ما زلنا في الموضوع

يظهر أن إخواننا السوريين سواء في الوطن والمهجر، قد وصلوا إلى دور إنشاء الروابط وتأليف المجامع؛ ففي نيُويُرك «الرابطة القلمية»، وفي دمشق «الرابطة الأدبية»، وفي بيروت «المجمع العلمي»، وكلها خطوات صالحات ننظر إليها نظرة الرضى والاستحسان. إن لمثل هذه المجامع تأثيرًا في اللغة من حيث: التنقية والصقل، فضلًا عن الإنعاش والتنشيط.

عندما أقرأ الكثير مما يُكتب في هذه الأيام أقف حائرة وبي استفهام، ما عسى يكون حكم الأجيال المقبلة علينا؟ إني أشعر في أكثر مطالعاتي العربية بأني في ماضي اللغة العربية أو في مستقبلها؛ في ماضيها مع المحافظين الجامدين، وفي مستقبلها مع المتهورين المجازفين.

ولكن أين نحن من حاضرها؟ وما اسم اليوم الذي نحن فيه؟ إن السير على الأساليب العتيقة وتقييد الفكر بالاستعارات المتحجرة من جهة، والمجازفة في اعتناق كل جديد دون بحث ولا تمحيص من جهة أخرى؛ يوقفاننا في موقف الحيرة والقلق، ويجردان أدبنا العصري من طابع تطبع به الآداب عادة في كل دور من أدوارها.

ولئن حَقَّ الانتقاد على دعاة الأسلوب العتيق الذين كأنهم ينكرون أنهم ولدوا بعد أولئك القدماء بعصور، فليس ثمة ما يسوغ إفساد اشتقاق اللغة وتصريفها والتساهل في قواعدها أو القضاء على روحها.

إنما الغرض من اللغة أن تكون آلة صحيحة لإظهار ما يراد إظهاره من فكر وعاطفة وبيان. إنما الغاية منها إيصال المعنى الذي وضعت لأجله، والتردد في التعبير كثيرًا ما يكون ترددًا في ما وراءه من مادة فكرية وإنشائية، فإذا وصلت أقلية راقية إلى الكمال النسبي فكرًا وتعبيرًا، وتيسر لها أن تكون ذات أثر في بيئتها؛ قامت تحتذيها خاصة المتعلمين، فاحتضنت أساليبها وتعلمت منها البحث عن أساليب جديدة.

وهذه الأقلية تؤثر بدورها في غيرها، فيظل تفاعل الفكر واللغة في اطراد لمصلحتهما معًا؛ لأن هذا التفاعل أي: تهذيب الفكر عن طريق التعبير، وتهذيب التعبير عن طريق الفكر، عامل أوَّلي في تكوين آداب الأقوام وتطورها بمقتضى ما يحيط بها من الأحوال، وما يستحثها ويوحي إليها من المؤثرات.

•••

ولكن لماذا دعوا مجمع بيروت «المجمع العلمي»؟ أليس أنه تألَّف للبحث في شئون اللغة والنهوض بالآداب العصرية؟ فما «للعلم» وله والحالة هذه؟!

أعرف أننا اعتدنا إطلاق هذه الكلمة على علم اللغة، كما نسمي العارف بأصوله «عالمًا»، فعندنا في مصر مئات (ولماذا لا أقول ألوف؟) «العلماء» في اللغة والفقه، الحائزين لشهادة «العالمية» من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي، ولكنهم ليسوا «علماء» بالعلوم الرياضية والطبيعية … إلخ، غير أنهم يتبعون نظامًا معينًا في ألقابهم وفي دراستهم جميعًا.

أما المجامع التي تؤلَّف في هذه الأيام، وتسن لها القوانين على الطراز الحديث؛ فعليها أن تسمي الأشياء بأسمائها دون إبهام ولا إشكال.

•••

في القاهرة مجمع يدعى «المجمع العلمي المصري» أنشأته الحملة التي صحبت نابوليون من الاختصاصيين في مختلف العلوم، وأعضاؤه اليوم خليط من وطنيين وأجانب، وكلهم من صفوة العلماء في هذه الديار، يتطارحون في قاعته المحاضرات العلمية النفيسة، ثم «الجمعية الجغرافية» ومحاضراتها تبحث في حدود البلدان وطبيعتها وأخلاق أهاليها وعاداتهم، كذلك جمعية «الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع» تعنى بما ينطبق على اسمها ويدخل في دائرتها.

أما المجمع الذي كان قصده كقصد المجمع البيروتي، فكان يُدعى «المجمع اللغوي»، ومن أعضائه: الدكتور صروف، وأحمد زكي باشا، والأب لامنس اليسوعي، والمغفور لهما: شيخ الأزهر السابق، وحفني بك ناصف. وقد دعا إلى إنشائه أحمد لطفي بك السيد يوم كان مديرًا لدار الكتب.

لقد كان لطفي بك عاملًا كبيرًا في تكوين النزعة المصرية الحديثة، وكان له في «الجريدة» أبحاث خطيرة اجتماعية وقانونية وسياسية وفلسفية وأدبية، وقد عني باللغة عناية خاصة، ومن رأيه إدخال اصطلاحات المعاملات وما حسن من الألفاظ العامية في لغة الكتابة، وقبول كل لفظة أجنبية ليس لها مقابل في العربية لتسمية الأدوات والآلات وتعريف المشاعر النفسية … إلخ.

•••

عقد المجمع جلساته الأولى في دار الكتب، وبدأ أعماله بتعيين لجان تبحث في الشئون التي عهد بها إليها؛ فهذه تبحث عن الاصطلاحات العلمية، وتلك عن الاصطلاحات الفلسفية، وتعنى غيرها بالمسميات السيكولوجية … إلخ. وقد رأيت قائمة حسنة «لمصطلحات علوم الفلسفة الحديثة» قَدَّمت إلى المجمع من أحد أعضائه أمين بك واصف، ثم جاءت الحركة المصرية تهز الأمة منذ ١٣ نوفمبر ١٩١٩؛ فاستقال لطفي بك من منصبه لينضم إلى الوفد المصري المجاهد في أوروبا لتحرير البلاد، وتمزق شمل المجمع، وتوفي بعض أعضائه ولم نسمع عنه بعدئذ خبرًا.

ولا أظنه عائدًا إلى الالتئام في هذه الأيام العصيبة أيام المظاهرات والألوية، أيام «فليحيَا» و«ليسقط»، بين تشكيل الوفد الجديد وانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية المقبلة التي ستكون بمثابة «برلمان» نيابي.

السياسة هي الزي الذي تتزيا به اليوم أفراد الأمة: فمن عالم ماذا يريد، ومجاهر بما يعتقد، ومن تابع هو سعيد بأن يسير أمامه قوم ليسير في أثرهم مع التابعين …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