• الزرقاء

    «البني آدم عندنا رخيص يا شرف الدين، رخيص لأنه موجود ومتوفر وزيادة عن اللازم، زي قطع الغيار الموجودة في السوق في أي وقت وبأي تمن، لما تخسر قطعة غيار من دول ترميها وتشتري غيرها؛ لأن تمن الجديدة أرخص من تصليح القديمة.»

    الفسادُ في المُجتمعِ كالميكروبِ القاتل، إذا لم يجِدْ مَن يتصدَّى لهُ انتشرَ واستفْحَلَ وأهلَكَ الجميع، وأوَّلُ مَن يَبدأُ بِهمْ هذا الميكروب أولئكَ الذينَ كشفُوا وَجهَهُ القبيحَ للعالَم، ويُؤجِّلُ انتقامَه لأعوانِهِ حتَّى يلتَذَّ بمشاهَدتِهمْ في قِمَّةِ عجزِهمْ ونُواحِهِمْ ندمًا على مُشاركتِهمْ في قَتلِ إخوانِهمْ أصحابِ الضمائرِ والعقول. وهذا الشرُّ الصريحُ نجِدُهُ مُتحقِّقًا في أحداثِ مسرحيةِ «الزرقاء» المُسمَّاةِ على اسمِ المرضِ الذي وَجدَ طريقَهُ بينَ «الغلابة»، وعندما اكتَشفَه الطبيبُ الشابُّ لم يجِدْ مِن كُهولِ السُّلطةِ أُذنًا تَسمعُ أو قلبًا يَعطف؛ فالبشرُ عندَهمْ كالدُّمى والعرائس، يُستبدَلونَ ويُنتقَوْنَ ببساطةٍ دونَ اكتراثٍ أو أدنى إحساسٍ بالنَّدَم. والمسرحيةُ تُناقِشُ عِدَّةَ مفاهيمَ كالإيثارِ والأَثَرة، والضميرِ والحَسْرة، والمَسئوليَّةِ والمُطالَبةِ بها.

  • إيزيس

    «إيزيس: ثُمَّ كَيفَ يُناقِضُ الإلهُ «رع» نفْسَه حِينَ يَقولُ إنَّهُ هُو الَّذي منَحَ الحَياةَ لِلنَّاسِ وخلَقَ أَجْسامَهُم عَلى أَكْملِ وَجْه، ثُمَّ يَأمُرُ باسْتِئصالِ أَعْضاءٍ مِن هَذا الجِسمِ تحْتَ اسْمِ الخِتانِ أوْ الإِخْصاء؟ ولِماذا لا يَسْرِي قَانونُ الإِلهِ «رع» بالإِخْصاءِ والخِتانِ إلَّا عَلى العَبِيدِ والنِّساء؟»

    كعَادةِ التَّناوُلِ الأَدَبيِّ للتَّارِيخ، فقَدْ جاءَتْ مَسْرحيةُ «إيزيس» مُخْتلِفةً عَنِ الرِّوايةِ الأُسْطوريَّةِ المَشْهُورة، حيث تُقدِّمُ «نوال السعداوي» هُنا قِراءةً مُغايِرة، حَيثُ تَتعمَّدُ إِبْرازَ الدَّوْرِ القِياديِّ لإيزيس في سَعْيِها نَحوَ تَحقِيقِ العَدْل، مُسقِطةً قَضايا المَرْأةِ الَّتي تُدافِعُ عَنْها عَادةً في كُلِّ كِتاباتِها عَلى أَحْداثٍ وشَخْصيَّاتٍ تارِيخيَّةٍ أُسْطورِيَّة. إيزيس هنا هِيَ مِحْورُ الأَحْداث، ولَيسَتْ مُجرَّدَ زَوْجةٍ تَسعَى للثَّأرِ مِمَّنْ قتَلَ زوْجَها، عَلى العَكْسِ فهِيَ إلَهةُ العَدْلِ والحِكْمةِ والمَعْرِفة، تُعلِّمُ المِصْريِّينَ الكِتابةَ والزِّراعَة، وتَبْتعِدُ أشَدَّ البُعدِ عَنْ صُورةِ المَرْأةِ النَّمَطيَّةِ فِي الأَساطِيرِ المِصْريَّة.

  • أدب أم قلة أدب

    «كَتبَتْ صَديقَتِي قَصيدةً أُخرى تَقولُ فِيها: رَغْمَ انكِشَافِ جَسَدِ المَرأةِ فَهُو أَكثَرُ غُموضًا مِنَ المَستُورِ وراءَ عِظامِ الجُمجُمةِ أو ما يُسَمُّونَه العَقْلَ أو الرُّوح.»

