الفصل الثاني

من الذي يشتم مصر؟

أثار كتاب هيكل، أو على الأصح الجزء الضئيل الذي نُشر منه في مصر، عاصفةً عاتية من ردود الفعل، وفي رأيي أن دراسة ردود الفعل هذه، باتجاهاتها المختلفة وتشعُّباتها الكثيرة، تزوِّدنا بذخيرةٍ هائلة نستطيع من خلال تحليلها المتعمِّق، أن نفهم الكثير عن طبيعة التشويه الفكري الذي أصبحت بلادنا تعانيه، وعن شكل التضليل الإعلامي الذي يسلَّط على عقولنا ليل نهار، ففي ردود الفعل هذه تتحدَّد مواقفُ كثيرة، وتنكشف وتظهر حقيقة الأفكار التي ظلَّت كامنة، مستترة، مُغلفة بشتى أنواع الأقنعة الخدَّاعة، ومن خلال ردود الفعل هذه يتضح اتجاه المصالح الحقيقية في مصر؛ إذ كان معظم المدافعين عن السادات من المنتفعين منه، أو من أصحاب المصالح التي ازدهرت في عهده، وإن لم يمنع ذلك من وجود بعض المتأثرين بطوفان الإعلام، ومن خلالها ينكشف تهافت وتناقض الشخصيات، التي كان لها دورٌ مصيري في تاريخ مصر، ودورٌ أساسي في تشكيل عقلها، وهو حكم لا أستثني منه هيكل نفسه. ومن خلالها تظهر للعيان جريمة الحكم الفردي التي لا تُغتفر، إذ يتبيَّن لنا بوضوح مدى التزييف الذي طرأ على الوعي السياسي المصري، متمثلًا في عدد غير قليل من كبار مثقفيه، بعد ثلاثين عامًا من حكمٍ يفترض أنه ثورة تستهدف، على وجه التحديد، تحرير الوعي من أوهامه.

وأخيرًا، فمن خلال ردود الفعل نستطيع أن ندرك إن كان عهد السادات قد انتهى حقًّا، أم أن آثاره ما زالت تدبُّ فيها الحياة بكل عدوانية وتحفُّز.

إن دراسة العقل المصري وتحليل سماته كما تتمثل في اتجاهات ردود الفعل على هيكل، هي في نظري أهم الأهداف. ولم يكن كتاب هيكل في هذه الحالة، إلا فرصة لكشف أساليب التفكير المستورة، التي تظل في حالة كتمان حتى تطرأ أزمة أو محنة تُفجِّرها، وهكذا سوف أتوقف طويلًا عند ردود الفعل، وأُخضِعها لتحليل سأحاول أن يكون دقيقًا، آملًا أن أتمكن عن طريقها من إلقاء الضوء على بعض سمات العقل المصري — التي تجمعها روابطُ مشتركةٌ كثيرة مع العقل العربي بوجهٍ عام — بعد ثلاثين سنة حكم ثورة ٢٣ يوليو.

هذا الرجل (السادات) قد اخترناه جميعًا زعيمًا لهذا البلد، واختيار زعيم فيه تجسيد للشعب الذي اختاره، وبالتالي فإن كل ما يُقال عن هذا الزعيم يعتبر في حقيقته نيلًا من الشعب الذي اختاره.

قائل هذه الكلمات أستاذ كبير في القانون، في اجتماع للمجلس الأعلى للصحافة خصص لمناقشة كتاب هيكل، ونشرته جريدة «الأهرام» في ٢٩ أبريل ١٩٨٣م، والأساس الذي يُبنى عليه تفكير أستاذ القانون هو أن الحاكم تجسيد لبلده، ما دامت قد اختارته بإرادتها، ومن ثم فإن أي هجوم من هيكل أو غيره على السادات هو هجوم على مصر كلها.

هذا النوع من التفكير بلغ، في السنوات الأخيرة، من الانتشار حدًّا يُحتِّم علينا أن نتوقف طويلًا عنده، فما من أحدٍ منا إلا وتعرض مرارًا لتلك التجربة المثيرة والمستفزة، تجربة المناقشة مع شخص يؤكد أن أي نقد للحاكم، هو انتقاص من قدر بلاده، وأن الوطنية الحقة تحتم على المرء ألا يسيء إلى الحكام.

