الفصل الثامن

في اليوم السابع غادَرا الواديَ الذي كانا يُخيمان فيه. شعرت هاري بالحزن بعض الشيء، على الرغم من أنها اعتقدَت أن بعضًا من الحنين الذي كانت تشعر به هو قلقٌ من المستقبل.

وقبل أن يمتطيا صهوةَ حِصانَيهما، جاء ماثين ووقَف أمامها، مع قطعةٍ طويلة من الحرير الأحمر الداكن في يده. كانت هاري ترتدي سترةً طويلة حمراء مشقوقةَ الجانب فوق سروالٍ طويل كامل من اللون نفسِه، ومعطفًا أزرقَ داكنًا، لقد أصبحت معتادةً على ملابسِ أهل التلال الآن، وتشعر بالراحة وهي ترتديها، على عكس أمسيتها الأولى في مخيَّم الملك.

قال ماثين: «ارتدي هذا، هكذا.» وأشار إلى خصره؛ إذ كان يرتدي وشاحًا ذا لونٍ أخضرَ داكن. نظرَت نحو خصرها. فألقى ماثين الوشاح الأحمر الداكن فوق كتفه، وأبعد يديها عن جانبيها. وفكَّ الحبل البُني الذي كانت تستخدمه حزامًا، وألقاه كما لو كان من المهملات، ولفَّ وشاح الحرير الأحمر الداكن مرتين حول خصرها، وطوى طرفَيه بطريقةٍ غير مرئيَّة. فنظرَت إلى أعلى لتجد أن ماثين كان يبتسم الابتسامةَ العريضة الشرسة التي اعتادت على رؤيتها عندما كانا يتبارَزان بالسيوف. ثم قال: «يجب على أيِّ فتاة من أهل التلال أن ترتديَ وشاحَ خصرٍ عندما تذهب إلى منافسات لابرون، حيث ستُثبت أنها تستحقُّ ارتداءه.» والتفتَ مبتعدًا كي يمتطيَ ويندرايدر.

وقفت هاري في مكانها لحظةً، وأخذَت تتحسَّس موضع ضغط الوشاح على أضلاعها السفلية أثناء تنفُّسها. ثم وضعَت يدَيها على مقدمة السرج ومؤخرته وقفزَت فوق صهوة صنجولد؛ إذ أصبح بإمكانها الآن فعلُ ذلك بسهولة، وبدأت تُفكر فيما إذا كان بإمكانها أن تتعلم طريقةَ كورلاث في الامتطاء، التي يبدو أنها لا تتطلب استخدام اليدَين.

ظلَّا يركضان ببطء على نحوٍ منتظم طَوالَ ذلك اليوم، على الرغم من أن حصان حمل الأمتعة كان ميَّالًا لإبداء بعضِ التذمُّر. فقد أمضى ستة أسابيع مريحة، ولم يكن بإمكانه على الإطلاق — حتى بعد أن أصبحَت الأحمال التي يحملها أخفَّ بكثير مما كانت عليه قبل ستة أسابيع — مُجاراةُ سرعةِ خيول الحرب القوية التحمُّل. كانت ناركنون تسير بخطواتٍ سريعة بجانبهما، وقد تنحرف باتجاه الشجيرات من حين لآخَر لمُمارسة أمورها الخاصة، وتظهر مرةً أخرى في صمت وقد سبقتهما، لتقفَ في انتظارهما حتى يَلحقا بها. وقد توقَّفا لتناول الغداء والعشاء من المأكولات المجفَّفة، لكنهما واصلا رحلتهما عند الشفق. وبعد غروب الشمس، استطاعت هاري رؤيةَ توهُّج باتجاه الشمال الشرقي.

فقال لها ماثين: «إنها حلقةُ نارِ احتفالية ضخمة في السهل الواقع أمام المدينة؛ إيذانًا بافتتاح المنافسات غدًا عند الفجر.» تساءلَت هاري عمَّا إذا كان أيٌّ من فرسان المنافسات الآخرين يرى أشياءَ في ألسنةِ لهب النيران.

أراد عقلُها أن تشعر بالتوتر والقلق في تلك الليلة، لكنَّ جسدَها المدرَّب جيدًا وهذا الأمرَ الإضافيَّ أيًّا ما كان هو جعلاها تغرق في النوم قبل أن يُتاح لها الوقت للجدال. عند الفجر عندما كانت المنافسات على وشك البدء، امتَطيا حِصانَيهما مرةً أخرى، وسارا على نحوٍ متمهل وهما يستمعان إلى صوت النسيم، وقد توقَّعَت هاري أن تسمع الصدام والصراخ البعيد للصراع. سارا ببطءٍ طوال ذلك اليوم، حتى لا يصلا متعَبَين. وقد تخلَّى حِصان حمل الأمتعة عن الشكوى، وسار على نحوٍ مستسلم.

