتى الآن بغير زواج شيء خطر، فردوس بنت طيبة، ولكن أولاد الحرام كثيرون.

– أنا معك، ولكن الشيخ محمود كبير في السن عليها.

– مَنْ قال إنه كبير؟! إنه لم يُحَلْ إلى المعاش إلا هذه السنة، وفردوس ليست صغيرة؛ مثيلاتها من البنات تزوجن من سنين وأنجبن، والرجل الكبير المضمون الذي يعاملها معاملة طيبة أفضل من الشاب الذي يهينها ويضربها؛ أنت تعرف أخلاق الشباب هذه الأيام.

– أنا معك، ولكن لا تنسي هذه العاهة الواضحة في وجهه.

– عاهة! مَنْ قال إنها عاهة؟! ثم إن الرجل لا يعيبه إلا جيبه يا سيدنا الشيخ.

– وإذا لم ترضَ فردوس به؟

– ولماذا لا ترضى به؟! ليس أمامها فرصة أحسن منه، لا تنسَ أن لها أنفًا مكورًا كبيرًا كالكوز، ليس عندها ورث ولا إيراد ولا معاش، ولا يمكن أن نجد لها زوجًا أفضل من الشيخ محمود.

– وهل يوافق الشيخ محمود؟

– لو أنا كلمته في الموضوع سيوافق، ويمكنني أيضًا أن أطلب مهرًا كبيرًا.

– كم؟

– مائة جنيه أو حتى مائتين إذا كان معه.

– إذا دفع مائة فهذا فضل من عند ربنا، وأنا لا أطمع في أكثر من هذا.

– سأبدأ معه بمئتين، أنت تعرف أنه رجل يموت على القرش، ويجادل بالساعات من أجل تعريفة.

– إذا وافق على مائة فهذا فضل من عند الله، ويمكنني أن أسدد الدَّيْنَ الذي علينا، ويتبقى شيء نشتري به لفردوس بعض الملابس الداخلية وفستانًا أو اثنين، لا يمكن أن نزوجها بملابسها التي عليها.

– ولا تحمل هم جهاز أو عفش، بيت الشيخ محمود كامل من كل شيء وأثاث المرحومة زوجته شغل متين وأصيل، أفضل بكثير من شغل هذه الأيام الفالصو.

– معك حق.

– والله يا سيدنا الشيخ ابنة أخيك فردوس هذه ربنا يحبها، وسيكون لها حظ لو أن الشيخ محمود رضي بها.

– أتظنين أنه سيرضى؟

– طبعًا يرضى، ولماذا لا يرضى؟! يكفيه أنه سيناسب شيخًا محترمًا ورجل دين مثلك.

– ربما يفكر في امرأة من أسرة غنية، أنتِ تعرفين أنه يعبد القرش.

– وهل أنت فقير يا سيدنا الشيخ؟! حالنا أحسن من حال الكثير، نحمد الله على كل شيء.

– أي نعم، نحمده ونشكره سبحانه وتعالى على كل شيء، أي نعم نحمده ونشكره.

أسمعه وأنا راقدة يقبِّل يده مرتين وهو يردد: نحمده ونشكره، القبلة الأولى يطبعها على بطن يده، ويقلب يده ثم يطبع القبلة الثانية على ظهرها. ومن خلال الجدار الرفيع يصل إليَّ صوت القبلتين واحدة وراء الأخرى، وما هي إلا لحظات حتى ينتقل صوت القبلات من يده إلى يد زوجته أو ذراعها أو ساقها؛ لأنني أبدأ في سماع صوتها وهي تشد منه ذراعها أو ساقها وتقول له: لا يا سيدنا الشيخ، لا، ويرد عليها بصوت خافت كالفحيح: لا إيه يا مرة! ويطقطق السرير تحتها، وأعود أسمع أنفاسها المتقطعة تلهث، وتعترض مرة أخرى: لا يا سيدنا الشيخ، حرام عليك والنبي، ويعود فحيحه اللاهث يقول مرة أخرى: حرام إيه ونبي إيه يا مرة؟ أنا زوجك وأنت مراتي، وتشتد طقطقة السرير، يتلاحم فوقه جسدان ثقيلان يتصارعان، يلتصقان ثم يبتعدان، ويلتصقان ويبتعدان في حركة مستمرة تبدأ أول الأمر ثقيلة بطيئة، ثم لا تلبث أن تنتابها سرعة غريبة مجنونة، تهز السرير وتهز الأرض، وتهز الجدار بيني وبينها، وتهز الكنبة الخشبية التي أرقد عليها، ويهتز جسدي هو الآخر من فوق الكنبة، وأجدني ألهث معهما وبالسرعة الرهيبة نفسها، وحينما يهبطان وتهدأ أنفاسهما أهدأ أنا الأخرى، وتعود أنفاسي إلى سرعتها البطيئة المنتظمة، وأرغب في النوم وأنا غارقة في بحر من العرق.

في الصباح أعددت الفطور لعمي، وكلما رفع إليَّ عينيه حين أناوله كوبًا أو فنجانًا حرَّكت عيني إلى الناحية الأخرى. وانتظرت حتى خرج، فدخلت إلى كنبتي الخشبية، وأخرجت من تحتها حذائي فلبسته، وارتديت فستاني ووضعت قميص نومي وشهادتي الثانوية وشهادة تفوقي في حقيبتي الصغيرة. كانت زوجة عمي في المطبخ تطبخ، وسعدية الخادمة في حجرة الأولاد تطعمهم، وجاءت ابنة عمي الصغيرة «هالة»، واتسعت عيناها السوداوان وهي تنظر إلى حذائي وفستاني والحقيبة الصغيرة، لم تكن تعلَّمت الكلام بعدُ، ولا يمكن لها أن تنطق اسمي كاملًا فردوس، ولكنها تناديني باسم «دوس» وهي الوحيدة بين أخواتها التي تبتسم حين تراني، أو تناديني وأنا أجلس وحدي في الحجرة، وتأتي إليَّ وتقفز على الكنبة وتقول: «دوس، دوس»، وأربِّت على رأسها وشعرها وأقول: نعم يا هالة، وتقول: دوس، دوس، وتضحك وتحاول أن تلعب معي، لكن صوت أمها من الحارة يناديها، فتقفز من فوق الكنبة وتجري إليها وهي تتأرجح على ساقين صغيرتين.

وظلت هالة تنقل عينيها من حذائي إلى فستاني إلى الحقيبة، وقالت وهي تمسك بذيل فستاني: دوس، دوس، وأعطيتها صورة من صوري لأشغلها، وفتحت باب الشقة ثم أغلقته خلفي بهدوء شديد، وسمعت صوتها من وراء الباب يناديني: دوس، دوس، فأسرعت قدماي تهبطان السلم، وظل صوتها في أذني حتى وصلت نهاية السلم، وخرجت إلى الشارع، وحين سرت في الشارع ظللت أسمعه من خلفي، فاستدرت ونظرت، ولكني لم أجد أحدًا.

وسرت في الشارع كما كنت أسير كل مرة، سوى أنني هذه المرة لم أكن ذاهبة إلى مكان محدد، فلم أكن أعرف بعدُ إلى أين أذهب، ورفعت عيني إلى الشارع، وكأنما أرى الشارع لأول مرة في حياتي، كأنما عالم آخر يُفْتَح أمامي لم يكن موجودًا من قبل، أو أنه كان موجودًا ولم أكن أراه، كيف لم أره من قبل؟ ولكني أصبحت كأنما عين جديدة فُتِحَت في رأسي، ورأيت الناس السائرين على أقدامهم أو الراكبين في الأوتوبيسات والسيارات كلهم مسرعون، كلهم يهرولون دون أن يروا الشارع ودون أن يروني، ولأنهم لا يرونني فقد استطعت أن أراهم، السائرون على الأقدام ملابسهم رثة، أحذيتهم كعوبها متآكلة، ووجوههم شاحبة وعيونهم ذابلة مثقلة بهموم، مستسلمة لشيء أشبه بالحزن، والراكبون في السيارات أكتافهم عريضة مكتنزة باللحم، ووجوههم مستديرة، وعيونهم من وراء زجاج نوافذ السيارات حذرة متلصصة متشككة متربصة عدوانية في شبه ذلَّة، والراكبون في الأتوبيسات لا أرى وجوههم أو عيونهم، وإنما هي رءوس متلاصقة مكدسة، وظهور متزاحمة مكدسة بعضها فوق البعض، فوق سلم الأتوبيس وفوق سطحه، فإذا ما توقف الأتوبيس لحظة في محطة أو ما شابه المحطة، استطعت أن ألمح وجوهًا صفراء تلمع بالعرق وعيونًا جاحظة مليئة بالذعر.

دُهشت لهذا الكم الهائل من الناس الذين في الشارع، ودُهشت أكثر لأنهم يسيرون كالعميان لا يرون أحدًا ولا يرون أنفسهم، ودُهشت أكثر فأكثر لأنني كنت واحدة منهم، وملأتني الدهشة بإحساس له لذة، كطفل يفتح عينيه لأول مرة ويكتشف العالم، لكن ما هي إلا لحظة وسرعان ما ينطلق صراخ المولود حين يُقْذَف إلى الخارج في عالم آخر لم يكن فيه من قبل.

حين أقبل الليل ولم أعرف مكانًا معينًا أبيت فيه، أحسست بشيء داخلي يصرخ من الفزع، وكنت قد أُرْهِقْتُ وقرضني الجوع فأسندت ظهري إلى جدار بيت ووقفت أنظر حولي، ورأيت الشارع واسعًا ممتدًّا أمام بصري كالبحر، وأنا قطعة حجر قُذِفَت فيه، قطعة حجر تتدحرج، والناس السائرون والراكبون هم الناس الراكبون أو السائرون كالعميان لا يرون أحدًا، آلاف العيون، آلاف العيون تمر أمامي في كل لحظة، تمر دون أن تراني.

عينان فقط رأيتهما تتحركان نحوي ببطء رأيتهما تسقطان فوق حذائي، وترتفعان ببطء شديد فوق ساقي، فوق فخذي، فوق بطني، فوق صدري، فوق عنقي، فوق شفتي، ثم تستقران في النهاية في عيني.

سَرَتْ فوق جسدي رجفة باردة كرجفة الموت، أو كرجفة الفزع حتى الموت، سددت عضلات ظهري ووجهي؛ لأذر الرجفة وأطرد الفزع؛ فهما عينان، عينان فقط، وليستا سكِّينًا أو مطواة. وابتلعت ريقي، وحركت قدمي لأسير، واستطعت أن أحرك جسدي وأبتعد عن العينين، لكني أحسست بهما فوق ظهري، اقتربت من محل فيه نور ساطع، دخلت المحل وأخفيت نفسي بين الناس المتزاحمين، خرجت من المحل بعد قليل أنظر إلى الشارع في حذر، وحينما لم أجد العينين جريت بسرعة، كان عندي هدف واحد محدد، هو أن أصل بيت عمي بأسرع ما يمكن.

لا أدري كيف تحمَّلت الحياة في بيت عمي وزوجته، ولا أدري كيف تزوجت الشيخ محمود، لكن أي شيء كان قد أصبح أقل فزعًا من تلكما العينين اللتين كلما كنت أتذكرهما حتى تسري فوق جسدي رجفة باردة. لم أكن أعرف لونهما: سوداوان هما أم خضراوان، ولم أعرف شكلهما: ضيقتان أم واسعتان، وما كان يمكن لي أن أعرفها من بين عيون الناس، لكني ما كنت أسير في الشارع بالليل أو النهار إلا وأتلفَّت حولي، فكأنما ستنشقُّ الأرض فجأة وتصبح هاتان العينان أمامي.

وانتقلت من بيت عمي إلى بيت الشيخ محمود، وأصبح لي سرير مريح بدلًا من الكنبة الخشبية، سرير ما كنت أتمدد فوقه لأستريح من عناء المطبخ والغسل وتنظيف البيت الكبير والأثاث المثير، حتى يأتي الشيخ محمود، كان قد تجاوز الستين من عمره، ولم أكن أتممت التاسعة عشرة، وتحت شفته السفلى ورم كبير يتوسطه ثقب يجف في أيام، وفي أيام أخرى تتساقط منه كالصنبور البالي قطرات حمراء كالدم أو صفراء أو بيضاء كالصيد.

حينما يجف الثقب أتركه يقبِّلني، وأحس الورم الكبير فوق شفتي ووجهي مثل الكيس أو القربة المليئة بالماء الراكد أو الدهن، وفي غير أيام الجفاف أبعد عنه شفتي وأبعد أنفي؛ فهي رائحة تشبه رائحة الكلب الميت تخرج من الثقب.

وفي الليل يلف ذراعيه وساقيه حولي، وأترك يده المعروقة تعبث بجسدي كله لا تترك شيئًا، كيَد جائع لم يرَ الطعام من سنين، فإذا به يمسح الصحن ويلعقه لا يترك فيه شيئًا.

ولم تكن قدرته على الأكل كبيرة، كان الورم في وجهه يعرقل حركة فكيه حين يمضغ، ومعدته العجوز ضعيفة يربكها الأكل الكثير، لم يكن يأكل إلا قدرًا قليلًا من الطعام، لكنه في كل مرة لا بد أن يمسح الصحن، يمسحه ويدور حوله لا يترك فيه شيئًا، وينظر دائمًا في صحني وأنا آكل، وإذا ما انتهيت وبقي في الصحن شيء يأخذه ويأكله، وهو يؤنبني على إسرافي، لم أكن مسرفة، ولم أكن أترك في الصحن طعامًا، وإنما هي تلك البقايا الضئيلة العالقة بقاع الصحن والتي لا يمكن أن تزول إلا بالماء والصابون.

وحين ترتخي ذراعاه وساقاه من حولي أسحب جسدي بهدوء من تحت جسده، وأسير على أطراف أصابعي إلى الحمام، أغسل وجهي وأغسل فمي، وأغسل ذراعَيَّ وفخذَيَّ، أغسل كل جسدي لا أترك شيئًا، أغسله بالماء والصابون عدة مرات.

كان على المعاش وبغير عمل وبغير أصدقاء، لا يخرج من البيت، ولا يجلس على مقهى خشية أن يدفع ثمن فنجان القهوة، وطوال النهار يلازمني في البيت أو في المطبخ، يراقبني وأنا أطبخ أو أغسل، فإذا ما أفلتت من يدي علبة مسحوق الصابون وسقط منها شيء على الأرض؛ انتفض وهو جالس وأنَّبني على إهمالي، وإذا ما ضغطت بيدي قليلًا على الملعقة وأنا آخذ قطعة سمن للطبخ؛ صاح ونبهني إلى أن علبة السمن تتناقص بسرعة أكثر من اللازم، وإذا ما جاء الزبال؛ فتَّش صحيفة القمامة قبل أن يُخرجها له، وفي مرة وجد في صفيحة القمامة بقايا طعام، فأخذ يصيح بصوت عالٍ سمعه الجيران، ثم بدأ يضربني بسبب وبغير سبب.

