الفصل الخامس عشر

بعد عامَين من ذلك اليوم كان المُهلهِل يسير وحيدًا، لا رفيق له ولا أنيس، بعد أن قُتل ابنُ أخيه الهجْرس في غزوةٍ من غزَواته، وبعد أن قُتِل رفاقه القلائل واحدًا بعد آخَر في مُصادماتِه العدَّة مع القبائل التي كان يمرُّ بها. وهان أمرُه في القبائل حتى اضطُرَّ إلى تزويج ابنتِه الجميلة سلمى مُرغمًا صاغِرًا من غير أكفائها، ولم يَستطِعْ في ضَعفِه أن يُعاقِبَ خاطِبَها الجريء، بل أجابَهُ إلى زَواجِها وقلبُه يتحرَّق، والعجْزُ يُخرِسُ لِسانه. وأخذ يضرِبُ في الأرض بعد ذلك وَحيدًا إلَّا من عَبدَين ورَاحِلَتَين وفرَسِهِ المَحبوب «المُشهَّر» وسيفه ودروعه التي آلى على نفسه منذ أعوامٍ طويلة ألَّا يخلَعَها عن جِسمه.

كان المُهلهِل بعد عامَين من تلك الحياة المُضطربة يَسير وحيدًا في صُحبة عبدَيه، يُريد النزول إلى جوار ماءٍ من مياه هجَر، بعد أن جفَّتْ بقايا الأمطار في القَفْر الذي اتَّخَذَه مَوطنًا، فمرَّ في أرضٍ يَنزِل بها جماعة من بكرِ؛ من بني قَيس بن ثعلبة قومِ الحارث بن عباد. فسمِع عوف بن مالك كبير القوم بمُروره وخَشِيَ أن يكون قد أقبل عليه مُغيرًا يَطلُب غِرَّةً فيَستاقُ من الأموال والنَّعَم ما يجِد، ثم يمضي سريعًا كما كان يفعل كلَّما مرَّ بقبيلةٍ من بكر. فأرسل إليه كتيبةً صغيرة ترصد له، حتَّى إذا ما اقترَبَ منها وقفَتْ تعترِضُ سبيله. فأسرَعَ العَبْدان إليه خائفَين وقالا وهُما يَرعَدان من الخَوف: «هذه جماعة من بكر!» فنظر إليهم المُهلهِل كاسِفًا وقال كأنَّهُ يُخاطب نفسه: «أين مِنِّي الأحرار؟» ثم صاح بِهما وقد أشرَع رُمحه: «تنحَّيا عنِّي لا أبا لكما.»

ومضى في سبيله والعبدان يَسيران خلفَه في بطء، وقد انخلَعَ قلباهُما، حتى إذا ما صار عند القوم أرادَ أن يخترِق صفَّهم لا يلتفتُ إلى يمينٍ ولا إلى يسار. وغمَزَ فرسَهُ المُشهَّر فاندفع مُسرعًا حتى خالط الصَّف، وأوشكَ أن ينفُذ من بينهم، فثار البكريُّون لهذه الجُرأة واخترَطوا سيوفهم واندفعوا إليه فأحاطوا به من كلِّ جانبٍ ولكنَّهم لم يَمسُّوه؛ فقد كان أمر عوف بن مالك أن يَعودوا به أسيرًا.

ومضى المُهلهِل في سبيله ورفَع الرُّمح فأهوى به على أقرَبِ فارسٍ منه فطعَنَه في صدرِه فألقاه صريعًا، واضطربَتِ الجماعة لحظةً تَمكَّن المُهلهِل في خِلاها من أن يخرُج من دائرتِها، وأشرَع الرُّمح مرَّةً أخرى وأهوى به على فارسٍ آخَرَ يقصِد قلبه، فتلقَّى الفارس طعنتَهُ في مِجنِّه، وأسرع الفُرسان فالتفُّوا حولَه مرةً أخرى وضرَب أحدُهم رُمحَ المُهلهِل بسيفِه فقصَمَه وصاح قائلًا: «أسلِم نفسك قبل أن نُزيل هذا الرأسَ الأحمقَ عن جسدِك.»