سارا حول حافَة أحد الأسطح الصخرية الرمادية الكئيبة عند غروب الشمس، وعلى نحوٍ مفاجئ وجدَت أمامها سهلًا واسعًا، ترتفع التلال بنحوٍ حادٍّ حول محيطه. وقد انتشرَت حلقات النار الاحتفالية عبر أرض السهل، ووسط الظلال المتساقطة على نحوٍ سريع، أمكَنها أن تُميز بصعوبةٍ الأشكالَ ذاتَ الأرجل العديدة لخيولٍ محتشدة ورجالٍ محتشدين، والأشكالَ المعتِمة المائلةَ للخيام. كان هناك كثير منهم، فقفز قلبها من موقعه المعتاد وبدأ ينبض بنحوٍ محموم مقابل قاعدة حلقها. فرفعَت عينيها إلى التلال المحيطة بالمشهد مرةً أخرى: بالتأكيد لم يكن هذا السهلُ المسطح الضخم ظاهرةً طبيعية في هذه الأرض الوعرة؟ ومع ذلك، ما نوع الأعمال البشرية التي يمكنها تسويةُ التلال على هذا النحو؟

كان ماثين يُحدق عبر حلقات النار كما لو كان يُمكنه تمييزُ أصحاب الخيام المعتمة غير واضحة المعالم حتى من على هذا البُعد. قالت لنفسها ربما يتمكَّن من ذلك باستخدام بصره الحاد. ثم سألته: «هل تعرف كيف نشأ هذا السهل، يا ماثين؛ هل كان هنا منذ الأزل؟»

قال ماثين، الذي لم يزَل ينظر عبر السهل: «هناك قصةٌ تحكي أن تور قد واجه أهلَ الشمال في هذا السهل، وصدَّهم بعيدًا عن المدينة لمدة تسعة أيام، وقد أذابت حرارةُ تلك المعركة صخورَ التلال، التي صنعَت بِركة، وعندما أصبحَت تلك البركة صُلبة مرةً أخرى، شكَّلَت هذا السهل.»

سألت هاري: «ماذا حدث في اليوم العاشر؟» لكن ماثين حثَّ ويندرايدر على الهرولة دون أن يُجيبها. فهرول صنجولد خلفها على نحوٍ مطيع، وقد انتصبَت أذناه بقوةٍ عند رؤية المشهد الذي أمامه. كان مُستعدًّا لأي شيء قد تطلبه هاري منه؛ مما منَحها قليلًا من الثقة. لكن الفرسان الآخَرين هنا كانوا يعرفون معلومات عن منافسات لابرون ربما منذ نعومة أظفارهم، وربما كانوا يتدرَّبون لخوضها منذ ذلك الحين.

نظر ماثين نحوها. وقال: «نحن في مواجهة مدخل المدينة، لا يمكنكِ رؤيته من هنا. ستَرينه بعد أن نجتازَ ساحة المنافسات.»

«ماثين.»

التفتَ برأسه نحوها بحذر، وهو يتوقَّع سؤالًا قد لا يرغب في الإجابة عليه. رأت عينيه تلمعان ببريقٍ أصفر من ضوء النار.

«هل تشارك نساءٌ أُخريات في المنافسات؟»

نخر، فاعتبرَت ذلك علامةَ ارتياح لأنها لن تُزعجه أكثرَ بالتساؤل عن الملك العادل تور، الذي على الأرجح لم يكن مُملًّا بهذا القدر إذا كان باستطاعته صدُّ أهل الشمال لمدة تسعة أيام وإذابةُ صخور التلال صانعًا سهلًا منبسطًا، وكذلك إيرين والتنانين الخاصة بها. قال بصوتٍ أجش: «عدد قليل. هناك دائمًا عددٌ قليل. فيما مضى كان هناك عددٌ أكبر.» تقدَّم بويندرايدر إلى الأمام مرةً أخرى، ومع نقر الحوافر، كان عليها أن تبذل جهدًا أكبر كي تسمع كلماته الأخيرة: «سيُصبح أمرًا رائعًا بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى بناتنا … دامالور-سول.»

دامالور-سول. أو البطلة.

ومن ثَم نصَبا خيمتَيهما الصغيرتين والملطَّختين بالأتربة من وَعْثاء السفر على مقربةٍ من حلقة التلال التي غادراها للتو. شعرَت بالظلال المقتربة لبعضٍ من أهل التلال الآخَرين وهي تُمسد تسورنين، وعندما عادت إلى ضوء نار المخيَّم الصغيرة التي أوقدَتها أمام خيمتَيهما اللتين من نوع تاري — على نحوٍ فعال إلى حدٍّ كبير، حسبما كانت تظن، بالطريقة الأولى من الطرق الثلاث لإيقاد النار التي تعلَّمَتها من ماثين، والتي تضمَّنَت ببساطةٍ الاستخدامَ الصحيح لصندوق إشعال النار — وجدَت حولها أربعةً من هذه الظلال التي كان يجلس أصحابها على كعوبهم. اقترب ماثين نحو الضوء كما فعلَت، وهو يحمل سرجه. وانضمَّ إلى هؤلاء الأربعة، وبعد تردُّد للحظة، فعلَت مثله. تقدمَت للأمام، وهي تتظاهر بأنها جريئة، نحو فجوةٍ بين مرفقين، فأفسح لها صاحبا المرفقَين مساحةً مثل تلك التي قد يُفسحانها لأحد رفاقهما.