ضربني مرة بكعب الحذاء حتى تورَّم وجهي وجسدي، فتركت بيته وذهبت إلى عمي، لكن قال لي: إن كل الأزواج يضربون زوجاتهم، وزوجة عمي قالت لي: إن عمي يضربها. وقلت لها: إن عمي شيخ محترم ورجل يعرف الدين معرفة كاملة، ولا يمكن أن يضرب زوجته. وقالت زوجة عمي: لأنه يعرف أن الدين يبيح ضرب الزوجة، وليس للزوجة الفاضلة أن تشكو زوجها، وواجبها الطاعة الكاملة، ولم أعرف ماذا أقول لزوجة عمي، وقبل أن تضع الخادمة الغداء فوق المائدة أخذني عمي إلى بيت زوجي، وكان زوجي قد تناول غداءه وحده، ولم يسألني حتى المساء إذا ما كنت تغديت، وتعشَّى وحده دون أن يكلمني، وفي الصباح أعددت الفطور، وجلس في مقعده ليأكل دون أن ينظر إليَّ، وجلست بدوري في مقعدي لآكل، فإذا به يرفع عينيه ويثبتهما في صحني، كنت جائعة، وكنت أريد أن آكل بأي شكل، بأي ثمن، فوضعت يدي في الصحن، ثم رفعتها إلى فمي، ولم تكد يدي تصل إلى فمي حتى انتفض واقفًا وهو يصيح: لماذا عدت من بيت عمك؟ ألا يحتمل عمك أن يطعمك بضعة أيام؟ هل عرفتِ الآن أنني أنا الوحيد الذي أحتملك، وأنا الوحيد الذي أطعمك، لماذا تنفرين مني إذن؟ لماذا تبعدين وجهك عن وجهي؟ هل شكلي قبيح؟ هل رائحتي كريهة؟ لماذا تبعدين أنفك كلما قربت منك؟

وانقض عليَّ ككلب مسعور، وكان الثقب في الورم تتساقط منه قطرات صديدية عفنة الرائحة، ولم أبعد وجهي، ولم أبعد أنفي، وتركت وجهي تحت وجهه، وتركت جسدي تحت جسده، تركته بغير إرادة وبغير مقاومة وبغير أي حركة وبغير أي حياة، كأنما هو جسد ميت، أو قطعة أثات أتركها حيث تكون، أو فردة حذاء أخلعها وأتركها تحت أي مقعد.

وفي مرة أخرى ضربني بعصاه الغليظة حتى نزف الدم من أنفي وأذني؛ فتركت بيته ولم أذهب إلى بيت عمي، سرت في الشارع بعينَيَّ المتورمتين والكدمات فوق وجهي، لكن أحدًا من الناس لم يرني، كانوا يهرولون مسرعين، إما راكبين أو سائرين على الأقدام، وجميعهم كالعميان لا يرون، والشارع واسع مزدحم ممتد أمام بصري بلا نهاية كالبحر، وأنا قطعة حجر قُذِفَت فيه، تتلاطم أمواجه من كل جانب وتدفعني هنا وهناك، وحيث تدفعني أتدحرج كقطعة حجر، وتعبت من السير، فجلست على مقعد خالٍ رأيته فوق الرصيف، وتصاعدت إلى أنفي رائحة نفاذة كالقهوة، فأدركت أن لساني جاف وأنني جائعة، وحين جاء صبي المقهى وسألني: ماذا تشربين؟ قلت له: كوب ماء أرجوك، فرمقني بنظرة غاضبة، وقال: إن المقهى ليس لعابري السبيل، وأن ضريح السيدة زينب على بعد خطوات، وهناك ماء كثير لمن يريد، ورفعت عيني إليه، فحملق في وجهي، وحاولت أن أقول له لكني لم أستطع، وأخفيت وجهي بيدي وبكيت، وتركني الصبي ثم عاد ومعه كوب ماء، وحاولت أن أبتلع الماء، لكن شيئًا كالغصَّة كان يسدُّ حلقي، وسقط الماء من بين شفتي، وجاء صاحب المقهى بعد قليل وسألني: ما اسمك؟ قلت: فردوس. قال: ما هذه الكدمات في وجهك؟ هل ضربك أحد؟ حاولت أن أقول له، لكن صوتي اختنق وتنفَّست بصعوبة وابتلعت الدموع. قال: استريحي يا فردوس، سأحضر لك فنجان شاي ساخن، هل أنتِ جائعة؟

لم أكن رفعت عيني إلى وجهه بعدُ، لكن صوته كانت له نبرة منخفضة فيها بحة خفيفة، ذكَّرتني بصوت أبي حين كان يسألني: هل أنت جائعة؟ بعد أن يأكل، وبعد أن يضرب أمي ويهدأ، ولأول مرة أحس أن أبي كان رجلًا طيبًا، وأنني كنت أحبه دون أن أدري، وسمعته يقول: أبوك موجود؟ قلت: لا. قال: كل الناس تموت يا فردوس، وأمك هل هي موجودة؟ قلت: لا. قال: أليس لك أحد: أخ أو عم أو خال؟ وقلت: لا، وفتحت حقيبتي الصغيرة بسرعة، وأخرجت شهادتي الثانوية، وقلت: أنا حاصلة على الشهادة الثانوية، ويمكنني أن أشتغل بالثانوية أو الابتدائية أو أشتغل أي شيء.

اسمه كان بيومي، وحين رفعت عيني إلى وجهه لم أشعر بخوف، أنفه كان مكورًا كبيرًا يشبه أنف أبي، وبشرته سمراء كبشرته، وعيناه مستكينتان هادئتان، لا توحيان بأنها يمكن أن تضرب أو تقسو، وقال لي: إنه يسكن في بيتٍ من حجرتين، وأنني أستطيع أن أسكن في حجرة منهما حتى أحصل على عمل، وفي الطريق إلى بيته توقَّف أمام محل فاكهة وقال: أتحبين البرتقال أم اليوسفي؟ وحاولت أن أرد لكن صوتي لم يخرج، لم يسألني أحد من قبل أتحبين البرتقال أم اليوسفي؟ أبي لم يكن يشتري لنا فاكهة، وعمي أو زوجي كان يشتري دون أن يسألني، ولم أكن فكرت من قبل فيما إذا كنت أحب البرتقال أكثر من اليوسفي؟ وقلت: اليوسفي، وأدركت بعد أن اشترى اليوسفي أنني كنت أحب البرتقال؛ لأن اليوسفي كان أرخص ثمنًا.

وكان لبيومي شقة من حجرتين صغيرتين في حارة تطل على سوق السمك، أكنسهما وأمسحهما وأشتري من السوق السمك، أو أشتري أرنبًا أو لحمًا، وأطبخ له طعامه، وكان يشتغل طول النهار في المقهى دون أن يأكل شيئًا، وحين يعود بالليل يتناول عشاء دسمًا، ثم ينام على سرير في حجرته، وأنام أنا على مرتبة على الأرض في حجرتي.

أول ليلة ذهبت معه كانت الدنيا شتاءً وبردًا، فقال: خذي أنتِ السرير، وسأنام أنا على الأرض، لكني رفضت وذهبت ونمت على الأرض، فجاء إليَّ وأمسكني من ذراعي، وسار معي إلى السرير، كنت مطرقة إلى الأرض وأنا أسير إلى جواره، تتعثر خطواتي في حرج شديد، لم يحدث في حياتي من قبل أن فضَّلني أحد على نفسه، أبي كان يأخذ لنفسه قاعة الفرن في الشتاء ويتركني في القاعة الباردة، وعمي كان يأخذ السرير ويتركني فوق الكنبة الخشبية، وزوجي كان يأكل ضعف ما آكل ومع ذلك لا يكفُّ عن النظر في صحني.

حين وصلنا إلى السرير قلت: لا يمكن أن أنام على السرير. فقال: ولا يمكن أن تنامي على الأرض. كنت لا أزال مُطرقة، ويده لا تزال ممسكة بذراعي، ورأيت يده كبيرة، وأصابعه طويلة كأصابع عمي، وفيها أيضًا تلك الرعشة الخفيفة وأغمضت عيني.

كالحلم القديم أو الذكرى القديمة قِدم عمري، أحسست بالتلامس المفاجئ، وبانتفاضة جسدي بلذة غامضة تشبه الألم، أو ألم ليس في حقيقته ألمًا، وإنما هي لذة لم أعرفها أبدًا في حياتي، أو عرفتها في حياة أخرى غير حياتي، أو هي حَدَثَتْ في جسد آخر غير جسدي.

وأصبحت أنام في سرير طوال الشتاء والصيف أيضًا، لم يضربني مرة واحدة، ولم ينظر في صحني وأنا آكل، كنت أعطيه السمكة كلها ولا آخذ لنفسي إلا الرأس أو الذيل، وإذا ما طبخت أرنبًا أعطيته الأرنب، ولم آخذ إلا الرأس. كنت أنهض من مقعدي دائمًا قبل أن أشبع، وحين أكون ذاهبة إلى السوق أتطلَّع إلى بنات المدارس وهن سائرات في الشارع، وأتذكَّر أنني كنت واحدة منهن وأنني حاصلة على الشهادة الثانوية، وتوقفت مرة أمام بعض الطالبات وأنا أتطلع إليهن، فإذا بهن ينظرن بازدراء إلى ملابسي ورائحة السمك تغرقني، فقلت لهن: إنني حاصلة على الشهادة الثانوية، فإذا بهن يسخرن مني، وسمعت واحدة تهمس في أذن زميلتها وتقول: يبدو أنها مجنونة، انظري إنها تكلم نفسها! ولم أكن أكلم نفسي، ولكني كنت أقول: إنني حاصلة على الشهادة الثانوية.

وحين عاد بيومي في تلك الليلة قلت له: إنني حاصلة على الثانوية، وأريد أن أعمل، فقال لي: إن المقهى يمتلئ كل يوم بشباب بغير عمل، كلهم حاصلون على شهادات من الجامعة. وقلت: ولكني لا بد أن أعمل، لا أستطيع أن أستمر هكذا، وسألني دون أن يرفع عينيه إلى وجهي: ماذا تقصدين بكلمة «هكذا»؟ قلت وأنا أتلعثم: لا يمكن أن أستمر في أن أعيش في بيتك، فأنا امرأة وأنت رجل والناس تتكلم، وأنت وعدتني بأن أبقى حتى تجد لي عملًا، ورد بغضب: وماذا أفعل؟ هل أخلق عملًا من المساء؟ قلت: أنت مشغول طول النهار بالمقهى، ولم تبحث لي عن عمل، وسأخرج اليوم لأبحث بنفسي عن عمل.

كان صوتي منخفضًا، وكنت مُطرقة إلى الأرض، لكنه انتفض واقفًا وصفعني على وجهي وهو يقول: أترفعين صوتكِ على صوتي يا بنت الشوارع يا ساقطة؟! كفُّه كانت كبيرة قوية، أقوى كفٍّ تسقط على وجهي، جعلت رأسي يرتجُّ في الهواء عدة مرات، وارتجت الأرض والحجرة من حولي، فأمسكت رأسي بيدي، وحين استقرت الأرض والحجرة مرة أخرى رفعت رأسي والتقت عيناه بعيني.

وكأنما أرى العينين لأول مرة، عينان سوداوان تنظران في عيني، وتتحركان ببطء شديد فوق وجهي وعنقي، وتهبطان ببطء أشد فوق صدري وبطني، وتستقران في النهاية أسفل بطني بين فخذي، سَرَتْ فوق جسدي رجفة باردة كرجفة الموت، وامتدت يدي دون أن أحس، وأخفيت بطني وفخذي، لكن يده القوية الكبيرة امتدت ونزعت يدي، وضربني بقبضة يده في بطني حتى فقدت الوعي.

وأصبح يغلق عليَّ باب الشقة قبل أن يخرج، وأصبحت أنام على الأرض في الحجرة الأخرى، ويأتي في منتصف الليل يشد عني الغطاء ويصفعني ويرقد فوقي، لم أكن أفتح عيني، وأترك جسدي تحت جسده بغير حركة ولا رغبة ولا لذة ولا ألم ولا أي شيء، جسد ميت لا حياة فيه، كقطعة من الخشب، أو جورب من القطن، أو فردة حذاء، وذات مرة أحسست أن جسده أثقل مما كان، وأنفاسه لها رائحة لم أشمها من قبل، وفتحت عيني فرأيت فوق وجهي وجهًا آخر غير وجه بيومي، وقلت: مَنْ أنت؟ قال: أنا بيومي. قلت: لست بيومي. قال: أنا وبيومي شيء واحد، وسألني: أتشعرين بلذة؟ وخفت أن أقول: لا أشعر بشيء، وأغمضت عيني وقلت: نعم، فغرز أسنانه في لحم كتفي، وعضني عدة مرات في صدري وبطني وهو يردد: يا مرة يا بنت اﻟ … وسبَّ أمي بكلمة لم أستطع أن أسمعها أو أنطقها، لكني سمعتها بعد ذلك كثيرًا من بيومي ومن أصدقاء بيومي حتى تعودت سماعها، وتعودت أن أنطقها أحيانًا حين أحاول فتح الباب فأجده مغلقًا، فأضرب الباب وأقول: يا بيومي يا ابن … وكدت أن أسب أمه بالكلمة نفسها النابية، لكني تداركت الخطأ، وأصبحت أسب أباه بدلًا من أمه.

ورأتني إحدى الجارات ذات يوم وأنا أبكي من خلال شراعة الباب، فسألتني وحكيت لها فبكت معي، وقالت: إنها ستطلب البوليس، لكني فزعت من كلمة البوليس، وطلبت منها أن تحضر نجارًا ليفتح الباب، وجاء النجار وفتح الباب، فخرجت من بيت بيومي إلى الشارع أجري، أصبح الشارع هو المكان الآمن الذي أجري إليه، وأُلْقِي فيه بكل نفسي، كنت أجري ومن حين إلى حين أنظر خلفي، فإذا لم أرَ وجه بيومي انطلقت أجري.

ووجدت نفسي في نهاية النهار في شارع لا أعرفه، شارع نظيف، مرصوف بالأسفلت، يطل على النيل، وعلى جانبيه أشجار عالية، والبيوت تحوطها أسوار وحدائق خضراء، والهواء دخل صدري نظيفًا خاليًا من التراب، ورأيت مقعدًا حجريًّا بحذاء النيل فجلست، وتركت وجهي في مواجهة الهواء المنعش وأغمضت عيني، لكني سمعت صوت امرأة يأتيني من جواري ويقول: ما اسمكِ؟ وفتحت عيني، فرأيت عينيها، لون أخضر، يحوطني ويلفني ويغرقني.

إحساس غريب بأنني أغرق في خضرة داكنة لها كثافة، ولها ملمس كملمس ماء البحر، أغرق فيه وأنا نائمة أحلم، أغوص في الماء فلا يصيبني البلل ولا أغرق، أترك نفسي في جوف البحر، يبتلعني حتى القاع، أو يرفعني برفق فوق السطح دون أن أسبح وأتحرك.

وأحسست بجفني يثقلان كأنما سأنام، لكن الصوت عاد إلى أذني، صوت ناعم له نبرة ناعسة: أنتِ متعَبة، شددت جفنيَّ بقوة وقلت: نعم. ازدادت الخضرة داخل عينيها قوة وحدَّة، وقالت: ماذا فعل بك الكلب؟ انتفضت كمن يصحو من النوم فجأة: مَنْ هو؟ قالت وهي تلف الشال الأخضر حول كتفيها وتتثاءب: أي كلب منهم، كلهم كلاب تحت أسماء مختلفة: محمود، حسنين، فوزي، صبري، إبراهيم، عوضين، بيومي … قاطعتها لاهثة: بيومي!

ضحكت بشدة، ورأيت أسنانها صغيرة بيضاء مدببة، تتوسطها سن ذهبية: أنا أعرفهم كلهم، من الذي بدأ: أبوك، أخوك، خالك، عمك؟ انتفض جسدي فوق المقعد الحجري: عمي! ضحكت مرة ثانية وألقت بالشال الأخضر وراء ظهرها وقالت: وماذا فعل بيومي بك يا … لم تقولي لي اسمك، ما اسمك؟ قلت: فردوس، وأنتِ مَنْ أنتِ؟ قالت وهي تشد ظهرها وعنقها في كبرياء غريب: أنا شريفة صلاح الدين، وكل الناس تعرفني.

طوال الطريق إلى بيتها كنت أحكي قصتي، تركنا شارع النيل ودخلنا في شارع صغير جانبي، وبعد قليل صعدنا في إحدى العمارات الكبيرة، وارتجف جسدي وهو يرتفع وحده إلى أعلى داخل المصعد، وأخرجت من حقيبتها مفتاحًا، ووجدت نفسي على النيل، أخذتني إلى الحمام لأستحم، وعلمتني كيف أفتح الماء الساخن والبارد، وأعطتني ملابس من عندها، ملابس ناعمة يفوح منها عطر جميل، وأصابعها وهي تمشط لي شعري أو تعدل ياقة الفستان حول عنقي ناعمة، وكل شيء من حولي ناعم، وأغمضت عيني تاركة نفسي للنعومة، وجسدي أصبح ناعمًا كجسد طفل وُلِدَ منذ لحظة.

