دليل الملاعق الفضية

حين أُحضِرتْ إليَّ البطاقة، نظرتُ فيها بقدرٍ من الريبة؛ إذ استشعرتُ وجود صفقةٍ تجارية، وعلى الرغم من أن مثل هذه القضايا تكون مُربِحة بالقدر الكافي، فإني، يوجين فالمونت، صاحب المنصب المرموق في الحكومة الفرنسية فيما سبق، لا أهتمُّ بأن تكون لي علاقة بها؛ فمثل هذه القضايا تتعلق عادةً بشئونٍ تجاريةٍ دنيئة، ولا تجذب كثيرًا اهتمام رجلٍ تعامل، في وقتٍ ما، مع قضايا دبلوماسيةٍ غامضة اعتمد عليها رخاء بعض الدول.

إن اسم بنثام جيبز مألوف لدى الجميع؛ لارتباطه بالمخللات التي يُعلَن عنها كثيرًا، ونشاهد إعلاناتها باللونَين القرمزي والأخضر الزاهيَين في جميع أنحاء بريطانيا العظمى، وتصدم الحسَّ الفني كلما رأيناها. أما أنا فلم أذقها قط، ولن أفعل أبدًا ما دام ثمة مطعمٌ فرنسيٌّ مفتوحٌ في لندن؛ لكني لا أشك في أنها صادمة لحاسة التذوُّق بقدر إزعاج إعلانها للعين. وإن حدث وتوقَّع مُصَنِّع هذا المخلل الرديء مني اقتفاء أثر الذين يحاولون الاعتداء على وصفاته لصنع ما يُطلَق عليه التتبيلات والصلصات وما شابه؛ فإنه يكون مخطئًا؛ إذ إنني أصبحت الآن في موقعٍ يُتيح لي اختيارَ ما أعمل عليه من قضايا وانتقاءها، ولم يكن من شأن قضية عن المخللات أن تستهويني. كان نص الإعلان: «احذروا التقليد؛ فليس حقيقيًّا دون التوقيع الأصلي لبنثام جيبز.» حسنًا، ليست المخللات من شأني، ولا اقتفاء أثر المقلِّدين. تزوير شيك! أجل، إن أردتَ، لكن لم يكن تزوير توقيع السيد جيبز على زجاجة المخلل ضمن اختصاصاتي. ومع ذلك قلتُ لأرماند: «أدخِل السيد.» ففعل هذا.

ولِدهشتي دخل شابٌّ أنيقٌ يرتدي معطفًا داكنًا مشقوق الذيل، وصدريةً لا عيب فيها، وسروالًا يَظهر عليه أنه من تفصيل أحد الخياطين في شارع بوند. وحين تحدَّث كان صوته ولُغته ينمَّان عن رجلٍ مهذب.

تساءل قائلًا: «السيد فالمونت؟»

رددتُ عليه وأنا أنحني وألوِّح بيدي، بينما وضع له أرماند مقعدًا وانصرف: «في خدمتك.»

بدأ السيد جيبز حديثه قائلًا: «أنا محامٍ، لديَّ مكتب في مبنى تِمبل، وتزعجني منذ بضعة أيام مسألة؛ جئتُ إليك الآن طالبًا نصحك فيها؛ إذ اقترح صديقٌ أثق به اسمَك عليَّ.»

سألته: «هل أعرفه؟»

ردَّ السيد جيبز: «لا أعتقد هذا؛ فهو أيضًا محامٍ له مكتب في المبنى ذاته الذي يوجد فيه مكتبي، اسمه ليونيل داكر.»

«لم أسمع به قط.»

«على الأرجح لا، ومع ذلك، فقد أوصى لي بك بوصفك رجلًا يمكن الاستعانة بمشورته، وإن قبلت هذه القضية فأنا أرغب في التزام أقصى قدرٍ من السرِّية، أيًّا كانت النتيجة.»

انحنيتُ، لكني لم أُبدِ أي اعتراض؛ فالسرية أمرٌ مفروغ منه بالنسبة لي.

سكت الرجل الإنجليزي لبضع لحظات، كما لو أنه توقَّع الحصول على تعهُّدات حماسية، ثم واصل حديثه دون أن يبدو على وجهه أي أثر للإحباط عندما لم يحصل عليها.

في ليلة الثالث والعشرين، أقمتُ عشاءً صغيرًا لستة من أصدقائي في مكتبي. أستطيع القول إنهم جميعًا على حد علمي رجالٌ محتَرمون، شخصياتهم ليست موضع شك. في ليلة هذا العشاء تأخرتُ عما كان متوقعًا في حفل استقبال، وعند عودتي بسيارتي إلى مبنى تمبل تأخرتُ أكثر بسبب تَعثُّر في حركة السير في شارع بيكاديلي؛ لذا حين عودتي إلى مكتبي كان لدي وقت بالكاد لارتداء ملابسي واستقبال ضيوفي. كان مساعدي جونسون قد أعدَّ كل شيء من أجلي في غرفة الملابس، وبينما هُرعتُ إليها خلعتُ المعطف الذي كنتُ أرتديه وتركته معلَّقًا على ظهر أحد المقاعد في غرفة الطعام؛ حيث لم ألاحظه لا أنا ولا جونسون حتى انتبهتُ إليه بعد انتهاء العشاء، بينما كان الجميع يشربون النبيذ في سعادة.

يحتوي هذا المعطف على جيب داخلي، وفي العادة أي معطف مشقوق الذيل أرتديه في حفلات الاستقبال المسائية لا يحتوي على جيبٍ داخلي، لكني كنتُ في عجلةٍ من أمري طوال اليوم.

إن والدي صاحب مصنعٍ ربما يكون اسمه مألوفًا لديك، وأنا أحد أعضاء مجلس إدارة شركته. وفي هذه المناسبة أخذتُ سيارة أجرة من المدينة إلى حفل الاستقبال الذي تحدثتُ عنه، ولم يتسنَّ لي الوقت لأغيِّر ملابسي في مكتبي. كان حفل الاستقبال بوهيميًّا بعض الشيء؛ لذا كان ممتعًا للغاية بالطبع، ولكنه لم يكن يتطلب ارتداء ملابس محددة؛ لذا ذهبتُ بما أرتديه. داخل هذا الجيب الداخلي توجد حزمة رفيعة، تتكون من قطعتين من الورق المقوَّى بينهما خمسة صكوك ورقية كلٌّ منها بقيمة عشرين جنيهًا صادرة عن بنك إنجلترا، مطويات طوليًّا، ومثبتة في مكانها برباط مطاطي مرن. وقد ألقيتُ المعطف على ظهر المقعد بحيث أصبح جيبه الداخلي واضحًا، وأطراف الصكوك ظاهرة بوضوح.