قال ماثين: «كيف تسير أمورُ المنافسات، يا إخواني؟» فأدهشها صوته وهو يتحدث إلى شخصٍ آخرَ غيرها.

هزَّ صاحب أحد الظلال كتفَيه. وقال: «مثلما تسير في اليوم الأول من كل المنافسات السابقة.» كان قد أخبرها ماثين أن اليوم الأول مخصَّص لأولئك الذين حصَلوا على تدريبٍ منخفض المستوى، والذين لا يَسْعون إلى الفوز بأوشحتهم، وقد تنهَّدَت. فقال لها ماثين: «ستجدين أنها منافساتٌ مملة، في اليوم الأول. صدقيني.» ميَّزَت هاري، بعد لحظة، صاحب الظل على أنه إيناث، فشعرَت بالاسترخاء قليلًا.

«وكيف حالُ بطَلتِنا الخارقة؟»

رمشت هاري بعينَيها في اندهاش. لقد استغرق الأمرُ منها ثانيةً لتذكُّر كلمة «بطلة خارقة»، وحينها شعرَت بالقلق والتشجُّع في وقتٍ واحد نتيجةَ قوله «بطلتنا».

قال ماثين قبل أن يبتسمَ لها ابتسامةً عريضة: «إنها بطلةٌ خارقة بالفعل.» فابتسمَت له ابتسامةً خافتة.

أومأ أصحاب الظلال ووقَفوا على أقدامهم، لكن كل واحد منهم لمس كتفها ثم رأسها وهو يمرُّ خلفها. كان الأخير هو إيناث، وظلَّت يده على شعرها مدةً طويلة بما يكفي لأن يُتمتم قائلًا: «تَحلَّيْ بالشجاعة، أيتها البطلة الخارقة»، ثم انصرفَ هو أيضًا.

استيقظ المخيَّم قبل الفجر، وفُضَّت الخيام، وأُطفئت النيران، بعد غليِ مشروب المالاك والعصيدة، وتسخين خبز الإفطار — في يوم من الأيام، هكذا قالت لنفسها، سأُخبر هؤلاء الناس عن التوست. أُعطيَت ناركنون كميةً من العصيدة أقلَّ مما اعتادت؛ لأنها كانت ستحتاج بلا شكٍّ إلى كاملِ قوتها، وهي غير مُتحمِّسة مثلما كانت شهيَّتها في الوقت الحاضر. ثم امتطَت حِصانها وانتظرَت أن تُرسل إلى مصيرها. مرةً أخرى، افتقدَت اللِّجام والزمام، وبدا غمدُ سيفها غريبًا عليها، واعتدلَت فوق السرج، فارتطم الدرعُ الصغير على نحوٍ أخرق بفخذها. قاد ماثين حصانه بجوارها، وتبعه حصانُ حمل الأمتعة على مضَض. قال مع إيماءة في اتجاه بوابة المدينة غير المرئية: «إن طريقك يقع هناك. ستجدين رجلًا يرتدي ملابسَ حمراء بالكامل، كايسين، يمتطي حِصانًا أسودَ اللون مع سرجٍ أحمر.» وأضاف، كما لو أنها قد تحتاج إلى تذكير: «أخبريه باسمك — هريماد-سول.» ربما كانت تحتاج إلى ذلك فعلًا. فتابع: «سيعرف مَن أنتِ.» أزاحت على نحوٍ خفي الدرعَ مسافةَ بوصة واحدة أو نحو ذلك إلى الأمام، وحرَّكَت يديها على فخذَيها. فأحسَّت بأن الجلد يلتصق بها على نحوٍ طفيف. من سيظنُّها كايسين؟ إنها لا تستطيع حتى ربط وشاحها دون مساعدة.

اقترب منها ماثين، وجذب وجهها تجاهه، وقبَّلها على جبهتها. وقال: «قُبلة الحظ. إنك ليس لديك أبٌ أو أمٌّ ممن يحملون الوشاح كي يَمنحوها لك. اذهَبي كابْنةِ الفرسان. انطلقي.»

فالتفتَت مبتعِدةً. كان إيناث يقف مع فحله الرمادي الكبير خلفها تمامًا. فابتسم لها ابتسامةَ صديق. وقال: «تحلَّيْ بالشجاعة، يا ابنة الفرسان.»

