الفصل الرابع والعشرون

ماذا حدث للمصريين؟

تعزِف الحكومات بشكلٍ عامٍّ عن الاعتراف بالأخطاء وتغيير السياسات الخاطئة إلى أن ينشأ عن ذلك الكثير من الضرر.

بي تي باور وبي إس يامي1

في كتاب «ماذا حدث للمصريين؟» (مطبعة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ٢٠٠١)، أحد الكتب الرائجة في مصر، يطرح الكاتب جلال أمين سؤالًا وجيهًا. منذ آلاف السنين كانت مصر مهدَ واحدةٍ من أعظم حضارات العالم، في ظل تقدُّمٍ هائلٍ في العمارة، والفلك، والرياضيات، والاقتصاد. وظل الفراعنة يحكمون مصر لقرون.

ولكن مصر اليوم دولة منهارة؛ فلدى وصولنا إلى ميناء الإسكندرية، التي كانت يومًا مدينة الأحلام، قبل بضع سنواتٍ رأينا القُمامة والغبار منتشرَين بشكلٍ كثيفٍ على الطرق العامة. ولدى وصولنا إلى القاهرة لمشاهدة الأهرامات القديمة، رأينا مجاريَ مائيةً ملوثة، ومياهًا غير صالحةٍ للشرب، وفقرًا مدقعًا، وحركةً مروريةً صاخبة، وملايين مكتظين، وباعةً مُلِحِّين، ومزيدًا من الغبار.

أخذت نسخة من كتابٍ عن نظرة الغربيين للحياة في القاهرة. وتُدرِج المؤلِّفة كلير فرانسي العديدَ من النواقص حتى إنها تحثُّ الأجانب المقيمين على إحضار ما يلي معهم: جهاز الرد الآلي على الهاتف، وأجهزة منزلية، وأجهزة كمبيوتر، وأجهزة مودم، وطابعات، وهواتف، وأجهزة فاكس، ومستحضرات تجميل، وبطاريات ضوئية، وجوارب ضيقة، وزجاجات نبيذ، وكتب بالإنجليزية، وملابس، وأحذية! أجل، أحذية؛ «في مدينة تنتشر فيها محالُّ الأحذية بشكلٍ هائل، من المستحيل تقريبًا أن تجد حذاءً مقبولًا!»2 أوه، إنها بشائر قوانين إحلال الإنتاج المحلي محل الاستيراد!3

غير أن مصر تملك موارد هائلة: النفط، القطن، وأراضيَ من أجود الأراضي وأكثرها خصوبةً في العالم عبر وادي النيل، ومنظومة ريٍّ من الطراز الأول، وقناة السويس، وقوة عاملة ضخمة (نحو ٧٠ مليون شخصٍ وهم في تزايدٍ سريع). ولكن نسبة البطالة الحقيقية تبلغ ٢٠ بالمائة، فيما تُعَدُّ البطالة المقنَّعة بمنزلة مرضٍ مستوطن. إن مصر تعاني من هجرةٍ ضخمةٍ للكفاءات؛ إذ يعمل ٢٫٥ مليون مصري بالخارج. كما تعاني البلاد من معدلات أميةٍ تبلغ ٦٦ بالمائة بين النساء و٣٧ بالمائة بين الرجال، وتستورد نصف غذائها، وتُعَدُّ هذه الدولة العربية الأفريقية أعلى الدول المتلقية للمعونة الأمريكية في العالم بعد إسرائيل.

الاقتصاد الإسلامي

ما السبب وراء هذا الانهيار الاقتصادي؟ يُلقي البعض اللومَ على الدين الإسلامي فيما تعانيه من مشكلات؛ فأكثر من ٩٠ بالمائة من المصريين مسلمون سُنَّة، يُفرطون في الصلاة، على حدِّ قول النقاد (خمس مرات يوميًّا)، ويتَّسمون بسخاءٍ مفرطٍ مع الفقراء (ومن ثَمَّ يدعمون دولة رفاهيةٍ اشتراكية)، ويُنجبون أكثر من اللازم (إذ تُعَدُّ مصر واحدةً من أعلى دول العالم في معدلات المواليد)، ويعانون من عبءٍ ماديٍّ شديد (من خلال توفير المسكن لأبنائهم كمهرٍ عند الزواج). ودائمًا ما يحتفل المصريون بالإجازات، من بينها شهر رمضان الذي يتألَّف من صيامٍ خلال النهار والاستمتاع بطيب الطعام خلال الليل، فيما يصبح النشاط العملي متذبذبًا وغير منتظم.