وعند تناولنا القهوة والسجائر أشار أحد ضيوفي وهو يضحك إلى ما أَطلق عليه استعراضًا مُبتذَلًا للثراء؛ فالتقطه جونسون ببعض الاضطراب لإهماله وضْع المعطف في مكانه، وأخذه إلى غرفة الاستقبال حيث وُضِعَت معاطف ضيوفي دون ترتيب. بالطبع كان يُفترض، أن يعلِّقه في خزانة ملابسي، لكنه قال فيما بعدُ إنه ظن أنه يخصُّ الضيف الذي تحدَّث؛ فقد كان جونسون في غرفة ملابسي حين ألقيتُ المعطف على المقعد في الزاوية وأنا في طريقي إلى الغرفة، وأفترض أنه لم يلاحظه في خضم توافد الضيوف، وإلا لكان وضعه حيث ينتمي. بعد انصراف الجميع جاء إليَّ جونسون وقال إن المعطف هناك، لكن الحزمة فُقدَت، ولم يُعثَر على أيِّ أثر لها منذ هذه الليلة.»

«على ما أظن أحضرتَ العشاء من مكانٍ خارجي، أليس كذلك.»

«بلى.»

«كم نادلًا قدَّم الطعام؟»

«اثنان، وهذان الرجلان يعملان دومًا عندي في المناسبات المشابهة، لكن بعيدًا عن هذا، فقد تركا المكان قبل وقوع حادثة المعطف.»

«أعتقد أن أحدًا منهما لم يذهب إلى غرفة الاستقبال، أليس كذلك؟»

«بلى، فأنا متأكد من عدم وجود أي شكوك بشأن أيٍّ من النادلَين.»

«وماذا عن مساعدك جونسون؟»

«إنه يعمل معي منذ سنوات، وكان بإمكانه أن يسرق بسهولةٍ أكثر بكثير من مجرد مائة جنيه إن أراد فعل هذا، لكني لم أعرف عنه قط أنه أخذ بنسًا واحدًا ليس من حقه.»

«أيمكنك أن تخبرني بأسماء ضيوفك يا سيد جيبز؟»

«جلس على يميني فيكونت ستيرن، وعلى يساري اللورد تمبلمير، وبجواره السير جون سانكلير، وبجوار سانكلير أنجوس ماكيلر، وبجوار فيكونت ستيرن جلس ليونيل داكر، وعلى يمينه فنسنت إينيس.»

كتبتُ أسماء الضيوف على ورقة وأشرتُ إلى أماكنهم على الطاولة.

«أيُّ ضيف لفتَ انتباهك للمال؟»

«ليونيل داكر.»

«هل ثمة نافذةٌ تطلُّ على الخارج في غرفة الاستقبال؟»

«يوجد اثنتان.»

«هل كانتا مغلقتين في ليلة حفل العشاء؟»

«لستُ متأكدًا، على الأرجح سيكون جونسون على علمٍ بهذا. هل تُلمِح إلى احتمال دخول لصٍّ عبر نافذة غرفة الاستقبال بينما كنا في حالة من الصخب إلى حدٍّ ما في أثناء الشراب؟ أعتقد أن هذا حلٌّ بعيد الاحتمال للغاية؛ فمنزلي في الطابق الثالث، ومن الصعب للغاية أن يجرؤ لص على اقتحام المنزل وهو يعلم بوجود مجموعة من الناس تحتفل، بالإضافة إلى أن المعطف ظل في الغرفة لمدة أقل من ساعة، وعلى ما يبدو لي أن مَن سرق هذه الصكوك كان يعلم بمكانها.»

اضطررتُ إلى الاعتراف: «يبدو هذا منطقيًّا، هل تحدثتَ مع أي أحدٍ عما فقدته؟»

«لا أحد إلا داكر، الذي أوصى بأن آتي لرؤيتك. آه، أجل. لجونسون بالطبع.»

لم يسعني إلا ملاحظة أن اسم داكر ذُكر للمرة الرابعة أو الخامسة في حوارنا.

فسألتُ: «ماذا عن داكر؟»

«حسنًا، فهو كما ترى، له مكتب في المبنى نفسه في الطابق الأرضي. إنه رجل صالح، وأصبحنا صديقَين مقربَين. وقد كان هو مَن لفت انتباهي إلى المال؛ لذا ظننتُ أنه يجب أن يعرف ما حدث.»

«وكيف تلقَّى الخبر؟»

«الآن وقد لفتَّ انتباهي للأمر، فقد بدا عليه بعض الاضطراب. إلا أنه يتحتَّم عليَّ القول إن هذا يجب ألا يضلِّلك؛ فلا يستطيع ليونيل داكر السرقة ولا الكذب.»

«هل بدا عليه أيُّ دهشة حين ذكرتَ السرقة؟»

صمت بنثام جيبز لبرهة قبل الرد، وقطَّب حاجبيه مفكِّرًا.

قال أخيرًا: «لا، وحين أفكر في الأمر، لقد بدا كما لو أنه يتوقَّع هذا الخبر.»

«ألا تجد هذا غريبًا يا سيد جيبز؟»

«في الواقع أنا في حيرةٍ بالغة؛ فلا أعرف في أي شيء أفكر، لكن من العبث للغاية أن أشكَّ في داكر. ستفهم ما أعنيه إن كنتَ تعرف الرجل؛ فهو ينحدر من أسرةٍ عريقة، وهو … حسنًا! إنه ليونيل داكر، وحين تذكر اسمه يكون أيُّ شكٍّ عبثًا.»

«أفترض أنك أخضعتَ الغرف لتفتيشٍ دقيق. فلم تسقط الحزمة من الجيب في أحد الأركان وظلت هناك دون أن يلاحظها أحد. صحيح؟»

«بالفعل؛ فقد فحصنا أنا وجونسون كل شبر في المكان.»

«هل لديك أرقام الصكوك النقدية؟»

«أجل، فقد حصلتُ عليها من البنك في صباح اليوم التالي؛ أوقف البنك التعامل على هذه الصكوك، وحتى الآن لم يُقدَّم أيٌّ من الصكوك الخمسة إلى البنك! بالطبع، قد يكون واحد منها أو أكثر صُرف في أحد المتاجر، لكن لم يُقدَّم أيٌّ منها إلى البنك.»

«لا يُقبَل صكٌّ بقيمة عشرين جنيهًا دون فحصٍ دقيق؛ لذا على الأرجح قد يجد السارق قدرًا من الصعوبة في التخلُّص منها.»

«كما أخبرتك، أنا لا أمانع في فقدان المال على الإطلاق، إن ما يزعجني هو الشعور بالشكِّ والقلق الذي نتج عن الحادث. وستُدرِك كم أنني لا أكترث بالمال حين أخبرك أنك إن أوليتَ اهتمامًا كافيًا بهذه القضية، فإني لن أرضى أن يقلَّ أجرك عن المبلغ الذي فقدتُه!»

وقف السيد جيبز وهو يقول هذا، ورافقتُه حتى الباب وأكدتُ له أني سأبذل قصارى جهدي في حل هذا اللغز. وسواء أكان ينحدر من أسرة من صانعي المخللات أم لا، فقد أدركتُ أنه رجلٌ مهذَّب وسخي، يقدِّر خدمات الخبراء المحترفين مثلي بقيمتها الحقيقية.