كان الطقس في الصباح حارًّا بالفعل، ولم يكن هناك موضعٌ واحد في السهل به ظِل، وبدا أن حلقة التلال تحتفظُ بالحرارة مثل الماء في الوعاء. وجدَت هاري الرجلَ ذا الرداء الأحمر وأعطَته اسمها، وظنَّت أنه نظر إليها بحِدَّة، لكنه ربما نظر بحدة إلى جميع مُرشَّحي منافسات اللابرون. أومأ برأسه وأعطاها خرقةً بيضاء لربطها حول ذراعها، وأرسلها نحوَ حشدٍ من الخيول المتوترة وحتى الفرسان الأكثر توترًا. نظرَت نحوهم على نحوٍ متفحص، كانت هناك بعضُ الخيول الرائعة، لكن لا أحد يستطيع أن يتفوَّق على حصانها، وقليلٌ جدًّا يمكن أن يقترب منه. كانت هناك فرسةٌ ضخمة ذات لونٍ بُني داكن لفتَت انتباهها، يمتطيها فتًى يرتدي زيًّا باللون الأزرق وتبدو عليه علاماتُ القوة. تساءلت هاري عمَّا يعتقده المنافسون الآخرون عن تلك المنافِسة ذات الوشاح الأحمر الداكن التي تمتطي الحصانَ الذهبي الكبير.

كان هناك قليل من المحادثات. هناك المتنافسون الذين قدَّموا أسماءهم للرجل ذي الرداء الأحمر وانضمُّوا إلى الحشد المتزايد باستمرارٍ هنا في طرَف السهل القريب من المدينة، وكان هناك آخَرون — الجمهور، حسبما ظنَّت — احتشَدوا خلف حواجز لم تستطع رؤيتها، وكانت تمتدُّ من قدَمَي حصان الرجل ذي الرداء الأحمر وحتى الجانب البعيد من السهل. حول هاري، حرَّك بعضُ المشاركين في المنافسات خيولَهم في دوائرَ على نحوٍ قلق؛ فقط لتجنُّب الوقوف دون حَراك، بينما راح البعض ينظرون إلى أنفسهم كثيرًا، كما لو كانوا يتفحصون أنفسهم للتأكد من أنهم جميعًا ما زالوا هناك. لفَّت هاري شعر غُرة صنجولد بين أصابعها الرَّطْبة وحاولَت منع أسنانها من اصطكاكِ بعضها ببعض. كانت هناك الأصواتُ الخافتة المملَّة لحركة حوافر الخيول، واندفاع تنفُّسهم، وصرير الجلد، وحفيف القماش، بينما الشمس مُسلَّطةٌ فوق الرءوس. وكمحاولة لإراحة ذهنها عن التفكير في المنافسات مدةً قصيرة؛ نظرَت إلى أعلى، بحثًا عن أي علامةٍ تدل على المدينة، أو طريقٍ ما إلى بوَّابتها، فلم ترَ شيئًا سوى الصخور. قالت لنفسها: إنها أمام عينيَّ مباشرةً ولا أستطيع رؤيتها، وداهمَها الهلعُ لحظةً. حرَّك تسورنين، الذي أصبح بإمكانه قراءةُ العديد من أفكارها بحلول هذا الوقت، أذنًا واحدة للخلف باتجاهها، كما لو كان يقول لها: توقَّفي عن ذلك. فتوقفَت.

بدأت المنافساتُ قبل منتصف الصباح بقليل. في البداية أُخِذت أسلحتهم منهم واستُبدلت بها سيوفٌ خشبية مسطَّحة، واكتشفَت هاري أنها مولَعة بشدة بسيفها أكثرَ مما كانت تظنُّ في السابق. كان الجميع يُثبِّتون خوذاتهم فوق رءوسهم؛ لذا حلَّت خوذتها من أربطتها وثبَّتَتها فوق رأسها. شعرَت بأنها أثقلُ من المعتاد، وبدَت غيرَ قادرة على الرؤية حول الأجزاء المثبتة على خدِّها بوضوح. ثم قُسم المتنافسون إلى مجموعاتٍ مكوَّنة من اثنين، وثلاثة، وخمسة، وثمانية. في هذه المجموعات الصغيرة كانوا يركضون بقوة حتى نهاية ذلك الطريق الممتدِّ بين المشاهدين، ثم يلتفُّون ويعودون. ثم كانوا يُقابلون مجموعاتٍ أخرى من اثنين، وثلاثة، وخمسة، وثمانية، يندفعون لمقابلتهم، فينحرفون عن الطريق ويصطدمون بهم، فيسقط من يسقط منهم في التراب، وتفرُّ خيولهم. لكن هذا لم يحدث لها، ولا لتسورنين. كما لم يحدث للشابِّ ذي الرِّداء الأزرق ولا لفرستِه ذات اللون البني الداكن. وجدَت بعض الصعوبة في جعل تسورنين يلحق بالآخَرين؛ إذ لم يكن مسرورًا بالحشود، لكنه فعَل ما طلبَته؛ لأنها قد طلبَته. أولئك الذين ظلُّوا فوق صهوة خيولهم في كل عمليةِ اكتساح كانوا يركضون ذَهابًا وإيابًا مِرارًا وتَكرارًا، ومع كل اشتباكٍ كانت تظهر عقبةٌ أخرى على طول الطريق الممتدِّ يجب القفزُ عليها أو الصعودُ فوقها: جدار من الخيام المطويَّة، المكدَّسة معًا، سياجٌ من أعمدة الخيام، كومةٌ من الحجارة الصغيرة مع بعض الشجيرات المكوَّمة فوقها. سالت قطراتُ العرق الأولى على كتفَي تسورنين بينما كان يُعطيها رَفْعةً طفيفة احتاجت إليها لتركلَ حذاء منافسٍ مجاور وترميَه على الأرض.

