الفصل الرابع

الثلاثاء ٦ من سبتمبر

كان زيتون يستمتع بالماء البارد في أول مرة يستحم فيها منذ أكثر من أسبوع. كان يعرف أن المياه يمكن أن تنقطع إلى الأبد في أي لحظة، فتمهل عدة ثوانٍ أخرى بعد انتهاء الحمَّام.

لكنه كان متأهبًا للرحيل. كان السكان يُخلون الأحياء من حوله، ولن ينقضي وقت طويل حتى لا يجد من يطلب المساعدة، ولا يكاد يبقى شيء يشاهده. جعل يتساءل متى، وكيف يرحل. ربما بعد أيام معدودة يستطيع أن يتجه إلى نقطة الغوث عند تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز، ويسأل الموظفين وعمال الإغاثة هناك عن وسيلة الخروج من المدينة. كل ما يحتاج إليه هو الذهاب إلى المطار في نيو أورلينز أو باتون روج، ثم يستقل الطائرة إلى فينيكس. لم يعد لديه ما يشغله في هذه المدينة؛ فمخزونه في الطعام تناقص، وكان يفتقد كاثي والأطفال. كان الوقت قد حان.

وهبط إلى الطابق السفلي.

وقال لناصر: «الحمَّام جاهز لك.»

واتصل زيتون بأخيه أحمد في إسبانيا.

وسأله أحمد: «هل تدرك أي صور نراها في التليفزيون؟!»

وبينما كانا يتحدثان، سمع صوت ناصر من مدخل المنزل، كان يحادث شخصًا ما خارج المنزل.

ونادي ناصر: «زيتون!»

وقال زيتون: «ماذا؟»

فقال ناصر: «تعالَ هنا. هؤلاء يسألون إن كنا بحاجة إلى الماء.»

وأنهى زيتون المكالمة وسار نحو الباب.

وقابل الرجال زيتون في بهو المدخل. كانوا يرتدون أزياء رسمية مختلطة من الشرطة والجيش. أردية المهام الصعبة، وصديريات واقية من الرصاص، وكان معظمهم يلبسون نظارات شمسية، ولدى كل منهم بندقية من الطراز إم-١٦ ومسدسات. وسرعان ما ملئُوا البهو، كان عدد الأسلحة النارية البارزة لا يقل عن عشرة.

سأله أحدهم: «من أنت؟»

فقال زيتون: «أنا المالك. أمتلك هذا المنزل.»

واتضح لزيتون الآن أنهم ستة أشخاص، خمسة منهم من ذوي البشرة البيضاء، وامرأة أمريكية من أصول أفريقية. كان من الصعب التحقق من أزيائهم الرسمية تحت واقي الرصاص. هل كانوا من الشرطة المحلية؟ كانت المرأة الفارعة الطول ترتدي الزي العسكري المخصص للتمويه، كانت على الأرجح من الحرس الوطني، وكانوا جميعًا يتطلعون إلى شتى أرجاء المنزل كأنما استطاعوا أخيرًا أن يشاهدوا ما بداخل منزل كانوا يراقبونه من مسافة بعيدة. كانوا متوترين، وإصبع كل منهم على زناد سلاحه. وفي المدخل، كان أحدهم يفتش روني، وأرغم آخر ناصرًا على الوقوف أمام الحائط.

وقال أحدهم لزيتون: «أعطني بطاقتك الشخصية.»

فأعطاها زيتون له، وتناول الرجل البطاقة وأعادها إلى زيتون دون أن ينظر فيها.

وقال: «اركب القارب!»

واحتجَّ زيتون قائلًا: «لم تفحص البطاقة!»

وصرخ رجل آخر: «تحرك!»

•••

ودُفع زيتون نحو الباب الأمامي، وكان الرجال الآخرون قد ساقوا روني وناصرًا إلى سفينة مروحية هائلة الحجم. كانت سفينة حربية أكبر من أي سفينة أخري شاهدها زيتون أثناء العاصفة، وكان رجلان على الأقل يصوبان البنادق الأتوماتيكية إليهما.

وفي هذه اللحظة وصل زورق آخر. وكان تود يقوده، بعد انتهائه من جولات الإنقاذ.

وسأل: «ماذا يحدث هنا؟»

وقال أحد الرجال: «من أنت؟»

وأجاب تود: «إني أقيم هنا، ولديَّ البرهان، إنه داخل المنزل.»

وقال الرجل: «اركب السفينة!»

ولم يكن زيتون مذعورًا؛ إذ كان يعرف أن المسئولين يقومون بإخلاء المدينة بالقوة، وتصوَّر أن ما يحدث له علاقة بذلك. وكان يعرف أن المسألة سوف تُسَوَّى مهما يكن المكان الذي كانوا يساقون إليه، لم يكن يحتاج إلا إلى الاتصال بكاثي حتى تقوم بتوكيل أحد المحامين.

ولكن رقم تليفون يوكو في المنزل، وكان بجوار التليفون على منضدة البهو، وإن لم يحصل عليه الآن، فلن يستطيع الاتصال بكاثي. ولم يكن قد حفظ الرقم.

وقال لأحد الجنود: «لا تؤاخذني. لقد تركت قصاصة ورق على هذه المنضدة. إن بها رقم تليفون زوجتي. وهي في أريزونا. وهو الوسيلة الوحيدة …» وتقدم تجاه المنزل، مبتسمًا في أدب. كان ذلك الرقم كل شيء، كانت تلك القصاصة تبعد عنه خمس عشرة قدمًا.

وصرخ الجندي: «لا!» وقبض على ظهر قميص زيتون، وأداره ودفعه إلى السفينة.

وظل الأسرى الأربعة واقفين في السفينة، محاطين بستة أفراد عسكريين، وحاول زيتون أن يحدس من كانوا، ولكن الأدلة كانت قليلة. كان اثنان أو ثلاثة منهم يلبسون ملابس سوداء، لا تعلوها أي بطاقات ظاهرة أو شارات واضحة.

لم يتكلم أحد، وكان زيتون يعرف أن عليه ألا يتسبب في تفاقم الموقف، وتصور أنه حين تجري مقابلتهم مع أحد رؤساء هؤلاء، فسوف تنجلي الحقيقة، لا بد أنهم سوف يُوبخون بسبب بقائهم في المدينة بعد أن بدأ تنفيذ أمر الإخلاء الإجباري لها، ثم يرسلون إلى الشمال في أتوبيس أو طائرة عمودية. وقال في نفسه: إن كاثي سوف يهدأ خاطرها حين تسمع أنه بدأ خطوات الرحيل من المدينة، أخيرًا.

وأسرعت السفينة في شارع كليبورن ثم نابليون حتى غدت المياه ضحلة عند تقاطع شارع نابليون وسانت تشارلز.

وأوقف الربان محرك السفينة، وتركها تبطئ حتى ترسو ناحية التقاطع. كان في ذلك المكان اثنا عشر رجلًا يرتدون الأزياء الرسمية للحرس الوطني. وانتبهوا جميعًا لما يحدث، وتطلع عدد قليل من رجال آخرين يلبسون صديريات واقية من الرصاص، ونظارات شمسية، وقبعات سوداء إلى القادمين. كانوا ينتظرونهم.