لن أخوض في تفاصيل أبحاثي التي أجريتُها على مدار الأيام القليلة التالية؛ لأني سأذكرها عند ذكر الحوار الشيق الذي كنتُ طرفًا فيه فيما بعدُ. يكفيني أن أقول إن فحص الغُرف واستجوابي المغلق لجونسون طمأناني إلى أنه هو والنادلَين أبرياء، وتأكدتُ أيضًا من عدم دخول أي لصٍّ عبر النافذة، وأخيرًا توصلتُ إلى استنتاج أن الصكوك سرقها واحدٌ من الضيوف، وأقنعتني التحريات الإضافية أن السارق ليس أحدًا غير ليونيل داكر؛ الوحيد من بين الضيوف الستة الذي كان في حاجة ماسَّة إلى المال في هذا الوقت. أمرتُ بتعقُّب داكر، وخلال واحدة من جولاته تعرفتُ إلى خادمه هوبر، وهو رجلٌ فظٌّ وغير مهذب، قبِل عملتي النقدية الذهبية بسرعةٍ كبيرة، لكنه لم يعطني الكثير من المعلومات في مقابلها. وبينما كنتُ أتحدَّث معه، وصل إلى الممر الذي كنا نتحدث فيه معًا صندوقٌ ضخم من الشمبانيا، يحمل اسم أحد أشهر العلامات التجارية في المجال، ومكتوبٌ عليه أنه مُعتَّق منذ عام ٧٨. علمتُ الآن أن منتج كاميلوت فريرز لا يُباع بسعرٍ زهيد مثل الجعة البريطانية، وعلمتُ أيضًا أن السيد ليونيل داكر سينفد ما لديه من مالٍ في غضون أسبوعين لا أكثر. ومع ذلك فقد ظلَّ داكر المحاميَ نفسَه الذي لا يأتيه أي عملاء، كحاله دومًا.

في صباح اليوم التالي لحديثي غير المثمر مع خادمه هوبر، اندهشتُ حين تسلَّمتُ الرسالة التالية، مكتوبة على بطاقة مراسلات أنيقة:

مبنيا فيلوم الثالث والرابع، إنير تمبل، إي سي

يقدم السيد ليونيل داكر تحياته إلى السيد يوجين فالمونت، وسيسعد كثيرًا إذا وافق السيد فالمونت على زيارته له في مكتبه غدًا في الحادية عشرة صباحًا.

هل أدرك هذا الشاب أنه مُلاحَق، أم أن خادمه أخبره بالتحريات الجارية؟ سأعلم قريبًا. وصلتُ في تمام الحادية عشرة في صباح اليوم التالي، واستقبلني بلباقةٍ مبهرةٍ السيد داكر بنفسه. وكان من الواضح أن هوبر القليل الكلام أُرسِلَ بعيدًا من أجل هذه المقابلة.

بدأ الشاب حديثه قائلًا: «عزيزي السيد فالمونت، تسعدني مقابلتك كثيرًا»، باحترامٍ بالغ لم ألحظْه على رجلٍ إنجليزي من قبلُ، إلا أن كلماته التالية قدَّمت تفسيرًا لم يخطر على بالي إلا في وقتٍ لاحق لكونه بعيد الاحتمال؛ إذ قال: «أعتقد أننا من بلدٍ واحد؛ لذلك، ومع أن الوقت مُبكِّر، آمل أن تسمح لي بأن أقدِّم لك بعضًا من هذه البهجة المعبَّأة في زجاجة منذ عام ٧٨، من فرنسا الجميلة، التي سنشرب معًا نَخْب رخائها وشرفها. فأي ساعة من اليوم تكون مناسبة لمثل هذا النخْب؟» وما أدهشني أنه أحضر من الصندوق الذي رأيتُه يصل منذ يومين زجاجةً من نبيذ كاميلوت فريرز هذا من عام ٧٨.

قلتُ لنفسي: «والآن، سيكون من الصعب الاحتفاظ بصفاء الذهن إن وصلت رائحة هذا المشروب إلى المخ. لكن بما أن هذه الكأس مغرية للغاية، فسأشرب القليل منها، وآمل ألا يُدرِك هذا.»

كان شخصًا حساسًا، وقد رأيت بالفعل سِحر شخصيته، وأدركتُ جيدًا شعور الصداقة الذي يُكِنُّه السيد بنثام جيبز له. لكني رأيت المكيدة تُحاك أمامي؛ فقد توقَّع أنه تحت تأثير الشمبانيا والدماثة سيحصل على وعدٍ مني؛ لا بد أن أحرص على عدم إعطائه إياه.

«سيدي، أنت تثير اهتمامي بادعائك الانتساب إلى فرنسا؛ فكان اعتقادي أنك تنتمي إلى واحدة من أعرق الأُسَر في إنجلترا.»

صاح قائلًا: «آه، إنجلترا!» وبسط ذراعيه في حركةٍ موحية ذات طابعٍ فرنسي في معناها. «إن الجسم ينتمي لإنجلترا بالطبع، لكن الأصل … آه! الأصل … يا سيد فالمونت شقَّ التربة التي جاء منها نبيذ الآلهة هذا.»

ثم صاح وهو يملأ كأسي وكأسه: «نَخْب فرنسا، التي تركتْها عائلتي في عام ١٠٦٦!»

لم يسعني إلا أن ضحكتُ على هتافه الحماسي.

«١٠٦٦! مع ويليام الفاتح! هذا منذ زمنٍ بعيد للغاية يا سيد داكر.»

«ربما هذا بعدد السنين، لكن في المشاعر كأنها يوم. لقد جاء أجدادي ليسرقوا، ويا إلهي! كم نجحوا في تحقيق ذلك! لقد سرقوا البلد كلها … كأنها عملية سرقة، كما أُطلِقُ عليها أنا، تحت قيادة أمير اللصوص الذي تُطلِق عليه اسم الفاتح. فنحن جميعًا نعجب، في مكنونات صدورنا، باللصوص الذين يرتكبون سرقاتٍ ضخمة، وحتى إن لم تكن السرقات ضخمة، فنحن نعجب باللصوص الخبراء، الذين يُخفون آثارهم ببراعة بحيث يتحيَّر طلاب العدالة في محاولة اقتفائها. والآن، حتى أنت يا سيد فالمونت — فأنا يمكنني رؤية أنك من أكثر الرجال سخاءً، ولديك تعاطف متَّقد لا نجده إلا في فرنسا، حتى أنت لا بد أنك تعاني غُصَّة ندمٍ حين تُلقي القبض على لصٍّ أدَّى مهمته ببراعة.»

«أخشى يا سيد داكر أنك تنسب إليَّ سخاءً لا أجرؤ على ادعاء وجوده لديَّ؛ فالمجرم خطر على المجتمع.»