فتكبَّر المُهلهِل أن يرُدَّ على الرجل، وأسرَع كالبرْقِ فاستلَّ السَّيف وأهوى به على رأسِه فأرداهُ عن فرسِه.

فاستشاط الفُرسان غضبًا واندفَعوا نحوَه من كلِّ جانبٍ يضربُونه بسيُوفِهم وهو يُراوِغُهم، ويتلقَّى ضرباتِهم ما استطاع؛ يتلقَّاها على سيفه تارةً وعلى مِجنِّه أو درعه أخرى، حتى ظنَّ القوم أنه قد أعجزَهم، وعزَموا على الفتْكِ به فتَصايحوا: «لا تُبقوا على الوَغْد!»

ولكنَّ المُهلهِل قاوَمَ ودافع حتَّى كاد يأتي على آخِرِهم، لولا جِراح أصابتْه نزفَتْ منها دماؤه فأضعفتْهُ عن المُقاوَمة، ومال عن سرجِه خائر القوى، ولا يزال السَّيف في يدِه يقطُر من دِماء بني بكر.

فوجَد الفُرسان عند ذلك فُرصة أمكنتْهم منه، فأحاطوا به واستطاعوا أن يَحملوه إلى عوف بن مالك وهو بين الحياة والموت.

وقضى المُهلهِل في أسْرِ عوف أشهرًا يَرْسفُ في قُيودِه ولا يَجِدُ سلوةً إلَّا في التَّغنِّي برِثاء أخيه، أو تَذكُّر وقعاتِه في بني بكر.

ولم يكن أحدٌ يَجرُؤ أن يَدنو من خَيمته إلَّا امرأة الشيخ عوف بن مالك وهي من بناتِ خُئولتِه اسمُها «جَيبة ابنة المُجلَّل». وكانت امرأةً شابَّةً جميلة حلوة العَينَين عذبةَ الحديث، عطفَتْ على المُهلهِل أشدَّ العَطْف في مِحنتِه، بعد أن كانت تُكبِر بطولته في حُروبه، فكانت تحمِل إليه كلَّ يومٍ طعامه وشرابه، وتُحادِثه وتُروِّح عنه. وكان المُهلهِل يأنَس إليها حينًا ويُعرِض عنها حينًا، ويَقبَل منها طعامًا يومًا ويرفُضُه أيامًا، وهي مع كلِّ ذلك دائبة على العِناية به والترَفُّقِ في أمره.

وجاءه يومًا رجلٌ من أتباع عوف فدخل عليه خِباءه وهو باسِمٌ كأنَّهُ قد جاءه بِبُشرى، وقرُب منه وجعل يَحلُّ وثاقه، وهو مُطمئنٌّ إلى شُكره وعِرفانه. ولكنَّهُ ما كاد ينتهي من إطلاق يَمينِه من قَيدِها حتَّى بادَرَه الأسير العنيف بضربَةٍ على أمِّ رأسِه كاد الرجل يَخِرُّ منها صريعًا، فارتدَّ مُسرعًا وهو يترنَّح، حتى إذا ما صار على باب الخَيمة صاح به حنقًا: «ما الذي حملك على هذا؟ وأيَّ جزاءٍ تُجازيني على فكِّ قَيدِك؟»

فردَّ المُهلهِل بَصَرَه عنه مُتكبرًا ولم يُجِب.

فذهب الرجلُ عنه مُسرعًا في غَيظٍ شديد، وبَقِيَ المُهلهِل صامتًا ينظُر إلى أثَرِ حزِّ الحِبال المَتينة في مِعصَمَيه. وفيما هو يتغنَّى حزينًا يُخاطِب ذلك الأثر أقبلتْ عليه جَيبة ابنة المُجلَّل، وهي تنظُر نحوَه نظراتٍ مُوزَّعة بين الإنكار والترفُّق.