وفي اللحظة التي سيق زيتون والثلاثة الذين معه فيها خارج السفينة، انقضَّ عليهم أكثر من عشرة جنود، فوثب رجلان يلبسان واقي الرصاص على زيتون وطرحاه أرضًا، فَدُفِنَ وجهه في الكلأ المبتل، واضطر إلى بصق ما دخله من الطين، وكانت ركبة أحدهما فوق ظهره، ويداه فوق ساقي زيتون. وشعر كأن من فوقه ما لا يقل عن ثلاثة رجال يرغمونه بكل قوتهم على الثبات على الأرض، على الرغم من أنه لم يتحرك ولم يقاوم، ثم شُدَّ ذراعاه خلف ظهره، وقُيدتا بأربطة من البلاستيك، وربطت ساقاه معًا، وفي غضون ذلك كله كان الرجال يصدرون الأوامر بصوت مرتفع قائلين: «اثبت في مكانك!» «ابقَ كما أنت يا ابن الداعرة!» «لا تتحركْ أيها القذر!» ومن طرف عينيه كان يرى الثلاثة الآخرين — ناصرًا وتود وروني — منطرحين على الأرض ووجوههم في الرغام، ورُكَبُ الرجال فوق ظهورهم، وأيدي الرجال فوق أعناقهم. كان المصورون يلتقطون الصور، والجنود يرقبون ما يجري، وقد وضع كل منهم إصبعه على زناد سلاحه.

•••

وكافح الرجال الأربعة لاستعادة توازنهم وأرجلهم مقيدة أثناء رفعهم، ودفعهم في شاحنة ضخمة بيضاء. جلسوا على مقعدين خشبيين داخلها يواجه بعضهم بعضًا، لم يتكلم أحد، ودخل أحد الجنود فجلس في مقعد السائق، وبدا أن وجهه منشرح، فجازف زيتون بسؤاله.

قال زيتون: «ما الذي يحدث هنا؟»

قال الجندي: «لا أدري. فأنا من إنديانا.»

وانتظروا ثلاثين دقيقة في الشاحنة، كان زيتون يستطيع متابعة ما يجري خارجها؛ جنود يتحدثون بنبرات توحي بالعجلة بعضهم مع بعض وفي أجهزة اللاسلكي. كان ذلك الموقع تقاطعًا حافلًا بالحركة يمر به في كل يوم. واستطاع أن يرى مطعم كوبلاند، الذي كثيرًا ما تناول الطعام فيه مع أسرته على ناصية الشارع، أصبح الآن موقعًا عسكريًّا، وكان زيتون أسيرًا، وتبادل النظرات مع تود، كان تود يحب التفكُّه، وسبق له أن خرق القانون مرة أو مرتين، وهكذا فقد كان، حتى في المقعد الخلفي لشاحنة عسكرية، يبدو كمن يجد فيما حدث ترفيهًا، فكان يهز رأسه ويدير عينيه دهشة.

وتذكر زيتون الكلاب التي كان يطعمها، ولفت إلى ذلك نظر أحد الجنود الذين يمرون وراء ظهر الشاحنة المفتوحة.

قال زيتون: «كنت أطعم الكلاب. هل أعطيك العنوان فتخرجها وتنقلها إلى مكان؟»

فقال الجندي: «قطعًا. سوف نعتني بها.»

فسأله زيتون: «هل أعطيك العنوان؟»

فقال الجندي: «لا، أعرف مكانها!» ومضى في طريقه.

وانطلقت الشاحنة في اتجاه وسط المدينة.

وتساءل تود بصوت عالٍ: «نحن ذاهبون إلى القبة الكبيرة؟»

وعلى بعد شوارع معدودة من الاستاد، وقفت الشاحنة في مدخل للسيارات على شكل هلال بمحطة المسافرين الاتحادية في نيو أورلينز، ملتقى قطارات شركة أمتراك، الداخلة والخارجة، موقف الأتوبيسات السريعة التي تربط المدن. وبدا لزيتون أنه كان على حق في تصور أنهم كانوا يُجلَون بالقوة من المدينة، وأحس بالارتياح فاضطجع في مقعده، قال في نفسه إنهم أخطئُوا حين لم يسمحوا له باصطحاب أي منقولات يملكها، وأحس أن معاملة جنود الشرطة والجيش كانت تتسم بالخشونة، وإن كانت النتيجة سوف تكون بسيطة ومنصفة، ظانًّا أنهم يُنقَلون بالأتوبيس أو بالقطار إلى خارج المدينة.

كان زيتون سبق له أن استقبل أصدقاءه وأقاربه وأوصلهم إلى المحطة بضع مرات على مر السنين. وكانت تلك المحطة تتميز بفناء أمامي يكسوه الكلأ ويعلو فيه النخيل، كانت قد افتتحت في عام ١٩٥٤، وكانت آنذاك مبنى من طراز «آرت-ديكو» يطمح إلى الإيحاء بالجلال، ولكن إرهاق روتين المحليات لها صبغها على مر السنين بلون أغبر. وكان يقوم في الفناء الأمامي تمثال بلون «غزل البنات» يفصح عن نزوة نحاتٍ طارئة؛ إذ كان يشبه مجموعة من لعب الأطفال أُلصقت معًا دون مبرر ودون نظام. وعلى مبعدة بضعة شوارع كانت تلوح القبة الكبيرة.

وحين تباطأت شاحنتهم بجانب المبنى، شاهد زيتون سيارات الشرطة والعربات العسكرية، كان رجال الحرس الوطني يذرعون المنطقة في دوريات منتظمة. لقد أصبحت المحطة قاعدة عسكرية من لون ما، وشاهد بعض الأفراد غير عابئين، يتحدثون بلا غاية بجوار عربة جيب، يدخنون. ولكن أفرادًا آخرين كانوا يقومون بالحراسة كأنما يتوقعون وقوع حصار في أي لحظة.

وتوقفت الشاحنة عند باب المحطة الجانبي، وأُخرج الأسرى من الشاحنة وسيقوا إلى داخل المحطة. وعندما دخل زيتون والآخرون الحجرة الرئيسة للمحطة، تطلعت خمسون زوجًا من العيون إليهم فورًا، عيون الجنود ورجال الشرطة وأفراد الجيش، لم يكن بداخلها من المدنيين غيرهم، كان يبدو كأنما دُبِّرَتْ هذه العمليات كلها — أي تحويل محطة الأتوبيس إلى قاعدة عسكرية — من أجلهم.

كان قلب زيتون يدق بعنف. لم يشاهدوا أي مدنيين أو عاملين بالمستشفى، أو رجال تقديم المساعدة الإنسانية على نحو ما كان شائعًا في مواقع انطلاق المسافرين، مثل موقع تقاطع شارعي نابليون وسانت تشارلز. كان هذا الموقع مختلفًا، كان عسكريًّا تمامًا، والتوتر سائدًا.

وقال تود: «هل يسخرون منا؟ ماذا يحدث بحق الشيطان؟»

وأُجلس الرجال الأربعة على مقاعد من النوع الذي يُطوي بالقرب من شباك تذاكر شركة أتوبيس المدن، ومع كل دقيقة تمضي كان كل من في محطة الأتوبيس يزداد اهتمامًا، فيما يبدو، بزيتون وناصر وتود وروني.

وحولهم في كل مكان كان رجال يرتدون الزي الرسمي من شرطة نيو أورلينز، وجنود الحرس الوطني، وحراس السجن الذين أُلصقت شارات تحمل عبارة مصلحة سجون لويزيانا على أزيائهم، وأحصى زيتون ما يقرب من ثمانين فردًا، وما لا يقل عن اثتني عشرة بندقية هجومية من مساحة نصف قطرها ثلاثون قدمًا. وكان شرطيان يحرسان المكان ومعهما كلبان، وكان كلٌّ منهما يقبض بإحكام على المقود.

ورُفع تود من مقعده وسيق إلى مكان شباك تذاكر القطارات على الجدار. وأحاط شرطيان به من الجانبين، وبدأ شرطي ثالث من الناحية الأخرى من شباك التذاكر يستجوبه. وظل الرجال الثلاثة الآخرون جالسين، ولم يستطع زيتون أن يستمع إلى الاستجواب.