«صحيح، صحيح، أنت على صواب يا سيد فالمونت، ومع ذلك عليك الاعتراف بأن ثمة قضايا تمسُّ مشاعرك. على سبيل المثال: رجلٌ شريف بطبيعته، وفي حاجةٍ ماسَّة، وأمام فرصةٍ مفاجئة؛ إنه يأخذ مما يوجد بوفرة لدى شخصٍ آخر، بينما هو لا يملك منه شيئًّا. ماذا عن هذا يا سيد فالمونت؟ هل يذهب هذا الرجل إلى الجحيم بسبب ضعفٍ انتابه في لحظة؟»

أذهلتني كلماته؛ هل كنتُ على وشك سماع اعتراف منه؟ لقد وصل الأمر إلى هذا الحدِّ بالفعل.

قلتُ له: «يا سيد داكر، أنا لا يمكنُني الخوض في التفاصيل الدقيقة التي تتحدَّث عنها؛ فواجبي هو العثور على المجرم!»

«مرةً أخرى أعترف بأنك على حقٍّ يا سيد فالمونت، وأنا منبهر بوجود مثل هذا العقل الراجح على أكتافٍ فرنسية. وعلى الرغم من أنك وافدٌ أحدث مني، إن جاز لي القول، فإنك تفوهت بالفعل بأفكارٍ عاطفية تعظِّم من شأن إنجلترا. إن واجبك ملاحقة المجرم؛ حسنًا إذن، يمكنني مساعدتك في هذا؛ ولهذا طلبتُ حضورك هنا هذا الصباح. دعني أملأ كأسك مرةً أخرى يا سيد فالمونت.»

«لا يا سيد داكر، لا مزيد من فضلك.»

«ماذا! أتعتقد أن مشتري السلع المسروقة مذنبٌ شأنه شأن السارق؟»

اندهشتُ من تعليقه وأعتقد أن وجهي بدا عليه ما شعرتُ به من ذهول. لكن لم يكن من هذا الشاب إلا أن ضحك بمتعةٍ بالغةٍ واضحة، وسكب قليلًا من الخمر في كأسه، وشربه بسرعة. ولأني لم أكن أعرف ماذا أقول، غيرتُ مجرى الحوار الحالي.

«قال السيد جيبز إنك تفضلتَ وأوصيتَه أن يستعين بي. هل لي أن أسأل كيف سمعت عني؟»

«آه! مَن الذي لم يسمع عن السيد فالمونت الشهير؟» وحين قال هذا تبادر إلى ذهني لأول مرة شكٌّ بأنه يسخر مني، وهو أمر لا يمكنني احتماله. في الواقع، لو أن هذا السيد قد مارس هذا التصرف الهمجي في بلدي، لوجد نفسه في مبارزة قبل أن يبتعد خطوةً واحدة. إلا أن صوته استعاد على الفور سحره الأصلي، فاستمعتُ إليه كما لو أني أستمع إلى لحنٍ ممتع.

«إن مجرد ذِكري لابنة عمي، السيدة جلاديس داكر، سيجعلك على الفور تدرك لِمَ أوصيتُ بك لصديقي؛ فقضية السيدة جلاديس، كما تذكر، كانت تحتاج إلى لمسةٍ رقيقة لا تتوافر عادةً على أرضٍ مثل إنجلترا، إلا حين يشرِّفنا الذين يمتلكون هذه الموهبة ويأتون ليعيشوا معنا.»

لاحظتُ أن كأسي مُلئت مرةً أخرى، فانحنيتُ تقديرًا مني لمجاملته اللطيفة، وأمتعتُ نفسي برشفة أخرى من هذا النبيذ اللذيذ، ثم تنهدتُ؛ إذ بدأتُ أُدرك أنه سيكون من الصعب عليَّ، على الرغم من تنصُّلي، أن أُخبِر صديق هذا الرجل أنه هو مَن سرق المال. طوال هذا الوقت كان يجلس على طرف الطاولة، بينما كنت أجلس أنا على مقعد في نهايتها، كان يجلس هناك بعدم اكتراث، ويؤرجح إحدى قَدمَيه ذهابًا وإيابًا، والآن قفز واقفًا على الأرض، وجذب إليه مقعدًا، ووضع على الطاولة قطعة ورق فارغة، ثم أخذ من رفِّ الموقد رزمةً من الخطابات، واندهشتُ لرؤية أنها مربوطة معًا بقطعتين من الورق المقوَّى ورباطٍ مطاطيٍّ مَرنٍ، يشبه تمامًا الحزمة التي احتوت على الصكوك البنكية المطوية. أزاح الرباط المطاطي بفتورٍ بالغ، وألقاه بعيدًا هو وقطعتَي الورق المقوَّى على الطاولة أمامي، واحتفظ بالوثائق مفكوكةً في يده.

صاح بسعادة: «والآن يا سيد فالمونت، لقد انشغلتَ لأيامٍ كثيرة بهذه القضية؛ قضية صديقي العزيز بنثام جيبز، وهو واحد من أفضل الأصدقاء في العالم.»

«لقد قال الشيء نفسه عنك يا سيد داكر.»

«يسعدني سماع هذا، أتمانع أن تخبرني بالنقطة التي قادك بحثك إليها؟»

«لقد قادني في اتجاهٍ معيَّن، وليس إلى نقطةٍ معينة.»

«آه! في اتجاه رجلٍ معين بالطبع؟»

«بالتأكيد.»

«مَن هو؟»

«هلَّا عذرتني إن رفضتُ الإجابة عن هذا السؤال في الوقت الحالي؟»

«هذا يعني أنك لستَ متأكدًا.»

«هذا يعني يا سيد داكر، أن السيد جيبز هو الذي عيَّنني، وليست لدي حرية الإفصاح عما توصلتُ إليه من نتائج دون إذن منه.»

«لكني أنا والسيد بنثام جيبز في الجانب نفسه في هذه المسألة. فعلى الأرجح أنت تعلم أني كنتُ الوحيد، بخلافك، الذي ناقش معه القضية.»

«لا شك أن هذا صحيح، مع ذلك يا سيد داكر، عليك أن تقدِّر صعوبة موقفي.»

«أجل، أنا أقدِّر ذلك، ولن أضغط عليك أكثر من هذا. لكنني أنا أيضًا درستُ المشكلة بطريقةٍ هاويةٍ محضة، بالطبع. وربما لن تمانع في معرفة ما إذا كانت استنتاجاتي تتوافق مع استنتاجاتك أم لا.»

«على الإطلاق. فستُسعدني للغاية معرفة النتيجة التي توصلتَ إليها. أيمكنني سؤالك عما إذا كنت تشكُّ في شخصٍ ما على وجه الخصوص؟»

«أجل، أشكُّ.»