فلمَّا صارت قريبةً منه قالت في رفق: «لمَ ضربتَ الرجلَ وقد أتى يفكُّ وثاقك؟»

فنظر إليها المُهلهِل وألانَ من نظرته وقال: «وما الذي حملَهُ على فكِّ ذلك الوَثاق ولم يَستأذِنِّي قبلَ فكِّه؟ لئن كنتُ أسيرًا فإنَّني لا أزال أملِك قَيدي.»

ثم جعل ينظُر إلى مِعصَميه ويحدِّثُ نفسه ويُنشد من شِعره في بكاء كليب …

فقالت جَيبة في نغْمة اعتِذار: «لقد بَعَثَه إليك ابنُ عمِّك عوف بن مالك وأمرَهُ أن يَفكَّ قيدَك، وما كان يَحسَب أنَّ ذلك يَسوءُك، وما يقصِد من ذلك إلَّا التوَدُّد إليك، لعلَّك تأنَسُ إليه. وقد جاءه اليوم قومٌ من بني عمِّك فأحبُّوا أن يأتنِسُوا بك.»

فتجهَّم وجهُ المُهلهِل وعقد ما بين عينيه وقال وقد لمعَ الشرُّ في نظراته: «وهل كنتُ لابن عوف نديمًا؟»

فقالتِ المرأة ولا تزال في نغْمتِها رنَّةُ الاعتذار: «لا! ولكنهم يدعونك للمُؤانسة. وهل عليك ضَير في مُجالسة قومٍ من بني عمِّك؟»

فأدار المُهلهِل وجهَهُ عنها وقال مُغمغِمًا: «ليس المُهلهِل بمن يسعى إلى أحد.» ثُمَّ جلسَ في رُكن الخَيمة، وجعل يتغنَّى حزينًا بمراثِيه في أخيه.

فرأتِ المرأة مُراجَعة القول لن تُجدِيها شيئًا، فانصرفتْ في صمتٍ وبقِيَ المُهلهل يتغنَّى ناظرًا إلى أثر القيود في يدَيه.

بعد قليلٍ أقبلَ ابن عوف ومعه ضُيوفه حتى وقفوا على باب الخَيمة، وتقدَّم شَيخٌ كبير منهم فقال باسمًا: «أتأذَن لي يا ابن الكرام؟»

فنظر المُهلهِل نحوَه حينًا وهو لا يُميِّزه، وغاب لحظةً في تفكيره، ثم علَتْ وجهَهُ ابتسامةٌ ضعيفة مُتردِّدة، وقال بصوتٍ خافت: «الفند بن سهل؟»

فقرُب الرجل منه وقال وهو واقِف إلى جانبه: «نعم الفند بن سهل. أبَيْتَ أن تسعى إلينا فسَعَينا إليك.»

فاعتدل المُهلهِل مرتاحًا إلى حديث الرجل، وصاح الفند يُخاطِب إخوانه الواقِفين دون باب الخَيمة فقال: لا بأس عليكم يا قوم فقد أذِن لنا المُهلهِل.

فدخل القوم وجلسوا في جوانب الخَيمة، ودخل معهم عوف بن مالك فانتحى جانِبًا وهو صامِت.

وتبسَّط المُهلهِل في حديثه مع الفند، ثم امتدَّ الحديث إلى سائر الجلوس، وكأنَّ المُهلهِل قد نَسِيَ ما هو فيه من أسْرٍ وضِيق وذُل، فجعل يحدِّث القوم ويرحِّب بهم ويُؤانِسهم بالتَّحية كأنَّهم ضُيوفه، وكأنهم قد نزلوا عليه في بعض رحابه.