ولا شك أن عبارة أستاذ القانون، السابقة، هي تعبيرٌ نموذجي عن وجهة النظر هذه:
  • (أ)

    فهو يستخدم لفظ «الزعيم» مرتَين، وهي نفس الكلمة التي كان يطلقها النازيون على هتلر (الفوهرر)، والفاشيون على موسوليني (الدوتشي). وليس هذا استخدامًا اعتباطيًّا؛ إذ كان يمكنه أن يقول: الحاكم، أو رئيس الدولة، ولكن إصراره على لفظ «الزعيم» هو جزء لا يتجزأ من العقلية التي توحد على نحوٍ مطلق بين شخص الحاكم وبلده.

  • (ب)

    وهو يرى هذا الزعيم «تجسيدًا» للشعب، ولم يقل «رمزًا»؛ لأن الرمز لا يتعين أن يكون مشابهًا لما يرمز إليه (اللون الأخضر رمز لإمكان مرور السيارات مثلًا) بل تفصل بينهما مسافةٌ ما، أما التجسيد فهو اندماجٌ كامل، بل إن الزعيم يصبح في هذه الحالة «خلاصة» شعبه وأنقى تعبير عنه، وهذا يفترض، بطبيعة الحال، أن الشعب كتلةٌ متجانسة لا تمايز فيها، ولا اختلاف ولا تباين في الرأي أو الاتجاه، حتى يستطيع شخصٌ واحد أن يكون تجسيدًا له، ومن هنا فمن المؤكد أن الإنكليز، مثلًا لا بد أن يسخروا ممن يرى في «تاتشر» تجسيدًا لهم، إذ إنها حتى لو كانت تُجسِّد المحافظين، فماذا تقول عن العمال والأحرار؟ وفضلًا عن ذلك فإن الزعيم الذي يجسِّد شعبه هو، بحكم تعريفه، غير قابل للتغيير، وإلا فكيف نتصوَّر أن يتخلَّص شعب ممن يُجسِّده؟

  • (جـ)

    وأخيرًا، فإن أستاذ القانون الكبير يتحدَّث أربع مرات، في أقل من ثلاثة أسطر، عن «اختيار» الشعب للزعيم، وهكذا فإنه، بكل وقار القانون وهيبة الأستاذية، يعلن ثقته المطلقة وتصديقه الكامل لاستفتاءات ٩٩٫٩٪، ويرى فيها أساسًا يسمح للمرء بأن يقول باطمئنانٍ تام وبضميرٍ مستريح: «هذا الرجل قد اخترناه جميعًا.»

هذه الكوارث أو الفواجع الفكرية تتجمع كلها في أقل من ثلاثة أسطر، وتعبر بوضوحٍ صارخ عن تدني مستوى الوعي السياسي والاجتماعي، عند من يُفتَرض فيهم أن يكونوا معلمين ومرشدين لغيرهم في هذا الميدان، وهي في واقع الأمر أبلغ دليل على نوع العقول التي توحِّد بين الحاكم وبلده، وترفض أي نقد للحاكم، بحجة أن هذا النقد إهانة لوطنه ونيل منه.

•••

على أن لهذا اللون من التفكير، أعني التوحيد بين الحاكم والوطن، وجهًا آخر ربما كان أشد حدة، هو ذلك الذي يشيع بين المصريين المغتربين على وجه التخصيص، فظروف الاغتراب تزيد من قوة التوحيد بين البلد وحاكمها، ومن هنا كان من ردود الفعل الأكثر شيوعًا، بين المصريين العاملين في البلاد العربية بوجهٍ خاص، استنكار ما كتبه هيكل باعتباره «شتيمة لمصر».