    جَمعَتْ نوال السعداوي فِي مَجْموعَتِها القَصَصِيةِ تِلكَ أَكثَرَ مَشاكلِ المَرأةِ المِصرِيةِ تَعقِيدًا؛ مثلَ النَّظرَةِ المُزدَوَجةِ لِكُلٍّ مِن سُلوكِ الرَّجلِ والمَرأة، والزَّواجِ القَصْريِّ مِنَ الأَثرِياءِ العَرَب، والاضْطِهادِ والحِرمانِ اللذَينِ تُعانِي مِنهُما كلُّ فَتاة، ومُعامَلةِ المَرأةِ وكَأنَّها ذَنْبُ آدمَ الذي لن يُغفَر. هَكذا تَتجَسَّدُ أَفْكارُ السعداوي ونَظرَتُها لمُشكِلاتِ المَرأةِ عبْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ قِصةً قَصِيرة، جَعَلَتْ عَلى رَأسِها قِصةَ «أدب أم قلة أدب» لِتَكونَ فَاتِحةَ نِقاشٍ كَبيرٍ لا يَنْتهي عَن حُقوقِ المَرأةِ المَسْلوبَةِ في المُجتمَعِ المِصرِي، مُستَعِينةً فِي كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ بوَقائعَ حَقِيقِيةٍ مِن دَفترِ عِيادَتِها، مُحاوِلةً إِيجادَ حُلولٍ لكلِّ مُشكِلةٍ عبْرَ سَردٍ قَصصِيٍّ رَائِع.

  • المرأة والصراع النفسي

    «إنَّ السَّعيَ وَراءَ لُقْمةِ الخُبزِ يَمتَصُّ حَياةَ المَرأةِ مُنذُ شُروقِ الشَّمسِ حتَّى غُروبِها، فَلَا تَكادُ تَجِدُ الوَقتَ لتَلتقِطَ أَنْفاسَها، أوْ تَنظُرَ لنَفْسِها في المِرْآةِ لتَعرِفَ أنَّها امْرَأةٌ أوْ رَجَل.»

    في غِمارِ سَعْيِها لكَشفِ مَا تُعانِيه المَرْأةُ مِن مُعضِلاتٍ يَوْميةٍ تُؤرِّقُ حَياتَها وتُفسِدُ مَعِيشتَها، تَكشِفُ «نوال السعداوي» هُنا عَن حَقائِقَ وأَرْقامٍ وإِحْصاءاتٍ تُشكِّلُ جَمِيعُها مُشْكلةَ المَرْأةِ المِصْريَّة. جمَعَ الكِتابُ بَينَ الدِّراسةِ الأَكادِيميَّةِ مِن حَيثُ الدِّقةُ والأَهْدافُ والخُطُوات، وبَينَ المُعايَشةِ الإِنْسانِيةِ الدَّافِئةِ لمُشكِلاتِ الخِتانِ والجِنسِ والاقْتِصادِ عِندَ المَرْأةِ المِصْرية. وبطَرِيقتِها المَعْهودةِ في الحِكايةِ يَبرُزُ الجانِبُ الأَدَبيُّ في تَدوِينِها، لتُخرِجَ لَنا مَرْجِعًا عِلْميًّا نَستطِيعُ مِن خِلالِه استِئنافَ النِّقاشِ حَولَ مُشكِلاتٍ حَرِجةٍ تُواجِهُ المَرْأةَ داخِلَ المُجْتمعِ المِصْري.

  • عن المرأة والدين والأخلاق

    «كانَ اهتمامِي يتَّجهُ أكثرَ نحوَ إنقاذِ أجسادِ البناتِ وعُقولِهِن، وهذا أَمرٌ طبيعيٌّ؛ لأني امرأةٌ وطبيبةٌ عِشتُ بجَسدِي وعَقلِي مَآسِيَ النِّساء، خاصةً الفقيراتِ مِنهُن.»