وبعد ساعةٍ جاءتْ جِفان اللَّحم والثَّريد، ووُضِعتِ السِّنام مشويَّةً مع الكبد في صحفةٍ جُعلت بين يدَي المُهلهِل، وحُملت الخمر فأُدِيرت على الحاضرين في كئوسٍ من نُحاس، وأقبل الجميع على السَّمر في خيمة المُهلهِل كأنَّهم في وليمةٍ حافلة.

هكذا أراد الضيوف، ولم يَستطِع عوف بن مالك أن يضِنَّ بمَطلبٍ طلبَه منه زائروه.

وأراد المُهلهِل أن يَمتنِع عن مُشاركة القوم في شرابهم برًّا بقَسَمِه الذي أقْسَمَه عند قتْل أخيه، ولكنَّ شيئًا غلَبَه على امتِناعِه فجعله يَرضى بمُقاسَمَة القوم شَرابهم. أكان ذلك ليأسِهِ من مُتابعَةِ النِّضال؟ أم كان لاقتناعه بأنه قد أدرك ثأرَ كليب؟ أم كان لأنه لم يقدِر على مُقاومة إغراء رائحة الخمْر التي حُرِم مَذاق راءوقِها الصافي تلك السِّنين العدَّة بعد أن كان لا يَصبِر عنها يومًا؟ مهما يكن من ذلك فقد أقبل على الشُّرب وانحلَّتْ منه عُقدة الهَمِّ، وعاد اللون إلى وَجهه وانبسطتْ أساريره، وكَسَتْه ابتسامةٌ وديعة، وضرَبَ مع الجلوس في الحديث.

وتحدَّر السَّمر وتصعَّد في شِعابٍ وشُجون، وكان القوم يُصغون في شوق إلى أقوال المُهلهِل ويَستملِحون قصَصه ويَستعذِبون أشعاره. ثم دارت الخمر في رأسه فتدفَّق في إنشادِه وانسابَ في حديثه حتى صار هو وحدُه مُتكلِّم القوم، ولكنَّه لم يلبَثْ أن نَسِيَ مَوضعه وحاله، وجعل يتذكَّر مَواقِعَهُ في بكر، ويُنشِد من أشعاره مُفاخرًا بقومه مُتغنِّيًا بمن قَتل من سادات بكرٍ وشيوخ قَيس بن ثعلبة.

ثم قام في حماسةٍ كأنَّه قد خُيِّل إليه أنه واقِف في صفوف تغلِب يُذمِّرهم للحرب، ويُحرِّضهم على الاستِبسال في الهجوم، وأخذ يُشير بيدِه ناظرًا إلى الفضاء الفسيح الذي دون الخيمة وجعل يُنشِد:

شَفيتُ النفس من أبناء بكرٍ
وحكَّتْ برْكها ببني عباد
إذا ما الخَيل بالأشكال جالَتْ
وفي لبَّاتِها أسل الصواد
وثار النَّقْع بينهم وثارَتْ
لها أُسْد على أُسْدٍ عواد
بضربٍ تشخَصُ الأبصار منه
وطعنٍ مثل أفواه المزاد

فنظر إليه الجلوس ووجَموا، ثُم نظروا إلى عوف بن مالك فإذا هو مُربدُّ الوجه مُحمرُّ العينين، وإذا هو يَقبِض على سيفه وينفُث من غَيظه كما تنفُث الحيَّة.