«أيمكنك إخباري باسمِه؟»

«لا، فسأُقلِّدك فيما أظهرتَه من تحفُّظٍ محمودٍ، والآن دعنا نسْبُر غَوْر هذا اللغز بأسلوبٍ عقلاني وعملي. لقد فحصتَ الغرفة بنفسك بالفعل؛ حسنًا، هذا رسمٌ تخطيطيٌّ تقريبي لها. هذه هي الطاولة، وفي هذه الزاوية كان المقعد الذي أُلقي عليه المعطف، وهنا جلس جيبز على رأس الطاولة. الذين جلسوا في جهة اليسار كانت ظهورهم مواجهة للمقعد. وأنا، نظرًا لجلوسي في المنتصف على الجهة اليمنى، رأيتُ المقعد والمعطف والصكوك، ولفتُّ الانتباه إليها. والآن مهمتنا الأولى هي العثور على دافع. لو كانت جريمة قتل، ربما كان الدافع الكره أو الانتقام أو السرقة، كما تشاء، لكن بما أنها ببساطة جريمة سرقة أموال، فلا بد أن الرجل إما أن يكون لصًّا بالفطرة أو أنه شخصٌ بريء طوال عمره دفَعَتْه حاجته الماسة إلى ارتكاب الجريمة. هل تتفق معي يا سيد فالمونت؟»

«تمامًا، أنت تتبع أسلوب تفكيري بالضبط.»

«حسنًا إذن، من غير المحتَمل أن يوجد لصٌّ بالفطرة ضمن ضيوف السيد جيبز؛ ومن ثم نختزل جهودنا في البحث عن رجلٍ تحت وطأة حاجةٍ شديدة؛ رجل لا يملك مالًا خاصًّا به ولكنه مُجبَر على تدبير مبلغٍ معيَّنٍ من المال، لنقُلْ، بحلول تاريخٍ معيَّن. إن استطعنا العثور على هذا الرجل ضمن هذه المجموعة من الأشخاص، ألا تتفق معي أنه سيكون السارق على الأرجح؟»

«أجل، بالطبع.»

«إذن دعنا نبدأ عملية الاستبعاد؛ أولًا نستبعد فيكونت ستيرن؛ فهو شخصٌ محظوظ يمتلك ٢٠ ألف فدان من الأراضي، والرب وحده يعلم ما تدرُّه هذه الأراضي من دخل. وأستبعد أيضًا اسم اللورد تمبلمير؛ فهو أحد قضاة جلالة الملك، وهو فوق مستوى الشبهات بالكامل. بعد ذلك، يأتي السير جون سانكلير، وهو غنيٌّ أيضًا، لكن يظل فنسنت إينيس أغنى منه؛ لذا نشطب بالقلم اسميهما. والآن نصل إلى أنجوس ماكيلر وهو مؤلِّف على قدر من الشهرة، كما تعرف، ويحصل على دخلٍ جيدٍ من كتبه، ودخلٍ أفضل من مسرحياته، فهو إسكتلندي بارع؛ لذا علينا محو اسمه من ورقتنا وذاكرتنا. إلى أي مدًى تتفق قائمة استبعادي مع تلك التي صنعتَها بنفسك يا سيد فالمونت؟»

«تتفق معها تمامًا يا سيد داكر.»

«أشعر بالإطراء لسماع هذا. يظلُّ لدينا اسمٌ واحد لم نتطرق إليه، وهو السيد ليونيل داكر، المنحدر، كما قلتُ، من سلالة لصوص.»

«أنا لم أقل هذا يا سيد داكر.»

«آه! يا عزيزي فالمونت، تَظهر الدماثةُ التي تُميِّز دولتك جلية في أسلوب تعاملك. علينا ألا نخدع أنفسنا، بل نتبع تحقيقنا أينما قادنا. أنا أشك في ليونيل داكر. ماذا تعرف عن ظروفه قبل عشاء يوم الثالث والعشرين؟»

حين لم أردَّ على كلامه نظر إليَّ بوجهه الصبياني الصريح الذي تعلوه وتُضيئه ابتسامةٌ أخَّاذة.

سألني: «ألا تعرف شيئًا عن ظروفه؟»

«يُحزنني القول إنني أعرف؛ فالسيد ليونيل داكر كان مُفلِسًا في ليلة العشاء.»

صاح داكر بإيماءة اعتراض مثيرة للشفقة: «لا، لا تبالغ يا سيد فالمونت؛ فقد كان يحمل في جيبه نصف شلن، وبنسين، ونصف بنس. فكيف تقول عنه إنه كان مفلسًا؟»

«أنا أعرف أنه طلب صندوق شمبانيا من الممثل الإنجليزي لشركة كاميلوت فريرز، ورُفض طلبه إلا إذا سدَّد المال.»

«صحيح بالفعل، ثم حين كنتَ تتحدث مع هوبر رأيتَ تسليم صندوق الشمبانيا. ممتاز! ممتاز! يا سيد فالمونت. لكن فكِّر في الأمر، هل يسرق الرجل حتى وإن كان من أجل الحصول على مثل هذا النبيذ ذي الطعم الطيب الذي تذوَّقناه للتوِّ؟ وبالمناسبة، اغفر لي إهمالي، واسمح لي بملء كأسك مرةً أخرى يا سيد فالمونت.»

«ولا قطرةً واحدةً أخرى، من فضلك يا سيد داكر.»

«آه، أجل، يجب عدم الخلط بين الشمبانيا والأدلَّة، ربما حين ننتهي. ما الدليل الآخر الذي اكتشفتَه يا سيدي؟»

«لديَّ دليل على أن السيد داكر كان مهدَّدًا بالإفلاس، إن لم يدفع، في يوم الرابع والعشرين، فاتورة بقيمة ٧٨ جنيهًا كانت مستحَقَّة عليه منذ فترةٍ طويلة؛ وعندي دليل على سدادها، ليس في يوم الرابع والعشرين، بل في يوم السادس والعشرين؛ فقد ذهب السيد داكر إلى الممثل القضائي وطمأنه بأنه سيُسدِّد المال في هذا الموعد، وعليه مُنح مهلة لمدة يومَين.»

«آه، حسنًا، لقد كان من حقه ثلاثة أيام، كما ينصُّ القانون، كما تعرف. أجل يا سيد فالمونت، هذه بالضبط النقطة الحاسمة؛ فالتهديد بالإفلاس سيدفع رجلًا في وضع داكر إلى ارتكاب أي جريمة على الإطلاق؛ فإفلاس المحامي يعني دماره؛ إذ يعني ذهاب حياته المهنية أدراج الرياح، ويعني انتهاء حياته، مع وجود فرصةٍ ضئيلة لبعثه من جديد. أرى أنك تدرك الأهمية البالغة لهذا الدليل؛ فصندوق الشمبانيا لا يمثل شيئًا مقارنةً بهذا الدليل، وهذا يُذكِّرني في ظل هذه الأزمة التي نحن بصددها أن آخذ رشفةً أخرى، بعد إذنك. أمُتأكِّد من أنك لا تريد مشاركتي الشراب؟»

«ليس في هذه اللحظة الحاسمة يا سيد داكر.»