كان الجنود والحراس القريبون منهم متوترين. وعندما تململ ناصر في مقعده سمع عبارات التقريع من فوره:

«اجلس ساكنًا. عد إلى وضعك الأول.»

وقاوم ناصر أول الأمر.

قالوا: «لا تتحرك! ضع يديك حيث أراهما.»

وتفحَّص زيتون ما يحيط به، كانت المحطة لا تزال كما هي من عدة زوايا جوهرية؛ فكان حانوت محطة المترو لا يزال قائمًا، وشتى أماكن قطع التذاكر، وكشك الاستعلامات، ولكن المحطة لم يكن بها مسافرون، لم يكن بها سوى رجال ونساء مسلحين، مئات من صناديق زجاجات الماء، وغيرها من المؤن مكدسة في الأبهاء، إلى جانب زيتون وزملائه السجناء.

كان تود يجادل الذين يحققون معه، كانت تصل إلى مسامع زيتون شذرات عالية من الجدل أثناء استمرار الاستجواب عند شباك التذاكر. كان تود دائم الحماسة في الأيام العادية؛ ولذلك لم يدهش زيتون حين بلغت إثارته ذروة جديدة أثناء التحقيق.

سأل تود: «هل تتاح لنا فرصة مكالمة تليفونية؟»

وقال الشرطي: «لا.»

«لا بد أن تتيحوا لنا مكالمة تليفونية.»

ولم يجب الشرطي.

ورفع تود صوته، ودارت عيناه غيظًا، فاقترب منه الجنود المحيطون به، وهم يصرخون محذرين مهددين.

وسأل أحد الجنود الذين مروا به: «ما سبب وجودنا هنا؟»

وقال الجندي: «أنتم أيها الرجال من القاعدة!»

وضحك تود ساخرًا ولكن زيتون أصابه الذعر. من المحال أنه سمع ما سمع!

لطالما كان زيتون يخشى قدوم هذا اليوم، وفي كل مرة كان رجال الشرطة يستوقفونه بسبب مخالفة مرورية، كان يعرف أنه قد يتعرض للمضايقات، وسوء الفهم، والاشتباه في قيامه بمعاملات مريبة، وهي الأفكار التي قد تونع في مخيلة أي رجل من رجال الشرطة. كان يعرف هو وكاثي أن مخيلات الكثيرين تشطح بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ شطحات لا حد لها، وأن الزعم بوجود «خلايا نائمة» — أي وجود من سوف يصبحون إرهابيين، ويقيمون في الولايات المتحدة ينتظرون الانقضاض أعوامًا أو عقودًا — معناه أن كل شخص في مسجدهم، أو المسجد كله نفسه، ربما كان ينتظر وصول التعليمات من زعماء مفترضين في تلال أفغانستان أو باكستان.

كان القلق يساوره هو وكاثي من نطاق عمل وزارة الأمن الداخلي، واستعدادها للاتصال بأي فرد وُلد في الشرق الأوسط أو له صلة بالشرق الأوسط، فلقد تعرض كثير من أصدقائهما المسلمين للاستجواب، وأُرغموا على إرسال الوثائق الشخصية وتوكيل المحامين. ولكن حظ زيتون كان حسنًا حتى الآن، فلم يتعرض يومًا ما لرصد سيرته وأحواله، ولم يتعرض للاشتباه في قيامه بأي شيء، من جانب أي شخص يتمتع بسلطة حقيقية. كان أحيانًا ما يتعرض للنظر إليه شزرًا بطبيعة الحال، وألوان السخرية من الذين يسمعون لهجته في نطق الإنجليزية. وهكذا قال في نفسه ربما كان هذا مجرد جندي واحد، جاهل أو قاسٍ، يريد إثارة المتاعب. وقرر زيتون تجاهل ما قاله الجندي.

ومع ذلك فقد استيقظت حواس زيتون، فأخذ يفحص الغرفة بعينيه باحثًا عن دلائل أخرى، كان لا يزال يخضع مع الثلاثة الآخرين لمراقبة العشرات من الجنود ورجال الشرطة، كان يشعر كأنه حيوان غريب، قنيصة صياد!

وبعد لحظات مر جندي آخر، نظر إلى زيتون، وغمغم قائلًا: «طالبان!»

وعلى الرغم من رغبته الشديدة في تجاهل هذين التعليقين، فإنه لم يستطع ذلك، فقد تأكد له الآن وجود سوء تفاهم خطير، وأن فك خيوطه وإثبات خطئه سوف يستغرقان أيامًا كثيرة. كان تود يصيح ويصخب، ولكن زيتون كان يعرف أن ذلك لن يأتي بخير، وأما مسألة براءتهم أو إدانتهم فلن يُبَتَّ فيها في هذه الغرفة، ولا في أي وقت قريب.

واعتدل في جلسته وانتظر.

كانت أمامه قبوة في الجدار اصطفت فيها آلات بيع بعض الأشياء وألعاب الفيديو، وكانت فوق الآلات لوحة جدارية تمتد داخل المحطة كلها، وتشغل أقسامها الطويلة الأربعة النصف العلوي كله من الجدران الرئيسة للمحطة.

كان طول اللوحة الكلي يبلغ نحو ١٢٠ قدمًا، وكانت تحاول تصوير تاريخ ولاية لويزيانا بصفة خاصة، وتاريخ الولايات المتحدة بصفة عامة. وتطلع زيتون إليها، وعلى الرغم من أنه جاء إلى المحطة من قبل، فلم يكن قد شاهد هذه اللوحة قط من قبل، وأدرك وهو يبصرها الآن أنها لوحة مثيرة، سجل حالك من إخضاع الآخرين وكفاحهم. كانت الألوان كالكوابيس، والخطوط مسننة، والصور مقلقة. شاهد أغطية رءوس جماعة «کو کلوکس کلان» والهياكل العظمية التي لديهم، وأشكال مهرجيهم بألوان صارخة، ووجوهًا طُليت بألوان شتى، وشاهد فوقه مباشرة أسدًا يهاجمه عُقابٌ عملاق من الذهب، إلى جانب صور لجنود في أردية زرقاء زاحفين إلى الحرب بجوار مقابر جماعية. وكانت اللوحة تضم كذلك صورًا كثيرة لإخضاع الشعوب أو إبادتها — مثل الأمريكيين الأصليين، والعبيد، والمهاجرين — وكانت دائمًا بالقرب منها صور الذين يحضُّون على ذلك: الأرستقراطيين الأغنياء الذين يلبسون شعرًا مستعارًا نُثرت فوقه البودرة، والجنرالات بأزيائهم الرسمية البراقة، ورجال الأعمال حاملين أكياسًا من النقود. وفي أحد أقسام اللوحة برزت منصة استخراج بترول بحرية، ومن فوقها أرض غمرها الفيضان، ومدينة اكتسحتها المياه.

وجرى التحقيق مع ناصر بعد ذلك، فاقتيد إلى مكتب التذاكر، واستطاع زيتون أن يرى أنهم يسجلون بصمات أصابعه ويصورون كل بصمة.

وبعدها بدأ استجواب ناصر فورًا، وأثارت الحقيبة الرياضية التي يحملها ضجة؛ إذ جعلت شرطية تخرج منها رزمًا من النقود الأمريكية.

وقالت: «ليست هذه من هنا!»

واشتبك ناصر معها في مجادلة لم تنجح إلا في زيادة استثارة من في المبنى.

عادت تقول: «هذه ليست قطعًا من هنا!» وقد ازداد يقينها.