وأراد أحدُ الضُّيوف أن يُخفِّف من وقْع الأمر، فقال للمُهلهِل في لهجةِ المُداعبة: «ألا تقول لنا شيئًا عن غزلِك يا مُهلهِل؟»

فمضى المُهلهِل كأنَّه لم يَسمَع قول الرجل، وتحوَّلتْ رنَّةُ صوتِه كأنَّها صَيحة حرب، وقال:

رُبَّ خيلٍ لقيتُها لا أبالي‎
حيث ألقى كُماتها مِغوارًا
إنَّنا مَعشرٌ إذا ما غضِبْنا
ضاقتِ الأرض نَقْتفي الآثارا
إن أقمْنا أقامتِ الناسُ طوعًا
أو أردْنا الحُروب سِرنا جهارًا

وعند ذلك لم يُطِقْ عَوف بن مالك صبرًا، فنهض فجأةً وصرخ قائلًا: «أيفخَر العبدُ علينا في ديارنا؟»

ثم خرَج وهو يضطرِب من الغَيظ، وقد وضع يدَه على مِقبض سيفه وسار يَخطو خطوًا سريعًا حتى بلغَ خيمته، وسار القوم جميعًا في أثره وتركوا المُهلهِل قائمًا يُنشِد ويتغنَّى، ويفخَر بما أنزل بالبكريِّين من وَيلات.

حاولَ الضيوف أن يَعتذِروا إلى عوف ممَّا سبَّبوه له من الإهانة، وأرادوا أن يُخفِّفوا عنه وقْع أشعار المُهلهل، ولكنه لم يسْكن بل استمرَّ على اضطرابه وصخَبِه في فناء خَيمته وهو يسير ذهابًا وجَيئة في هَياج.

ثم وقف فجأةً وقال: «لقد كان أولى لنا لو تركناه في قُيوده، ولكن هذه الرِّقَّة التي حملتْكم على مُجالستِه قد حرَّضتْه علينا، وها أنتم هؤلاء سمِعتموه يتغنَّى بسبِّ قومي، وحقِّ مناة ليموتن بأشنَعِ ميتةٍ ماتها رجل! لا يَذوقنَّ طعامًا ولا شَرابًا حتى يَرِدَ زبيب!»

وكان زبيب فحْلًا قويًّا من الإبل لا يرِدُ الماء إلَّا كلَّ عشرةِ أيام.

في الليلة الثانية بعد ذلك اليوم كانت جَيبة ابنة المُجلَّل تسير في الظلام خلسةً وهي خائفة والِهة، حتى بلغَتْ خَيمة المُهلهِل، فنظرَتْ حولها خشية أنْ يراها أحد، فلمَّا لم تجِد أحدًا دخلتْ مُسرعةً حتى جاءت إلى الأسير وجعلتْ تفكُّ قُيُوده وتقطعُها بسكِّين أخرجتْها من طيَّات ثِيابها.

ونظر إليها مُتعجِّبًا أولَ الأمر، ثم سألَها في دهشة: «ماذا تفعلين يا أم عمرو؟»

فقالت المرأة هامِسة: «قم! أسرِع! أسرِع قبل أن تهلك.»

فلم يتحوَّلِ المُهلهل من مَوضعه بل سألها: «ماذا تقصدين؟»

قالت جَيبة: «قم! إنك لن تَذوقَ طعامًا ولا شرابًا حتى يرِدَ زبيب. إنك هالِك لا مَحالة؟ هكذا حلَفَ عوف بن مالك.»

ولكن المُهلهِل بقِيَ في مَوضعه لم يتحرَّك، فعجِبَتِ المرأة وقبضَتْ على ذِراعه وحاولتْ أن ترفَعه وتدفَعَه وهي تهمِس في هلع: «قم!»

فجذَبَ المُهلهِل نفسه بِعُنفٍ وقال: «اذهبي عنِّي، لن أشتري حياتي بالذِّلَّةِ مَرَّتَين، أأهرُب حتى أجعلك فداءً وأتستَّر من وراءك لكي تُلاقي أنتِ غضبَ زَوجِك الحانق؟»

فوقفتِ المرأة مُتعجِّبة حينًا، وأرادتْ أن تُعاود الكرَّة عليه في الإلحاح، فنظر إليها المُهلهِل واجمًا، وقال: «قلتُ لكِ اذهبي عنِّي، اذهبي قبل أن أصيح في الحيِّ مُنذرًا بمكانك.»