«أنا أحسدك على هدوء أعصابك. هذا نخب نجاح بحثنا يا سيد فالمونت.»

شعرتُ بالسوء حيال هذا الشاب المرح؛ إذ كان يشرب الشمبانيا بوجه مبتسم.

واصل حديثه قائلًا: «والآن يا سيدي، يُذهِلني مدى ما اكتشفته؛ ففي الواقع أنا أعتقد أن التجار والمحامين وأمثالهم عليهم الانتباه جيدًا لما يقولون أكثر مما يحدث الآن. ومع ذلك، فإن هذه المستندات الموجودة في حوزتي، التي توقَّعتُ أن تفاجئك، هي مجرد خطابات وإيصالات. هذه هي المراسلات الآتية من الممثل القضائي التي يهددني فيها بالإفلاس، وهذا هو إيصاله بتاريخ السادس والعشرين، وهذا إخطار الرفض من بائع النبيذ، وهذا إيصال تَسلُّمِه المال. وهذه فواتير بمبالغ أصغر سُدِّدَت. سأجمعها جميعًا وأكتب قيمتها بقلمي الرصاص. ٧٨ جنيهًا، الدَّين الرئيسي، المبلغ الضخم. والآن نضيف المبالغ الصغرى، فيَصلُ الإجمالي إلى ٩٣ جنيهًا، و٧ شلنات وأربعة بنسات. والآن لنفحص حافظة نقودي. هذا صكٌّ بخمسة جنيهات، وهذه عُملةٌ ذهبية. والآن سأعدُّ الأشياء وأضع على الطاولة ١٢ بنسًا ونصف شلن فضي وبنسَين نحاسيَّين؛ ومن ثم تصبح المحفظة فارغة. دعنا نُضِف العملات الفضية والنحاسية إلى المبلغ الورقي، هل تخدعني عيناي أم أن المجموع مائة جنيه بالفعل؟ هكذا حسبنا المبلغ بالكامل.»

قلتُ له: «اعذرني يا سيد داكر، لكني لاحظتُ عملةً ذهبية على رفِّ الموقد.»

أرجع داكر رأسه إلى الخلف وانفجر في ضحكٍ شديد أكثر مما عهدته عليه في خلال فترة تعرُّفنا الوجيزة.

صاح: «يا إلهي! لقد نلتَ مني؛ فقد نسيتُ تمامًا بشأن هذا الجنيه على رفِّ الموقد، الجنيه الذي يعود إليك.»

«إليَّ؟ مستحيل!»

«إنه بالفعل، ولا يتعارض أبدًا مع حساباتنا التي وصلتْ إلى مائة جنيه؛ فهو الجنيه الذي أعطيتَه لمساعدي هوبر، الذي بسبب علْمه بما أمرُّ به من ضائقةٍ مالية، أخذه وقدَّمه إليَّ على استحياء حتى أستمتع بإنفاقه. ينتمي هوبر إلى عائلتنا، أو تنتمي عائلتنا إليه، أنا لم أعرف قط أيهما الصحيح. من المؤكد أنك لم تجد فيه سلوك اللامبالاة الذي يتسم به الخدم في باريس، ومع ذلك فهو من الذهب الخالص، تمامًا مثل العملة الذهبية التي أعطيتَها له، والتي أعطاها لي بدوره. والآن يا سيدي، إليك الدليل على السرقة، مع الرباط المطاطي وقطعتَي الورق المقوى. اطلب من صديقي جيبز أن يفحصها بدقَّة؛ فهي كلها تحت تصرُّفك. وهكذا يا سيدي تعرف أن التعامل مع السيد أسهل بكثير من التعامل مع الخادم. فكل ما تملكه من ذهبٍ لم يكن لينتزع من العجوز هوبر هذه الوثائق التي تُثبت التهمة. لقد اضطُررتُ إلى إرساله بعيدًا إلى منطقة ويست إند منذ ساعة خوفًا من احتمال تعرُّضك للإهانة على يديه بسبب أسلوبه البريطاني الوحشي، إن تنامت إلى علمه فكرةٌ عن مهمتك.»

قلتُ ببطء: «يا سيد داكر، لقد أقنعتني بالكامل …»

قاطعَني قائلًا وهو يضحك: «هذا ما ظننتُه.»

«بأنك بالفعل … لم تأخذ المال.»

«ماذا! هذا بالفعل تغيير غير مُتوقَّع؛ فقد تعرَّض كثير من الرجال للإعدام شنقًا بسبب سلسلة من القرائن أضعف بكثير من التي قدمتُها لك. ألا ترى مدى وضوح جريمتي؟ فتسعة وتسعون رجلًا من أصل مائة سيقولون: «لا يوجد رجلٌ أحمق يجعل فالمونت يلاحقه، ثم يضع في يديه مثل هذه الأدلة الدامغة.» لكن هنا تبرُز براعتي؛ فبالطبع، العقبة التي عليك مواجهتها ستكون عدم تصديق جيبز؛ فأول سؤال سيطرحه عليك: «لماذا لم يأتِ داكر إليَّ ويقترض مني المال؟» وهنا ستجد نقطة ضعف في سلسلة أدلتك؛ فقد علمتُ جيدًا بأن جيبز لن يمانع في إقراضي المال، وهو يعلم جيدًا أنني إن وقعتُ في ضائقة سألجأ إليه.»

قلتُ: «يا سيد داكر، لقد كنتَ تتلاعب معي، وأنا أكره هذا في معظم الرجال، لكن سواءٌ أكان هذا بسبب أسلوبك الودود أم تحت تأثير هذه الشمبانيا الممتازة، أو كليهما، فأنا أسامحك. لكنني مقتنع بشيءٍ آخر، وهو أنك تعرف مَن أخذ المال.»

«أنا لا أعرف، ولكنني أشكُّ.»

«أيمكنك إخباري بمن تشكُّ؟»

«هذا لن يكون عدلًا، لكني سأنتهز الفرصة الآن وأملأ كأسك بالشمبانيا.»

«أنا ضيفك يا سيد داكر.»

ردَّ قائلًا، وهو يسكب النبيذ: «إجابةٌ رائعة يا سيدي، وأنا الآن سأقدِّم لك مفتاحًا لحلِّ اللغز. حاول معرفة كل شيء عن قصة الملاعق الفضية.»

«قصة الملاعق الفضية؟ أي ملاعق فضية؟»

«آه! هذه هي الفكرة. اخرج من مبنى تمبل إلى شارع فليت وأمسِك أول رجل تقابله من كتفيه، واطلب منه أن يخبرك عن الملاعق الفضية؛ فالقصة لا تدور إلا حول رجلَين وملعقتَين فقط. عندما تعرف مَن هذَين الرجلَين، ستعرف أيهما لم يأخذ المال، وأنا أؤكد لك أن الآخر هو الذي أخذه.»

«أنت تتحدث بالألغاز يا سيد داكر.»

«بالتأكيد؛ فأنا أتحدَّث إلى السيد يوجين فالمونت.»

