الفصل الثاني والعشرون

الفقر والثراء: الهند في مقابل هونج كونج

تتحكم حكومة الهند في كل شيءٍ تقريبًا؛ لذا فالتقدم محدود للغاية. بينما في هونج كونج، لا تتدخل الحكومة كثيرًا … وبفضل ذلك تَضاعف مستوى المعيشة.

جون تمبلتون1
جَابَ جون تمبلتون، أحد أقطاب صناديق الاستثمار التعاونية، العالمَ خلال ثلاثينيات القرن العشرين، ولفت انتباهَه بشكلٍ خاصٍّ الفقرُ المدقع في دولتين آسيويتين تحت السيادة البريطانية، هما الهند وهونج كونج. وبعد أربعين عامًا؛ أي في السبعينيات، عاد تمبلتون ليشاهد مرةً أخرى الفقر المريع في الهند، التي كانت آنذاك مستقلةً سياسيًّا. أما هونج كونج، فتغيَّرت بشكلٍ هائل! «لقد تضاعف مستوى المعيشة في هونج كونج بأكثر من عشرة أضعافٍ خلال أربعين عامًا، بينما مستوى المعيشة في كالكتا لم يكد يتحسَّن مطلقًا.»2
اليوم، لم تَعُدْ أيٌّ من الدولتين تحت الحكم البريطاني، ولكن أصبح الاختلاف أكثر وضوحًا؛ فنجد هونج كونج تنعم بأكبر تركُّزٍ للثروة في العالم، بينما الهند، حتى بعد ما تحقق مؤخرًا من تقدُّمٍ كبير، تُعاني من أكبر تركُّزٍ للفقر في العالم.3
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، كتب الاقتصادي التنموي بي تي باور مقالًا صغيرًا شهيرًا حمل بعض التأملات: «كيف تُقيِّم التوقعات الاقتصادية لدولةٍ آسيويةٍ لديها أرض محدودة للغاية (وسفوح تلال متآكلة فقط في تلك الأرض)، وتعدُّ بالفعل أكثر دول العالم من حيث الكثافة السكانية؛ دولة تَزايَد سكانها بشكلٍ سريع، من خلال الزيادة الطبيعية والهجرة الواسعة النطاق على حدٍّ سواء؛ دولة تستورد كل نفطها وموادها الخام، بل ومعظم مياهها؛ دولة لا تعكف حكومتها على التخطيط للتنمية، ولا تضع أي ضوابطَ على تداول العملة أو قيودٍ على الصادرات والواردات الرأسمالية؛ دولة تُعَدُّ المستعمرة الغربية الوحيدة المتبقية التي لها قدر من أهمية؟»4
في الواقع كانت التوقعات بالنسبة إلى هونج كونج كئيبة، ولكن من خلال تصنيع منتجاتٍ رخيصةٍ للتصدير للغرب البعيد، نجحت في أن تصبح مركز النفوذ لمنطقة جنوب شرق آسيا. واليوم صارت دخول مواطنيها تُنافس دخول اليابانيين، على الرغم من ضَمِّها ٧ ملايين شخصٍ داخل ٤٠٠ ميلٍ مربع. ما الذي كسر دائرة الفقر الخبيثة؟ وفقًا لباور، لم تعتمد معجزة هونج كونج الاقتصادية على امتلاك المال، أو الموارد الطبيعية، أو المعونات الخارجية، أو حتى التعليم الرسمي، وإنما على «صناعة، ومبادرة، وادخار، وقدرة … مواطنين لديهم دافعية عالية.»5 لقد اتضح أن «الزيادة السكانية» في هونج كونج أصل من الأصول المهمة وليست عائقًا.
على نفس القدر من الأهمية، لم تتدخل بريطانيا في عملية صنع القرار؛ فقد تبنَّت سياسةً اقتصاديةً بعيدةً عن التدخُّل الحكومي، عدا مجال الإسكان والتعليم المدعومين. وواصلت الصين هذا المنهج غير التدخلي منذ سيطرتها عليها في عام ١٩٩٧؛ ونتيجةً لذلك استمرت هونج كونج في الازدهار في ظل عملةٍ مستقرة، وميناءٍ حرة، وضرائبَ منخفضة. يبلغ أقصى معدل ضريبةٍ لديها ١٨ بالمائة، ولا تفرض ضريبةً على أرباح رأس المال. ودائمًا ما كان معهد فريزر يصنف هونج كونج رقم واحد في العالم على مؤشره للحرية الاقتصادية.6

من هند بائسة …

أما الهند، فهي قصة مختلفة كليًّا، فلا يزال سكانها البالغ عددهم مليار نسمةٍ فقراءَ نسبيًّا. غير أن الهند، على عكس هونج كونج، تمتلك موارد طبيعية قيِّمة، من ضمنها الغابات، والأسماك، والنفط، والحديد الخام، والفحم، والمنتجات الزراعية، من بين موادَّ أخرى. وقد حققت الاكتفاء الذاتي من الغذاء منذ استقلالها في عام ١٩٤٧، ولكن ظل الفقر الشديد سائدًا.