حينما فتحت عيني ورأيت نفسي في المرآة؛ أدركت أنني أولد من جديد، بجسد ناعم نظيف، وملابس ناعمة نظيفة، وبيت نظيف، وهواء نظيف، وتنفَّست بعمق لأملأ صدري بالهواء النظيف، وتلفَّتُّ حولي فرأيتها واقفة تنظر إليَّ بعينين يشعُّ منهما ضوء قوي أخضر بلون الشجر ولون السماء ولون النيل، وألقيت بنفسي بين عينيها، وحوطتها بذراعي وأنا أقول: مَنْ أنتِ؟ قالت: أمك. قلت: أمي ماتت من سنين. قالت: أختك. قلت: ليس لي أخت ولا أخ، كلهم ماتوا وهم صغار كالكتاكيت. وقالت: كل الناس تموت يا فردوس، وأنا سأموت وأنتِ ستموتين، ولكن المهم أن تعرفي كيف تعيشين. قلت: وكيف أعيش؟ الحياة قاسية، ولا يعيش إلا مَنْ هو أقسى من الحياة يا فردوس، الحياة قاسية، ولا يعيش إلا من هو أقسى منها. وقلت: ولكنك لستِ قاسية، فكيف تعيشين يا شريفة؟ وقالت: أنا قاسية شديدة القسوة. قلت: ولكنكِ رقيقة ناعمة. قالت: بشرتي ناعمة، لكن قلبي قاسٍ ولدغته قاتلة، قلت: كالحية. قالت: نعم، كالحية، والحية والحياة شيء واحد يا فردوس، إذا عرفت الحية أنكِ لست حية مثلها قرصتك، وإذا عرفت الحية أنكِ لا تلدغين لدغتك.

وأصبحت تلميذة صغيرة بين يدي شريفة، تفتح عيني على الحياة، وتسلِّط الضوء على حوادث لم أعرفها، وملامح من وجهي وجسدي لم أرها من قبل، عرفت أن لي عينين سوداوين فيهما بريق يشد إليه العيون، وعرفت أن أنفي ليس كبيرًا وليس مكورًا، وإنما هو أنف له نعومة وفيه امتلاء، ينم عن شهوة حادَّة قادرة على النهم، وجسدي ممشوق، وفخذاي عضلاتهما مشدودة قادرة على أن تشد أكثر وأكثر، وعرفت أنني لم أكره أمي ولم أحب عمي، ولم أعرف بيومي ولم أرَ رجلًا آخر من أتباع بيومي. وقالت لي شريفة: بيومي وأتباع بيومي لم يعرفوا قيمتك؛ لأنك تعرفين قيمة نفسك، الرجل يا فردوس لا يعرف قيمة المرأة، ولكن المرأة هي التي تحدد قيمتها، كلما كان ثمنك غاليًا أدرك الرجل قيمتك، ودفع لكِ من عنده، وإذا لم يكن عنده سرق من الآخرين وأعطاكِ. تساءلت في دهشة: وهل لي قيمة يا شريفة؟ وقالت: أنتِ جميلة ومثقفة. قلت: مثقفة؟! لم أحصل إلا على الثانوية. قالت: وهل هذا قليل؟ أنا لم أحصل على الابتدائية. قلت بشيء من الحذر: وهل لكِ قيمة يا شريفة؟ قالت: بالطبع، لا يمكن أن يلمسك أحد دون أن يدفع غاليًا، وأنتِ أكثر شبابًا مني وأكثر ثقافة، ولا يمكن أن يلمسك أحد دون أن يدفع ضعف ما يدفعه لي. قلت: ولكني لا أستطيع أن أطلب من الرجل شيئًا. قالت: لا تطلبي شيئًا، ليس هذا هو شأنك … إنه شأني أنا.

أيمكن أن يتغير النيل والسماء والشجر؟! ولكني تغيرت، فلماذا لا يتغير النيل؟ ولماذا لا يتغير لون الشجر؟ كنت أفتح النافذة كل صباح فأرى النيل وأرى الشجر لونه أخضر، والخضرة يشع منها ضوء قوي داكن يُشعرني بقوة الحياة وقوة جسدي وقوة الدم الساخن داخل عروقي، يبعث الدفء في جسدي: دفء ناعم نعومة الملابس الحريرية، والسرير الحريري، وعطر كعطر الورد يملأ أنفي، وأترك جسدي يغرق في الدفء والنعومة والعطر، وأمدد ساقي تحت الغطاء الحريري، وأدفن وجهي في الوسادة الحريرية، أنهل النعومة بأنفي وفمي وأذني.

وفي الليل تسقط أشعة القمر فوق جسدي بيضاء حريرية، وأصابع الرجل أيضًا بيضاء حريرية، وأظافر بيضاء نظيفة، ليست كأظافر بيومي السوداء بلون الشاي الأسود، ولا أصابع عمي من تحتها طبقة من الطين الأسود، وأغمض عيني وأترك جسدي يعزف في الضوء الأبيض، وأحس الأصابع الحريرية فوق وجهي وفوق شفتي، تهبط فوق عنقي، وتغوص بين ثديي، وهي تهبط فوق بطني، أسفل بطني بين فخذي، وأحس الانتفاضة في جسدي، انتفاضة غريبة في بدايتها لذة تشبه الألم، وفي نهايتها ألم يشبه اللذة، لذة قديمة قدم حياتي، عرفتها منذ زمن بعيد ونسيتها منذ زمن بعيد، أبعد من عمري الذي عشته، وأبعد من اليوم الذي وُلِدت فيه، فكأنها تنبعث من جرح قديم في جسدي، أو من عضو خارج جسدي، واحدة أخرى، أحسها كما لو كانت تنبعث من جسد امرأة أخرى غيري.

وقلت لشريفة ذات يوم: لِمَ لا أحس يا شريفة؟ وقالت شريفة: نحن نعمل يا فردوس، والعمل عمل، لا تخلطي بين العمل والإحساس. قلت: ولكني أريد أن أحس يا شريفة. وقالت شريفة: الإحساس يا فردوس لن يعطيك شيئًا إلا الألم. وقلت: أليست هناك لذة، أية لذة ولو ضئيلة؟ وضحكت شريفة بشدة، ورأيت أسنانها البيضاء الصغيرة المدببة تتوسطها السن الذهبية، وقالت: ألا تشعرين بلذة حين تأكلين الفراخ المحشوة بالأرز؟ ألا تشعرين بلذة وأنتِ تعيشين في هذا البيت الدافئ النظيف المطل على النيل؟ ألا تشعرين بلذة حين تفتحين النافذة كل صباح وترين النيل والسماء والشجر؟ ألا يكفيك كل هذا؟ لماذا تطلبين أكثر؟!

لم يكن ما أطلبه جشعًا، ولكني كنت قد فتحت النافذة ككل يوم فلم أجد النيل؛ موجود أمام عيني لكني لم أعد أراه، وكأنما عين الإنسان لم ترَ الموجود، والعطر أيضًا تحت أنفي موجود ليل نهار، فلم أعد أشم العطر، وكأنما الأنف كالعين لا تدرك الموجود، والنعومة، والحرير، والفراش الوثير، والطعام، وكل شيء موجود، أصبح كأنما هو غير موجود.

ولم أكن أخرج من البيت، بل لم أكن أخرج من حجرة النوم، بالنهار وبالليل أظل مصلوبة فوق السرير، وفي كل ساعة يدخل رجل، رجال كثيرون: من أين يأتون! وكلهم متزوجون، كلهم متعلمون، وكلهم يحملون حقائب جلدية ثقيلة، والَمحافظ في جيوبهم الداخلية ثقيلة، وأجسادهم ثقيلة بسنين طويلة طول الدهر، وبطونهم ثقيلة بشبع زائد عن الحد، وعرق غزير مختزن يملأ أنفي برائحة عطنة كرائحة الماء الراكد. وأُبعد أنفي عن الرائحة، لكنهم يشدون أنفي، ويغمسونه في الرائحة، ويغرزون أظافرهم الطويلة المدببة في جسدي، وأطبق فمي لأكتم الصرخة، لكن شفتي تنفرجان رغم إرادتي عن أنَّة خافتة مكتومة، يسمعها الرجل منهم فإذا بصوته الغبي يرتطم بأذني: أتشعرين بلذة؟ وأكور شفتي لأبصق في وجهه، فإذا به يمسك شفتي بأسنانه، وأحس لعابه اللزج داخل فمي، فأطرده بلساني إلى فمه مرة أخرى.

رجل واحد فقط لم يكن غبيًّا، ولم يسألني أتشعرين بلذة، ولكنه سألني: أتشعرين بألم؟ وقلت: نعم. قال: ما اسمك؟ قلت: فردوس، وأنت؟ قال: أنا فوزي. قلت: كيف عرفت أنني أشعر بألم؟ قال: لأني أحس بك. وقلت في ذهول: تحس بي! قلت: لا أدري، وشريفة قالت لي العمل عمل ليس فيه إحساس. وضحك ضحكة قصيرة وهو يقبِّلني فوق شفتي وقال: شريفة تضحك عليك؛ تكسب من ورائك، وأنتِ لا تأخذين شيئًا إلا الألم. وبكيت فمسح دموعي وحوطني بذراعيه فأغمض عيني وقبَّلني فوق جفني برقَّة وهو يقول: أترغبين في النوم؟ قلت: وشريفة؟ قال: لا تخافي من شريفة. قلت: وأنت، ألا تخاف منها؟ ضحك ضحكته القصيرة وقال: وهي التي تخاف مني.

كنت لا أزال نائمة في سريري وعيناي مغمضتان، لكن أصواتًا خافتة وصلت أذني من خلال الجدار الذي يفصل حجرتي عن حجرة شريفة، وسمعت صوتها وهي تتحدث مع رجل خُيِّل إليَّ أنني سمعت صوته من قبل.

– ستأخذها مني يا فوزي؟!

– سوف أتزوجها يا شريفة.

– أنت لا تتزوج يا فوزي.

– هذا في الماضي، ولكني كبرت وأريد ابنًا.

– ليرث الأرض والأموال؟!

– لا تسخري مني يا شريفة، لو أردت أن أكون صاحب ملايين لأصبحت، ولكني رجل يعشق لذائذ الحياة، وأكسب المال لأنفقه، ولا شيء يستعبدني، لا المال ولا الحب.

– أتحبها يا فوزي؟!

– وهل أنا قادر على الحب يا شريفة؟! ألم تقولي لي إنني رجل فقدت القدرة على الحب؟!

– أنت لا تحب يا فوزي ولا تتزوج، ولكنك تريد أن تأخذها مني كما أخذت كاميليا من قبل.

– كاميليا هي التي جاءت معي.

– وقعت في حبك، أليس كذلك؟!

– النساء تحبني، ما ذنبي أنا؟!

– الويل لمن تحبك يا فوزي.

– إذا لم أحبها.

– وهل أنت تحبها يا فوزي؟

– أحيانًا.

– هل أحببتني يا فوزي؟

– أتعودين إلى هذا السؤال يا شريفة؟ ليس عندي وقت كما تعرفين، سوف آخذ فردوس.

– لن تأخذها.

– سآخذها.

– أتهددني يا فوزي؟ ولكني لم أعد أخاف من تهديدك، لا تستطيع يا فوزي أن تسلط عليَّ البوليس، فأنا الآن لي في البوليس معارف وأصدقاء أكثر منك.

– وهل أنا رجل يلجأ إلى البوليس؟ الرجل الضعيف هو الذي يلجأ إلى البوليس، فهل أنا رجل ضعيف يا شريفة؟!

– ماذا تقصد يا فوزي؟!

– أنت تعرفين.

– ستضربني يا فوزي؟!

– منذ فترة طويلة لم أضربك، ويبدو أن عندكِ حنينًا إلى الضرب.

– إذا ضربتني سأضربك يا فوزي.

– هذا جميل، وسنرى من يغلب فينا.

– إذا وضعت يدك عليَّ يا فوزي، فسوف أحضر لك شوقي.

– مَنْ هو شوقي هذا؟ هل لك رجل غيري؟ أتحبين رجلًا غيري يا شريفة؟ أتجرؤين؟!

لم أسمع من خلال الجدار صوت شريفة وهي ترد عليه؛ ربما ردت بصوت خافت لم أسمعه، أو أنه وضع يده على فمها قبل أن ترد؛ لأني سمعت صوتًا يشبه اليد حين تلامس الفم، تبعه صوت آخر يشبه صوت اليد حين تلامس الوجه، ثم تتابعت أصوات خافتة لم أميز أهي قبلات عنيفة أم صفعات خفيفة، وسمعت صوت شريفة يعترض: لا يا فوزي، لا. ويرد عليها بصوت غاضب كالفحيح: لا إيه يا مره؟ ويطقطق السرير تحتهما، وأعود أسمع أنفاس شريفة المتقطعة تلهث، وتعترض مرة أخرى: لا يا فوزي، حرام عليك والنبي. ويعود فحيحه الغاضب اللاهث: حرام إيه ونبي إيه يا مره؟ مين شوقي ده عشان ادبحه! وتشتد طقطقة السرير، يتلاحم فوقه جسدان يتصارعان، يلتصقان ثم يبتعدان، ويلتصقان ويبتعدان في حركة مستمرة لم تلبث أن أصابتها سرعة غريبة شبه مجنونة هزت السرير من تحتهما هزات عنيفة متلاحقة كالأنفاس اللاهثة، والأرض أيضًا أصبحت تهتز وتلهث معهما، والجدار بيني وبينهما أصبح يهتز، والسرير الذي أرقد عليه بدأ يهتز.

وصلت الاهتزازة العنيفة إلى رأسي فأيقظتني من النوم فجأة، وتراءى لي وجه فوزي من خلال ضباب كالحلم، وعاد إلى أذني صوته وهو يقول: شريفة تضحك عليك وتكسب من ورائك. ثم صوت شريفة وهو يقول: إذا ضربتني سأضربك يا فوزي. وفتحت عيني فوجدت جسدي ممدودًا فوق السرير وليس إلى جواري رجل، والحجرة من حولي مظلمة خالية ليس بها أحد. سرت على أطراف أصابعي إلى حجرة شريفة، فرأيتها راقدة عارية وإلى جوارها فوزي. عدت إلى حجرتي على أطراف أصابعي، وارتديت أول فستان وقع تحت يدي، وأخذت حقيبتي الصغيرة وخرجت إلى الشارع.

كانت الدنيا ليلًا، ليلًا أسود بغير قمر، والفصل شتاءً، شتاءً باردًا قارصًا، وشوارع القاهرة خالية تمامًا، والنوافذ والأبواب كلها مغلقة بإحكام لا ينفذ منها الهواء، وأنا أسير في البرد ومن حول جسدي فستان رقيق شفاف، لكني لا أشعر بالبرد، تحوطني الظلمة من كل جانب، وليس لي في هذه الدنيا كلها مكان أذهب إليه، لكني لم أعد أخاف، لا شيء في الشارع يمكن أن يخيفني، ولا هواء بارد يمكن أن يقرصني، هل تغيَّر جسدي؟ هل أصبحت أحمل جسد امرأة أخرى؟ وأين ذهب جسدي الحقيقي؟!