«سأردِّد مقولتك يا سيدي: إجابةٌ رائعة. لقد وضعتني في موضع أُثبِت فيه مهارتي، وأنا أفخر بنفسي لقدرتي على رؤية لفتتك الطيبة. فأنت تريدني أن أحلَّ لغز هذا المال المسروق. أنت تمنحني الشرف يا سيدي، وأنا أشرب نخب صحتك.»

قال ليونيل داكر: «في صحتك يا سيدي»، وشربْنا ثم افترقنا.

بعد أن تركتُ السيد داكر ركبتُ عربةً تجرها الخيول إلى مقهًى في شارع ريجنيت، يمثل محاكاةً مقبولة للأماكن المشابهة لبيع المشروبات في باريس. وهناك طلبتُ كوبًا من القهوة السادة، وجلستُ أفكِّر. دليل الملاعق الفضية! لقد اقترح عليَّ ضاحكًا أن أمسك بكتفَي أول رجل أقابله، وأسأله عن قصة الملاعق الفضية. بطبيعة الحال وجدتُ هذه التصرفات سخيفة، ولا شك أنه قصد منها أن تبدو سخيفة. ومع ذلك، كانت تحمل معلومة؛ فلا بد لي أن أطلب من شخصٍ ما؛ الشخص المناسب، أن يخبرني بقصة الملاعق الفضية.

وتحت تأثير القهوة السادة فكرتُ في الأمر على هذا النحو. في ليلة الثالث والعشرين واحد من الضيوف الستة الذين كانوا موجودين سرق مائة جنيه، لكن داكر قال إن أحد المشاركين في قصة الملاعق الفضية هو اللص الحقيقي. إذن، لا بد أن هذا الشخص كان أحد ضيوف السيد جيبز في عشاء ليلة الثالث والعشرين. وعلى الأرجح كان ضيفًا من الضيوف المشاركين الرئيسيين في كوميديا الملاعق الفضية، لكن مهما يكن، فإن من المنطقي أن يكون واحد على الأقل من الرجال الجالسين إلى طاولة السيد جيبز على علم بقصة الملاعق الفضية. وربما كان بنثام جيبز نفسه على علم بها. ومن ثم، تمثلت الخطة الأسهل في سؤال كل واحد من الرجال الذين شاركوا في حفل العشاء هذا. ومع ذلك، فإن كان شخصٌ واحد فقط على علم بقضية الملاعق، فلا بد أن تكون لديه فكرة عن أن هذه الملاعق تمثِّل دليلًا يربطه بجريمة يوم الثالث والعشرين، وفي هذه الحالة يقلُّ احتمال إفصاحه عما يعرفه لشخصٍ غريب تمامًا.

بالطبع يمكنني الذهاب إلى داكر نفسه وسؤاله عن قصة الملاعق الفضية، لكن سيكون هذا بمنزلة اعتراف مني بإخفاقي في تأدية واجبي، ولقد رهبتُ ضحكة ليونيل داكر الحماسية كثيرًا حين اعترفت بأن هذا اللغز يفوق قدراتي. بالإضافة إلى هذا، أنا أدرك جيدًا نوايا هذا الشاب الطيبة تجاهي؛ فهو يريدني أن أحلَّ لغز هذه القضية بنفسي؛ ولذلك عزمتُ على عدم الذهاب إليه إلا كحلٍّ أخير.

قررتُ أن أبدأ بالسيد جيبز، فأنهيتُ قهوتي، ثم ركبتُ عربةً أخرى تجرُّها الخيول، وعدتُ بها إلى مبنى تمبل. وجدتُ السيد جيبز في مكتبه، وبعدما ألقى عليَّ التحية، كان أول ما سألني عنه هو القضية.

فسألني: «إلى أين وصلت؟»

رددتُ قائلًا: «أعتقد أن الأمور تسير على ما يرام، وأتوقَّع الانتهاء من حلِّها في غضون يوم أو يومَين، هذا إن تفضلتَ وأخبرتني بقصة الملاعق الفضية.»

كرر كلامي قائلًا: «الملاعق الفضية؟» وبدا عليه جليًّا أنه لم يفهمني.

«لقد وقعت حادثة اشترك فيها رجلان، وارتبطت هذه الحادثة بملعقتين فضيتين. أريد معرفة تفاصيل هذه الواقعة. رد السيد جيبز قائلًا: «ليس لديَّ أدنى فكرة عما تتحدث»، وبدت عليه الحيرة البالغة. «أخشى أنه عليك أن تكون أكثر تحديدًا إن أردتَ الحصول على مساعدتي.»

«لا أستطيع أن أكون أكثر تحديدًا، لأني بالفعل أخبرتك بكل ما أعرف.»

«ما علاقة كل هذا بقضيتنا؟»

«لقد أخبرني أحدهم أنني إن عرفت دليل الملاعق الفضية فلديَّ فرصة طيبة لحل قضيتنا.»

«مَن أخبرك؟»

«السيد ليونيل داكر.»

«آه، هل أشار داكر إلى لعبة الخفة التي يمارسها؟»

«لا أدري حقيقةً، ماذا كانت لعبة الخفة هذه؟»

«إنها حيلة ذكية للغاية مارسها في إحدى الليالي على العشاء هنا منذ نحو شهرين.»

«هل كان لها أية علاقة بملاعق فضية؟»

«حسنًا، لقد كانت ملاعقَ فضيةً أو شوكاتٍ فضية، أو شيئًا من هذا القبيل. لقد نسيتُ الواقعة بالكامل، لكن بحسب ما أذكر في هذا الوقت كان ثمة رجلٌ ذو خبرةٍ كبيرة في ألعاب خفة اليد موجودًا في واحدة من قاعات الموسيقى، ودار حوارنا حوله. عندها قال داكر إن الحيل التي يمارسها الرجل سهلة للغاية، وأمسك بملعقة أو شوكة، لا أذكر أيهما، واستعرض قدرته على جعلها تختفي أمام أعيننا، لنعثر عليها فيما بعدُ في ملابس شخصٍ ما كان موجودًا. بادر كثيرون بالمراهنة على أنه لن يستطيع فعل شيء من هذا القبيل، لكنه قال إنه لن يراهن مع أي شخص إلا إينيس، الذي كان يجلس أمامه. قَبِل إينيس الرهان ببعض التردد، وعندها فتح داكر يديه الفارغتين، في استعراضٍ كبير باستخدام حركات المشعوذ المعتادة، وقال إننا سنعثر على الملعقة في جيب إينيس، ووجدناها هناك بالفعل. بدت حيلةً مناسبةً من خفة اليد، لكننا لم نتمكن من جعله يكررها قط.»

«شكرًا جزيلًا يا سيد جيبز، أعتقد أني أرى بصيص أمل الآن.»

صاح السيد بنثام جيبز بينما كنت أهمُّ بالرحيل: «إذا نجحتَ في ذلك فأنت أذكى مني بكثير.»

