• ملك القطن

    «مصيبة … واللهِ، أكبر مصيبة! مطلوب مني النهاردة ٢٥٠ جنيه، والقطنية كلها مش محصَّلة ٢٠٠. أروح فين وآجي منين ياخْواتي؟»

    في كلِّ عامٍ يَنشبُ الخِلافُ بينَ «قمحاوي» المُزارِعِ البسيط و«السنباطي» مالِكِ الأرضِ حولَ تحديدِ قيمةِ المَحْصول؛ حيثُ يَرى «قمحاوي» أنَّ «السنباطي» يَبْخسُه حقَّه ويَستغِلُّه أسوأَ اسْتِغلال. وعلى الرغمِ من تَكْرارِ هذا الخِلافِ كلَّ عام، فإنَّه ليسَ أمامَ «قمحاوي» إزاءَ ظروفِه الماليةِ إلا أنْ يَستجيبَ لِمَا قرَّرَه «السنباطي». وكعادةِ «قمحاوي»، يُقسِمُ كلَّ عامٍ على أنَّه لن يَقْبلَ بهذهِ القِسْمةِ الظالِمةِ مرَّةً أُخْرى، وأنَّه في المرةِ القادمةِ سيَثُورُ على هذا الظُّلْم. فهل سيَفعلُ ذلك؟ ربما نَعَمْ؛ فما دام متمسِّكًا بالأمل، فالثورةُ ستَبْقى بداخلِه يأجِّجُ نِيرانَها الظُّلْمُ الذي يتعرَّضُ لَه، وتتقوَّتُ ببأْسِهِ لتَقْهرَ يَأْسَه.

  • نيويورك ٨٠

    «مَتَى يا إلَهي تُعْطِي بَعضَ الرِّجالِ شَجاعَةَ بَعْضِ البَغايا؟»

    الفَضِيلَةُ والرَّذِيلةُ أَمْرانِ نِسْبيَّانِ لَدَى كلٍّ مِنَّا، وَلَدَى الكَثيرِ مِنَّا مَبادِئُهُم التِي يَنْطلِقُونَ مِنها فَيَصْبِغُ أحَدُهُم أَمرًا ما بصِفَةِ الفَضيلَةِ بَينَما يُنْكِرُها عَلَيْه شَخصٌ آخَر. وفِي القِصَّةِ الأُولَى مِن هَذا الكِتابِ «نيويورك ٨٠» يَأْخُذُنا يوسف إدريس إِلى حِوارٍ بَينَ الدُّكتُورةِ العاهِرةِ والرَّجُلِ المُثَقَّف؛ حَيثُ تَتأَرجَحُ الحُجَجُ حَولَ مَشْرُوعِيَّةِ العِهْر، فبَينَما تُحاوِلُ الدُّكتُورَةُ أنْ تُؤَكِّدَ أنَّ العِهْرَ بَيعٌ للجَسَدِ لِلَيلَةٍ واحِدَةٍ كَمَا أنَّ الزَّواجَ هُوَ بَيْعٌ للجَسَدِ مَرةً واحِدَةً لِكُلِّ يَوْم، يُحاوِلُ المُثَقَّفُ أنْ يُنكِرَ عَلَيها أَفْكارَها مُؤَكِّدًا أنَّ العِهْرَ هُوَ فِي ذاتِهِ جَرِيمَة؛ فمَنْ يَنتَصِر؟ وفِي قِصَّتِه الثَّانِيةِ «فيينا ٦٠» يَرسُمُ الأَديبُ العَلاقَةَ بَينَ الشَّرقِ والغَربِ مِن مَنْظورٍ أَدَبيٍّ فَيُصَوِّرُها تَتأَرجَحُ بَينَ الرَّفضِ والقَبُول، فَكلُّ أَدِيبٍ يَرسُمُ الشَّرقَ الذِي يَعِيشُهُ والغَربَ الذِي يَرَاه. فيَكتُبُ عَنْ «هُوَ» الشَّرْقيِّ الَّذِي يَرغَبُ في مُمارَسةِ الجِنسِ معَ «هِيَ» الغَربِيَّة؛ غَيرَ أنَّه لا يَستَطِيعُ أَنْ يُتِمَّ العَلاقَةَ مَعَها إلَّا حِينَما يَتَصوَّرُها زَوْجَتَهُ الشَّرقِيَّة، وَكَذلكَ فَعلَتْ هِي.