ولكن الدين ليس السبب الحقيقي لمشقات مصر؛ فالمتهم الحقيقي هو سياسة التدخل الاشتراكية في الاقتصاد؛ فعلى حدِّ قول خبيرٍ اقتصاديٍّ مجهول: «يحمل الاقتصاد المصري إرث السياسات الاقتصادية التي تعود إلى خمسينيات القرن العشرين، والتي كانت معنيةً بالمساواة وإعانة الفقراء. وقد كانت هذه السياسات تتَّسم بتنظيم الأسعار، ودعم السلع الاستهلاكية، وقطاعٍ عامٍّ مهيمنٍ وسيطرةٍ للدولة.»4 حين تولَّى جمال عبد الناصر مقاليد الحكم في عام ١٩٥٤، أسَّس «دولة ديمقراطية اشتراكية»، وأمَّم كلَّ شيءٍ تحت الشمس (بما في ذلك شركة البيرة المحلية)، وزاد بشكلٍ كبيرٍ من سيطرة الحكومة على الاقتصاد. علاوةً على ذلك، وبموجب قانون نابليوني، تعاني مصر من كابوسٍ تنظيميٍّ متمثلٍ في الأعمال الورقية والبيروقراطية.

كان من أكثر السياسات الضارة في مصر قوانين إحلال الإنتاج المحلي محلَّ الاستيراد؛ استخدام التعريفات الجمركية، والإعانات، وفرض قيودٍ من أجل حماية الإنتاج المحلي وتعزيزه لجميع أنواع السلع الاستهلاكية، من الأحذية إلى معجون الأسنان إلى السيارات. كان هذا النوع من الحمائية الاقتصادية شائعًا في دول العالم الثالث منذ أن زعم الاقتصاديون التنمويون أمثال جونار ميردال وبول روزينشتاين رودان أن القيود على الاستيراد من شأنها تحفيز الصناعة المحلية والتوظيف؛ ففي مصر، على سبيل المثال، أنفقت الحكومة الأمريكية نحو ٢٠٠ مليون دولارٍ لمساعدة مصر على خلق صناعة أسمنت محلية، على الرغم من إمكانية الحصول على الأسمنت بتكلفةٍ أرخص من الخارج.

أثبتت مثل هذه السياسات أن لها نتائج عكسية؛ فقد أصبح الغبار الذي تسببه مصانع الأسمنت المحلية يغطي القاهرة، وخلَّفت قوانين إحلال الإنتاج المحلي محل الاستيراد حِرْفية رديئة وأسعارًا أعلى من السوق في الأحذية، والأجهزة المنزلية، والمنتجات الاستهلاكية. وقد تغيَّر رأي معظم الاقتصاديين بشأن قوانين إحلال الإنتاج المحلي محل الاستيراد، واعترفوا بأنها تخنق النمو. وفي ذلك يشيرون إلى التوسع السريع لدول شرق آسيا التي امتنعت عن الاستعاضة عن الواردات وركَّزت بدلًا من ذلك على إنتاج صادرات زهيدة الثمن.5

ولحسن الحظ، بدأ أنور السادات، خليفة ناصر، برنامجًا للحدِّ من دور الحكومة. وبعد حادث اغتياله المأساوي في عام ١٩٨١، قام حسني مبارك بتسريع وتيرة سياسات السوق الخاصة بالخصخصة والاستثمار الأجنبي والقضاء على ضوابط الأسعار وتداول النقد. وأصبحت شركة البيرة المحلية ملكية خاصة. غير أنه حتى في الوقت الحالي تتولى الحكومة توظيف ٣٦ بالمائة من القوة العاملة، ولا يزال الاقتصاد يعاني من الرقابة المفرطة.

حقَّقت مصر بعض التقدم منذ عام ١٩٩٠ حين صنفها معهد فريزر في المركز ٨٨ في تقرير المعهد للحرية الاقتصادية. واليوم تُصنَّف في المركز الثمانين.6 من الواضح أن القادة المصريين أمامهم طريق طويل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١