يلقي كثير من الخبراء اللوم في ذلك على ثقافة الهند المناهضة للرأسمالية، ونظامها الطبقي الجبري، ومشكلة الزيادة السكانية التي تعانيها، ومناخها الحار والرطب (وصلت درجة الرطوبة إلى ١١٧ درجة عند زيارتنا لتاج محل في شهر يونيو قبل بضع سنوات). ولكن ميلتون فريدمان حدد المسئول الحقيقي حين كتب يقول: «التفسير الصحيح … لا يكمن في توجهاتها الدينية أو الاجتماعية، أو في طبيعة أهلها، وإنما في السياسة الاقتصادية التي تبنَّتها الهند.»7

في الواقع، خلال العقد الذي أعقب الاستقلال، تأثَّر نهرو وزعماء هنديون آخرون تأثرًا شديدًا بهارولد لاسكي بمدرسة لندن للعلوم الاقتصادية وزميله فابيانز، اللذين أيدا التخطيط المركزي على النهج السوفييتي؛ فتبنَّت الهند خططًا خمسية، وقامت بتأميم الصناعات الثقيلة، وفرضت قوانين إحلال الإنتاج محل الاستيراد. والأسوأ من ذلك ما قامت به من الإبقاء على تقليد الخدمة المدنية البريطانية من فرض ضوابطَ وقيودٍ على تداول النقد الأجنبي واشتراط الحصول على تراخيص لبدء المشروعات الخاصة.

وحتى اليوم، تُعَدُّ الهند بمنزلة كابوس بيروقراطي.8 فيصف بارث شاه، وهو اقتصادي ورئيس مركز «المجتمع المدني» (www.ccsindia.org9 كيف عاد مؤخرًا إلى الهند والمعاناة التي واجهها للعثور على شقةٍ في نيودلهي (بفضل الضوابط الإيجارية)، ثم كيف قضى نصف يومٍ واقفًا في طابورٍ لدفع فاتورة هاتفه الأولى، ونصف يومٍ آخر لدفع فاتورة الكهرباء. تقول جيتا ميهتا، وهي كاتبة هندية معروفة:10 «لقد أصبح الفساد أمرًا معتادًا بين أولئك الذين يعملون في الخدمة العامة على كل المستويات.» وقد صُنِّفت الهند رقم ١٠٠ على مدار السنين على مؤشر معهد فريزر للحرية الاقتصادية.

… إلى هند جديدة

غير أن هناك أملًا يلوح في الأفق؛ ففي عام ١٩٩١، وعلى أثر مواجهة فوائد تأخير على الدَّين الخارجي، طوت الهند أربعة عقودٍ من العزلة الاقتصادية والتخطيط الاقتصادي، وقامت بتحرير رواد الأعمال؛ فقامت ببيع العديد من شركاتها الحكومية، وخفض التعريفات الجمركية والضرائب، والقضاء على معظم ضوابط الأسعار وتداول العملة؛ ونتيجةً لذلك، أصبحت الهند واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًّا في العالم منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بمعدل نموٍّ بلغ نحو ١٠ بالمائة سنويًّا. والأهم من ذلك أنه بينما ازداد الأثرياء ثراءً، انخفضت معدلات الفقر بشكلٍ حادٍّ في الهند.

هل يمكن للهند اللحاق بهونج كونج؟ يبدو ذلك مستحيلًا بالنظر إلى كونها أكثر دول العالم ازدحامًا بالسكان. ولكن الهند استطاعت تحقيق تقدُّمٍ هائلٍ عن طريق خفض عجز الموازنة الحكومي، وخفض التعريفات الجمركية والضرائب مرةً أخرى، وخصخصة المزيد من المشروعات الحكومية، والقضاء على الروتين في عالم الأعمال، وإعادة الثقة في الحكومة. كذلك يلعب قطاع الأعمال الدولي دورًا كبيرًا بالنظر إلى أن الهند قد أصبحت من الدول الكبرى في تعهيد الوظائف الخدمية. هذا أمر صعب، ولكنه الطريقة الوحيدة لتحقيق ما سمَّاه آدم سميث «الوفرة الشاملة التي تمتد لتصل إلى أدنى طبقات الشعب.»11

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١