ووضعت النقود على منضدة قريبة وسرعان ما اجتذبت حشدًا حولها، وقام أحدهم بِعَدِّها. كانت عشرة آلاف دولار.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يعرف زيتون فيها ما كان في الحقيبة، فعندما أتى بها ناصر إلى القارب، كان زيتون يتصور أن بها ملابس وبضعة أشياء ثمينة. كان من المحال أن يحدس أن فيها ١٠٠٠٠ دولار نقدًا.

•••

وسرعان ما تلت ذلك اكتشافات أخرى؛ إذ كان تود يحمل ٢٤٠٠ دولار يملكها، قام رجال الشرطة برصها على المنضدة في كومة تجاور نقود ناصر، وفي جيب تود وجدوا صورًا لبعض الخرائط.

وحاول تود أن يفسر وجودها قائلًا: «إنها تساعدني في توصيل الأمتعة.»

ولكن ذلك التفسير لم يرضِ رجال الشرطة.

وفي أحد جيوب تود وجدوا شريحة ذاكرة صغيرة، من النوع المستخدم في آلات التصوير الرقمية. وضحك تود موضحًا أن عليها صورًا ملتقطة للأضرار التي أحدثها الطوفان، ولكن السلطات وجدت لها دلالات أبعد من ذلك.

ولما شاهد زيتون تكاثر الأدلة فوق المنضدة، انكمش في جلسته، كانت معظم الأجهزة المحلية قد توقفت عن العمل، ولم يكن في المحطة محامون ولا قضاة، وشعر زيتون بأنهم لن يستطيعوا الخروج من هذه الأزمة مهما قالوا. كان الجنود ورجال الشرطة في الحجرة مهتاجين اهتياجًا لا تهدئه الألفاظ، والأدلة تثير علامات استفهام تستعصي على الإجابة، ووَطَّنَ زيتون نفسه على انتظار لا بد أن يطول.

وأما تود فكان ضيق صدره يشتد؛ إذ يهدأ لحظة ثم يعود إلى الانفجار، وأخيرًا رفع أحد الجنود ذراعه كأنما ليلطمه بظاهر يده، فصمت تود.

وبعدها جاء دور التحقيق مع زيتون، سيق إلى شباك تذاكر القطار وسُجلت بصماته، ثم دُفع إلى جدار قریب رُسمت عليه علامات الطول بخط اليد، من خمس أقدام إلى سبع. كان زيتون قد وقف في هذا المكان من قبل ينتظر شراء تذاكر القطارات لأصدقائه أو موظفيه، أما الآن فكانت يداه مقيدتين، ويحرسه جنديان يحملان بندقيتين من طراز إم-١٦، وكانت صورته تُلتقط.

وعند شباك التذاكر سلمهم حافظة نقوده، ثم تعرض للتفتيش بحثًا عن أي ممتلكات أخرى، وطُرحت عليه أسئلة أساسية عن اسمه وعنوانه وعمله وبلده الأصلي. ولم يخبره أحد بأي تهم موجهة إليه.

ثم سيق أخيرًا إلى صف المقاعد وأُجلس من جديد إلى جوار تود وناصر؛ ريثما يجري التحقيق مع روني.

وبعد لحظات قبض جندي بشدة على ذراعه من إبطه صائحًا: «انهض!»

ونهض زيتون، وساقه ثلاثة جنود إلى غرفة صغيرة، كأنها دولاب لتخزين الأمتعة، ولم يكن فيها غير منضدة صغيرة من النوع الذي يُطوى، وجدرانها عارية.

وأغلق الباب من خلفه، فأصبح وحده مع جنديين.

قال أحدهما: «اخلع ملابسك.»

فسأله زيتون: «هنا؟»

فأومأ الجندي موافقًا.

لم يكن زيتون حتى هذه اللحظة قد اتهم بارتكاب أي جريمة، ولم يقرأ عليه أحد حقوقه، ولم يكن يعرف سبب احتجازه. وها هو ذا الآن في غرفة صغيرة بيضاء، ويأمره جندیان بخلع ملابسه، وكل منهم يرتدي حلة التمويه الحربي، ويحمل بندقية أتوماتيكية.

وصرخ أحدهما: «الآن!»

فخلع زيتون اﻟ «تي شيرت» والشورت، وبعد لحظة خلع صندله.

وقال الجندي نفسه: «واللباس الداخلي!»

وتوقف زيتون. لو فعل ذلك فلن ينسى ذلك أبدًا، ولن يتخلى العار عنه ما عاش، ولكنه لم يجد بديلًا، يمكنه أن يرفض، لكنه لو رفض وقعت مشاجرة، وأتى المزيد من الجنود، وتعرض للانتقام بصورة ما.

وأمره الجندي: «هيا!»

وفعل زيتون ما طُلب منه.

ودار حوله أحد الجنديين، وأخذ يرفع ذراعي زيتون أثناء الدوران، وكانت في يد الجندي عصا قصيرة، وعندما وصل إلى ظهر زيتون مر بها على داخل فخذ زيتون.

وقال الجندي: «أفسح ما بين ساقيك.»

وفعل زيتون ذلك.

«المرفقان على المنضدة.»

ولم يستطع زيتون أن يفهم معنى الألفاظ.

وكرر الجندي تعليماته، وقد تهدج صوته صائحًا: «ضع مرفقيك على المنضدة!»

لم يكن لدى زيتون خيار، كان زيتون يعرف أن الجنديين سيفعلان ما يريدان، كانا على الأرجح يبحثان عن أي سلع مهربة، لكنه كان يعرف أيضًا أن كل شيء ممكن. لم يحدث في هذا اليوم شيء يتفق مع ما حدث من قبل.

وانحنى زيتون، وسمع أصوات ارتداء الجندي قفازًا من البلاستيك، وأحس بأصابع الجندي تستكشف المستقيم بسرعة، كان الألم شديدًا لكنه لم يلبث غير برهة قصيرة.

وقال الجندي: «قف!» ثم أردف وهو يخلع القفاز بصوت كالفرقعة: «البس ملابسك.»

وارتدى زيتون الشورت واﻟ «تي شيرت»، ثم سيق إلى خارج الحجرة حيث شاهد تود. كان تود قد انخرط فعلًا في مجادلات يتهدد الجميع فيها برفع القضايا عليهم وفقدانهم كل وظائفهم، وسرعان ما دفع الجنود تود إلى داخل الحجرة، وأُغلق بابها، فكتم الباب الفولاذي أصوات اعتراضاته.

وعند اكتمال تفتيش تود، سيقا معًا إلى محطة الأوتوبيس، وكان زيتون واثقًا بأنه شاهد نظرات في بعض الوجوه تنم عن معرفة ما وقع، وجوه جنود ورجال شرطة يدركون ما حدث في الغرفة.

وسيق زيتون وتود إلى القسم الخلفي من المحطة في اتجاه الأبواب المؤدية إلى الأوتوبيسات والقطارات، واختلطت الأفكار في رأس زيتون. هل يمكن بعد كل هذا أن يكون القصد فعلًا إجلاءهما من المدينة؟ ربما كان القصد من تجريدهما من الملابس ضمان عدم سرقتهما أي شيء، وبعد أن تأكدت براءتهما يساقان الآن إلى الأوتوبيس. كانت الفكرة غريبة، لكنها لم تكن خارج نطاق الاحتمال.

•••

ولكن عندما فتح الحراسُ الأبواب شهق زيتون شهقة سريعة، كانت ساحة الانتظار التي يوضع فيها عادة أكثر من عشرة أوتوبيسات قد تحولت إلى سجن شاسع في الهواء الطلق.