هذه ظاهرة لم تتمثَّل في حالة هيكل وحده، بل تعرض لها كل من يكتب كتابة نقدية عن الأوضاع المصرية في إحدى الصحف العربية، كما أن من يستخدمون هذه الحجة ليسوا هم المواطنين المغتربين العاديين فحسب، بل إن المرء يجدها تتردد على أعلى المستويات، وأستطيع، من تجربتي الشخصية، أن أؤكد أن النسبة الغالبة من أساتذة الجامعات المصريين العاملين في بلد كالكويت، تحتجُّ بشدة على أي مقالٍ يوجِّه نقدًا لحاكم مصر أو حكومتها، باعتباره هجومًا على مصر. وهكذا فإن شيوع هذه الحجة بين المغتربين يفوق بكثيرٍ انتشارها داخل مصر ذاتها؛ ولذا كانت تحتاج إلى وقفةٍ متأنية تناقش الأسس التي ترتكز عليها بهدوء.

  • (١)

    أول أساس لهذه الحجة هو ذلك الذي أوردناه من قبلُ، وأعني به أن الحاكم تجسيد لبلده، ويزداد الحرص على فكرة التجسيد هذه عندما يكون الشخص مغتربًا، بحيث تتضاعف حساسيته إزاء أي نقد يُوجَّه إلى الحاكم، وكم من مصريٍّ مغترب ينتقد كتاب هيكل — على سبيل المثال — انتقادًا مريرًا، لا لأنه غير مقتنع بما يتضمَّنه من وقائع؛ بل لأنه حتى لو كانت كل كلمة فيه صحيحة، يسيء إلى صورة «مصر».

    إن قليلًا من التفكير يُقنعنا بأن الحريص حقًّا على سمعة بلاده، هو الذي لا يوحد بينها وبين حاكمها، وفي حالة بلدٍ كمصر يكون من المخجل حقًّا، أن يساوي المرء بين ذلك التاريخ العريق والحضارة الأصيلة، بين بلد النيل والأهرام والأزهر، وبين تصرفات حكام أفراد يمكن أن يكون الكثيرون منهم مصابين بجنون العظمة، أو داء الاستبداد والبطش والادعاء. إن من يعتز ببلده وتاريخه حقًّا، هو ذلك الذي يعلن في كل مكان، وأمام الجميع، أن مصر ليست مسئولة عن أخطاء حكامها، ويُنزِّه بلده عن تلك النقائص التي يمكن أن يتصف بها هذا الحاكم أو ذاك، أما ذلك الذي يُنصِّب نفسه محاميًا عن كل خطأ يرتكبه الحاكم، متوهمًا أنه يدافع على هذا النحو عن وطنه، فهو في الواقع الذي يسيء إلى هذا الوطن أبلغ إساءة، ولو اتخذت مسألة التوحيد بين الحاكم والوطن قاعدةً عامة، لكان علينا جميعًا أن نُحمِّل بلدًا كمصر أخطاء فاروق والخديوي توفيق والحاكم بأمر الله وقراقوش.

  • (٢)

    ولكن أصحاب هذا الموقف يلجَئون، عادةً، إلى إضافة حجةٍ أخرى، هي الإشارة إلى الفارق بين النقد داخل الوطن والنقد خارجه، ففي استطاعتك أن تنقد الأوضاع كما تشاء ما دمتَ في بلدك، أما إذا كنت في بلدٍ آخر فإن الواجب يقضي عليك بأن تمتنع عن النقد، بل تتصدى له بكل قوة، حتى لا تترك «للغرباء» فرصة «الشماتة» في وطنك. ويشارك الحاكم ذاته في هذه الحجة؛ فهو يهاجم بكل العنف أولئك الذين «يشتمون مصر» في الخارج، وربما استخدم التعبير المألوف «نشر الغسيل»، ويجد هذا الرأي صدًى لدى الكثيرين ممن يتقبَّلون ما يقرءونه أو يسمعونه بلا تفكير، ولكن الأمر المؤسف هو أن الأمر لا يقتصر على هؤلاء، بل إن نسبةً كبيرة من المثقفين الذين يشغلون مراكزَ علميةً واجتماعيةً مرموقة، تُردد في كل مناسبة هذا المبدأ: «انتقد بلدك في الداخل كما تشاء، ولكن عليك في الخارج أن تدافع عنها (والمقصود هنا بالطبع: تدافع عن حكامها) بالحق أو بالباطل، ولا تسمح لأحدٍ بمهاجمتها (والمقصود: مهاجمة حكامها).»