لكني سرعان ما نظرت إلى أصابع يدي، أصابع يدي هي أصابع يدي، أصابع رفيعة طويلة قال عنها أحد الرجال: إنه لم يرَ في حياته مثلها؛ فهي أصابع فيها قوة وذكاء، ولها لغة، وإنه حين يقبِّلها تحدِّثه بصوت يكاد يسمعه. ضحكت وقرَّبت أصابعي من أذني ولم أسمع شيئًا، ضحكت مرة أخرى، وسمعت صوت ضحكتي بأذني، دهشت وتلفَّتُّ حولي، خشيت أن يسمعني أحد وأنا أضحك وحدي، فيسوقني إلى مستشفى العباسية. لم أرَ أحدًا في الظلمة، لكني رأيت رجلًا من رجال البوليس مقبلًا نحوي، أمسكني من ذراعي وقال: إلى أين تذهبين؟ قلت: لا أعرف. قال: أتأتين معي؟ قلت: إلى أين؟ قال: إلى بيتي. قلت: لا. لم أعد أثق في أي رجل! وفتحت حقيبتي الصغيرة وجعلته يرى شهادتي الثانوية، وقلت له: إنني سأبحث عن عمل بالثانوية أو بالابتدائية أو أي شيء آخر آخذ منه أجرًا. قال: سأعطيك أجرك، ولا تظني أنني سآخذك بالمجان؛ فلست كغيري من رجال البوليس. كم تأخذين؟ قلت: كم آخذ! لا أعرف. قال: لا تتخابثي عليَّ ولا تساومي معي، وإلا أخذتك إلى نقطة البوليس. قلت: لماذا تأخذني؟ أنا لم أفعل شيئًا. قال: أنتِ مومس، وواجبي هو أن أقبض عليك وعلى مثيلاتك لنطهِّر الوطن منكن ونحمي العائلات الكريمة من فسادكن، ولكني لا أريد أن أستخدم معك الشدة، ويمكن أن نتفاهم بهدوء، سأعطيك جنيهًا كاملًا. ما رأيك؟

حاولت أن أفلت من يده، لكنه أمسكني، وسار بي في أزقَّة ضيقة مظلمة، ثم أدخلني من باب خشبي صغير، وأرقدني على سرير، ثم خلع ملابسه، وأغمضت عيني، فأحسست بالثقل من فوقي، والحركة بالأصابع والأظافر السوداء، والأنفاس اللاهثة، والعرق اللزج العطن، واهتزازة السرير والأرض والجدران كأنما الدنيا تدور، وفتحت عيني ونهضت أشد جسدي من فوق السرير، وارتديت الفستان، وأسندت رأسي المنهك على الباب لحظة قبل أن أخرج، وسمعت صوته من خلفي يقول: ماذا تنتظرين؟ ليس معي نقود الليلة، سأعطيك المرة القادمة.

سرت في الحواري الضيقة والدنيا لا تزال ليلًا، والهواء لا زال باردًا قارصًا، والمطر بدأ يهبط، وتراب الأرض أصبح طينًا يغوص فيه حذائي، وأكوام من القمامة أمام كل بيت، ورائحة عطنة تحوطني من كل جانب وتغرقني، وأنا أُسْرِع الخطى، أريد أن أخرج من الحواري إلى الشارع الأسفلت، أي شارع من الأسفلت أدوس عليه فلا يحوط حذائي الطين.

حين وصلت الشارع الأسفلت كان المطر لا يزال ينهمر، فوقفت تحت مظلة إحدى محطات الأتوبيس، أخرجت منديلي من حقيبتي، ومسحت وجهي وشعري وعيني، رأيت من تحت المنديل شيء أبيض ظننت أول الأمر أنه المنديل، ورفعت المنديل عن عيني، لكن الضوء ظل في عيني قويًّا بسبب الضوء الذي يصدر عن الأتوبيس، ظننت أن الفجر طلع أو المواصلات بدأت، لكنه لم يكن الأتوبيس، كانت سيارة ظلت واقفة أمامي وضوءها القوي في عيني، ثم هبط منها رجل دار حول السيارة في خطوات سريعة، وفتح الباب ناحيتي، وانحنى وهو يقول لي بأدب شديد: تفضلي، ادخلي من هذا البرد والمطر.

كنت أرتعد من الصقيع، وفستاني الخفيف المبلل بالمطر يلتصق بجسدي، ويشف من تحته ثدياي بغير مشد، وحلمة الثدي دائرة سوداء بارزة، ضغط عليها بيده وهو يساعدني في ركوب السيارة، وفي بيته الدافئ خلع عني الفستان والحذاء ذي الطين، وغسل جسدي بماء دافئ وصابون، ثم حملني إلى السرير، وأغمضت عيني فأحسست الثقل فوق صدري وبطني، وحركة الأصابع نفسها، لكن الأظافر نظيفة مشذبة، والأنفاس تلهث برائحة معطرة، والعرق غزير لزج، ولكنه غير عطن.

حين فتحت عيني كان ضوء الشمس يغرقني، وتلفَّتُّ حولي لا أعرف أين أنا، ورأيتني في حجرة نوم أنيقة، ورجل غريب يقف أمامي، نهضت بسرعة وارتديت فستاني وحذائي، وبينما أنا أمسك حقيبتي الصغيرة لأخرج من الباب، مدَّ يده ووضع في يدي ورقة بعشرة جنيهات، وكأنما انقشعت عن عيني غشاوة، فإذا بي أبصر لأول مرة في حياتي حركة يدي وهي تلامس الورقة المالية، حطمت اللغز ومزَّقت الستار الذي حجب عني حقيقة عرفتها وأنا طفلة، حين أعطاني أبي لأول مرة قرشًا. لم يكن أبي يعطيني مصروفًا، كنت أشتغل في الحقل والدار، وآكل مع أمي ما يبقى من أبي، وإذا لم يبقَ شيء نمت بغير عشاء، وفي العيد الكبير رأيت العيال يشترون من الدكان الحلوى، فذهبت إلى أمي وبكيت، وقلت لها: أعطيني قرشًا. وقالت أمي: ليس معي قروش، القروش مع أبيك. وذهبت إلى أبي وقلت له: أعطني قرشًا. فضربني على يدي وقال: ليس معي قروش. لكنه ناداني وقال لي: سأعطيك قرشًا إذا فتح الله علينا وبعت الجاموسة قبل أن تموت، ورأيت أبي يصلي ويدعو الله أن يمد في أجل الجاموسة، لكن الجاموسة ماتت قبل أن يلحقها أحد، وكفَّ أبي عن الصلاة والدعاء، وظل صامتًا طوال العيد، وكلما كلمته أمي انقضَّ عليها وضربها. ولم أطلب منه القرش. وجاء العيد الصغير ورأيت الحلوى في الدكاكين، فقلت لأبي: أعطني قرشًا، فقال: تطلبين القرش في أول النهار؟ اذهبي واكنسي تحت البهائم، وحمِّلي الحمارة وخذيها إلى الحقل، وفي آخر النهار سأعطيك القرش، وأعطاني القرش حين عدت من الحقل، أول قرش يعطيه لي، أول قرش يصبح لي، أضعه في كفي وأحوطه بأصابعي وأضغط عليه؛ فهو قرشي أنا، ليس قرش أبي ولا قرش أمي، ولكنه قرشي أفعل به ما أشاء، وأشتري به ما أشاء، وآكل به ما أشاء: حلوى أو خرُّوبًا أو عسلية أو أي شيء أختاره.

كانت الشمس مشرقة في ذلك اليوم، وكنت أسير بخطوات سريعة نشطة، قبضة يدي اليمنى قوية، تضغط على شيء داخل كفي، شيء ثمين ليس قرشًا واحدًا، وإنما ورقة بعشرة جنيهات كاملة، أول مرة أُمْسِك ورقة مالية بهذا الحجم، وأول مرة تلامس الورقة يدي، والتلامس المفاجئ يجعل جسدي ينتفض انتفاضة غريبة ترج كياني بعنف يكاد يصل إلى حد الألم، أحسه ينبعث كأنما من جرح غائر في أحشائي، يؤلمني حين أشد عضلات ظهري وأتنفس بعمق، وأحس به يصعد إلى بطني كالرعشة، كأنما الدم يرتعش في عروقي، وسخونة الدم في صدري تصعد إلى عنقي وتذوب في حلقي لعابًا غزيرًا يملأ فمي بالدفء، وله طعم لذيذ شديد اللذة إلى حد المرارة.

ابتلعت ريقي وأنا أقف أمام مطعم يشوي الفراخ على نار متوهجة من خلف زجاج شفاف، عيناي تدوران مع اللهب تتبعان دورة الفراخ المحمرة حول سيخ حديدي، اخترت مائدة بجوار النافذة تغرقها الشمس، واخترت فرخة حمراء سمينة، وجلست آكل ببطء، ببطء شديد أمضغ، وأستبقي الطعام في فمي بضع لحظات قبل أن أبتلع، وفمي وهو مملوء كفم طفل منتفخ بالحلوى، والطعام داخل فمي أصبحت له حلاوة، حلاوة شديدة كقطعة العسلية التي اشتريتها بأول قرش أخذته من أبي، لم تكن أول مرة أذوق فيها العسلية؛ فقد اشترتها لي أمي من قبل، لكنها كانت أول عسلية أشتريها أنا، وبقرشي أنا، وأختارها من بين أنواع الحلويات الأخرى.

انحنى جرسون المطعم وهو يضع بقية الصحون أمامي، يداه تمتدان أمامي بصحن ممتلئ، وعيناه تبتعدان عن الطعام، لا تنظران في صحني، حركة عينيه وهما تبتعدان عن طعامي مزقت الستار عن عيني، ولأول مرة في حياتي أرى أنني آكل من صحن لا تنظر فيه العينان. منذ وُلِدت، وهناك عينان مفتوحتان دائمًا، وكلما جلست وأمامي صحن الأكل، فهما تنظران في الصحن ولا ترمشان.

أيمكن أن تفعل الورقة المالية كل هذا؟ وكيف لم أعرف من قبل؟ وهل كنت لا أعرف من قبل؟ وأدركت أنني كنت أعرف من قبل، منذ زمن بعيد عرفت، منذ وُلِدت وفتحت عيني، ورأيت أول ما رأيت من أبي قبضة يده، وأصابعه مضمومة بقوة حول شيء في كفه لا يفتحها، وإذا فتحها فهو يستبقي الشيء في يده، شيء مستدير أبيض اللون، يتحسس بأصابعه الخشنة الكبيرة سطحه الأملس، ويحركه فوق قطعة حجر ملساء، فإذا بصوت يرتفع في الجو كالرنين.

كنت لا أزال جالسة في الشمس، والورقة المالية في حقيبتي لم أدفع ثمن الغداء بعدُ، وفتحت الحقيبة لأُخرجها، وجاء الجرسون في هذه اللحظة، وانحنى في أدب شديد وهو يلم الصحون الفارغة، يداه تمتدان فوق المائدة أمامي تلمَّان الصحون، وعيناه تبتعدان عن حقيبتي، لا تنظران إلى الورقة المالية، حركة عينيه كحركة رأيتها من قبل، وإغماضة الجفن وهو يغض الطرف عن النقود، ومن تحتها نظرة تمتد إلى يدي، كإغماضة زوجي الشيخ محمود حين كان يصلي وتمتد نظراته من تحت الجفن إلى المائدة تبحث عن صحني، وكإغماضة عمي حين كان يقرأ، ثم تمتد يده من وراء الكتاب تبحث عن ساقي، إغماضة الجفن نفسها، وحركة العينين نفسها، والجرسون لا زال واقفًا، والورقة المالية لا زالت في يدي، يلمح حركتها بطرف عين، وبعينه الأخرى يغض البصر في حياء، كمن يغض البصر عن عورة محرَّمة، ودهشت: أيمكن أن تكون الورقة المالية محرَّمة كاللذة المحرمة؟ كدت أفتح فمي وأسأل الجرسون: مَنْ حرَّمها؟ لكني أطبقت شفتي كأنما أعرف الجواب من قبل، من زمن بعيد حين ضربني أبي لأول مرة على يدي وأنا أمدها لآخذ القرش، وحين ضربتني أمي حين ضيَّعت في السوق قرشًا، وحين أعطاني عمي قرشًا وقال لي: لا تقولي لأمك، وحين كانت شريفة تعد الجنيهات، فإذا ما لمحتني خبأتها، وأصبحت كلما رأيت أحدًا يعد النقود، أو يُخْرِج من جيبه أي قروش أُبعِد عيني، كأنما النقود عورة أو شيء محرَّم عليَّ أنا وحدي ومباح للآخرين، كدت أسأل الجرسون: مَنْ أباحها؟ ومن حرَّمها؟ لكني أطبقت شفتي في صمت، ودفعت له أجره، فأطرق رأسه وهو يمد يده، وعيناه لا تزالان بعيدتين.

ولم أعد أُبعِد عيني، ولم أعد أُطرق رأسي، أصبحت أسير في الشارع رافعة رأسي، رافعة عيني أنظر إلى الناس في عيونهم مباشرة، وإذا عدَّ أحدهم الجنيهات، فأنا أنظر إلى النقود ولا أبعد عيني، وكنت لا أزال أسير في الشارع والشمس تغرق ظهري، وسخونة الطعام الشهي تسري في جسدي، وبقية الجنيهات العشرة لا تزال في جيبي، وحذائي يدب على الأسفلت بقوة ونشوة كنشوة طفل حطَّم اللعبة وعرف اللغز.

اقترب مني رجل وهمس في أذني، فنظرت إليه مباشرةً ولم أبعد عيني، وقلت: لا. واقترب رجل آخر وهمس لي بالسر، فحصته بعيني، وقلت: لا. وقال: لماذا؟ فقلت: لأن هناك رجالًا كثيرين قادمين، سوف أختار مما أشاء. فقال: ولماذا لا تختاريني؟ قلت: لأن أظافرك سوداء، وأنا أحب الأظافر النظيفة. واقترب رجل آخر وهمس بالسر، فقلت: كم تدفع؟ قال: عشرة. قلت: لا، عشرين. قال: أمرك، ودفع لي.

كم من عمري مرَّ قبل أن أملك نفسي وجسدي؟ كم من العمر راح قبل أن أشد نفسي وجسدي من قبضة الآخرين؟ فأختار طعامي الذي آكله، وأختار بيتي الذي أسكنه، وأرفض الرجل الذي أنفر منه، وأختار من الرجال مَنْ هو نظيف الأخلاق والجسد! مرَّ من عمري ربع قرن، وكنت في الخامسة والعشرين حين أصبح لي بيت أختاره، ومن ينظم لي مواعيد عملي في الأوقات التي أحددها، وبالشروط التي أفرضها. وأصبح لي رصيد في البنك يزيد على الدوام، وأصبح لي أوقات فراغ للراحة والتريُّض، ومشاهدة السينما والمسرح وقراءة الصحف، ومناقشة أمور السياسة مع أصدقائي القليلين المقربين، أختارهم من بين كثيرين يحومون حولي ينشدون صداقتي.

أحد أصدقائي اسمه ضياء، كان صحفيًّا أو كاتبًا أو شيئًا من هذا القبيل، كنت أفضِّله لأنه مثقف، وأنا أحب الثقافة منذ دخلت المدرسة وعرفت القراءة، منذ أصبحت قادرة على شراء الكتب، وأملك في بيتي مكتبة كبيرة أقضي بها أوقات فراغي، وعلى جدرانها عُلِّقَت اللوحات الفنية يتوسطها إطار ثمين داخله شهادتي الثانوية.

لم أكن أستقبل أحدًا في مكتبتي، فهي حجرتي الخاصة بي وحدي، وحجرة نومي هي غرفة الاستقبال، وحين استقبلت ضياء لأول مرة، قال لي قبل أن أرفع الغطاء المزركش عن السرير: انتظري قليلًا لنتكلم معًا بعض الوقت، فأنا أحب الحديث قبل أي شيء آخر. كان وجهي ناحية السرير وظهري ناحيته، فلم أرَ وجهه وهو يقول هذا الكلام، لكن صوته حين لامس أذني أحسست له نبرة لم أسمعها من قبل في صوت الرجال. واستدرت لأرى وجهه. لم أكن أستدير ولا أرى وجه الرجل، وأغمض عيني ولا أفتحهما إلا بعد أن يتلاشى الثقل فوق جسدي.

ونظرت في وجه ضياء مباشرةً بعينين مباشرتين مرفوعتين، ورأيت أن وجهه أيضًا كصوته، له ملامح لم أرها من قبل. وجهه يبدو كبير الحجم بالنسبة لجسمه، وعيناه تبدوان صغيرتين بالنسبة لوجهه، بشرته سمراء وعيناه ليستا سوداوين، لم أتبيَّن لونهما في الضوء الكهربائي الخافت، جبهته عريضة تبدأ عند منتصف رأسه وتهبط إلى أنف صغير، وليس له شارب فوق شفته العليا، وشعر رأسه يبدو قليلًا بالنسبة لحجم رأسه الكبير.