كانت قد أقيمت أسوار من السلاسل التي تعلوها الأسلاك الشائكة، بحيث أصبحت تشكِّل قفصًا طويلًا يزيد ارتفاع أسواره على خمسة أمتار، ويمتد إلى مسافة تصل إلى نحو مائة متر داخل ساحة الانتظار. وكان للقفص سقف ناقص مثل الظلة التي تقام في محطات البنزين، وكانت الأسلاك الشائكة تعلو حتى تلتقي بذلك السقف.

وسيق زيتون وتود إلى مقدمة القفص التي لم تكن تبعد عن مؤخرة محطة الأتوبيس إلا ببضع أقدام، وفتح حارس آخر باب القفص، ودُفعا إلى داخلها. وأُغلق القفص ثم وضع له رتاج من السلاسل التي رُبطت بقُفل، وعلى مبعدة منها كان سجينان آخران، كل منهما في قفص مستقل.

وقال تود: «شيء لا يعقل!»

ولم يصدق زيتون ما يرى، لقد شهد سلسلة تُذهب العقل من الأحداث؛ إذ قُبض عليه تحت تهديد السلاح في منزل يملكه، وأُحضر إلى قاعدة عسكرية مرتجلة أنشئت داخل محطة أوتوبيسات، واتُّهم بالإرهاب، وحُبس في قفص في الهواء الطلق. لقد كان ذلك يتجاوز أقصى الروايات السيريالية التي سمعها عن تنفيذ القوانين في العالم الثالث.

وانطلق تود يسب ويلعن داخل القفص، لم يكن يستطيع تصديق ما حدث، لكنه تذكر أن ذلك كانت له سوابق، فأثناء احتفالات ثلاثاء المرفع، وامتلاء السجون المحلية بالسجناء، كان رجال شرطة نيو أورلينز كثيرًا ما يحبسون السكارى واللصوص في سجون مؤقتة أقيمت داخل الخيام.

ولكن هذا السجن كان أكثر تنظيمًا، ولم ينشأ إلا بعد العاصفة، وعندما تفحصه زيتون اتضح له أنه لم يكن قفصًا واحدًا طويلًا، بل سلسلة من الأقفاص الصغيرة المنفصلة. وكان قد شاهد أمثالها من قبل في عقارات العملاء الذين يربُّون الكلاب. وكان هذا القفص يشبهها؛ فهو حظيرة ذات سور واحد، مقسمة إلى حظائر أصغر. وعَدَّها فوجدها تبلغ ست عشرة حظيرة. كانت تشبه بيتًا ضخمًا من بيوت الكلاب، ولكنها تستدعي صورًا أقرب وأشد أُلفة في الذهن.

كانت تشبه بدقة الصور التي شاهدها لمعتقل خليج جوانتانامو، فعلى غرار ذلك المجمَّع، كان هذا السجن شبكة هائلة من الأسوار المنشأة من السلاسل التي لا تتضمن جدرانًا كثيرة؛ الأمر الذي يتيح مشاهدة السجناء للحراس وبعضهم البعض، كما كانت في الهواء الطلق مثل جوانتانامو، ولم يكن يبدو أن بها أماكن للجلوس أو للنوم، كانت أقفاصًا وحسب والأرضية المرصوفة بالأسفلت من تحتها.

وكانت مساحة القفص الذي وُضع فيه زيتون وتود نحو خمسة أمتار في خمسة، وكانت خاوية إلا من مرحاض يمكن نقله من مكان لمكان، ولا باب له. وكان الشيء الآخر الوحيد في القفص عمودًا من الفولاذ على شكل حرف «یو» (U) المقلوب، مثبتًا بالأسمنت في الأرض المرصوفة مثل الأماكن التي تربط فيها الدراجات، وكان يستخدم عادة في إرشاد الأوتوبيسات المنتظرة في الساحة والركاب الواقفين صفوفًا، كان ارتفاعه يبلغ نحو ٧٥سم، وعرضه نحو ثمانين سنتيمترًا.

وفي مقابل قفص زيتون كان يوجد مبنًى من طابقين، يوحي بأنه مكاتب شركة السكك الحديد. وكان الجنود يشغلونه الآن. وفوق سطحه كان يقف جنديان يمسكان ببنادق من طراز إم-١٦ ويحدقان في زيتون وتود في أسفل المبنى.

كان تود ثائرًا غاضبًا يُرغي ويُزبِد محتجًّا. ولكن الحرَّاس لم يكونوا يسمعون شيئًا يذكر من ألفاظه. بل إن زيتون نفسه الذي يقف قريبًا منه لم يكن يسمع إلا شذرات غير واضحة. لم يكن زيتون يدرك قبل هذه اللحظة وجود صوت ما، طنين آلة ضخمة، يلف الهواء حولها. كان الصوت منتظمًا لا يتغير إلى الحد الذي جعله لا يدرك وجوده من قبل.

واستدار زيتون فتبيَّن له مصدر الضجيج، كانت مؤخرة قفصهما تكاد تتاخم قضبان السكك الحديد، وكانت تقف فوق القضبان من خلفهما مباشرة آلة جر قطارات الشركة، القاطرة ذات المحرك، كان المحرك يعمل بكامل طاقته بوقود الديزل، وأدرك زيتون فورًا أنه كان يولِّد الكهرباء كلها التي تستخدمها المحطة ويستخدمها السجن المؤقت. ورفع بصره إلى الآلة الرمادية الهائلة التي تزن ما لا يقل عن مائة طن، والتي زُينت بشعار صغير يضم الألوان الثلاثة: الأحمر والأبيض والأزرق، وعرف أنها لن تتركهما، بصوتها العالي المتصل ما داما محتجزين في ذلك المكان.

وكان أحد الحراس مكلفًا بهما، كان يجلس على كرسي من النوع الذي يُطوى، على مسافة تزيد قليلًا على ثلاثة أمتار أمام القفص، كان يحدق في زيتون وتود، وعلى وجهه أمارات الفضول والاحتقار.

وكان زيتون مصممًا على إجراء مكالمة تليفونية، فمد يده إلى السلسلة التي تشكل جانب السور أمامهما حتى يلفت نظر رجل شرطة شاهده بالقرب من الباب الخلفي للمحطة. وفعل تود ذلك أيضًا، وفورًا تلقَّيا التوبيخ من الحارس المكلف بهما.

صاح الحارس بلهجة قاطعة: «لا تلمسا السور!»

وسأله تود: «لا تلمسا السور؟ هل تهزل؟»

ولكن الجندي لم يكن يهزل؛ إذ صرخ قائلًا: «إذا لمست هذا السور فسوف أذبحك!»

وسأله تود أين يتوقع منهما الوقوف. فقيل له إن لهما أن يقفا في منتصف القفص، ولهما أن يجلسا على الهيكل الفولاذي، ولهما أن يجلسا على الأرض، ولكنهما إن لمسا السور من جديد فستكون العاقبة وخيمة.

كان أكثر من عشرة حراس آخرين يتجولون خلف المحطة، ومر بهما أحدهم، يجر كلبًا من نوع وولف، أو الكلب البوليسي، وتعمد الوقوف وقفة لها دلالة بجوار قفصهما، مرسلًا إلى زيتون وتود نظرة تحذير قبل أن يواصل سيره.

كان زيتون لا يكاد يقوى على الوقوف، كان يشعر في قدمه بألم صارخ لم يأبه به حتى الآن، فخلع حذاءه فوجد لون باطن قدمه قد تغير. كان شيء ما قد دخل تحت بشرته، وقال لنفسه إنها شظية معدنية من نوع ما، وإن لم يستطع أن يتذكر أين ومتى دخلت قدمه. كان لون المنطقة أرجوانيًّا في المنتصف وحولها بياض، وكان من الضروري إخراج الشظية بسرعة وإلا ساءت حالة القدم.