فلنناقش إذن هذا المبدأ الخطير، المنتشر على أوسع نطاق بين أوساط المصريين المغتربين على مختلف مستوياتهم:
  • أولًا: هذا المبدأ يفترض أن العرب، الذين يقيم هؤلاء المصريون في بلادهم، هم بالنسبة إليهم «غُرباء»، والأمر المُلفت للنظر حقًّا هو أن نفس هؤلاء الذين يفكِّرون بهذا المنطق، يمكن أن يتحدَّثوا باستفاضة، في مجالٍ آخر، عن وحدة العروبة والمصير المشترك، والحواجز المصطنعة بين الأقطار في الوطن العربي الواحد، ولا يدركون التناقض الصارخ بين حديثهم المتحمس هذا، وبين نظرتهم إلى العرب على أنهم «غرباء»، لا ينبغي أن تطرح مشاكل مصر الداخلية أو الخارجية أمامهم، ولا ينبغي أن تتاح لهم فرصة «الشماتة» في مصر. فكيف يسمح هؤلاء لأنفسهم بأن يكونوا إقليميين إلى أقصى حد في جانب، ووحدويين متحمسين في جانبٍ آخر؟ أليس من الواضح أن الإيمان الحقيقي بوحدة العروبة، يحتم على المرء ألَّا يجد فارقًا بين المصري وأي عربي، في نقد الممارسات الخاطئة لأي نظامٍ من الأنظمة، سواء أكان هذا النظام مصريًّا أم لم يكن؟

    إن العرب، من غير المصريين، لا يهتمون بأوضاع مصر من أجل «الشماتة»، كما يتصور قصار النظر هؤلاء، بل إن ما يحدث في مصر من مدٍّ وجزر، ومن تقدمٍ أو تخلف، هو الشغل الشاغل لكل عربي لسببٍ بسيط: هو أنه لا بد، عاجلًا أو آجلًا، أن ينعكس على بلاده إيجابًا أو سلبًا، وما من عربيٍ مستنير إلا ويتابع سياسة مصر بكل ما يملك من ترقبٍ واهتمام؛ لأنه يعلم أن مفتاح المنطقة كلها هناك؛ ولأنه يخشى على بلده من أن يلحقها أي مكروه يصيب مصر قبلها، وهكذا فإن الاهتمام الزائد الذي يبديه أي عربي بأوضاع مصر، يظل في واقع الأمر اعترافًا بمكانة مصر الرئيسية في الوطن العربي، حتى لو اتخذ شكل انتقادٍ مرير لأوضاعها، فلماذا لا يُبدي أحد اهتمامًا بانتقاد ما يحدث داخل موريتانيا أو جيبوتي مثلًا، حتى لو تراكمت الأخطاء في ممارسات حكام هذين البلدَين؟

  • ثانيًا: يفترض هذا المبدأ أن فرص النقد مكفولة داخل مصر، ولكن أصحابه يخدعون أنفسهم، في الواقع، خداعًا مكشوفًا حين يتظاهرون بالوطنية فيقولون: انتقدْ حكام مصر في داخلها كما تشاء، أما في خارجها فلا. من الذي يستطيع أن ينتقد حكام مصر في داخلها «كما يشاء»؟ لقد ظل كُتَّاب مصر ومثقَّفوها الذين يحملون هموم مصر على أكتافهم يحاورون ويناورون، لمدة ثلاثين عامًا، كلما وجدوا أمامهم ممارسات خاطئة، وكم من نقدٍ كان يمكن أن يُنقِذ البلاد من كوارثَ رهيبةٍ، عوقب مُوجِّهُه أو أُرغم على السكوت، أو اضطر — على أحسن الفروض — إلى التعبير عنه بحذرٍ والْتواء، حتى يمكن أن يجد طريقه إلى الناس وسط الرقابة الصارمة، فلماذا نغالط أنفسنا، ونتصور أن من ينتقد في الخارج يفعل ذلك طواعية، وأنه كان يستطيع أن ينقد في الداخل ولكنه اختار — لمصالحَ خاصةٍ — منبرًا للتعبير خارج بلاده؟
  • ثالثًا: من الممكن أن يدرك المرء، حين يُعمِل فكره قليلًا، أن معظم أصحاب هذا المبدأ، يقومون بعملية إسقاط لخلافاتهم الصغيرة في العمل، ومنافساتهم الشخصية مع جنسياتٍ عربية أخرى في نطاق العلاقات الفردية الضيقة، على موقفهم السياسي العام، فكل منهم يتصور أن ظهور نقد للأوضاع المصرية في جريدةٍ صباحية، سيجعل زميله أو رئيسه العربي في المكتب أو المصنع، يكسب نقطة على حسابه حين يفتح الجريدة، وينتهز الفرصة للتشفِّي منه، وهذه نظرةٌ طفوليةٌ ضيقة، تخلط بين العلاقات الشخصية والشئون الوطنية العامة، وإن كانت للأسف واسعة الانتشار، حتى على أعلى المستويات.