خُيِّلَ لضياء أنني لم أسمعه؛ لأنني وقفت أمامه دون أن أرد. فقال مرة أخرى يؤكد ما قاله من قبل: لنتكلم معًا بعض الوقت، فأنا أحب الحديث قبل أي شيء آخر. قلت: ولكنك ستدفع كأي رجل آخر، فالوقت عندي محدد ولكل دقيقة ثمن. قال: كأنني في عيادة طبيب! لماذا لا تعلقين في حجرة الانتظار قائمة بالأسعار؟ وهل عندك أيضًا كشف مستعجل!

قالها بشيء من السخرية، ولم أعرف سبب سخريته، وقلت: أتسخر من مهنتي أم من مهنة الطبيب؟ قال: من الاثنتين. قلت: وهل هذه كتلك؟ قال: نعم، فيما عدا أن الطبيب يؤدي عمله وهو يشعر أنه محترم. قلت: وأنا؟! قال: أنتِ غير محترمة.

قبل أن تصل كلمة «غير محترمة» إلى أذني رفعت يدي الاثنتين بسرعة وأخفيت أذني، لكن الكلمة قد نفذت كالسهم إلى رأسي. ودبَّ الصمت بعد أن أطبق شفتيه وانقطع صوته، لكن الكلمة ظلت باقية في أذني، موجودة في أعمق مكان من أذني، مدفونة في رأسي كشيء مادي له قوام، وله طرف حادٌّ كنصل سكين، شقَّت الأذن وشقَّت الرأس ودخلت المخ.

كانت يداي لا تزالان مرفوعتين فوق أذني تحولان بينهما وبين صوته، وصوته لم يعد مسموعًا، وشفتاه حين تكلم لم تكن لهما حركة مرئية، فكأنما لا يتحركان، والكلمة خرجت من فمه كأنما هي سقطت وحدها من بين شفتيه، وكدت أراها تسير في الجو من فمه إلى أذني، كشيء له ملمس وله سطح محدد، بالضبط كالبصقة.

حين قرَّب شفتيه ليلمس شفتي كانت كلمته لا تزال في رأسي، فأبعدته عني وقلت: عملي غير محترم، فلماذا تعمله معي؟! وحاول أن يشدني بقوة ولكني رفضت، وفتحت له الباب ليخرج.

وخرج ضياء من بيتي، لكن كلمته لم تخرج من أذني؛ فهي دخلت رأسي في لحظة مضت، وما من قوة في العالم تستطيع أن تُرْجِعَ الزمن إلى الوراء لحظة واحدة، كان رأسي قبل هذه اللحظة هادئًا، أضعه كل ليلة على الوسادة، وأنام نومًا عميقًا حتى الصباح. لكن رأسي أصبح يموج بحركة مستمرة لا تكفُّ ليل نهار، كأمواج تضرب الشاطئ في مد وجزر، يجعل للماء زبدًا ورغوة كأنما يغلي، صوت كهدير البحر، ينبعث من الوسادة إلى أذني، ولا يمكن أن أتبيَّن صوت الماء من صوت الهواء؛ فهي كلها ضربات واحدة متعاقبة كالليل والنهار، متلاحقة كضربات القلب تحت الضلوع، كمطرقة تدق في رأسي بكلمة واحدة: «غير محترمة»، تحت العظام تدق، وخارج العظام تدق، وفي السرير تدق، وفي حجرة الطعام تدق، وفي الشارع تدق، في كل مكان من الدنيا، مطرقة تدق فوق رأسي بالكلمة، تضربني على رأسي ووجهي، وأكاد أحس ملمسًا فوق وجهي لزجًا باردًا كالبصقة، كوقْع الكلمة النابية فوق أذني باردة لزجة، كوقْع كل الكلمات النابية فوق أذني، وكل العيون الوقحة التي تعرِّيني ولا تغض البصر، بل والعيون المؤدبة التي تغض البصر وتحت الجفن تتلصص نظرة ظاهرها الأدب وباطنها السخرية والاحتقار.

كلمة واحدة سلطت الضوء على حياتي، فرأيتها على حقيقتها، ومزَّقت الغشاوة عن عيني: محترمة، لم أكن أعرف من قبل، وعدم المعرفة كان أفضل، وكنت آكل وأنام نومًا عميقًا، فهل من شيء يقتلع هذه المعرفة من رأسي؟ فهي ليست إلا ألمًا حادًّا كالسكين تشق الرأس وهي ليست سكينًا، ولم تكن إلا كلمة واحدة نفذت كالسهم إلى رأسي قبل أن أغطي أذني بيد، فهل من شيء يقتلع الكلمة من الرأس كما تُقْتَلع الرصاصة، أو كما يُسْتَأْصَل ورم المخ؟!

لم يكن من شيء في العالم يمكن أن يُرْجِعَني إلى ما كنت عليه قبل أن أسمع هذه الكلمة، لكني منذ تلك اللحظة لم أعد أنا، أصبحت امرأة أخرى، وحياتي الماضية أصبحت وراء ظهري، لا أريد أن أعود إليها وإن شقيت وتعذبت وجُعت وتعرَّيت. سأكون امرأة «محترمة» بأي ثمن، وإن دفعت حياتي الثمن، سأفعل أي شيء لتكفَّ الكلمات النابية عن الوقوع فوق أذني، وتكف العيون الوقحة عن السقوط فوق جسدي.

كنت لا أزال أملك شهادتي الثانوية، وشهادة تفوُّق مدرستي، وعقلًا قويًّا صارمًا يصرُّ على عمل محترم، وعينين سوداوين لهما نظرة مباشرة مستقيمة، لم أترك إعلانًا عن عمل دون أن أتقدم، ولم تكن هناك من وزارة أو مصلحة أو شركة إلا وسعيت إليها، وحصلت آخر الأمر على وظيفة سكرتيرة بإحدى الشركات الصناعية الكبرى.

وأصبح لي مكتب صغير، يفصله عن مكتب رئيس الشركة باب صغير، تعلوه لمبة حمراء وجرس، وحين يرن الجرس أدفع بيد الباب الصغير، وأدخل إلى المكتب الكبير، حيث يجلس رئيس الشركة، رجل جاوز الخامسة والخمسين، قصير القامة، سمين، أصلع الرأس، وأسنانه سقط بعضها، والبعض الآخر تغطيه طبقة صفراء تتخللها أجزاء سوداء، يرفع رأسه من فوق الأوراق، ويكلمني والسيجارة بين شفتيه: لا أريد مقابلات إلا الشخصيات الكبيرة، مفهوم؟ وقبل أن أسأل مَنْ هم الشخصيات الكبيرة، يكون رأسه قد سقط فوق الأوراق، غارقًا في بحر من الدخان.

بعد أن ينتهي العمل أحمل حقيبتي الصغيرة وأعود إلى البيت، لم يكن بيتي الآن بيتًا، وإنما حجرة صغيرة بغير دورة مياه، استأجرتها في بيت امرأة عجوز، تصحو كل صباح عند الفجر لتصلي، ثم تنقر على باب حجرتي، لم تكن مواعيد العمل تبدأ إلا في الثامنة صباحًا، لكني كنت أستيقظ في الخامسة؛ لأحمل فوطة وجهي، وأهبط إلى دورة المياه حيث يقف طابور من الرجال والنساء، لم يكن مرتبي الضئيل يساعدني على أن أسكن إلا في هذا البيت، وفي هذه الحارة المزدحمة بدكاكين الحدادة والسمكرة، وعليَّ أن أجتاز عددًا من الحواري وجزءًا من الشارع حتى أصل إلى محطة الأتوبيس، ويأتي الأتوبيس، فتندفع فيه أجساد الرجال والنساء، كل منهم يصارع من أجل الدخول، وأصارع مثلهم حتى أدخل فرنًا من الأجساد المتلاصقة المنصهرة في كتلة واحدة.

وكان للشركة بابان: باب يدخل منه كبار الموظفين لا يحرسه أحد، وباب آخر يدخل منه صغار الموظفين ويحرسه موظف على شكل بواب، يجلس على مكتب صغير من فوقه دفتر الحضور والانصراف، وأبحث عن اسمي في الكشف الطويل فأوقِّع أمامه، وينظر في ساعته، ثم يكتب أمام اسمي الوقت الذي حضرت فيه بالدقيقة، وعند الخروج من الشركة أيضًا ينظر في ساعته، ويسجِّل أمام اسمي الوقت الذي أخرج فيه بالدقيقة.

كان كبار الموظفين يحضرون في أي وقت، ويخرجون في أي وقت، ولكل منهم سيارة صغيرة أو كبيرة، ألمح الواحد منهم وهو جالس داخلها، وأنا أقف على قدم واحدة داخل الكتلة الجسدية المحشورة في الأتوبيس، وذات مرة لمحني أحدهم وأنا أجري لأتعلق بالأتوبيس، فإذا بنظرته تسقط على رأسي وجسدي كالماء البارد، نظرة موظف كبير إلى موظفة صغيرة، واندفع الدم إلى رأسي، وتعثرت قدمي وأنا أجري فتوقفت، واقترب مني بسيارته وقال: يمكنني أن أوصلك. نظرت مباشرة إلى عينيه، عيناه تقولان: أنت موظفة فقيرة غير محترمة، تجرين وراء الأتوبيس، ولكني سأوصلك في عربتي؛ لأن جسدك الأنثوي أثارني، وسوف يشرِّفك أن يشتهيك موظف محترم مثلي، ومَنْ يدري ربما أساعدك في المستقبل في الحصول على علاوة قبل زملائك.

حينما لم أرد، ظن أنني لم أسمعه، فقال: يمكنني أن أوصلك. وقلت بهدوء: إن ثمن جسدي أغلى من علاوة. واتسعت عيناه بدهشة، ولعله دُهش كيف قرأت أفكاره بهذه السرعة، وانطلق بسيارته يجري.

وأدركت بعد ثلاثة أعوام قضيتها بالشركة أنني حظيت وأنا مومس باحترام أكثر وقيمة أكبر من جميع موظفات الشركة وأنا منهم، كنت أعيش وأنا مومس في بيت له دورة مياه خاصة، أدخلها في أي وقت، وأُغلق عليَّ الباب دون أن يتعجَّلني أحد. ولم يكن جسدي ينضغط بين الأجساد في الأتوبيس، ويتدافع عليه أعضاء الرجال من الأمام والخلف. ولم يكن ثمن جسدي بخسًا، لا يزيد عن علاوة أو وجبة عشاء أو نزهة بالسيارة على كورنيش النيل، أو مجرد إرضاء المدير، أو تجنُّب غضب الرئيس.

قضيت هذه الأعوام الثلاثة دون أن يلمسني أي مدير أو موظف كبير بالشركة، لم أشأ أن أمتهن جسدي بهذا الثمن البخس، بعد أن تعوَّدت على الثمن الغالي المرتفع، بل إنني كنت أرفض مجرد دعوة الغداء أو التنزه بالسيارة على كورنيش النيل. كنت أفضِّل أن أعود إلى سريري وأنام بعد ساعات العمل الطويلة، وأرقب بإشفاق زميلاتي الساذجات، وهنَّ يعطين أجسادهن أو جهدهن كل ليلة نظير وجبة عشاء أو تقريرٍ سنوي جيد، أو مجرد الاطمئنان إلى أن الواحدة منهن لن تُضطهد أو تُنْقَلَ إلى مكان آخر، وفي كل مرة يعرض عليَّ أحد المديرين دعوته أقول له بهدوء: لست أشرف من زميلاتي، ولكن ثمني مرتفع عنهن.

وأدركت أن الموظفة تخاف على وظيفتها أكثر مما تخاف المومس على حياتها؛ فالموظفة تخاف أن تفقد وظيفتها وتصبح مومسًا، وهي لا تدرك أن حياة المومس قد تكون أثمن من حياتها. وتدفع الموظفة ثمن هذا الخوف الوهمي من حياتها وصحتها وجسدها وعقلها، تدفع أبهظ شيء نظير أبخس شيء. وكنت أدرك أننا كلنا مومسات بأثمان متفاوتة، وأن المومس الثمينة أفضل من البخس والاحتقار الذي أراه كل يوم في عيون الموظفين الكبار وهم ينظرون إلى الموظفات الصغيرات، والانضغاطة المهينة بين أجساد الرجال في الأتوبيس، وطابور الصباح الطويل أمام دورة مياه تطفح على الدوام.

ولم أحرص كثيرًا على وظيفتي، فأصبحت الشركة تحرص عليَّ. ولم أحرص كثيرًا على إرضاء أحد من الموظفين الكبار، فأصبح الموظفون الكبار يتنافسون على إرضائي. وانتشرت إشاعة في الشركة بأنني موظفة شريفة، بل أشرف الموظفات، وأن أحدًا من الرجال لم ينجح في كسر كبريائي، وأن أكبر موظف عجز عن أن يجعل رأسي ينحني أو عيني تَطْرِف.

وأحببت عملي رغم كل شيء؛ فأنا أقابل زميلاتي، يحدثنني وأحدثهن، ومكتبي أفضل من بيتي، ودورة المياه في الشركة لا يقف أمامها طابور طويل، ولا يتعجلني أحد وأنا أدخلها، وفناء الشركة فيه حديقة خلفية صغيرة، أجلس فيها آخر النهار قبل أن أعود إلى بيتي، وقد يُقْبِل الليل وأنا جالسة، لا أتعجل العودة إلى الحجرة المعتمة، والحارة القذرة، ودورة المياه النتنة.

وذات يوم وأنا جالسة رآني أحد الموظفين، فزع أول الأمر حين رأى في الظلمة كتلة بحجم الجسم ثابتة. قال من بعيد وقبل أن يقترب مني: مَنْ؟ مَنْ جالس هناك؟ وقلت بصوت حزين: أنا، أنا فردوس. واقترب مني وعرفني، ودهش، فأنا من أحسن موظفات الشركة، وأحسن موظفات الشركة ينصرفن على الفور بعد انتهاء العمل.

قلت: إنني أستريح قليلًا لأنني متعبة. وجلس معي. كان اسمه إبراهيم، ممتلئ الجسم وقصير، شعره أسود مجعد، وعيناه سوداوان، رأيتهما أمامي في الظلمة، تنظران إليَّ تريانني رغم الظلمة، وكلما أبعدت رأسي تتبعانني، تمسكان بي ولا تتركاني، مهما أخفيت عينيَّ بيديَّ تريانني، وبكيت ويديَّ فوق عينيَّ، فأمسك يديَّ ورفعهما عن وجهي وقال: لم أرك أبدًا تبكين، فما الذي حدث؟ قلت: لا شيء، لا شيء. قال: لا يمكن، لا بد أن شيئًا حدث. قلت له: لم يحدث أي شيء. قال بدهشة: أتبكين بغير سبب! قلت له: لا أعرف السبب، ولم يحدث في حياتي شيء جديد.

ظل جالسًا إلى جواري صامتًا، عيناه السوداوان شاردتان في الظلمة، تغرورقان بالدموع فتلمعان لحظة، ويزم شفتيه ويبتلع الدموع، فتجف عيناه وتضيع اللمعة، وفي مرة زم شفتيه وابتلع الدموع، لكن دمعة ظلت باقية في عينيه، ثم سقطت على أنفه، فأخفى وجهه بيد، وأخرج منديله باليد الأخرى ومسح أنفه. قلت له: أتبكي يا إبراهيم؟ قال: لا يا فردوس. وأخفى منديله وابتلع ريقه وابتسم.

كان فناء الشركة صامتًا ساكنًا لا صوت ولا حركة، والدنيا ظلامًا لا شمس ولا قمر، ووجهي ناحية وجهه، وعيناي في عينيه، ورأيت أمامي دائرتين من البياض الندي داخلهما دائرتان من السواد الشديد، تنظران وكلما كنت أنظر فيهما يشتد بياضهما ويشتد سوادهما، فكأن ضوءًا ينفذ إليهما من مكان مجهول سحري، ليس فوق الأرض وليس في السماء؛ لأن الأرض مظلمة بالليل، والسماء سوداء بغير شمس ولا قمر.