وتناوب زيتون وتود الجلوس على الهيكل الحديدي؛ إذ لم يكن يتسع إلا لفرد واحد، وهكذا كانت نوباتهما تقتصر كل منها على عشر دقائق.

وبعد ساعة فُتحت فجأة أبواب المحطة، وظهر ناصر وروني، مخفوريْن بثلاثة من رجال الشرطة، وفُتح قفص زيتون وتود ودُفع داخله بناصر وروني، وأُغلق باب القفص مرة أخرى، والتأم شمل الأربعة من جديد.

وفي ظل صخب الآلة أخذ الرجال يقارنون ما مر به كل منهم حتى الآن، كان الجميع قد تعرضوا للتفتيش الذاتي، ولم يعلم إلا تود سبب احتجازهم، وكانت حيازة بضائع مسروقة هي التهمة الوحيدة التي ذُكرت له، ولكن أحدًا منهم لم تُقرأ عليه حقوقه، ولم يسمح لأي منهم بإجراء اتصال تليفوني.

وحاول ناصر تفسير وجود النقود في حقيبته، قال إن الشرطة والجنود كانوا في المدينة لمنع انتشار ما سمع الجميع عنه من سلب ونهب، ولما كان ذلك يقلقه أيضًا فقد قرر الاحتفاظ بنقوده التي ادخرها على مر السنين معه.

ولم يقبل المحققون منه هذا، ولم يوفَّق ناصر في إيضاح أن كثيرين من المهاجرين كانوا يحتفظون بأموالهم نقدًا، وأن الثقة في البنوك لم تكن كبيرة، وأوضح لهم أحد الأسباب التي تدفع شخصًا في موقفه إلى الاحتفاظ بماله نقدًا وهو إمكان استيقافه واستجوابه واحتجازه أو ترحيله، مهما يكن ذلك بعيد الاحتمال، فإذا كان يحمل النقود استطاع إخفاءها، والاحتفاظ بها، أو توجيهها إلى حيث يستطيع استردادها إذا استُبعد من البلد.

وكان الرجال الأربعة يجهلون ما سوف يحدث لهم، لكنهم كانوا واثقين بأنهم سيقضون الليلة في القفص.

كان اللقبان السوريان لزيتون وديوب، ونبرات نطقهما الشرق أوسطية للغة الإنجليزية، والدولارات العشرة الآلاف — نقدًا — والنقد والخريطة في حوزة تود، كان كل ذلك أدلة كافية لإقناعهم بأن محنتهم لن تزول بيسر في المستقبل القريب.

وقال تود: «لقد خربت بيوتنا أيها الأصدقاء.»

لم تكن لدى الرجال في القفص خيارات كثيرة، كانوا يستطيعون الوقوف في وسطه، أو الجلوس على الأسفلت في الأرض، أو الاستناد إلى الهيكل الفولاذي، لم يكن أحدهم يريد أن يجلس على الأرض؛ إذ كان الأسفلت قذرًا يعلوه التراب والزيت، وإذا تحرك أحدهم في اتجاه السور صاح الحراس بالبذاءات وهددوا بالعقاب.

في الساعات الأولى في القفص، كان الهدف الأول لزيتون أن يُسمح له بمكالمة تليفونية، وقدم الرجال هذا الطلب عدة مرات وقيل لهم: إن التليفونات جميعًا معطلة.

وبدا لهم أن ذلك هو الواقع، فلم يشاهدوا أحدًا يتكلم في تليفونات خلوية أو خطوط أرضية، وترددت شائعة تقول: إن التليفونات الفضائية تعمل، وإن المكتب في الطابق الثاني من محطة الأتوبيس به تلیفون وبه خط للفاكس.

وكلما مر بهم حارس توسلوا إليه أن يستعملوا ذلك التليفون أو غيره، وكان رد الفعل في أحسن الأحوال هز الأكتاف وإجابات لبقة.

وقال لهم أحد الحراس: «التليفونات معطلة. أنتم إرهابيون. أنتم من طالبان!»

كان ضوء النهار يخبو؛ إذ استغرق التحقيق ثلاث ساعات، وظل الرجال الأربعة في القفص ثلاث ساعات أخرى. وأُعطي لكل منهم صندوق صغير من الورق المقوى طبعت على جانبه الكلمات «ضلوع مشوية من لحم الخنزير». وكانت في داخله شوكة وسكين من البلاستيك، وقطعة من الجبن المطبوخ، وبسكوتتان، وعلبة من عصير البرتقال، وعلبة من الضلوع المشوية من لحم الخنزير، كانت الوجبة من النوع العسكري، جاهزة للأكل.

وقال زيتون للحارس إنه هو وناصر مسلمان ولا يستطيعان أكل لحم الخنزير.

وهز الحارس كتفيه قائلًا: «لا تأكلاه إذن.»

فأكل زيتون وناصر البسكوتتين والجبن، وأعطيا الباقي لتود وروني.

ومع حلول الظلام كان الصوت الهادر من خلفهم يتضخم في آذانهم، كان زيتون قد أصابه الإرهاق ولكنه كان واثقًا بأن ذلك المحرك سوف يكفل نفي النوم عن عيون الجميع، كان قد سبق له العمل في السفن من قبل، وفي غرف المحركات، ولكن هذا الصوت كان أعلى، كان أعلى من أي شيء عرفه في حياته، وفي وهج الضوء الغامر من الأضواء الكاشفة كان يشبه أتونًا عظيمًا يصدر الأنين وذا شهية لا تشبع.

وقال زيتون لناصر: «نستطيع أن نصلي.»

ولمح عين ناصر وأدرك ما يدور بخاطره، كان لا بد لهما من إقامة الصلاة، بل إنها كانت فرضًا عليهما القيام به خمس مرات كل يوم، ولكن ناصرًا كان متوترًا. ترى هل تثير صلاتهما مزيدًا من الريبة؟ هل يكون جزاؤهما السخرية أو العقاب على الصلاة؟

ولم يجد زيتون منطقًا يمنعه من الصلاة، حتى وهو حبيس قفص في الهواء الطلق، فقال لناصر: «لا بد لنا من ذلك.» وقال في نفسه: إن الواقع يقضي بحاجتهما إلى صلوات أكثر، وبإخلاص أكبر.

وسأله ناصر: «والوضوء؟»

زيتون كان يعرف أن القرآن يقول إنه إذا لم يجد المسلمون ماءً للوضوء فعليهم أن يتيمموا صعيدًا طيبًا، فيتطهروا ولو رمزيًّا. وهكذا قرر ناصر وزيتون التيمم، فأخذا الحصى من الأرض ومسَّا به أيديهما وسواعدهما، ورأسيهما وأقدامهما، ثم قاما فصليا. كان زيتون يعرف أن صلاتهما تثير اهتمام الحراس، لكنهما لم يتوقفا.

وعندما هبط الليل بسواده أضيئت الأنوار: مصابيح الأضواء الكاشفة من فوقهم ومن المبنى المقابل، وازداد الليل حلكة وبردًا، ولكن الأضواء استمرت، فزاد نورها من نور النهار، ولم توزع على الرجال ملاءات ولا بطانيات ولا وسائد، وسرعان ما أتى حارس جدید، جلس على الكرسي الذي يواجههم، فسألاه عن المكان الذي يُفترض أن يناموا فيه، فقال إنه لا يأبه أين ينامون ما داموا سوف يظلون فوق «الرصيف» حيث يستطيع أن يراهم.