فلم تجِد جَيبة بُدًّا من الذهاب وخشِيَتِ افتضاح أمرها، فأسرعَتْ راجعةً إلى خَيمتها وهي تترجَّح بين الغضب والخَيبة. ولم يَسمَحْ عوف بن مالك لأحدٍ أن يذهب إلى خَيمة المُهلهِل بطعامٍ أو شراب إلَّا إذا ورد زبيب بعدَ عشرة ليال. ثم ذهبَ إليه ليراه فإذا هو قد هلكَ من الجُوع والعطش، ولم يملِك نفسه عندما وقعَتْ عينُه عليه من أن يخشَعَ ويَحزَن كما يخشَعُ الصائد وهو يرى الأسَدَ صريعًا.

ووقف ينظر إلى عبدَيه وهما يَنزِعان عنه دُروعه لأول مرَّةٍ بعد أن بقِيَت على جسدِه سنين طويلة، وكانا كلَّما نزَعا منها قطعةً صحِبتْها قطعةٌ من جِلده الذي لصَقَ بها. ولكنَّه عندما نظرَ إلى يدَيه ورِجليه لم يجِد فيهما قَيدًا ولا وَثاقًا، فصاح بالعبْدَين: «من نزَعَ القَيْد والوَثاق عنه؟ لقد أردتُ أن أدفِنَهُ في قُيوده.»

فنظر العبدان إليه حائرَين ولم يُجيبا.

فرفَع يدَه بالسيف إليهما مُهدِّدًا وكاد يَهوي به عليهما.

لولا أن دخلتِ امرأتُه مُسرعةً وهي تصرُخ: «لا تفعل يا أبا عمرو! لا تفعل!»

فنظر الرجل إليها مُتعجِّبًا وقال في غضب: «خلِّي سبيلي، مالك والعبدَين!»

فقالت المرأة في هلَعٍ وهي مُندفعة اندفاع اليائس: «لقد فككتُها أنا! أنا التي فككتُ قيوده.»

فصاحَ بها الرجل المُخيف قائلًا: «أنت؟ أيَّتُها الخائنة!»

فتعلَّقَت به المرأة باكِية وقالت: «أليسَ ابن عمَّتي؟ رأيتُه يموتُ فلم يُطاوعْني قلبي أن أرى بطلَ تغلِب يتلوَّى يُصارع الموت جُوعًا وعطشًا، فحللتُ قُيوده وتضرَّعتُ إليه أن يهرُب.»

ثم سكتتْ لحظةً وأجهشَتْ بالبُكاء وقالتْ في نشيجِها: «ولكنه أبى وآثَرَ المَوت!»

فسكن غضب عوف قليلًا ثم قال في دهشة: «لم يرضَ أن يهرُب؟»

فقالتِ المرأة باكية: «لقد أبى، وقال لا أشتري الحياة بالذِّلَّة مرَّتَين.»

فوقفَ عوف صامتًا لحظة، ثم وضَع سيفَه في قرابه، ونظر إلى المُهلهِل نظرةً طويلة، وجعلَ يتأمَّل جِسمه الضَّعيف النَّحيل، وجِلده المُقطَّع ودرعه التي علاها الصدأ، ثم تنفَّس نفسًا عميقًا، وقال في حُزن: «أبى المُهلهِل إلَّا أن يموت كريمًا! مات سيِّد ربيعة.»

ثمَّ أمر العبدَين أن يترفَّقا بالجَسَد المُحطَّم الذي يُجهِّزانه، وذهَبَ إلى قومِه لينعي إليهم المُهلهِل، ويَستعِدَّ لإقامة المَأتَمِ لعدُوِّه البَطل، ولم يَضِنَّ عليه بِدمعةِ حَسرةٍ وهو مُنصرِف من باب خَيمته السَّاكنة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