أمسكت عينيه بعيني، ومددت يدي فأمسكت يده، وفي التلامس المفاجئ الغريب انتفض جسدي بلذة عميقة قديمة، أقدم من عمري الذي أعيه، وأعمق من وعيي الذي عاش معي، أحسها في مكان ما في كياني، فكأنها وُلِدَت معي، وكبرت أنا وحدي وهي لم تكبر، أو أنني عرفتها قبل أن أولد، أو وُلِدت أنا وبقيت هي دون أن تولد.

تذكرت شيئًا وانفرجت شفتاي لأقوله، لكن صوتي اختنق، كأنما نسيت الشيء لحظة تذكُّره، وقلبي اختنق بضربات قوية تشبه الخوف على شيء ضاع أو سيضيع، ويدي أمسكت يده في قبضة قوية، ولا يمكن لأي قوة أخرى أن تنزع يده من يدي.

وأصبحت في كل مرة ألقاه تنفرج شفتي بشيء أذكره وأنساه، ويدق قلبي بضربات خوف أو ما يشبه الخوف، وأود أن أمدَّ يدي وأمسك يده، لكنه كان يدخل الشركة ثم يخرج دون أن يراني، وإذا نظر إليَّ فهو ينظر إليَّ كما ينظر إلى أي موظفة أخرى.

وفي اجتماع كبير لعمال الشركة سمعته يتحدث عن العدالة وإزالة الفوارق بين المديرين والعمال، وصفَّقنا له طويلًا، وانتظرنا عند الباب لنصافحه، وأعطاني يده فأمسكتها، وعيناي أيضًا أمسكتا بعينيه، واسمه «إبراهيم» أكتبه وأنا شاردة على ظهر مكتبي، أو على ظهر يدي، وما إن أراه وهو يجتاز فناء الشركة حتى أقف، كأنما سأذهب إليه، لكني أجلس مرة أخرى.

وتلمحني زميلتي فتحية وأنا أقف وأجلس، فتقترب مني وتهمس: ماذا حدث لكِ يا فردوس؟ وأقول لها: أبدًا يا فتحية أبدًا، لقد حدث. وتسألني: ما الذي حدث؟ وأحاول أن أقول لها ما حدث، لكني لا أعرف كيف أقوله، أو لا أجد ما أقوله، كأنما حدث شيء ونسيته، أو كأنما لم يحدث على الإطلاق.

وأغمض عيني أحاول أن أسترجع الصورة، وتتراءى لي الدائرتان الشديدتا السواد ومن حولهما البياض الشديد، أحملق فيهما، وكلما حملقت فيهما اتسع السواد واتسع البياض، ويصبح السواد كبيرًا بحجم الأرض، والبياض ساطعًا بحجم قرص الشمس، وعيناي تعرفان في البياض وفي البياض وفي السواد معًا، تعميان عن البياض وعن السواد، وتختلط أمامهما الصور، فلا أعرف وجه أمي من أبي، ولا وفية من فتحية، ولا إقبال من إبراهيم، وأفتح عيني في ذعر كمن أوشك أن يفقد البصر، وأرى حدود وجه فتحية في السواد أو البياض لم تتركني بعدُ، وتقول لي: أتحبين إبراهيم يا فردوس؟

وأقول لها: أبدًا يا فتحية. وتقول: لماذا إذن ترتجفين كلما سمعتِ اسمه؟ وأقول لها: أنا؟ أبدًا، لم يحدث، أنتِ تبالغين دائمًا يا فتحية. وتقول فتحية: إبراهيم رجل ثوري ممتاز. وأقول لها: نعم، ولكنني موظفة صغيرة، فهل يمكن أن يحبَّ إبراهيم فتاة فقيرة مثلي؟

وتكونت في الشركة لجنة ثورية برئاسته، وانضممت إلى اللجنة أعمل ليل نهار، وفي أيام الإجازات أعمل بغير أجر، لم أعد أفكر في الأجر، ولم يعد الوقوف في طابور الصباح أمام دورة المياه يؤلمني، ولا الانضغاط بين الأجساد في الأتوبيس يهينني، وذات مرة رآني وأنا أجري خلف الأتوبيس، أوقف سيارته الصغيرة وناداني، ركبت إلى جواره، وسمعته يقول: أنا معجب بك يا فردوس؛ لو أن عندنا في الشركة خمسة لديهم حماسك ونشاطك وإيمانك، لاستطعنا أن نفعل أي شيء في العالم.

ولم أردَّ، كنت أضغط بحقيبتي الصغيرة على صدري لأكتم دقات قلبي، وأحاول أن أجعل تنفُّسي طبيعيًّا، لكني اكتشفت بعد لحظة أنني ألهث، وقلت له — وأنا أعلم أنني أكذب: لا زلت أبتسم، وظل صامتًا، ثم سألني بعد قليل: أتعودين إلى البيت مباشرة أم تريدين أن نجلس معًا بعض الوقت؟ فاجأني السؤال، فقلت قبل أن أفكر: لا أريد العودة إلى البيت. لكني تداركت الأمر وقلت: ولكنك متعب من العمل طول اليوم، والأفضل أن تعود إلى بيتك وتستريح. وقال: ربما أستريح إذا تحدثت معك بعض الوقت، إلا إذا كنتِ متعبة وفي حاجة إلى الراحة. قلت دون أن أدري: الراحة! إن حياتي ليس فيها أي نوع من الراحة. وأحسست بيده الدافئة القوية تمسك يدي، فانتفض كياني برجفة امتدت إلى رأسي وجذور الشعر فوق جسدي، وسمعته يقول: فردوس، هل تذكرين أول مرة رأيتك؟ قلت: نعم. قال: منذ ذلك اليوم وأنا أفكر فيك. قلت: وأنا أيضًا.

تحدثنا ذلك اليوم في كل شيء، حكيت له طفولتي وحياتي الماضية، وحكى لي طفولته وأحلام مستقبله. وفي اليوم التالي تحدثنا وحكينا كل شيء، حتى الأحاسيس التي أخفيتها عن نفسي حكيتها له، وحكى لي كل شيء. وفي اليوم الثالث أخذني إلى بيته الصغير، وقضيت الليل معه، أحكي له ويحكي لي، واحتواني بجسده واحتويته بجسدي. وأصبحت كمن أمسك الدنيا بقبضة يده، واتسع العالم أمام عيني وتوهَّجت الشمس، وتألقت كل الأشياء بضوء غريب، حتى طابور دورة المياه المشتركة تألَّق في عيني، وعيون ركاب الأتوبيس لم تعد صفراء باهتة، وإنما لامعة متألقة، وعيناي في المرآة تألَّقتا بضوء عجيب، وجسدي أصبح خفيفًا كالريشة، أعمل طول النهار، ولا أشعر بتعب أو رغبة في النوم.

نظرتْ إلى وجهي صباح يومٍ إحدى زميلاتي في الشركة، فهتفت مندهشة: ماذا حدث يا فردوس؟ قلت: لماذا؟ قالت: وجهك لم يعد هو وجهك. قلت: ماذا؟ قالت: وجهك أصبح يشع بنور عجيب. قلت: أنا أحب. قالت: الحب! قلت: أتعرفينه؟ قالت في حزن: لا. قلت: يا مسكينة! قالت: يا مخدوعة! أتصدقين أن هناك شيئًا اسمه الحب؟! قلت: الحب جعلني إنسانة أخرى، والحب جعل الحياة في عيني جميلة. قالت بأسًى: يا مخدوعة! أتصدقين كلمات الحب التي تقال لمثيلاتنا الفقيرات؟ قلت: إنه رجل ثوري يحارب من أجلنا ومن أجل كل الفقراء. قالت في حزن: أتصدقين الكلام الذي يقال في الاجتماعات يا مسكينة؟ قلت بغضب: كفى، أنتِ تضعين منظارًا أسود ولا ترين الشمس.

كان وجهي للشمس، أحملق في الضوء والدفء يغمرني حين لمحته يجتاز فناء الشركة كعادته، ولمعت في الشمس عيناه، لمعة غريبة جديدة جعلت عينيه غريبتين في عيني، كأنما هما عينا رجل آخر، وجريت إليه لأستقبله، لكني رأيت حوله بعض الموظفين يصافحونه ويهنئونه. لم يرني وسط الزحام، وسمعت أصواتًا ترن في أذني: خطب ابنة رئيس مجلس الإدارة بالأمس، شاب ذكي يستحق كل خير، مستقبله باهر، سيصعد سريعًا في الشركة.

وضعت يدي فوق أذني لأحُولَ بينهما وبين الأصوات، وتركت الجمهرة حوله، وخرجت من باب الشركة، ولم أعد إلى بيتي.

ظللت أمشي في الشارع، عيناي لا تريان، دموعي فوق وجهي تسيل وتجف، وأقبل الليل ودموعي قد جفَّت فوق وجهي وعنقي، لكنها لا تزال تبلل ثوبي فوق صدري، وهواء الليل البارد نفذ إلى جسمي فارتجفت، وحوطت ذراعي حول صدري أدفئه. وتذكَّرت ذراعيه حولي، فارتجفت مرة أخرى، وبكيت، لكن الدموع لم تعد تسقط من عيني، وسمعت صوتًا يشبه النشيج، وعرفت أنه صوتي.

وعدت تلك الليلة إلى الشركة، ودخلت مكتبي، ولممت أوراقي في حقيبتي الصغيرة، وسرت نحو باب الخروج، لم أكن رأيت إبراهيم منذ خبر الصباح، فوقفت عند الباب أتلفَّتُ حولي، الحديقة الصغيرة في الفناء الخلفي، فسرت إليها وجلست، وأنا أتلفت حولي، وكلما سمعت صوتًا من بعيد، أو أحسست حركة ما؛ أرهفت أذني. ورأيت كتلة بحجم الجسم تتحرك قرب مدخل الفناء، فانتفضت واقفة، قلبي يدق ورأسي يدق وصدري يدق، وخُيِّل إليَّ أن الجسم الذي رأيته يقترب مني، فسرت نحوه في الظلام ببطء، وفي حركة السير أدركت أن العرق الغزير قد بلَّل كل جسدي بما في ذلك شعري وبطن يدي، وشعرت بشيء من الخوف وأنا أسير في الفناء المظلم وحدي، فناديت بصوت خافت لم يصل إلى أذني: إبراهيم! ولم أسمع صوتًا، واشتد خوفي، لكني كنت لا أزال أرى في الظلمة كتلة بحجم الجسم، وقلت بصوت عالٍ سمعته بأذني هذه المرة: مَنْ هناك؟ وكأنما بدَّد الصوت العالي الحلم، كمن يتكلم وهو نائم فيصحو على الصوت، وانقشعت الظلمة عن جدار من الطوب بُنِيَ أمام مدخل الفناء، جدار قصير بطول الإنسان وبغير طلاء، خُيِّل إليَّ أنه بُنِيَ هذه اللحظة فقط وإن كنت رأيته من قبل.

وقبل أن أخرج من باب الشركة ظللت أتلفت حولي، عيناي تمسحان النوافذ والجدران والأبواب، تترقبان شيئًا يفتح فجأة، وتطل منه عيناه لحظة قبل أن أمشي، أو يلوِّح لي بيده بحركة الوداع العادية، ولم تكفَّ عيناي عن الحركة، وفي كل لحظة كنت أفقد الأمل، لكن الأمل سرعان ما يعاودني، وعيناي تروحان وتجيئان بسرعة شديدة، وصدري يعلو ويهبط بسرعة أشد، وقبل أن أخرج إلى الشارع توقَّفت لحظة أخرى وانتظرت، وحين أصبحت في الشارع توقفت لحظة كأنما أتوقع شيئًا، كأنما شيء سيفتح فجأة، لكن كل النوافذ والأبواب ظلت مغلقة.

لم أعرف في حياتي ألمًا كهذا الألم، وحين كنت مومسًا كان ألمي أقل حدَّة؛ ألمًا وهميًّا أكثر مما هو ألم حقيقي. حين كنت مومسًا لم أكن أنا نفسي، وشعوري لم يكن هو شعوري، ولا شيء كان يؤلمني كهذا الألم الذي أحسسته، ولم أشعر بالمهانة التي شعرت بها، ربما لأنني وأنا مومس كنت قد أُهِنْتُ أكثر من اللازم، فلم يعد هناك ما يهينني أكثر، أو أن حياة المومس هي الشارع، وليس هناك ما أتوقعه من الشارع. ولكن في الحب توقعت شيئًا، في الحب بدأت أحلم بأن أكون إنسانة، أو ربما لأنني وأنا مومس لم أكن أُعْطِي شيئًا بغير مقابل، ولكني في الحب أعطيت نفسي بغير مقابل، بذلت للحب كل شيء عندي، وسلَّمته نفسي بغير أسلحة وبغير دفاع. لكني وأنا مومس كنت في حالة دفاع دائم عن نفسي، أحمي نفسي بأن أسحبها من أعماقي، وأعطي الرجل جسدًا سلبيًّا فاقدًا الشعور، كنت أحمي نفسي بانسحابي وسلبيتي، أن أكون سلبية معناه أن أقاوم بطريقة ما. أن أقول للرجل: تستطيع أن تأخذ جسدي، ولكنك لا تستطيع أن تجعلني أنفعل أو أهتز بلذة أو حتى ألم، إنني أنام من الداخل ولا أشعر بشيء، لا أشعر حتى بالتعب؛ لأني لا أستنفذ شيئًا من جهدي، ولا أنفق شيئًا من قوتي. لا أستخدم نفسي، وإنما أدخرها في أعماقي. لم أشعر وأنا مومس أنني أبذل شيئًا من طاقتي وأحاسيسي وأعماقي. كم بذلت من نفسي، وكم أنفقت من جهدي وطاقتي وأحاسيسي وأعماقي! كم بذلت، وكم أعطيت بلا حساب وبلا مقابل، كعطاء القديسين! ولم أكن أريد شيئًا سوى أن ينتشلني الحب وأصبح نفسي، وأصبح ذاتًا محترمة لا يحتقرها الآخرون، ولكن لم يكن لي أن أبلُغ مما أريد شيئًا؛ فأنا موظفة صغيرة فقيرة مهما فعلت، ومهما أعطيت عطاء القديسين، إن قدسيتي (كقدسية أي فقير) لا يمكن أن تكون في نظر الآخرين فضيلة، وإنما هي غباء أو ضعف أشر ازدراء من الرذيلة.

وأدركت أنني تخلصت من آخر قطرة من القدسية في دمي، وأصبح عقلي واعيًا بالحقيقة، حقيقة أنني أفضل أن أكون مومسًا عن أن أكون قديسة مخدوعة. كل النساء مخدوعات، الرجال يفرضون عليكِ الخديعة، ثم يعاقبونكِ لأنك مخدوعة، والرجال يفرضون عليكِ أن تهبطي إلى الحضيض.

الرجال يفرضون عليكِ الزواج، ثم يعاقبونك بالضرب والشتيمة والخدمة المستمرة. إلا أن أقل النساء انخداعًا هن المومسات، ومن أجل الزواج أو الحب تنال المرأة عقابًا أشد.

كان الليل قد انتصف، والشارع أصبح هادئًا، ونسمة النيل أصبحت ساحرة، وأنا أسير أستمتع بهدوء الليل، ولم أعد أشعر بأي ألم. تلمس النسمة الرقيقة وجهي، وأتمتع بمنظر الشارع الخالي والنوافذ المغلقة، أستمتع بغربتي عن الناس، وغربتهم عني، وغربة الأرض والسماء والأشجار. كمن تسير في عالم سحري لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها، تفعل ما تشاء ولا تفعل ما تشاء، حرية عدم الانتماء لأحد، ولذة الانفصال عن الكون. تحس باستقلالها وبأنها كائن مستقل لا يحكمها رجل ولا تخضع لقانون زواج أو حب، هي خارج الزمن وخارج القانون وخارج الكون. إذا لم يطلبها الذي سيأتي بعده أو الذي بعده، لا تنتظر واحدًا بالذات، فإذا ما غاب حزنت، ولا تتوقع شيئًا بالذات إذا لم يحدث تألمت، إنها لا تأمل في شيء، ولا ترغب في شيء، ولا تخاف من شيء، فكل ما يمكن أن يحدث حدث، ولا شيء يمكن أن يحدث لها أكثر مما حدث.