    إن هذا الخلط بين المستوى الشخصي للسلوك، وبين تقييم العمل السياسي العام، هو آفة من أخطر الآفات في تفكيرنا المعاصر، وهو علامةٌ واضحة على أن تربيتنا السياسية بعيدة كل البعد عن ذلك النضوج، الذي لا بد منه لقيام نهضةٍ حقيقية، وسوف تتاح لنا، خلال معالجتنا لجوانب الموضوع الذي نتناوله في هذه الدراسة، فرصٌ كثيرة لرؤية أمثلةٍ أخرى لهذا الخلط، ويكفي أن نقول الآن إن الكلام عن «التشفي» أو «الشماتة»، حين يكون الأمر متعلِّقًا بالسياسة العامة لبلدٍ من البلاد، هو مظهر للبدائية في التفكير، أما «نشر الغسيل» وهو للأسف تعبير ما زال يستخدمه مسئولون كبار — فهو تعبيرٌ مُضحك ومُؤسف في آنٍ واحد، وليقل لي هواة هذه التعبيرات: هل سمع أحد منكم واحدًا من أنصار ريجان أو ميتران يتحدث، في معرض تقييمه لسياسة بلاده، عن «الغسيل»؟

    إن الفكرة الكامنة من وراء هذا هي فكرة «الستر»، وهي مبدأٌ أخلاقيٌّ مذموم حتى على المستوى الفردي، ففي أخلاقنا الشعبية نزوعٌ شديد إلى التغطية على العيوب، إلى درجة أن افتضاح هذه العيوب ومعرفة الآخرين بها هو في نظرنا شر يفوق العيوب نفسها، وكثيرًا ما نتصرف بحيث نتغاضى عن أخطر أنواع الآثام ما دامت «مستورة»، ومن هنا كان «الستر» أمنية غالية في تعبيراتنا الشعبية المألوفة، ولكن الخطأ الفكري والأخلاقي يتضاعف، حين ننقل هذا المبدأ إلى ميدان السياسة، فندعو مواطنينا إلى السكوت على أوضاعٍ جائرة، حتى لا تفتضح أمام الآخرين، ونطالبهم بألا «ينشروا الغسيل»، بدلًا من أن نطالب أنفسنا بأن نُبقي غسيلنا نظيفًا على الدوام.

وهكذا تكشفت ردود الفعل على كتاب هيكل، عن أخطاءٍ فكريةٍ فادحة، ترسَّخت في عقولنا وسرت فيها مسرى البديهيات التي لا تناقَش، ويتبين لنا أن توحيدنا بين تصرفات الحاكم وبين سمعة بلاده، هو أبلغ دليل على أن لعبة الحاكم الفرد لا تقتصر على من يمارسها بنفسه، بل إن الذين تُمارَس عليهم هذه اللعبة قد اندمجوا فيها، وانتقلت عدواها إليهم دون أن يشعروا، وأن الخاضع للاضطهاد قد تقمَّص الكثير من أفكار من يضطهده، وأن الطغيان أصبح جزءًا من تكوين المحكوم، لا الحاكم وحده، إلى حد أنه أصبح يوحد نفسه، وبلده، وكرامته ومكانته، مع شخص الحاكم المطلق، ويقدم بتفكيره الخاص، أقوى دعامة لذلك الاستبداد الذي يكتوي بناره ليل نهار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١