  • حادثة شرف

    «مَا فائِدَةُ البَنادِقِ والرَّصاص؟! أَلِكَي تُخضِعَ هَؤلاءِ الناسَ بِقَتلِ بَعضِهم؟! ومَا فَائدَةُ القَتلِ فِي قَومٍ يُحيُونَ قَتلاهُمْ ومَوتاهُم؟! فِي قَومٍ يَخلُقُونَ مِنَ المَيِّتِ الواحِدِ مِئاتِ الأَحيَاء، ويَخلُقُونَ لِكلِّ حَيٍّ بَعدَ هَذا آلافَ الأَولَاد؟!»

    هَلْ يُمكِنُ لحادِثةٍ بَسِيطةٍ أَن تُغيِّرَ مَجرَى حَياتِها وحَياةِ مَن حَولَها؟! ولِمَ لا؟! لا سِيَّما أنَّها «حَادِثة شرَف»! فِي قَريَةٍ رِيفِيَّةٍ بَسِيطةٍ تَعِيشُ فَاطِمةُ، أَجمَلُ بَناتِ القَريَةِ وأَرَقُّهنَّ، حَياتَها مُطمَئِنَّةً هَادِئة، ولكِنَّ جَمَالَها الذِي رَفَعَها إِلى هذه المَرتَبة، هُو نَفسُهُ الذِي جَعلَ مِنهَا مَحَلَّ حِقدِ كُلِّ بَنات القَريَةِ لأَنَّ جَمَالَها طَاغٍ عَليهِن، وجَعلَ الشَّبابَ يَتَنافَسُونَ للفَوزِ بِها. لكِنَّ حَادِثَ اعتِداءٍ بَسِيطٍ مِن شَابٍّ مُتهوِّرٍ يُفقِدُ البِنتَ حَياتَها المُستقِرَّة، ويُلوِّثُ سُمعَتَها، ويَجعَلُها حَدِيثَ القَريَة؛ لا لِجَمالِها هذِهِ المَرَّة، ولكِنْ لضَياعِ شَرَفِها. فَمَا حَقِيقةُ الِاعتِداءِ الذِي َتعَرَّضت لَهُ فَاطِمة؟ وهَل يُمكِنُ لحَادِثٍ كهَذا أَن يُغيِّرَ حَياتَها تَمامًا؟ فِي هَذِهِ المَجمُوعةِ القَصَصِيَّةِ نَتعرَّفُ عَلى قِصَّةِ هذه الحادثة، وقصصٍ أُخرَى.

  • الأب الغائب

    «إنَّ الأبَ هوَ البطلُ في نظرِ أبنائِهِ وبناتِهِ وزَوجتِه، اختَرْ أيَّ طفل؛ فقيرًا كانَ أو غنيًّا، راضيًا عنْ أبيهِ أو ساخِطًا، واسألْهُ أنْ يَختارَ مِن بينِ كلِّ الناسِ بطَلًا يَتبعُهُ ويُطيعُه، وستجدُهُ يَختارُ بالفِطرةِ بطلَه: أَبَاه.»

    مَثَّلَ الأبُ عمودَ الخيمةِ في جُلِّ الحضاراتِ القَديمةِ والثَّقافاتِ الحَديثة، فبهِ تجتمعُ الأُسرَةُ، وبهِ أيضًا تتشتَّت، وبهِ تَنعَمُ، وأحيانًا تَشْقى. و«الأبُ الغائِب» مَقالٌ اختاره «يوسف إدريس» من بين مجموعةِ مقالاتٍ أُخرى يَضُمُّها هذا الكتابُ عُنوانًا لَه، ويُناقِشُ فيه واحدةً مِن أكبرِ المُشكِلاتِ الاجتِماعيَّةِ التي تؤثِّرُ في المجتمعِ المِصريِّ منذُ سبعينياتِ القرنِ الماضِي حتَّى الآن؛ وهي غيابُ الأبِ عن أُسرتِهِ بَحثًا عنْ لُقمةِ العيش. وكما عَهِدْنا «يوسف إدريس» في مَقالاتِه، نجدُ رأيَه يَنسابُ بينَ الحُروفِ بلا تكلُّفٍ أو تسلُّط؛ فعندَ حديثِه عَنِ القضايا الاجتماعيَّةِ نجدُ تَجسيدًا لمُشكلاتِنا اليوميَّة، وعندَ مُناقشتِه القَضايا السياسيةَ نجدُ حِرصَه على عدمِ الخَوضِ في معاركَ جَوْفاء، وعندَ حديثِه عنْ قَضايا الوطنِ العربيِّ نجدُه ابنَ العُروبةِ البارَّ الذي لا يَفتأُ أنْ يَنصَحَ ولا يَجرَح، وعندَ حديثِه عنْ ذكرياتِهِ الشخصيةِ تجدُ أنفسَنا وقدْ اسْتَغْرَقْنا في تَفاصيلِ حياتهِ دونَ مَلَل.