ووجدتني أفتح ذراعي لليل الساحر، وأدندن بأغنية سمعتها تقول: لا آمل في شيء، ولا أرغب في شيء، ولا أخاف من شيء، فأنا أملك حريتي.

ووقفت أمامي السيارة الطويلة الفاخرة، وأطلَّ منها رجل، فضحكت، وفي الفراش الوثير تقلَّبت دون أن أبذل من نفسي شيئًا، ودون أن أشعر بلذة أو ألم، واكتشفت وأنا أتقلَّب فوق الفراش أن الرجال الثوريين من ذوي المبادئ لا يختلفون كثيرًا عن الرجال الآخرين، إنهم بذكائهم ومبادئهم يحصلون على ما يحصل عليه الرجال الآخرون بأموالهم. إنهم ثوريون، نعم، مثلنا نحن المومسات، والثورة عندهم كالجنس عندنا، شيء يُقَدَّم ويُمْتَهَن.

وقابلت إبراهيم صدفة بعد زواجه بأربع سنوات، طلب أن يأتي إليَّ. ولم أكن تخلصت من حبي له بعدُ، فرفضت، لم يكن في إمكاني أن أمتهن نفسي معه، لكني بعد عدة سنوات أخرى، وبعد أن ألح في الطلب لم أرفض، وحين أوشك أن ينصرف من بيتي دون أن يدفع شيئًا، قلت له: نسيت أن تدفع الثمن، وأخرج حافظة نقوده بيد مرتعشة، وناولني ورقة ذات العشر جنيهات، لكني قلت له: الثمن عشرون جنيهًا لا يقلُّ وقد يزيد، وارتعشت يده مرة أخرى وهو يُخرج ورقة من ذات العشرة جنيهات، وأكتشف أنه حين أحبني لم يحبني، وإنما كان يأتيني كل ليلة لأنه لم يكن يدفع شيئًا.

أصبحت واعية بأنني أكره الرجال. خشيت أن أبوح بهذا السر سنين طويلة. وأكثر ما كنت أكره ذلك الرجل الذي كان يحاول أن يعظني أو يقول لي إنه يريد أن ينتشلني مما أنا فيه؛ كنت أكرهه لأنه يتصور أنه أفضل مني، وأنه قادر على إنقاذي. يفكر في إنقاذي من أجل أن يتقمص دور البطل المنقذ الذي فشل في تقمصه في ظروف أخرى، يمارس دوره الأعلى النبيل، يشعر بنبله حين يذكِّرني بانحطاطي، وكأنما يقول لنفسه: أنا نبيل رفيع الشأن، أحاول أن أنتشلك أيتها المرأة الساقطة.

وكنت أرفض بطولتهم ونبلهم. إن أحدًا منهم لم ينقذني وأنا زوجة أُضْرَبُ وأُرْكَلُ بالقدم. ولم ينقذني أحد حين مزَّقني الحب وكاد يحطمني. إن حياة المرأة في جميع الأحوال سيئة، لكن حياة المومس قد تكون أقل سوءًا. وقد أقنعت نفسي بأنني اخترتها. إن رفضي لبطولتهم ونبلهم لإنقاذي وإصراري على أن أكون مومسًا يؤكد لي أنني أنا التي اخترت حياتي، وأنني أكثر حرية اختيار أقل لأشياء أكثر ملك سوءًا.

المومس تقول: «نعم» دائمًا وتشترط الثمن. وحينما تقول المومس: «لا»، فهذا يعني أنها ليست مومسًا. ولأنني لست مومسًا فأنا أقول: «لا» أحيانًا، وكلمة «لا» جعلت ثمني يرتفع يومًا بعد يوم؛ فالرجل لا يحتمل أن ترفضه امرأة؛ لأنه مرفوض من الداخل، ولا يمكن لأحد أن يحتمل الرفضين معًا، وهذا هو السبب في أنني حين كنت أقول «لا» فإن الرجل يصرُّ، ومهما رفعت الثمن فهو يصر، ولا يحتمل أبدًا أن ترفضه امرأة.

وأصبحت مومسًا ناجحة، أحصل على أعلى ثمن، ويتنافس عليَّ أعظم الرجال. وذات يوم سمع عني عظيم من دولة من الدول، رآني فطلبني، ورفضت. كنت أعرف أن معظم هؤلاء الحكام لا ينهزمون أبدًا أمام الآخرين؛ لأنهم منهزمون دائمًا من الداخل، لا يمكن للإنسان أن يحتمل الهزيمتين معًا، وهذا هو سبب صعودهم المستمر إلى مقاعد الحكم، إن السيطرة التي يشعرون بها وهم يحكمون الآخرين تمنحهم إحساسًا مزيفًا بالنسبة لأعماقهم، ولكنه حقيقي بالنسبة للآخرين، وهذا هو الأهم.

وزاده رفضي إصرارًا من أجل الانتصار عليَّ. في كل مرة يأتيني رجل بوليس من عنده وأنا أرفضه، وفي كل مرة يستخدم رجل البوليس معي أسلوبًا جديدًا، مرة يقدم لي المال، ومرة يهددني بالسجن، ومرة يقول لي: إن رفضي لمثل هذا الحاكم قد يعد إهانة لشخصه العظيم، ومن ثم يسيء إلى العلاقة بين البلدين، وأن الوطنية تستوجب مني أن أذهب إليه، وقلت لرجل البوليس إنني لا أعرف شيئًا عن الوطنية، وإن الوطن لم يعطني شيئًا، بل سلب مني كل شيء حتى شرفي وكرامتي، والغريب أن رجل البوليس صُدِمَ بكلامي صدمة حقيقية أخلاقية، فكيف يمكن لشخص أن يفتقد المبادئ الوطنية؟! وضحكت من المفارقة والازدواجية الأخلاقية، إنهم يأخذون مومسًا لرجل، إنهم قوادون، ومع ذلك يتحدثون باحترام عن المبادئ الوطنية والأخلاقية، وأدركت أن رجل البوليس يطيع الأوامر فحسب، أي أمر يصدر إليه يصبح واجبًا وطنيًّا مقدَّسًا، يسوقني إلى السجن، أو يسوقني إلى فراش شخص مهم، كلاهما سيان، وفي كلا الحالين هو يؤدي باحترام واجبه الوطني المقدَّس، ومن أجل الواجب الوطني قد تحصل المومس على وسام الشرف، وقد تتحول جرائم القتل إلى بطولات.

وكنت أرفض الذهاب إلى أي واحد منهم؛ إن جسدي ملكي أنا، أما أرض الوطن فهي من أملاكهم هم، وقد أخذوني إلى السجن مرة بسبب رفضي أحدهم، فاستأجرت محاميًا كبيرًا بمبلغ كبير من المال، وخرجت من السجن براءة، بعد أن قررت المحكمة أنني امرأة شريفة، وأدركت أن الشرف يحتاج دائمًا إلى أن يفقد الإنسان شرفه، والحصول على الشرف يحتاج إلى المال، وتدور الدائرة المفرغة على الدوام.

لم أشعر لحظة أنني امرأة غير شريفة، كنت أعرف أن مهنتي من صنع الرجال المسيطرين على الدنيا والآخرة، وأن الرجال يفرضون على النساء أن يكنَّ مومسات بأشكال مختلفة، ولأنني ذكية واعية فقد فضَّلت أن أكون مومسًا حرة عن أن أكون مومسًا عبدة، وفي كل مرة أُعْطِي جسدي أقبض الثمن غاليًا، وأستطيع بثروتي أن أستأجر ما أشاء من الخدم ليغسلوا ملابسي وينظفوا أحذيتي، وأستطيع أن أستأجر المحامي للدفاع عن شرفي، وأستأجر الطبيب لإجهاضي، وأستأجر الصحفي لينشر صورتي وأخباري. لكل شخص ثمن، ولكل مهنة أجر، ويزيد الأجر بارتفاع المهنة، ويزيد الثمن بارتفاع الشخص في السلم الاجتماعي. وقد تبرَّعت يومًا بجزء من مالي لإحدى الجمعيات الخيرية، فنشرت الصحف صورتي، وأشادت بموقفي المشرِّف، وأصبحت كلما أريد جرعة من الشرف أو الشهرة سحبت مبلغًا من البنك.

لكن أنوف الرجال تشم المال على نحو عجيب. فإذا برجل يرغب الزواج مني، ولكني رفضت؛ لا زال فوق جسدي الأثر الباقي من حذاء زوجي، وجاءني رجل آخر يرغب في الحب، فرفضت؛ لا زال في أعماقي الأثر الباقي من الألم السحيق.

وظننت أنني نجوت من الرجال، لكن الرجل الذي جاءني هذه المرة كان يرتدي مهنة معروفة ضمن الرجال، هي مهنة القوادين، وظننت أنني سأصرفه بمبلغ من المال. لكنه مومس قواد يحميها من القوانين ورجال البوليس، وأنا الذي سأحميك. قلت له: سأحمي نفسي بنفسي. قال: لا توجد امرأة فوق الأرض تحمي نفسها. قلت له: لا أريد حمايتك. قال لي: الحماية تُفْرَض وإلا انقرضت مهنة الأزواج والقوادين. قلت: لا أقبل التهديد. قال: أنا لا أهدد، أنا أنصح. قلت: وإذا لم أقبل النصيحة؟ قال: سأضطر إلى أن أهدد. قلت: وكيف ستهددني؟ قال: لي وسائلي وأدواتي الخاصة، ولكل مهنة أدواتها.

ولجأت إلى البوليس، لكني اكتشفت أن صلته برجال البوليس أقوى من صلتي، ولجأت إلى القانون، فاكتشفت أن القانون يعاقب النساء ويغض عينيه عن الرجال.

وضحك الرجل القواد، وكان اسمه «مرزوق» وهو يراقبني من بعيد، وأنا أبحث عن شيء يحميني منه دون جدوى. وحينما لمحني وأنا أدخل بيتي دخل ورائي، حاولت أن أغلق الباب في وجهه، لكنه أخرج من جيبه سكينًا وهددني، ودخل ورائي. قلت له: ماذا تريد مني؟ قال: أريد أن أحميك من الرجال الآخرين. قلت له: إن أحدًا لا يهددني غيرك! قال: إذا لم أهددك أنا، فسوف يهددك رجل آخر؛ فالقوادون كثيرون. وإذا رغبت في أن أتزوجك أيضًا فأنا مستعد. قلت: لا داعي للزواج أيضًا، يكفي أن تأخذ أموالي، أما جسدي فهو ملك لي، وقال بلهجة رجال الأعمال الناجحين: أنا رجل أعمال، أجساد النساء هي رأسمالي، وأنا لا أخلط بين العمل وبين الحب. قلت له: هل تعرف الحب؟ قال: وهل هناك إنسان لا يعرف الحب؟! ألم تعرفي أنت الحب؟ قلت: عرفته. قال: وأين هو الآن؟ قلت: غير موجود، وأنت؟ قال: لا زال موجودًا. قلت له: يا مسكين! قال: حاولت التخلص منه، ولم أستطع. قلت: هل هي امرأة أم رجل؛ القوادون يفضِّلون الرجال دائمًا! قال: إنها امرأة. قلت: وهل تنفق عليها؟ قال: أنفق عليها كل ما أملك، مالي ونفسي وجهدي وعقلي وجسدي وكل شيء، ومع ذلك فأنا أحس أنني لا أكفيها، وأنها تحب رجلًا آخر. وقلت: يا مسكين! قال: كل الناس مساكين في الحب. وضحكت وقلت: لست مسكينة؛ لأنني لا أحب. قال وهو يثبت عينه في عيني: أنتِ واهمة، فأنا أرى في عينيك التحطيم الذي يفعله الحب بالعينين. قلت: الحب يضيء العينين بالنور ولا يحطمهما. قال: يا مسكينة، أنتِ لم تعرفي الحب، أنا الذي سأعرِّفك بالحب!

حاول أن يشدني إليه، لكني دفعته بيدي بعيدًا، وقلت: أنا لا أخلط بين العمل والحب! قال: لا شيء عندي اسمه مستحيل.

أطبق ذراعيه حولي، وأحسست بالثقل المعهود فوق صدري، لكن جسدي ظل منسحبًا منفصلًا عني، جسدًا سلبيًّا تمامًا، لم ينهزم ولم يستسلم، سلبيته نوع من المقاومة، فهو قادر على ألا ينفعل، وألا يشعر بألم أو لذة، وألا تهتز فيه شعرة واحدة.

واقتسم هذا الرجل معي أموالي، كان يأخذ القسط الأكبر، لكني كنت أرفضه في كل مرة يقترب فيها مني، وأقول له: مستحيل! فيضربني ويقول: لا شيء عندي اسمه مستحيل.

وعرفت أنه قواد خطير، يسيطر على عدد من المومسات وأنا منهن، وله أصدقاء في كل مكان ومن جميع المهن، يُنفق عليهم بسخاء، له صديق طبيب يلجأ إليه إذا ما حملت واحدة من المومسات، وله صديق في البوليس يحميه من هجمات البوليس، وله صديق في المحاكم يُعرفه ببنود القانون التي تحميه، ويطوِّع القانون لتبرئة أي مومس تُحْبَس، أو دفع الغرامة في أسرع وقت؛ لتخرج المومس من السجن ولا تتعطل طويلًا عن عملها وإنتاجها.

وأدركت أنني لست حرة كما تصورت، وأنني لست إلا آلة جسدية تعمل ليل نهار؛ من أجل أن يثرى بعض الرجال من مختلف المهن ثراءً فاحشًا. ولم أعد أملك حتى بيتي الذي دفعت فيه عرقي وجهدي. وذات يوم قلت لنفسي: لن أستمر، ووضعت في حقيبتي الصغيرة أوراقي، وكدت أخرج من الباب، لكنه ظهر أمامي على الفور، وقال: أين تذهبين؟ قلت: سأبحث عن عمل، ولا تزال معي شهادتي. قال: ومَنْ قال: إنك لا تعملين؟ قلت: سأختار العمل الذي أريده. قال: ومَنْ قال لك إن هناك أحدًا على ظهر هذه الأرض يختار العمل الذي يريده؟! قلت: لا أريد أن يستعبدني أحد. قال: ومَنْ قال لكِ أن هناك أحدًا على ظهر الدنيا لا يستعبده أحد؟! الناس يا فردوس نوعان اثنان لا ثالث لهما: العبيد والسادة، قلت: فلأكن من السادة وليس من العبيد. قال: كيف تكونين من السادة يا فردوس؟ إن المرأة وحدها لا تستطيع، فما بالكِ إذا كنتِ امرأة ومومسًا؟ ألا ترين أن هذا مستحيل؟ قلت: لا شيء عندي اسمه مستحيل.

حاولت أن أخرج من الباب، لكنه دفعني وأغلق الباب، ثبَّتُّ عينيَّ في عينيه وقلت له: سأخرج! قال وهو يثبِّت عينيه في عينيَّ: لن تخرجي، ظلَّت عيناي ثابتتين في عينيه، وأدركت أنني أكرهه بمقدار ما تكره المرأة الرجل المتسلط، وبمقدار ما يكره العبد سيده، وأدركت من عينيه أنه يخاف مني بمقدار ما يخاف السيد من عبده، وبمقدار ما يخاف الرجل المتسلط من المرأة.