تبقَّت مجموعةٌ صغيرة مكونة من عشرين متسابقًا عند انتهاء الاشتباك الأخير. نظرَت هاري حولها، وهي تتساءل عن عدد الذين أُلْقوا من فوق خيولهم أو جُرحوا، فخمَّنَت أنه كان هناك عدةُ أضعاف من هؤلاء العشرين في البداية. مرَّت بضعُ دقائق بينما كان العشرون المضطربون يسيرون على خيولهم ويتنفَّسون بعمق وينتظرون. ثم جاء المشاهدون نحوهم، وتجمَّعوا مرةً أخرى عند طرَف السهل القريب من المدينة، كان يمتطي بعضُهم الخيول، بينما يحمل جميعُهم عِصِيًّا خشبية طويلة. قالت هاري لنفسها: ماذا سيحدث؟ وعندئذٍ هوَت عصًا على رأسها التي تحتمي بالخوذة، وتعثَّر الحصان الذي أمامها وسقط عند قدَمَي صنجولد. قفز صنجولد فوق الأرجل المضروبة بلا مبالاة كما لو كانت أطرافَ حشائش. بدأت هاري في الهجوم بسيفها الخشبي. وانغرسَت عصًا تحت ركبتها وحاولت إزالتها من فوق سرجها. استدار صنجولد على ساقيه الأماميَّتَين؛ مما منحَها التوازُن، فكسرَت العصا المهاجمة بمقبض سيفها المزيَّف. بدأت تشعر بالحرِّ والانزعاج. وجعل العرق سُترتها الطويلة تلتصق بجسدها، والسترة الجلدية تُصدر صوت صرير مع الاحتكاك. حاول ضوءُ الشمس الحارق دفعها للسقوط من فوق السرج مثلما فعلَت العِصيُّ في أيدي المهاجمين. ما هذا الهراء؟ استخدمَت العصا الخشبية السخيفة، ووقف تسورنين على قائمتَيه الخلفيتين ونزل على الأرض بقوة واندفع إلى الأمام. وكسرَت هي بِضع عِصيٍّ أخرى. وشعرَت بابتسامة ماثين العريضة ترتسمُ على شفتَيها. ضربها شخصٌ ما بحدَّةٍ في كتفها بعصًا، ولكن مرةً أخرى، وبينما هي تترنَّح، انزلق صنجولد جانبًا ليظلَّ تحتها، فضربَت هي هذه العصا ضربةً خلفية ورأتها تقعُ بعيدًا عن يدِ مَن يحملها وهي تدور.

قفز تسورنين فوق حصانٍ آخرَ متعثِّر. ورأت فجأةً أن المشاهدين يُحاصرون المتنافسين، وإذا اندفع أحدُهم بالقرب من المشاهدين، فقد كان يُصَد بضراوة وينسحب إلى الوراء. لاحظَت ذلك باهتمام، وبدأت تُحاول الخروج في عزم، ولكن كان هناك عدةُ مئات يُحاصرون عشرين، ولم يكن هناك سوى عددٍ قليل من أولئك العشرين لا يزال ممتطيًا حصانه.

بدأَت تشعر بمدِّ الغضب الذي تذكَّرَته منذ اليوم الذي أطاحت فيه بماثين من فوق صهوة حصانه، فأمسكت بشخصٍ ما من عظمة الترقوة، وألقَته من فوق حصانه مع عَصاه، وشعرت أنَّ بإمكانها الإفلاتَ من الحصار. كان تسورنين يتراجع، في الغالب على قائمتَيه الخلفيتين. ثم التفَّ، ونزل على الأرض، ووجَّهَت هي ضربةً عنيفة أخرى بنصلها الخشبي البائس، فأصدر المقبضُ صريرًا مشئومًا، لكن هذا لم يكن مُهمًّا؛ فقد أصبحَت … خارج الحصار.

وهنا صاح الرجلُ ذو الرداء الأحمر بصوتٍ عالٍ. لقد انتهى الأمر.

تفرَّق الحشد على الفور، كما لو أن صيحة الرجل ذي الرداء الأحمر قد قطعَت الحبل الذي يربطهم جميعًا معًا. كان هناك العديدُ من الخيول الطليقة التي تقفُ بلا راكبيها، والتي بدَت محرجة لأنها تصرفَت بنحوٍ سيئ للغاية، لدرجة أنها أوقعَتهم من فوق ظهورها، والعديد من الأشخاص الذين يعرجون والذين انفصَلوا عن الآخرين وعادوا للانضمام إليهم. جلسَت هاري حيث كانت، وأخذ المدُّ الغاضب ينحسر، تاركًا وراءه بعضًا من الصداع، وهي تُشاهد الآخرين وهم يمرُّون من حولها مثل حبَّات الرمل التي تتغربلُ حول صخرة. رأت ماثين من مسافةٍ بعيدة؛ كان يحمل عصًا على أعلى كاهلِ ويندرايدر، وكان هناك جرحٌ سطحي فوق إحدى عينَيه، وقد نزَف على خدِّه. ولم ترَ أيًّا من الفرسان الآخرين.