  • بيت من لحم: وقصص أخرى

    «الخاتمُ بجوارِ المِصباح. الصَّمتُ يَحُلُّ فتَعمى الآذان. في الصَّمتِ يتسللُ الأُصبُع. يضعُ الخاتم. في صمتٍ أيضًا يُطفأُ المِصباح. والظَّلام يَعُم. في الظَّلام، أيضًا تَعمى العيون. الأرملةُ وبناتُها الثلاث. والبيتُ حُجرة. والبدايةُ صمت.»

    الشَّيخُ يقرأُ وصوتُه يُجلجِلُ في البيتِ الذي افتقدَ الرجلَ منذُ مُدة؛ ففي صوتِه وجدَتِ الأمُّ وبناتُها ظِلًّا يَلجأنَ إليهِ ولو مرةً كلَّ عصرِ جمعة، وزواجُه بالأمِّ لم يكنْ صُدفة؛ فقدْ قرَّرَتْ معَ بناتِها منذُ أنْ ماتَ أبوهُنَّ أنهُنَّ في حاجةٍ إلى رجل، والرجلُ شيخٌ وكفيف، والبناتُ لا تَخفى عليهِنَّ مداعبةُ الأزواج، والغرفةُ تتَّسعُ لهُنَّ ولزوجِ أمِّهِن، فما المانعُ من أنْ يُشاركْنَ الأمَّ مُتعتَها برجلٍ كفيفٍ لا يقدرُ على تمييزِ أيِّ امرأةٍ يَلتقي على فراشِه كلَّ ليلة، ليكونَ زعيمَ بيتٍ من لحم. مجموعةٌ قصصيةٌ ليوسف إدريس يُشَرِّحُ فيها المجتمعَ المصريَّ بكلِّ طبقاتِه، تجمعُ بين الفُكاهةِ والتراجيديا والبؤسِ والقهر، ولا تبخلُ علينا بجُرأةِ الكاتبِ المعهودةِ في وصفِ ما تَعِجُّ به النفسُّ البشرية.

  • مدينة الملائكة

    «أَغْمَضْتُ عَينِي، وقَذفْتُ بِنَفْسِي فِي آخِرِ مَدِينةٍ عَلى غَرْبِ الدُّنْيا وفِي نِيَّتي أَنْ أَعْتَزِلَ العالَمَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ كامِلَة، لَعلَّ ذَرَّاتِ الرِّمالِ النَّاعِمَةَ تَذْهَبُ عَن عَيني، وتَتَّضِحُ الرُّؤْيَة.»

    تَحْتَ وَطْأةِ الضَّجِيج، واخْتِلاطِ الأَصْوات، ومَعَ انْتِشارِ عَدْوى الإِدْلاءِ بالرَّأْيِ لا لِشَيْءٍ إلَّا لمُزايَدةٍ حَمْقاء، أو مُشارَكةٍ جَوْفاء، لا تَحْمِلُ أيَّ فِكْرَة، أوْ تَبْحثُ أيَّ قَضِيةٍ بَحْثًا ذا جَدْوى؛ يَحْتاجُ العاقِلُ الَّذِي يَعْرِفُ قِيمةَ الكَلِمةِ والرَّأْيِ إلَى عُزْلةٍ تُنْجِيه مِن وَبالِ الوُقوعِ في مَعْصِيةِ الفَتْوى دُونَ عِلْم، ولَكنَّ الكارِثَةَ أنْ تَكونَ العُزْلةُ الَّتي قَصَدَ أَكْثَرَ ضَجِيجًا مِمَّا هَرَبَ مِنْه. جَمَعَ يوسف إدريس هُنا عِدَّةَ مَقالاتٍ ناقَشَ فِيها مَجْموعةً مِن قَضَايا المُجْتَمعِ المِصْريِّ والوَطَنِ العَرَبي، وعَلى الرَّغْمِ مِن كَوْنِها تَرْجِعُ إلى أَوائلِ الثَّمانِينِيَّات، فإنَّها تَكادُ تَتَشابَهُ في كَثِيرٍ مِن جَوانِبِها مَعَ المُشْكِلاتِ نَفْسِها الَّتي نُعانِي مِنْها فِي وَقْتِنا الحاضِر، إِلى جانِبِ أَنَّها تُعَدُّ مَرْجِعًا لِمَعْرِفةِ الأَحْوالِ الِاجْتِماعِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ فِي هَذِهِ الآوِنَة.