    شَكَّلتْ بعضُ تأويلاتِ الدِّينِ والأخلاقِ أبعادًا عِدَّةً لقضيةِ المرأةِ في العالَمِ العَرَبي؛ فانحدرَتْ مِنهما مُحرَّماتٌ ومَحظُوراتٌ تَوارَثتْها الأجيال، حتى استحالَتْ إلى قَواعدَ مُجتمَعِيةٍ ثابتةٍ أدَّتْ إلى هَضمِ حقِّ المَرأة، وهَتكِ خُصوصِيَّاتِها الجَسديةِ والعَقلِية، وفَرضِ أُسسٍ فِكْريةٍ ودِينيةٍ وأخلاقيةٍ وسِياسيةٍ واقتصاديةٍ قسَّمتِ المُجتمعَ إلى أَسْياد؛ وهُمُ الرِّجالُ وكِبارُ المُلَّاك، وأشياء؛ وهُمُ النساءُ والعَبيدُ والحَيوانات. هكذا أَجملَتْ نوال السعداوي مُعضِلةَ المَرْأة، مُرجِعةً إيَّاها إلى أَصلٍ واحدٍ وهو الصِّراعُ بينَ النِّظامِ الأَبويِّ الذي يَقومُ على تَصنيفِ البَشرِ على أساسِ الجِنسِ والطَّبقةِ والعِرْق، وبينَ النِّظامِ الإنسانيِّ الذي يُعلِي مِن قِيَمِ المُساواةِ والحُرِّيةِ والعَدْل.

  • الوجه العاري للمرأة العربية

    «اضطهادُ المرأةِ لا يَرجعُ إلى الشرقِ أو الغربِ أو الإسلامِ أو الأديان، ولكنَّه يَرجعُ أساسًا إلى النُّظمِ الأبويةِ في المجتمعِ البَشريِّ كلِّه.»

    جسَّدتْ مُعاناةُ المرأةِ العربيةِ ضدَّ القِيَمِ والعاداتِ والتقاليدِ الموروثة، بالإضافةِ إلى الفَهمِ الخاطئِ للدِّين، مَلْحمةً كبيرةً امتدَّتْ لعُصورٍ طويلة، ولم تكُنْ تلكَ المُعاناةُ حصادَ رافدٍ واحدٍ من تلكَ الرَّوافد، بل انحدرَتْ منها جميعًا. ولم تكُنْ للشرقِ أو الغربِ يدٌ فيما وصلَتْ له حالُ المرأة، وبالتبعيةِ لم تكُنْ للدينِ المسيحيِّ أو الإسلاميِّ مُشارَكةٌ في اضطهادِها، غيرَ أنَّ هذا كلَّه استُتْبِعَ بتأويلاتٍ تُراثيةٍ عالجَتْ مشكلاتِ المرأةِ بأشكالٍ عدةٍ خاطئة، أدَّتْ إلى ظُهورِ المَوروثاتِ الشعبيةِ التي تحُضُّ على العُنفِ ضدَّ المرأةِ وسَلْبِها حُقوقَها، ومَنْعِها من مُمارسةِ حياةٍ طبيعيةٍ كانَتْ في القديمِ حقًّا أصيلًا لها لا يُنازعُها فيه مُنازِع.

  • امرأة عند نقطة الصفر

    «وأدركتُ أنني تخلَّصتُ من آخِر قطرةٍ منَ القُدْسيةِ في دمي، وأَصبحَ عقلي واعيًا بالحقيقة؛ حقيقةِ أنني أُفضِّلُ أن أَكونَ مُومِسًا عن أن أَكونَ قِدِّيسةً ‎ مخدوعة.»

    ساقَتِ الصُّدفةُ «نوالَ السعداوي» لتَكونَ على مَوعدٍ مع امرأةٍ لم تستسِغْ سيطرةَ المجتمعِ الذُّكوريِّ على مُقدَّراتِها، وكأنَّ القدَرَ أراد أن يُخلِّدَ هذه البطلةَ بتربُّعِها على عرشِ إحدى أَشهَرِ رواياتِ المُؤلِّفة.

    بداخلِ زنزانةٍ صغيرةٍ في سجنِ النِّساءِ تَقبعُ امرأةٌ تَعِسةٌ على مَوعدٍ مع الموتِ بعدَ ساعاتٍ قليلة؛ امرأةٌ تَكسَّرَ فيها كلُّ شيء، واختارَتِ الموتَ ليكونَ سبيلَ نجاتِها، لتعودَ بحياتِها عِندَ نقطةِ الصِّفر. على أعتابِ المَوت، وقبلَ أن تتحرَّرَ «فردوس» من جسدِها وتُسلِمَ رُوحَها لخالقِها، تروي ﻟ «نوال السعداوي» قصةَ امرأةٍ تلاعبَتْ بها الأقدار، وساقَها الرجالُ إلى مَصيرِها المحتوم، في مجتمعٍ ذُكوريٍّ مريض، الرجلُ فيه هو كلُّ شيءٍ والأنثى لا شيءَ تقريبًا؛ حيثُ تُجسِّدُ الروايةُ تملُّكَ الذُّكورِ للسُّلطةِ والثروةِ والشهوة، بينما تكونُ الأنثى أداةً طَيِّعةً لنَيْلِ شهوتِهِ وتحقيقِ ثرائِهِ وإرضاءِ سُلْطتِه. تحتلُّ الروايةُ مكانةً خاصةً لدى المُؤلِّفةِ التي يَنتابُها الخجلُ أمامَ شُموخِ بطلتِها، وعلى الصعيدِ الرِّوائيِّ اختِيرتْ ضِمنَ قائمةِ ١٠٠١ الخاصةِ بتطوُّرِ الروايةِ عَبْر الزمان، وتُرجِمتْ إلى ٤٠ لُغة.