حدقَت بعينين نصف مغمَضتَين في السماء. كانت التلال سوداءَ بسبب الظلال، لكن السماء كانت زرقاء صافية، وشعرت بالحرارة تتصاعد مرةً أخرى من تحت الأقدام. وسط الهدوء — لأنه، حسبما حدث هذا الصباح، لم يتحدَّث أحد، وحتى الخيول بدت وكأنها تخطو بهدوء — بدَت الحرارة شبه مسموعة. فجعلَت تسورنين يوجِّه نفسه ويسير على نحوٍ يمنحه التبريد قدر الإمكان. وربتَت على رقبته، وترجَّلَت من فوق صهوته كي يسيرا معًا. كان يتصبَّب عرقًا لكنه لم يشعر بالضيق، وهز رأسه لها. استردَّت سيفها من الكايسين الذي حيَّاها. ولم يوجه التحية إلى متنافس لابرون الذي كان أمامها مباشرة.

عاد ماثين إلى الظهور، وأخبرها أنها يُمكنها الراحة بعض الوقت. غُسل خدُّه بالماء وأصبح نظيفًا، ورُبطت قطعةٌ من القماش الأبيض فوق حاجبه. وقال: «ستُقام المبارزات الفردية طوال وقتِ ما بعد الظهر، وستُدعَين إلى المشاركة في وقتٍ لاحق.»

وجدا بقعةً من الظل على حافة السهل وسحَبا السروج من فوق الخيول. أعطاها ماثين بعض الخبز وبعض الجُبن الأبيض الرطب الذي لا طعم له. امتصَّته ببطء وتركَته يسيل في حلقها الجاف. فشعرَت بهدوءٍ شديد وتساءلت عمَّا حلَّ بها. وقالت: «هل كل المنافسات متشابهة، يا ماثين؟ هل ركَضتِ وضربت الناس بعصًا خشبية في منافساتك؟»

«كلَّا وأجل. إنهم يختبرون فروسيتَكِ بطرقٍ مختلفة؛ أولئك الذين يُشاهدون دائمًا لديهم فرصةٌ للمساعدة — أو الإعاقة، وأسلحة الخشب أكثرُ أمانًا. لكن مبارزات وقتِ ما بعد الظهر لا تتغيَّر أبدًا، متسابقٌ واحد ضد آخر، وكلٌّ منهما يحمل سيفه الخاص. إذا أعلن كايسين أنَّ متنافسًا ما كان سيئًا في المنافسات العامة، فلن يُسمح له بالاشتراك في المنافسات الفردية.»

راقَبا سُحب الغبار القادمةَ من المبارزات وشقوق الألوان البرَّاقة التي تدور فيها، لكن ماثين لم يتحرك للعودة إلى طرَفِ السهل هذا، وانتظرَت هاري بجانبه، متَّكِئةً على مرفقَيها على الرغم من كتفها المتألمة.

انتصفَت الشمس في كبد السماء عندما امتَطيا حِصانَيهما مرةً أخرى. ورفض صنجولد، للمرة الأولى منذ أن عرَفَته، أن يسير، وتقافزَ على نحوٍ جانبي، وهو يُلقي برأسه. فصاحت فيه بلغةِ هوملاند: «توقف عن ذلك، أيها الأحمق»، فتوقف وهو يشعر بالاندهاش. أدار ماثين رأسه ونظر إليها بلا مبالاة.

وقفا على مقربةٍ من الحشد الآن، وهما يُراقبان المقاتلين. كان هناك خمسةُ أزواج، كلٌّ منها يُشكل حلبة حرب خاصة، وأصبح هناك عشرةُ رجال من ذوي الزيِّ الأحمر فوق خيولٍ رمادية أو سوداء. إذ خُصص لكلِّ زوجٍ من المقاتلين رجلان من ذوي الزيِّ الأحمر، وكان يحمل أحدهما جرسًا نُحاسيًّا صغيرًا، عندما كان يرن الجرس تنتهي المبارزة، ويتباعد الحصانان، ويلهث المتنافسان وحِصاناهما متنفسين الهواء الساخن. كان جميعُ متنافسي لابرون يرتدون ألوانًا زاهية، كان هناك قليل من اللون الأبيض ولم يكن هناك لونٌ بني مائل للرمادي، أو رماديٌّ كئيب، ومع الكايسين ذي الرداء الأحمر، كان مشهدًا زاهيًا للغاية.

ومن ثَم قُرع جرس، مع رنينٍ طويل مبهج، ونظرَت إلى المتنافسَين اللذين انتهى نِزالُهما. كان أحدهما يرفع سيفه ويهزُّه حتى ومض عليه ضوءُ الشمس. وجلس الآخر في هدوء، وسيفُه على الأرض عند القائمتين الأماميتين لحصانه، ولاحظَت مع شعورٍ مضحك في أعماقها أن وشاح خصره قد قُطع بدقةٍ من حول خصره، وقد أُلقيَ جزءٌ منه على ردف حصانه، والجزءُ الآخر على الأرض.