  • فقر الفكر وفكر الفقر

    «إنَّ الفَقرَ ليسَ وضْعًا اقتِصاديًّا فقَط، إنَّه وَضعٌ مِن أَوْضاعِ البَشَر؛ وضْعٌ عَام، يَتصرَّفُ فِيهِ الإِنْسانُ بفَقْر، ويُفكِّرُ بفَقْر.»

    كتَبَ يوسف إدريس هَذا الكِتابَ عَلى غَيرِ تَرتِيبٍ مِنْه؛ فقَدْ كانَ خَواطِرَ ومُذكِّراتٍ دَوَّنَ فِيها انْطِباعاتِه وتَصوُّراتِه حَولَ مُشكِلةِ الفَقْر؛ أَخْرَجَها لِتَكُونَ مَشْروعًا يُحلِّلُ فِيهِ ظاهِرةَ فَقْرِ الأَفْكارِ المُؤَدِّيةَ إِلى فَقْرِ الإِنْتاج. ولَمْ يُرِدْ بالفَقْرِ تِلْكَ الحَالةَ المادِّيَّةَ الَّتي يَكُونُ فِيها الإِنْسانُ تَحتَ وَطْأةِ العَوَزِ والحاجَة، وَإنَّما أَرادَ بِهِ المَعنَى الأَوسَعَ وَالأَشمَلَ لِلَفْظةِ «فَقْر»، وربَطَ بَينَ بَوَارِ الأَفْكارِ والفَقرِ فِي الإِنْتاجِ الاقتِصادِي، فجَعَلَهُما وكَأنَّهما يَدُورانِ فِي دائِرةٍ مُفرَغةٍ لا يُعلَمُ لَها بِدَايةٌ مِن نِهايَة. أَرادَ بكُلِّ هَذا تَشخِيصَ المُشكِلةِ وَتَعرِيَتَها مِن كافَّةِ الظَّواهِرِ الاجتِماعيَّةِ لتَبدُوَ واضِحةً لمَنْ أَرادَ أَنْ يُعالِجَ أَحدَ أَكبَرِ الأَخْطارِ الَّتي تُواجِهُ العالَمَ الثَّالِث.

  • إسلام بلا ضفاف

    «مِنْ أَجلِ هَذا، مِن أَجلِ ألَّا نَعُودَ بعدَ أَربعةَ عشَرَ قَرْنًا مِن ظُهورِ الإِسْلامِ وتَحْطيمِ أَوْثانِ الكَفَرة، تَوكَّلْتُ عَلى اللهِ وأَصْدرتُ ذلِكَ الكِتاب؛ حتَّى لا نَعُودَ مَرةً أُخْرى إلى عِبادةِ أَوْثانٍ أُخْرى؛ أَوْثانٍ بَشَر.»

    هَلْ يُمكِنُ لزَلَّةِ قَلمٍ أَوْ خَطَأ مَطْبعيٍّ مَا أنْ يَستفِزَّ مُؤلِّفًا لَه مَكانتُه في الأَوْساطِ الأَدَبيةِ والفِكْريةِ ليَتَّسِعَ أُفقُه ويَرَى واقِعًا مَا كانَ لَه أنْ يَرَاه لَوْلا هَذا الخَطَأ؟ وهَلْ نَحنُ مَدِينونَ للصُّدْفةِ الَّتِي أَوْقعَتِ المَطْبعةَ في خَطئِها لنَرَى أَمامَنا كِتابًا كهَذا؟ تَكمُنُ الإِجابةُ فِيما تَعرَّضَ لَه يوسف إدريس مِن هُجومٍ عَنيفٍ إثْرَ خَطَأٍ مَطْبعيٍّ في كِتابِهِ «فَقْر الفِكْر وفِكْر الفَقْر»، فُهِمَ عَلى إثْرِه أنَّه يُشبِّهُ الشَّيخَ «الشعراوي» بـ «راسبوتين» القِدِّيسِ المُثِيرِ للجَدلِ في روسيا في أَوائِلِ القَرنِ العِشْرِين، وعَلى الفَوْرِ انْطلقَتِ الأَقْلامُ والحَناجِرُ تُهاجِمُ إدريس لِمَا للشَّيخِ الأَزْهريِّ مِن مَكانَة، فهَالَتْ إدريسَ هَذِهِ الاسْتِماتةُ فِي الدِّفاعِ بالرَّغمِ مِن تَوضِيحِه أَكْثرَ مِن مَرَّةٍ الخَطَأَ الَّذِي لَم يَكُنْ مَقْصودًا. ويُوضِّحُ إدريس عَبْرَ هَذا الكِتابِ سِعةَ ضِفافِ الإِسْلامِ كدِينٍ عالَميٍّ يَضُمُّ كافَّةَ الأَفْكارِ والمَذاهِبِ والعُقولِ دُونَما تَعرُّضٍ لجِنسٍ أوْ لَونٍ أوْ فِكْرة.

