• جمهورية فرحات

    «مَا كِدتُ أَدلِفُ إِلى القِسمِ ومَعِي الحَرسُ حتَّى أَحسَستُ بِانقِباضٍ مُفاجِئ، لَمْ تَكنْ تِلكَ أَوَّلَ مَرةٍ أَدخُلُه، ولَكِنَّها كَانَتِ المَرةَ الأُولَى التِي أَرَى القِسمَ فِيها فِي اللَّيل.»

    لكلٍّ مِنَّا عالَمُه الذِي يَعِيشُ فِيه، عالَمٌ تَستَحِيلُ فِيهِ مُعاناتُنا إلَى قَضَايا كُبْرى وتُصبِحُ مِحوَرًا للكَوْن، عالَمٌ نَرى مِن خِلالِه، ولا نُرَى إلَّا بِه، وكَذلِكَ اسْتَطاعَ الصول فَرَحات أنْ يَصنَعَ جُمهُورِيتَه/إمْبِراطُورِيتَه الخاصَّةَ التِي يُسَيطِرُ فِيها — ولَوْ لِوَقتٍ قَصِير — عَلى مَجْرَياتِ الأُمُور؛ يَسألُ فيُجَاب، يَأمُرُ فيُطاع، صوْتُه مَصدَرُ الخَوْف، نَظْرَتُه تَحمِلُ في كَنَفِها الرَّهبَةَ والرَّغبَةَ فِي آنٍ واحِد. عَبْرَ عِبارةٍ جَزْلَةٍ وسَلاسَةٍ فِي الحَكْي، جَمَعَ يوسف إدريس فِي مَجمُوعَتِه هَذهِ قِصَصَ: «الطَّابُور»، وَ«رَمضَان»، وَ«قِصَّة حُب»، و«جُمْهُورِيَّة فَرَحات»، الَّتي عَنوَنَ بِها كِتابَه.

  • عن عمد … اسمع تسمع‎

    «وَلَا يَزالُ طلعت حرب إلَى هذِهِ اللَّحْظةِ يَجْأرُ ويَصرُخ، عُيونُهُ تَقدَحُ النَّار، والكَلِماتُ مِن شَفتَيْهِ كالرَّصاصِ تَنْهمِرُ وتَتدفَّق، ولَكنَّ المُشكِلةَ هَلْ هُناكَ مَنْ يَسمَع؟ هَلْ يَتوقَّفُ أَحَدٌ ليَسْمَع؟ حاوِلْ أَنْت.»

    في لَمْحةٍ سِينمائيَّةٍ رائِعة، نجَحَ «يُوسُف إدريس» في خَلْقِ حَالةٍ مِن الاسْتِحضارِ الفَنيِّ لرُوحِ الاقْتِصاديِّ والزَّعِيمِ الوَطَنيِّ المِصْريِّ الراحِلِ «طلعت حرب»، لكِنَّهُ كانَ اسْتِحضارًا تراجِيديًّا للتِّمْثالِ الكائِنِ بوسَطِ القاهِرة، الَّذي كانَ في حَالةِ ذُهولٍ واسْتِنكارٍ واسْتِفهامٍ عَنِ الحالةِ المِصْريةِ الَّتي وصَلَتْ إِلَى مَرْحلةٍ مُزْرِيةٍ مَا كانَ يَتوقَّعُها أَحَد — وخاصَّةً الزَّعِيمَ الاقْتِصادِي — إذا ما قُورِنتْ ببِداياتِ النَّهْضةِ الاقْتِصاديةِ الَّتِي أَحْدَثَها تَمْصِيرُ الشَّرِكاتِ وإِنْشاءُ بَنكِ مِصرَ عامَ ١٩٢٠م.

    يَحْوِي الكِتابُ أيضًا بَينَ دفَّتَيهِ مَجْموعةً مِنَ المَقالاتِ الأُخْرى الَّتِي كتَبَها إدريسُ مُناقِشًا — كَعادتِه — مَشاكِلَ المُجتمَعِ المِصْري، والدَّوْلةِ المِصْريَّة، والإِنْسانِ المِصْري، مُتفرِّدًا أَيْضًا بوِجْهةِ نَظرٍ عَنِ الكِتابةِ والفَنِّ والسِّياسَة.

  • الحرام

    «تُرَى كَيفَ تَكونُ فَاعِلةُ ذَلكَ الحَرام؟ أَو عَلى وَجهِ الدِّقةِ كَيفَ تَكونُ الزَّانِية؟ ما مِن مَرةٍ ذُكرَتْ أَمامَهُ الكَلِمةُ إِلَّا واقشَعرَّ بَدنُه، مَعَ أنَّهُ كَانَ لهُ مِثلَمَا لِمُعظَمِ النَّاسِ عَلاقَاتٌ قَبلَ أنْ يَتزوَّجَ وحتَّى بَعدَ أنْ تَزوَّج، ولَكِنْ كَأنَّما كَانَ يَستَبعِدُ أنْ تُوجَدَ نِساءٌ فِي العَالمِ يُخطِئنَ مِثلَمَا تُخطِئُ النِّساءُ مَعَه، وكَأنَّما مَن أَخطَأنَ مَعَهُ لَسنَ زَانِيات … الزَّانِياتُ هُنَّ مَن يُخطِئنَ مَعَ غَيرِه.»

    يَخْطُو الإِنْسانُ أُولَى خُطواتِه فِي الحَياةِ وقَدِ اعْتَراهُ فَيضٌ مِن بُؤسٍ وقَهْر، وتراكَمَتْ عَلَيهِ الإِحَنُ حتَّى يَكادَ يَكُونُ أَحْدبَ الظَّهرِ مِن كَثْرةِ ما يَحمِلُ مِن مَآسٍ وهَم، ويَزيدُ هَذَا كلُّهُ تَحتَ وَطْأةِ الإِقْطاعِ والاسْتِغلال، وتَكونُ ذُرْوتُه فِي دَفعِ الأَطْفالِ والنِّساءِ إلى العَمَلِ الشاقِّ الَّذِي لا يَقدِرُ عَلَيْه غَيرُ الرِّجالِ الشِّداد. صُورةٌ كَبِيرةٌ رَسمَها الكَاتِبُ الكَبيرُ «يوسف إدريس» جَمعتْ أَلْوانَ القَهرِ والذُّلِّ والعَوَز، فِي عُمَّالِ التَّراحِيلِ الشَّغِّيلة، ومَا يَقعُ عَلَيهِمْ مِن ظُلمٍ اجْتِماعِي، يَدفَعُهمْ أَحْيانًا لارْتِكابِ جُرْم، فَلَا تَستَطِيعُ حِينَها أَنْ تُفرِّقَ أَيُّهُما «الحَرَام»: الحَمْلُ سِفاحًا أَمِ المَوتُ جُوعًا.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.