ذهبتُ مباشرة إلى الأسفل وقرعتُ باب السيد داكر مرةً أخرى. فتح الباب بنفسه؛ فلم يكن مساعده قد عاد بعدُ.

صاح قائلًا: «آه يا سيدي هل عدتَ بالفعل؟ لا تقل لي إنك وصلتَ بهذه السرعة إلى حل لغز الملعقة الفضية.»

«أعتقد أني فعلتُ يا سيد داكر. لقد كنتَ تجلس في العشاء أمام السيد فنسنت إينيس، ورأيتَه يخفي ملعقة فضية في جيبه، فعلى الأرجح انتظرت بعض الوقت لتفهم ماذا كان يقصد من فعلته هذه، وبما أنه لم يُعِدِ الملعقة إلى مكانها، اقترحتَ إجراء حيلةٍ سحرية، وراهنتَ معه، ومن ثم أعدتَ الملعقة إلى الطاولة.»

«ممتاز! ممتاز يا سيدي! هذا أقرب ما يكون إلى ما حدث، باستثناء أني تصرفتُ على الفور؛ فإن لي تجاربَ سابقةً مع السيد فنسنت إينيس؛ فلم يكن يدخل مكتبي هذا دون أن أجد شيئًا بسيطًا مفقودًا بعد ذهابه. فخلافًا للسيد إينيس شديد الثراء، فأنا لا أمتلك كثيرًا من المقتنيات؛ لذلك حين يُؤخَذ مني أي شيء، لا أجد صعوبةً بالغة في معرفة ما فقدتُه. بالطبع لم أذكر أيًّا من هذه السرقات له؛ فقد كانت كلها أشياء لا قيمة لها، كما قلتُ، وبالنسبة للملعقة الفضية فلم تكن ذات قيمة كبيرة أيضًا. لكني فكرتُ في أن الرهان واستعادة الملعقة سيُعلِّمه درسًا، لكن يبدو أن هذا لم يحدث؛ ففي ليلة الثالث والعشرين جلس عن يميني، كما سترى إن عُدتَ إلى رسمك التخطيطي للطاولة والضيوف. طرحتُ عليه سؤالًا مرتَين، لكنه لم يُجِبني، وحين نظرتُ إليه ذُهلت من التعبير الذي وجدته في عينَيه. كانتا تحدِّقان في زاويةٍ بعيدة في الغرفة، وحين تتبعتُ نظراته رأيت ما كان ينظر إليه بهذا التركيز الشارد. فكان مستغرقًا للغاية في تأمُّله للجيب المفتوح، والذي توجَّه إليه اهتمامي الآن، بحيث لم يكن مدركًا على الإطلاق لما يحدث حوله. انتزعته من غفلته عن طريق لَفْت انتباه جيبز بأسلوبٍ مرح إلى ظهور أمواله. افترضتُ أني بهذه الطريقة أُنقذ إينيس من ارتكاب الفعل الذي من الواضح أنه ارتكبه. لك أن تتخيل عندها المأزق الذي وقعتُ فيه حين أخبرني جيبز في صباح اليوم التالي بما حدث في الليلة الماضية؛ فقد كنتُ متأكدًا من أن إينيس أخذ المال، ومع ذلك لم أكن أملك أي دليل على هذا. لم أستطعْ إخبار جيبز، ولم أجرؤ على التحدث مع إينيس. وبالطبع يا سيدي لا حاجة لي بإخبارك أن إينيس ليس لصًّا بالمفهوم الشائع للكلمة؛ فهو لا يحتاج إلى أن يسرق، ومع ذلك يبدو أنه لا يسعه مقاومة فعل هذا. أنا متأكد من عدم بذل أي محاولة لصرف الصكوك، ومتأكد من أنها توجد في مكانٍ آمِنٍ في منزله بكينجستون؛ فهو في الواقع مصابٌ بهوَس السرقة، أو هوسٍ من نوعٍ ما. والآن يا سيدي، هل كان لإشارتي إلى الملاعق الفضية أي قيمة في حلِّك للقضية؟»

«كانت لها أكبر قيمة يا سيد داكر.»

«إذن دعني أقترح عليك اقتراحًا آخر. أنا أترك الأمر بالكامل لشجاعتك، تلك الشجاعة التي أعترف بافتقاري إليها. هل يمكنك أن تأخذ عربةً أخرى وتذهب إلى منزل السيد إينيس في طريق كرومويل، وتُواجهه بالأمر بهدوء وتطلب منه إعادة رزمة الصكوك؟ أنا متشوِّق لمعرفة ماذا سيحدث. فإن أعاد إليك الصكوك، كما أتوقَّع أن يفعل، فعليك إذن إخبار السيد جيبز بالقصة كاملة.»

«سأنفِّذ اقتراحك على الفور يا سيد داكر، وأشكرك على ثنائك على شجاعتي.»

وجدتُ السيد إينيس يعيش في منزلٍ فخم للغاية، وبعد بعض الوقت دخل إلى غرفة المكتب في الطابق الأرضي، التي كنتُ قد جلستُ فيها. أَمسكَ بطاقتي في يده، ونظر إليها في دهشة.

قال بأدبٍ بالغ: «أعتقد أني لم أحظَ بشرف التعرُّف إليك يا سيد فالمونت.»

«لا، فقد جئتُ لزيارتك اليوم في عملٍ ما. لقد عملتُ لفترة محققًا في الحكومة الفرنسية، والآن أنا أعمل محققًا خاصًّا هنا في لندن.»

«آه! وكيف لهذا أن يكون له علاقة بي؟ أنا لا أريد التحقيق في أي شيء، وأنا لم أُرسل في طلبك، أليس كذلك؟»

«نعم يا سيد إينيس. لقد جرؤت على زيارتك حتى أطلب منك أن تَدَعَني أحصل على الرزمة التي أخذتها من جيب معطف السيد بنثام جيبز في ليلة الثالث والعشرين.»

«هو يريد استعادتها، أليس كذلك؟»

«أجل.»

سار السيد إينيس بهدوءٍ نحو مكتب، ثم فتحه كاشفًا عن متحف بمعنى الكلمة من التحف المختلفة الأشكال. فتح درجًا صغيرًا وأخذ منه رزمة تحتوي على خمسة صكوك قيمة الواحد منها عشرون جنيهًا. ومن الواضح أنها لم تُفتَح من قبلُ، وأعطاها لي وهو يبتسم.

«أبلغ اعتذاري للسيد جيبز لعدم إعادتها في وقتٍ سابق. أخبره أني انشغلتُ على غير العادة في الفترة الأخيرة.»

قلتُ له، وأنا أنحني لتحيته: «لن يفوتني فعل هذا.»

«شكرًا جزيلًا، طاب صباحك يا سيد فالمونت.»

«طاب صباحك يا سيد إينيس.»

وهكذا أعدتُ الرزمة للسيد بنثام جيبز، الذي أخرج الصكوك من بين غلافها من الورق المقوى، وتوسَّل إليَّ لأقبلها منه.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.