لكنها لم تكن إلا لحظة خاطفة، وعادت إلى عينيه نظرة الأسياد المتكبرة، ونظرة الذكور المقتحمة غير الهيابة لشيء، وأمسكت الباب لأفتحه، فرفع يده عاليًا وصفعني، فرفعت يدي أعلى من يده وصفعته، ورأيت الشرر الأحمر في عينيه، وتحرَّكت يده نحو جيبه ليخرج السكين، لكن يدي كانت أسرع من يده، وأغمدت السكين في عنقه.

وأخرجت السكين من عنقه، ثم أغمدته مرة ثانية في صدره، وأخرجته، وأغمدته في بطنه، في كل أجزاء جسمه أغمدت السكين، ودُهشت لسهولة حركة يدي وهي تُغمد السكين، ودُهشت أكثر لأنني لم أفعلها من قبل، حاولت أن أعرف لماذا لم أفعلها من قبل، وأدركت أنني كنت أخاف، وأن الخوف لم يفارقني إلا تلك اللحظة الخاطفة التي رأيت فيها الخوف في عينيه.

وفتحت الباب وخرجت إلى الشارع، جسمي خفيف كالريشة، كأنما ثقل جسمي لم يكن إلا تراكم الخوف أعوامًا فوق جسدي. الليل صامت والظلام بديع، كأنما الضوء لم يكن إلا تراكم الوهم أعوامًا فوق عيني، النيل ساحر والهواء منعش، ورأسي مرفوع نحو السماء بكبرياء مَنْ مزَّق الحُجُب وكشف الغيب، وقدماي تمزقان الصمت بوقع ثابت متصل، ليس سريعًا يتعجَّل شيئًا أو يخاف من شيء، وليس بطيئًا أيضًا؛ لأنه وقْع قدمَي امرأةٍ واثقة من نفسها، تعرف طريقها وتعرف هدفها، حذاؤها جلدي ثمين، له كعب عالٍ متين، وقدماها لهما تقوُّس أنثوي، يرتفع إلى ساقين ممتلئتين لهما استدارة ناعمة، نُزِعَ كل ما كساهما من شعر.

لا يمكن لأحد أن يتعرَّف عليَّ بسهولة؛ فأنا امرأة أشبه كل النساء الشريفات من الطبقة العليا، شعري مصفف عند حلاق متخصص في شعور نساء الطبقة العليا، وشفتاي صُبِغَتَا بلون طبيعي شريف، لا يكشف عن الخلاعة ولا يخفيها في الوقت نفسه، وعيناي رُسِمَتا بخطوط متقنة، فيها نداء، وفيهما رفض، كزوجة أي موظف كبير في أعلى طبقة، لكن خطوتي الواثقة القوية فوق الأسفلت تدل على أنني لست زوجة لأحد.

مررت بعدد من رجال البوليس، لكن أحدًا منهم لم يتعرف عليَّ، ربما ظنوا أنني إحدى الأميرات أو الملكات أو الإلهات؛ فمَنْ هذه التي يمكن أن ترفع رأسها في السماء على هذا النحو؟ ومَنْ هذه التي يمكن أن يكون لوقع حذائها فوق الأسفلت هذا الوقع! وظلوا ينظرون إليَّ، وكان عليَّ أن أرفع رأسي عاليًا وأرتفع عن حياتهم العادية، أن أحتفظ بهدوئي وبرودي، أن أسير بخطوة قوية ثابتة لا تتعثر، إنهم ينتظرون حتى تتعثر الواحدة منا فينقضُّوا عليها.

وعند ثنية الشارع رأيت السيارة الفاخرة، يطل منها رأس رجل ملهوف، فتح باب السيارة وقال: تعالي معي. قلت: لا. قال: سأدفع ما تطلبين. قلت: لا. قال: صدقيني، سأدفع ما تطلبين. قلت: لا. قال: صدقيني، سأدفع ألفًا. قلت: لا. قال: ألفين، ثبَّتُّ عينيَّ في عينيه، وعرفت من الذعر الكامن في قاع عينيه أنه أحد الأمراء أو الحكام، فقلت له: ثلاثة آلاف. قال: أوافق.

في الفراش الوثير، أغمضت عيني وانفصل عني جسدي، جسد لا زال شابًّا ولا زال قويًّا، قادرًا على الانسحاب والمقاومة. وأحسست بالجسد الثقيل فوق صدري، مثقلًا بسنين طويلة لا أعرف عددها، متخمًا بعرق مختزن، وشبع مستمر يزيد عن الحاجة ويزيد عن النهم، وفي كل حركة يسألني بغباء؟ أتشعرين بلذة؟ وأغمض عيني وأقول: نعم. فيبتهج بسعادة غبية، ويسألني مرة أخرى، فأقول: نعم. ويصدقني بغباء أشد، ويبتهج مرة أخرى، ويعاود الغباء، في كل مرة أقول: نعم، أحس بالثقل مرة أخرى فوق صدري، وحينما هَمَّ بأن يسألني مرة أخرى، انفجرت بالغضب وقلت: لا. وحينما هَمَّ بأن يناولني الأوراق المالية، كنت لا أزال غاضبة؛ فانقضضت على الأوراق أمزقها ورقة ورقة.

ملمس الورقة المالية فوق أصابعي كملمس أول قرش لامس أصابعي، وحركة يدي وهي تمزق الورقة مزَّقت الستار الأخير عن لغز حياتي، واكتشفت حقيقة عرفتها وأنا طفلة حين أعطاني أبي لأول مرة قرشًا، وضغطت بكل قوتي على الورقة أمزقها، كأنما أمزق قرش زوجي، وأمزق زوجي، وأمزق أبي، وأمزق مرزوق، وأمزق بيومي وضياء وإبراهيم، أمزق فوق أصبعي، وأمزق أصبعي أيضًا.

واتسعت عيناه بدهشة وهو ينظر إليَّ وأنا أمزق الأوراق المالية عن آخرها، وقال: أنتِ أميرة. قال: كنت أظنك مومسًا. قلت: لست مومسًا، لكن أبي وعمي وزوجي درَّبوني منذ البداية لأكون مومسًا، وضحك الأمير وقال: أنتِ تكذبين؛ فوجهك ينمُّ عن أنك ابنة ملك، قلت: لم يكن أبي مختلفًا عن أي ملك إلا في شيء واحد. قال: ما هو؟ قلت: لم يدرِّبني على القتل، وتركني لأتدرب عليه في الحياة وحدي. وقال: وهل دربتك الحياة على القتل؟ قلت: نعم. قال: هل قتلتِ أحدًا؟

قلت: نعم.

ثبَّت عينيه في عيني لحظة، ثم ضحك وقال: لا يمكن أن أصدق أن مثلك يمكن أن يقتُل. قلت: لماذا؟ قال: لأنك رقيقة. قلت: ومَنْ قال: إن القتل لا يحتاج إلى الرقة؟ ونظر في عيني مرة أخرى، ثم ضحك وقال: لا يمكن أن أصدِّق أبدًا أنك يمكن أن تقتلي بعوضة، قلت: قد لا أقتل بعوضة، ولكني قد أقتل رجلًا. نظر في عيني لحظة أخرى ثم قال: لا أصدِّق. قلت: وكيف أجعلك تصدق؟ قال: لا أدري كيف تجعلينني أصدق، ورفعت يدي عاليًا وأهويتها على وجهه في صفعة قوية وقلت: أتصدق أنني أصفعك؟ إن إغماد السكين في عنقك لا يزيد عن هذه الحركة السهلة.

واتسعت عيناه في ذعر حين نظر في عيني، وقلت له: أتصدِّق الآن أنني يمكن أن أقتلك؟ فأنت لست إلا بعوضة تنفق الآلاف من أموال شعبك الجائع على المومسات، وقبل أن أرفع يدي لأصفعه مرة أخرى؛ صرخ مستنجدًا كما تصرخ النساء مستنجدات، لم يكفَّ عن الصراخ حتى أقبل لنجدته رجال البوليس، وقال لهم: أمسكوها، إنها قاتلة مجرمة، وسألوني: هل أنتِ قاتلة مجرمة؟ قلت: أنا قاتلة، ولكني لست مجرمة؛ فأنا مثلكم أقتل المجرمين فقط، قالوا: إنه أمير بطل، وليس مجرمًا. قلت: بطولات الأمراء والملوك عندي جرائم؛ فأنا لست مثلكم. قالوا: أنتِ مجرمة بنت مجرمة. قلت: أمي لم تكن مجرمة، لا يمكن لأي امرأة أن تكون مجرمة؛ فالإجرام يحتاج إلى ذكورة. قالوا: ماذا تقولين؟ قلت: أنتم المجرمون، بما فيكم الآباء والأعمام والأخوال والأزواج والقوادون والمحامون والأطباء والصحفيون وجميع الرجال من جميع المهن. قالوا: أنتِ امرأة خطرة متوحشة. قلت: لأني قلت الحقيقة، والحقيقة متوحشة وخطرة.

وكبَّلوني بالحديد وساقوني إلى السجن، وأغلقوا عليَّ الأبواب والنوافذ، كنت أعرف لماذا يخافون مني إلى هذا الحد، فأنا المرأة الوحيدة التي كشفت النقاب عن حقيقتهم البشعة. وقد حكموا عليَّ بالإعدام، ليس لأني قتلت، فكم من الآلاف يُقْتَلون كل يوم! ولكنهم يحكمون عليَّ بالموت؛ لأنهم يخافون من حياتي، ويعلمون أنني لو عشت فسوف أقتلهم، إن حياتي تعني موتهم، وموتي يعني حياتهم، وهم يرغبون في الحياة؛ فالحياة لديهم مزيد من الجرائم، ومزيد من الغنائم. أما أنا فقد انتصرت على الحياة وعلى الموت؛ لأني لم أعد أرغب في الحياة، ولم أعد أخاف الموت، لا أرغب شيئًا، ولا آمل في شيء، ولا أخاف من شيء، فأنا أملك حريتي. لا شيء يستعبدنا في الحياة إلا رغباتنا وآمالنا ومخاوفنا، إن حريتي تملؤهم بالغضب؛ فهم يريدون أن يستعبدوني من خلال رغبة أرغبها، أو شيء أخافه، أو أمل يلوح لي في الأفق. جاء أحدهم وقال لي: هناك أمل في الإفراج عنك لو كتبتِ التماس عفو عن جريمتك لرئيس الدولة. قلت: لا أرغب في إفراج أو عفو عن جريمتي؛ لأن جريمتي لم تكن جريمة. قال: قتلتِ رجلًا. قلت: وإذا خرجت إلى حياتكم مرة أخرى فلن أكف عن القتل، فهل يمكن إذن أن يكون هناك جدوى لو أنني كتبت التماس عفو؟! قال: تستحقين الموت يا مجرمة! قلت: كل الناس تموت، والأفضل أن أموت بجريمتي عن أن أموت بجريمتكم.

وأنا الآن أنتظرهم، وسوف يأتون بعد قليل ويأخذونني، وفي صباح الغد لن أكون هنا، ولن أكون في أي مكان يعرفه أحد، إن هذه الرحلة إلى مكان يجهله كل الناس فوق الأرض، بما فيهم الملوك والأمراء والحكام، تملؤني بالزهو، كنت أبحث عن شيء يملؤني بالزهو، شيء يجعلني أرفع رأسي فوق رءوس جميع الناس وعلى الأخص الملوك والأمراء والحكام، لم أكن أمسك أي جريدة وأرى فيها صورة رجل منهم حتى أبصق على وجهه، يظن أنني أعرفه بالذات، لكني لم أكن أعرفه بالذات، فلست إلا امرأة واحدة، ولا يمكن لامرأة واحدة مهما كانت أن تعرف كل الرجال الذين تنشر الصحف صورهم. مهما كنت فلم أكن إلا مومسًا ناجحة، ومهما نجحت المومس فلا يمكن لها أن تعرف كل الرجال، إلا أن كل رجل عرفته أردت أن أرفع يدي عاليًا في الهواء، ثم أهوي بها على وجهه؛ ولأنني كنت أخاف فلم أكن أستطيع أن أرفع يدي؛ كان الخوف يصور لي هذه الحركة على أنها ثقيلة صعبة، ولم أكن أعرف كيف أتخلص من خوفي حتى رفعت يدي أول مرة. حركة يدي في ارتفاعها ثم انخفاضها مزَّقت الخوف، وأدركت أن الحركة سهلة، أسهل مما كنت أتصور، ولم تعد يدي عاجزة عن الارتفاع عاليًا في الهواء؛ لتهوي على أي وجه منهم، وحركة يدي أصبحت سهلة، وكل شيء في يدي أصبح يتحرك بسهولة وطبيعية، ولو كان سكينًا يدخل الصدر ويخرج بسهولة وطبيعية، أقول هذه الحقيقة، فالحقيقة دائمًا سهلة بسيطة، وفي بساطتها دائمًا وحشيتها وجبروتها، لم أصل إلى الحقيقة المتوحشة إلا بعد سنين طويلة من الكفاح، نادرًا ما يصل الإنسان إلى حقيقة رهيبة وجبارة في سنوات قليلة. الوصول إلى الحقيقة يعني أن الإنسان لم يعد يخاف الموت. فالصدق كالموت يحتاج إلى شجاعة هائلة، والصدق كالموت يقتل. وقد قتلت بالصدق وليس بالسكين، وهذا هو السبب وراء ذعرهم، وإسراعهم في إعدامي. إنهم لا يخافون السكين، ولكن الصدق يرعبهم. هذا الصدق المرعب يمنحني قوة عظمى، ويجعلني لا أخاف الحياة، ولا أخاف الجوع أو العري أو الانسحاق، لا أخاف وحشية الحكام ورجال البوليس، وأبصق بسهولة على الوجوه الكاذبة والصحف المزيفة!

٣

وانقطع صوت فردوس فجأة، كما تنقطع الأصوات في الحلم، وحرَّكت جسمي كمن يتحرك وهو نائم، لكن الذي تحتي ليس هو السرير، وإنما شيء صلب صلابة الأرض وبرودة الأرض، ولكنها برودة لا تصل إلى جسدي، كبرودة البحر في الحلم، أسبح فيه وأنا عارية، فلا أبرد ولا أغرق، مع أنني لا أعرف السباحة. وصوتها انقطع لكن صداه الخافت المتصل لا زال في أذني، كتلك الأصوات التي نسمعها في الأحلام، يخيل إلينا أنها تأتي من قريب وهي بعيدة، ولا نعرف بالضبط من أين تأتي: من فوق أم من تحت، من يمين أو من يسار، وقد تأتي إلينا من كل الجهات، كهواء يملأ الأذن، لكنه ليس هواءً، وإنما صوت حقيقي كنت أسمعه، وامرأة حقيقية من لحم ودم لا تزال تجلس على الأرض أمامي، ونافذة الزنزانة مغلقة والباب مغلق، ولا يمكن إلا أن أكون يقظة؛ لأن الباب انفتح فجأة، ورأيت عددًا من رجال البوليس المسلحين أحاطوا على شكل دائرة، وسمعت أحدهم يقول لها: هيا، حان موعدك!

وذهبت معهم، واختفت من أمام عيني إلى الأبد، لكن صوتها كان لا يزال يتردد في أذني، يرجُّ أذني، ويرج رأسي، ويرج الزنزانة، ويرج السجن، ويرج الشوارع، ويرج العالم كله. يسبب الرعب في العالم كله، رعب الصدق القاتل، هول الحقيقة المتوحشة البسيطة بساطة الموت، بساطة طفل لا يعرف الكذب، ولأن العالم كله يكذب فقد كان على فردوس أن تدفع ثمن الصدق باهظًا.

وركبت عربتي الصغيرة وأنا مطرقة الرأس، أخجل من نفسي، وأخجل من حياتي، وأخجل من كذبي، وأخجل من خوفي، ورأيت الناس يهرولون في الشوارع، إلى كذبهم ونفاقهم، ولمحت الصحف مرفوعة في الأكشاك، مليئة بالعناوين الكاذبة، وأعلام الزيف مرفوعة في كل مكان، ودُسْتُ بقدمي على دواسة البنزين بكل قوتي، كأنما أدوس على العالم كله، وأدركت وأنا أوقف العربة فجأة، قبل أن تصطدم بالعالم، أن فردوس كانت أشجع مني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