  • رحلاتي في العالم

    «… السياحة في رأيي ليست ركوبَ طائرات وزيارةَ متاحف والنومَ والأكلَ في الفنادق الفاخرة، السياحة عندي هي التجوُّل على الأقدام في الشوارع والحواري المُتربة …»

    هكذا كانت رحلات «نوال السعداوي»؛ سياحة لاكتشاف النفس البشرية، ومُعايَشة لعادات الشعوب؛ قاصدةً في معظم رحلاتها تلك الأزِقَّة التي تَضيق بسكانها، لتقترب من ذلك الإنسان المُتعَب، لتتلمَّس معاناته، وتعرف أحلامه. تقرأ رحلاتها فتظلُّ مشدوهًا وكأنك أحد أفراد الرحلة، تزور مُدنًا، تُعايِش ثقافات، ولا تفتأ تنتهي من رحلةٍ حتى تبدأ أخرى. تلتقي هنا بالكاتبة، فتعشق السفرَ والترحال، ثم تراك تنتقل معها — انتقالًا سَلِسًا دون مفاجأة — من مستشفى الصدر بالجيزة، إلى نيويورك حيث الصخب الدائم، ولا تجد غرابةً في تنقُّلِها من هِلسنكي في أقصى شمال أوروبا إلى روسيا، ثم إلى إيران؛ ونقْلِها واقعَ المجتمع الإيراني قُبيلَ اندلاع الثورة هناك. وعند حديثها عن بلاد الهند تجد الكلمات وكأنها تتراقص أمامك لتُشكِّل لوحاتٍ مختلفةَ الألوان، كاختلافِ ثقافاتِ تلك البلاد.

  • الحب في زمن النفط

    «نشط رجال البوليس في البحث عنها، خرجت منشورات وإعلانات في الصحف تطلب العثور عليها حيَّةً أو ميتةً، ومكافأة سخية من صاحب الجلالة الملك. ما علاقة صاحب الجلالة باختفاء امرأةٍ من عامَّة النساء؟!».

    تَبارى العُشَّاق قديمًا في وصف الحب، وفنونه، ووسائله، وسُبله، ودسائسه، لكنهم لم يعلموا أن زمانًا سيأتي حاملًا نوعًا آخر من الحب؛ حبٌّ لا يعرف الودَّ، ولا يرى للعاطفة مكانًا، حبٌّ مُغلَّف بطبقة نفطية، طبقة عازلة لكل معاني الرحمة والعطف، طبقة تتحول معها الحياة إلى دربٍ من دروب العذاب الذي لا نهاية له. هذه المرأة التي تخرج باحثة عن ذاتها لتجد نفسها «مُتَّهمة» بالهروب من بيت زوجها، حالة فريدة لم يألفها المجتمع، مرض تجب مواجهته كي لا ينتشر وتعرف بقية النساء أن باستطاعتهن الخروج من بقعة المجتمع الزَّيتيَّة التي تخنقهن.

  • مذكرات طفلة اسمها سعاد

    «لم تكن تُحب الليل، لأن الليل مُظلم، والعفاريت لا تظهر إلَّا في الظلام، وكانت تُحب النهار، والشمس حين تسطع وتملأ الكون بالنور والدفء.»

    صادقةٌ هي تلك البدايات؛ الخطوات الأولى نحو الحُلم، رائعة إلى أن تتعثر، أو تقف، تحت تأثير سلطان السيطرة والامتلاك، وحين نكتشف روعتها ورونقها البرَّاق، تكون قد دخلت سراديب الذكريات، وحلَّت ضيفًا داخل أعماق أنفسنا تحتاج لمن يوقظها ويزيل عنها غبار الزمن. كتبت نوال السعداوي روايتها الأولى ولم تكن سنها تتجاوز الثالثة عشرة، حينها رأت أن تُعبِّر عمَّا يؤرق خلدها ببضع كلمات استحالت لصفحات طويلة لم تُعجِب مُعلمها الذي أراد موضوعًا إنشائيًّا يُناسب طالبةً في الصف الأول الثانوي فأعطاها صفرًا؛ كان «نُقطة» لانطلاقها نحو عالم جديد لم تكن تُخطط له.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