  • جمهورية فرحات

    «مَا كِدتُ أَدلِفُ إِلى القِسمِ ومَعِي الحَرسُ حتَّى أَحسَستُ بِانقِباضٍ مُفاجِئ، لَمْ تَكنْ تِلكَ أَوَّلَ مَرةٍ أَدخُلُه، ولَكِنَّها كَانَتِ المَرةَ الأُولَى التِي أَرَى القِسمَ فِيها فِي اللَّيل.»

    لكلٍّ مِنَّا عالَمُه الذِي يَعِيشُ فِيه، عالَمٌ تَستَحِيلُ فِيهِ مُعاناتُنا إلَى قَضَايا كُبْرى وتُصبِحُ مِحوَرًا للكَوْن، عالَمٌ نَرى مِن خِلالِه، ولا نُرَى إلَّا بِه، وكَذلِكَ اسْتَطاعَ الصول فَرَحات أنْ يَصنَعَ جُمهُورِيتَه/إمْبِراطُورِيتَه الخاصَّةَ التِي يُسَيطِرُ فِيها — ولَوْ لِوَقتٍ قَصِير — عَلى مَجْرَياتِ الأُمُور؛ يَسألُ فيُجَاب، يَأمُرُ فيُطاع، صوْتُه مَصدَرُ الخَوْف، نَظْرَتُه تَحمِلُ في كَنَفِها الرَّهبَةَ والرَّغبَةَ فِي آنٍ واحِد. عَبْرَ عِبارةٍ جَزْلَةٍ وسَلاسَةٍ فِي الحَكْي، جَمَعَ يوسف إدريس فِي مَجمُوعَتِه هَذهِ قِصَصَ: «الطَّابُور»، وَ«رَمضَان»، وَ«قِصَّة حُب»، و«جُمْهُورِيَّة فَرَحات»، الَّتي عَنوَنَ بِها كِتابَه.

  • عن عمد … اسمع تسمع‎

    «وَلَا يَزالُ طلعت حرب إلَى هذِهِ اللَّحْظةِ يَجْأرُ ويَصرُخ، عُيونُهُ تَقدَحُ النَّار، والكَلِماتُ مِن شَفتَيْهِ كالرَّصاصِ تَنْهمِرُ وتَتدفَّق، ولَكنَّ المُشكِلةَ هَلْ هُناكَ مَنْ يَسمَع؟ هَلْ يَتوقَّفُ أَحَدٌ ليَسْمَع؟ حاوِلْ أَنْت.»

    في لَمْحةٍ سِينمائيَّةٍ رائِعة، نجَحَ «يُوسُف إدريس» في خَلْقِ حَالةٍ مِن الاسْتِحضارِ الفَنيِّ لرُوحِ الاقْتِصاديِّ والزَّعِيمِ الوَطَنيِّ المِصْريِّ الراحِلِ «طلعت حرب»، لكِنَّهُ كانَ اسْتِحضارًا تراجِيديًّا للتِّمْثالِ الكائِنِ بوسَطِ القاهِرة، الَّذي كانَ في حَالةِ ذُهولٍ واسْتِنكارٍ واسْتِفهامٍ عَنِ الحالةِ المِصْريةِ الَّتي وصَلَتْ إِلَى مَرْحلةٍ مُزْرِيةٍ مَا كانَ يَتوقَّعُها أَحَد — وخاصَّةً الزَّعِيمَ الاقْتِصادِي — إذا ما قُورِنتْ ببِداياتِ النَّهْضةِ الاقْتِصاديةِ الَّتِي أَحْدَثَها تَمْصِيرُ الشَّرِكاتِ وإِنْشاءُ بَنكِ مِصرَ عامَ ١٩٢٠م.

    يَحْوِي الكِتابُ أيضًا بَينَ دفَّتَيهِ مَجْموعةً مِنَ المَقالاتِ الأُخْرى الَّتِي كتَبَها إدريسُ مُناقِشًا — كَعادتِه — مَشاكِلَ المُجتمَعِ المِصْري، والدَّوْلةِ المِصْريَّة، والإِنْسانِ المِصْري، مُتفرِّدًا أَيْضًا بوِجْهةِ نَظرٍ عَنِ الكِتابةِ والفَنِّ والسِّياسَة.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.