ولم يكن زيتون حريصًا على النوم هذه الليلة، بل أراد أن يظل يقظًا، عسى أن يمر أحد المشرفين من نوع ما، أو المحامين، أو أحد المدنيين مهما يكن، وحاول الآخرون الرقود على الرصيف واضعين رءوسهم بين أذرعهم، ولكن النوم تعذَّر على الجميع، وحتى حين كان أحدهم يستقر في مكان يتيح له الراحة، كان صوت المحرك وما يحدثه من ذبذبات في الأرض، يطرد النوم من عينيه. لن يستطيعوا النوم في هذا المكان.

وفي إحدى ساعات الهزيع الثاني حاول زيتون الاستلقاء على الهيكل الفولاذي ببطنه وتمكن أن يستريح دقيقة أو نحوها بهذا الأسلوب، ولكن الحفاظ على هذا الوضع كان مستحيلًا، فحاول أن يستند بظهره إليه، وقد عقد ذراعيه أمامه، ولكنه لم يستطع.

وكان حراس آخرون يمرون بكلابهم البوليسية، ولكن الليل لم يشهد أي أحداث باستثناء ذلك. لم يكن في تلك الليلة شيء يذكر سوى وجه الحارس الذي يحمل في جنبه بندقيته من طراز إم-١٦، والأضواء الكشافة مسلطة من جميع الزوايا، ساطعة على وجوه زملاء زيتون من السجناء، وقد شحب لونها وبدا عليها الإرهاق، وقاربت الخبل من الإنهاك والتشوش.

الأربعاء ٧ من سبتمبر

وعندما بدت في السماء أول خيوط الفجر، أدرك زيتون أنه لم ينم على الإطلاق، كان يغمض أجفانه عدة دقائق في كل مرة، لكنه لم يجد النوم، كان قد رفض النوم على الأرض، ولكنه حتى لو أرغم نفسه على ذلك، لو تمكن من قهر الذعر الذي انتابه من هذه الحال، فقد نفى النوم عن عينيه التفكير في أهله وبيته وطنين المحرك الذي لم يتوقف.

وشاهد رحيل الحارس الليلي وحلول رجل جديد محله، كان التعبير على وجه الحارس الجديد مماثلًا للتعبير على وجه الحارس السابق؛ إذ كان مثله يُسَلِّمُ، فيما يبدو، بأن الرجال داخل القفص مذنبون.

وتيمم زيتون وناصر وصليا، ثم جعلا يحدقان في الحارس الذي كان يحدق فيهما.

وبسطوع ضوء الصبح في السماء ازدادت حواس زیتون انتباهًا، بل إنه ازداد تفاؤلًا، كان يفترض أن كل يوم ينقضي على انتهاء الإعصار يقرب المدينة من الاستقرار، ويبشر بقرب إرسال الحكومة للعون، فإذا حل ذلك العون انتهت الفوضى التي أتت به إلى هذا القفص، وخَفَّتْ حدة سوء التفاهم الذي يتجلى هنا.

أقنع زيتون نفسه بأن اليوم المنصرم كان يمثل شذوذًا، وأن هذا اليوم سوف يأتي بالعودة إلى العقل والإجراءات القانونية، وأخذ يقول في نفسه إنه سوف يُسمح له بمكالمة تليفونية وبمعرفة التهم الموجهة إليه، بل قد ينجح في مقابلة محامٍ أو أحد القضاة، وسوف يتصل بكاثي فتقوم بتوكيل أفضل محامٍ تجده، فتنتهي هذه الحال في غضون ساعات.

•••

وأما الرجال الآخرون في القفص، الذين حظي كل منهم آخر الأمر بقسط من الراحة أثناء الليل، فقد استيقظوا، الواحد بعد الآخر، ووقفوا يتمطون، وأُحضر طعام الإفطار، وكان أيضًا يتكوَّن من وجبات جاهزة، وكانت الوجبة هذه المرة شرائح من لحم فخذ الخنزير، وأكل زيتون وناصر ما أُحِلَّ لهما من الوجبة وأعطيا الباقي لتود وروني.

وعندما استيقظ السجن، بدأ زيتون يفحص بدقة هيكل السلاسل من حوله، كان طوله نحو خمسين مترًا، وكانت الأسلاك الشائكة جديدة، وكذلك المراحيض التي يمكن نقلها، كان السور جديدًا ومن نوع ممتاز، وكان واثقًا بأن ذلك كله لم يكن موجودًا قبل العاصفة؛ إذ لم تستخدم محطة نيو أورلينز الاتحادية للركاب سجنًا من قبل قط، وبدأ يُجري حسابات تقريبية في ذهنه.

ربما كان لا بد من استعمال ست شاحنات أو نحوها لنقل مكونات هذه الأسوار كلها إلى المحطة. ولما لم يشهد أثرًا للشوكات الرافعة أو الآلات الثقيلة، فقد انتهى إلى أن الأقفاص قد أُنشئت بالعمل اليدوي. لا شك في أنه إنجاز باهر؛ إذ اكتمل تنفيذ هذا المشروع الإنشائي بهذه السرعة بعد العاصفة. ولكن متى نفذوه؟

أُحضر زيتون إلى المحطة يوم ٦ من سبتمبر، أي بعد خروج العاصفة من المدينة بسبعة أيام ونصف اليوم، وحتى في أفضل الظروف، فإن بناء سجن كهذا يتطلب أربعة أيام أو خمسة. كان معنى هذا أن المسئولين كانوا — في غضون يوم واحد على مرور «مرکز» العاصفة بالمنطقة — قد وضعوا الخطط اللازمة لبناء سجن مؤقت في الهواء الطلق، وكان لا بد من إحضار أو طلب سلاسل السور وأسلاكه الشائكة، وأما المراحيض والكشافات وغيرها من المعدات فكان لا بد من استعارتها أو الاستيلاء عليها لصالح الجيش.

كان الأمر يقتضي جهدًا كبيرًا في التخطيط والتنفيذ، ولو كُلِّف به مقاولٌ عاديٌ لطلب مهلة أسابيع متوالية لتنفيذ المهمة، ولاستخدم الآلات الثقيلة، فمن دون الآلات، لا بد من تشغيل عشرات الرجال، وتنفيذه بهذه السرعة كان يحتاج إلى خمسين رجلًا، وربما أكثر. ترى من كان هؤلاء؟ ومن الذي أنجز هذا العمل؟ هل كانوا مقاولين وعمالًا يعملون ليلًا ونهارًا على بناء سجن بعد هدوء العاصفة بأيام معدودة؟ إنه أمر يحير الألباب. ومما يزيد من إبهاره أنه في الوقت الذي كان إنشاء السجن يجري فيه على قدم وساق، في اليوم الثاني والثالث والرابع من سبتمبر، كان الآلاف من السكان يُنقلون جوًّا من أسطح المنازل، ويُكتشف بعضُهم أحياء وأمواتًا في غرف السطوح.

وعند الظهيرة سمع زيتون شيئًا غريبًا؛ صوت الأوتوبيسات في المحطة. تطلع إلى مصدر الصوت فوجد أوتوبيسًا مدرسيًّا يتمهل للوقوف في الطرف الأقصى لساحة الانتظار، ثم هبط منه ثلاثون سجينًا أو أكثر، من بينهم امرأة، في أوفرولات برتقالية اللون.

كان هؤلاء هم السجناء المنقولين من سجني جيفرسون باريش وكينر، أي الذين كانوا محبوسين قبل العاصفة. وفي غضون ساعة واحدة بدأ الصف الطويل من الأقفاص يمتلئ. ومن جديد، كان الوضع يشبه معتقل جوانتانامو تمامًا؛ إذ كان من الممكن مشاهدة السجناء جميعًا للناظرين ومن أي زاوية. وكانت الأزياء البرتقالية الموحدة تستكمل الصورة الآن، فأصبحت مظاهر التماثل مع جوانتانامو أقوى من أن تُتجاهل.