قال ماثين: «إنَّ أفضل طريقةٍ لهزيمة خَصمك أن تقطع وشاحه. الكايسين يلاحظ كل الضربات، لكن قطع وشاح المنافس هو أفضلُ تصرف. وهذا ما ستفعلينه.»

قالت هاري: «أوه.»

وأضاف ماثين مستدرِكًا: «يُمكنك، إذا رغبتِ في ذلك، أن تُسقِطيه من فوق حصانه أولًا.»

قالت هاري: «شكرًا.»

«لكن يجب ألَّا تُصيبيه بجرحٍ ينزف دماءً؛ لأن هذه علامة على الحماقة. باجا، هذا ما نطلقه على الشخص الذي يجرح خصمَه أثناء منافسات اللابرون — باجا؛ أي: جزار. إنها مهارةٌ نبحث عنها. هذا هو سبب عدم السماح باستخدام الدروع في المبارزات الفردية.»

قالت هاري: «بالطبع.»

ابتسم لها ماثين ابتسامةً عريضة. وقال: «بالطبع. أليس هذا ما كنتُ أُعلِّمكِ إياه؟» شاهد المتبارزَين التاليين يُقدم كلٌّ منهما التحيةَ للآخَر، ورنَّ جرسٌ آخر من مبارزة متنافسين آخَرين؛ إن كل جرس من الأجراس الخمسة كان يصدر نغمةً مختلفة. وأضاف ماثين: «تعود المنافسات إلى أجيالٍ عديدة سابقة، كانت تُقام قبل ذلك كلَّ عام، لكن لم يَعُد هناك ما يكفي منَّا في أرض التلال لنُحافظ على هذا التقليد؛ لذا، أصبحت تُقام الآن كلَّ ثلاثة أعوام، وذلك منذ عهد والد كورلاث.

إن قطع الوشاح — تشوراكاك — هو مبارزةُ شرفٍ قديمة قِدَم دامار؛ أقدم بكثير من منافسات لابرون نفسها، على الرغم من أن القليل الآن هم مَن يتبارزون بطريقة تشوراكاك خارج المنافسات.»

وأضاف بتمعُّن: «لقد تبارزَت إيرين بطريقة تشوراكاك عدةَ مرات. لا شك أن شعرها الأحمر جعلها سريعةَ الغضب.»

صاح كايسين: «هريماد»، فاندفع تسورنين للأمام قبل أن تُسجِّل هاري اسمها. كانت تُواجه فتًى يرتدي رداءً أخضر ووشاحًا أصفر، وقال الكايسين: «ابدآ»، فحثَّت هاري تسورنين على المناورة إلى اليسار، وإلى الخلف، وإلى الأمام، وسقط سيفُ الفتى على الأرض، وسقط وشاحه الأصفر نحو الأرض ليُغطي السيف. فرنَّ جرس.

اندهشَت هاري قليلًا. لوَّح لها الكايسين كي تتنحَّى جانبًا. بسَط تسورنين أذنَيه؛ فهو لم يكن مُهتمًّا بالفتيان الذين لا يعرفون ماذا يفعلون. وفي المبارزة التالية، أزالت هاري وشاحًا برتقاليًّا داكنًا من حول رداءٍ أزرق سماوي، وبعدها، وشاحًا أبيض من رداءٍ أرجواني. وبدأت هاري تشعر بالعصبية مثل حصانها، ومع كل نداء عليها «هريماد» كان يلتفت الاثنان ويقفان ويُهاجمان ويتساءلان متى ستبدأ المبارزاتُ القوية. بدأت هاري في الإطاحة بمنافسيها من فوق خيولهم قبل أن تقطع أوشحتهم لمجردِ إعطاء نفسها شيئًا ما لتفعله.

بدأَت ظلالُ التلال في الزحف نحوَ أقدام الخيول الراقصة التي تخوض المبارزات، وصنعَت أشعةُ الشمس الآخذة في الانخفاض انعكاساتٍ خطيرةً على الجوانب اللامعة للسيوف ونحو عيون المتبارزين. أصبح لونُ تسورنين داكنًا بسبب العرَق، وانساب الزبَدُ على جوانبه، لكنه لم يتباطأ ولو بقدرٍ ضئيل، وبدا لهاري أنهما يركضان في قاعةٍ طويلة من التماثيل مع سيوفٍ مثبتة بقوة في أيدٍ مرفوعة، في انتظار أن تميل هي بهدوء من فوق رقبة صنجولد وتقطع أوشحتهم.

دقَّت الأجراس الخمسة كلها في وقتٍ واحد عندما سقط الوشاح الأخضر من سنِّ سيف هاري على الأرض، ونظرَت حولها فأدركَت أنها وخَصْمها الأخير كانا آخِرَ مَن انتهيا. اقترب الوقتُ من الشفَق، وفوجئت بأنهم استمرُّوا مدةً طويلة. الآن بعد أن توقفَت لتُفكر في الأمر، كان من الصعب رؤيتُه نوعًا ما؛ كان الأمر كما لو أن الغسَق قد حلَّ عليهم بمجرد أن توقفوا عن الحركة. اتسعَت واحمرَّت فَتْحتا أنفِ تسورنين وهو يُدير رأسه. نظرَت إلى حيث كان ينظر. وقف حِصانٌ ضخم داكن اللون كما لو كان ينتظرهما. رمشَت هاري بعينيها وحدقَت نحوه، ومدَّ الحصان الآخَرُ رأسه. هل كان كستنائيَّ اللون أم أسود؟ بدا لها أن عينَيها مُجهَدتان؛ فرفعَت إحدى ذراعَيها وفركتهما على كمِّها المتسخ، ونظرَت مرةً أخرى، لكن الحصان والفارس كانا لا يزالان يومضان أمام بصَرِها، وميضًا من الظلام بدلًا من الضوء. كان الفارس الطويل القامة يرتدي عباءةً جعلتها الظلالُ داكنةً وقد انسدلَت على كتفَي حصانه حتى وصلَت إلى أعلى حذائه، هزَّ كتفيه لِيُلقيها خلفه، فظهَر من تحتها رداءٌ أبيض ووشاحٌ أحمر. تململ الحصانُ باتجاه أحد الجوانب، وظهر بريقُ اللون الكستنائي على طول جانبه الداكن.

تحرَّك المشاركون في المنافسات والمشاهدون لتشكيلِ حلقةٍ حولهما، الحصان الكستنائي الذي حوَّلَته الظلال إلى لونٍ داكن وتسورنين. ومن ثَم ساد الصمت، بعد صوت ضرب الحوافر والنخرات والضربات والصدمات، على نحوٍ غريب، وغاصت الشمسُ أكثرَ خلف التلال. وهبَّت أولُ نسمة من رياح المساء عبر التلال، ولمسَت إصبعُها الباردة خدَّ هاري، وجعلها تشعر بالخوف.

ثم ظهرَت شعلة، رفعها عاليًا أحدُ المحيطين بهما، وكان شخصًا يمتطي صهوةَ حصان. ثم أوقدَت شعلةً أخرى، وأخرى، وأخرى. غُمِرَت الأرض المرهقة بين هاري والفارس الصامت عند الطرَف الآخر من الدائرة بالضوء الخافت. ثم رنَّت الأجراسُ النحاسية مرةً أخرى، مثل صوتِ مدفع من مَدافع الأغراب في أذنَي هاري، وعادت الحياة إلى صنجولد، فصهل، وردَّ عليه بالمثل الحصانُ الكستنائي.

لم تعرف هاري إن كانت المبارزة قد استمرَّت مدةً طويلة أم قصيرة. لكنها عرَفَت على الفور أن هذا المُبارز، المتخفِّيَ خلف وشاحٍ ملفوف حول رأسه ووجهه بحيث لا يُظهِر سوى عينَيه، كان بإمكانه تقطيعُ أوصالها متى أراد. بدلًا من ذلك، جعلها تُهاجمه، وكشف دفاعه ليحثَّها على القيام بكلِّ الحركات العديدة التي علَّمها لها ماثين، كما لو كان مديرَ مدرسةٍ يختبر إتقانها لدروسها. وقد واجهَ الأمر بسهولة لدرجة أن هاري بدأَت في الشعور بالغضب، وبدأت في إخلاءِ مساحةٍ صغيرة في ذهنها للتفكير في خطةٍ خاصة بها، فازداد غضبُها وأصابها بصداع حتى ازداد احمرارُ ضوء الشعلة أمام عينَيها بسببه، لكنها لم تهتمَّ؛ لأنها أدركَت الآن أنه يمنحُها قوة. وهي قوة كانت في حاجة إليها؛ لأنها كانت متعبة، وكان حِصانها متعبًا، وكان بإمكانها ملاحظةُ أن الحصان الكستنائي كان في كاملِ نشاطه، وأمكنَها أن تشعر عبر ذراعها عندما يلتقي السيفان بأنَّ الفارس لم يبذل أيَّ مجهود لمقاومتها. لكنَّ غضبها المتصاعد حمَّسها ونشَّط صنجولد، وبدأت تضغط بعنف على الفارس الممتطي صهوةَ الفحل الكستنائي — حتى ولو قليلًا؛ إذ كان لا يزال قليلًا. هاجمَت من الأمام وتراجع الحصان الكستنائي خطوةً أو خطوتَين، فشهق المشاهدون؛ وبضربةٍ سريعة ورشيقة، لمس طرَفُ سيفها الوشاحَ الملتفَّ حول وجه الفارس ومزَّقه من عند الذقن. أساءت تقديرَ قوة اللمسة بمقدار شعرة، فسالت قطرةُ دمٍ واحدة من زاوية فمه. حدَّقَت في الوجه، مذهولةً، وهي تشعر بأن وشاحها ينزلق على ساقَيها وقد مُزِّق إلى قطعتَين وسقط على الأرض؛ إذ اكتشفَت أنه وجه كورلاث.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