وكان الحراس كلما حبسوا مجموعة في أحد الأقفاص أسرعوا بتحذيرها من لمس السور؛ فأي لمس للسور يؤدي إلى عواقب وخيمة. وهكذا أصبح أفراد كل مجموعة يعرفون القواعد الغريبة لمحبسهم: سيصبح أسفلت الأرض فراشًا لهم، والمرحاض الذي لا باب له دورة مياههم، والهيكل الفولاذي مقعدًا يتناوبون الجلوس فوقه. ولكن في الساعة الأولى — أثناء تعريف السجناء الجدد بزنزاناتهم الجديدة — ترددت صرخات كثيرة من الحراس الذين كانوا يحددون للسجناء أين وكيف يجلسون ويقفون، وما لا ينبغي أن يلمسوه.

كان رجل وامرأة ينزلان على مبعدة قفص واحد من زيتون، وسرعان ما ترددت شائعة تقول إن الرجل كان قناصًا، وإنه الشخص الذي كان يطلق النار على الطائرات العمودية التي كانت تحاول أن تحط على سطح أحد المستشفيات.

كان الغداء مختلفًا عن الوجبات السابقة، ففي هذه المرة أحضر الحراس سندويتشات من لحم الخنزير إلى الأقفاص، ثم حشروها من الفتحات في الأسلاك.

ومرة أخرى لم يتناول زيتون وناصر أي طعام.

كانت الكلاب موجودة بصفة دائمة، وكان اثنان منها يظهران باستمرار؛ إذ كان الحارسان اللذان يصحبانهما يصران على عرضهما وتقريبهما من الأقفاص كثيرًا، وأحيانًا كان أحدهما ينفجر نابحًا أحد السجناء، وذكر أحد المحبوسين في قفص زيتون سجن «أبو غريب» في العراق، وتساءل متى يطلب منهم أن يخلعوا ملابسهم ويتخذوا شكل الهرم العمودي؟ ومَنْ مِنَ الحراس سوف يميل بجذعه في الصورة ضاحك السِّنِّ؟

وبحلول الساعة الثانية، كان عدد السجناء في محطة الأوتوبيس قد بلغ نحو خمسين، ولكن قفص زيتون ظل القفص الوحيد الذي خُصِّصَ له حارس لا يبرحه.

وسأل ناصر: «أتظن حقًّا أنهم يعتبروننا إرهابيين؟»

ودارت عينا تود في محجريهما وقال: «قطعًا وإلَّا فلِمَ يحبسوننا وحدنا في هذه الزنزانة بينما يحشرون الجميع معًا؟ نحن الحيتان الكبرى هنا. نحن الصيد الثمين.»

وعلى امتداد النهار، وصل نحو ستة سجناء آخرين إلى المحطة وأُدخلوا الأقفاص. وكان هؤلاء يرتدون ثيابهم المدنية؛ ولا بد أنهم اعتُقلوا بعد انتهاء العاصفة، على نحو ما حدث لزيتون ورفاقه. واتضح النسق المتَّبع الآن: كان السجناء المنقولون من سجون أخرى يأتون بالأوتوبيس ولا يخضعون للتحقيق معهم، وأما الذين قُبض عليهم بعد العاصفة فكان التحقيق معهم يُجرى داخل المحطة ثم يدخلون السجن من باب المحطة الخلفي.

وأثناء استماع زيتون عَرَضًا إلى الأحاديث التي يتبادلها الحراس والسجناء، أدرك أن الحراس والجنود كانوا يشيرون إلى السجن ببعض أسماء التدليل، أو بِاسْمَيْن على الأقل منها؛ إذ كان البعض يسمونه جنوب أنجولا، ولكن عددًا أكبر كان يسميه معسكر جراي هاوند.

وفي العصر جاء أحد الحراس إلى رجل في قفص مجاور لقفص زيتون، وتحدث مع سجين يرتدي رداءً برتقاليًّا عدة دقائق وأعطاه سيجارة، ثم عاد إلى محطة الأوتوبيس.

وبعد لحظات عاد الحارس على رأس طاقم صغير من رجال التليفزيون، وقادهم الحارس مباشرة إلى الرجل الذي كان قد أعطاه السيجارة، وقام المذيع بإجراء مقابلة تليفزيونية مع ذلك السجين، وكان قد اتضح لزيتون أن طاقم التليفزيون إسباني، وبعد عدة دقائق، اقترب المذيع من زيتون وفي يده الميكروفون وبدأ يطرح سؤالًا.

فصرخ الحارس بأعلى صوته: «لا! ليس مع هذا الرجل!»

وأخذ طاقم التصوير إلى محطة الأوتوبيس.

وقال تود: «مصيبة! لقد رشوا ذلك الرجل!»

وأثناء خروج طاقم التليفزيون، مر المصور بعدسته على السجن المفتوح كله، بما في ذلك زيتون، وكان في آلة التصوير مصباح يشع ضوءًا ساطعًا، وشعر زيتون بأن تسليط هذا الضوء عليه وإظهاره للعالم في صورة مجرم في قفص، أمر مهين أثار حنقه الشديد. كانت تلك تهمة زائفة.

ولكن زيتون راوده أمل مفاجئ، فما دام طاقم التليفزيون إسباني، فإنه من المحتمل أن يذاع البرنامج فيراه أخوه في مالقة. لا شك في أن أحمد سوف يشاهد البرنامج — لم تكن تفوته مشاهدة شيء — وسوف يخبر كاثي، فتعلم كاثي مكان وجوده.

وفي الوقت نفسه، لم يكن زيتون قادرًا على تحمل ما خطر بباله، أي أن تعرف أسرته في سوريا أنه محبوس على هذه الصورة. وعلى أي حال ومهما حدث فلن يسمح لأسرته إذا أُطلق سراحه أو حين يطلق سُراحه، أن يتاح لها أن تعرف أنه تعرض لهذه الحادثة. ليس هذا مكانه. ولم يكن «ذلك» الرجل. كان في قفص، يراه الناس فيفغرون أفواههم دهشة، ويُعرض على الناس مثلما تعرض الحيوانات الغريبة على الزوار في حديقة الحيوان، مثل الكنغر والقرداح. كان العار أكبر من أي شيء عرفته أسرته يومًا ما.

وفي أواخر ساعات العصر جاء الحراس بسجين جديد، ودخلوا به من أبواب محطة الأوتوبيسات. كان أبيض اللون، في نحو الخمسين من عمره، نحيلًا متوسط الطول، ذا شعر أدكن وبشرة لوحتها الشمس، ولم يولِه زيتون اهتمامًا يذكر حتى فتح الحراس باب قفصه ودفعوا بالرجل إلى داخله. وأصبح عدد السجناء الآن خمسة في القفص، دون أن يعرف أحد سر ذلك.

كان الرجل يلبس سروالًا من الجينز وقميصًا قصير الأكمام، وكان يبدو أنه استطاع الحفاظ على نظافته أثناء العاصفة وبعدها. كان ظاهر يديه ووجهه وملابسه جميعًا خالية من أي تراب أو بقع، وكان موقفه كذلك لا يحمل أدنى ظل من ظلال ما كابدته المدينة كلها.

وقام بتعريف زيتون والثلاثة الآخرين بنفسه، مصافحًا كلًّا منهم مصافحة من يلتقي بالمشاركين في أحد المؤتمرات. قال إن اسمه جيري. كان اجتماعيًّا، عامرًا بالنشاط، ساخرًا من محنته. كان الرجال الأربعة قد قضوا ليلة بلا نوم في قفص في الهواء الطلق، ولم يكن لديهم من الطاقة ما يتيح لهم الانخراط في أي محادثات، ولكن هذا السجين الجديد سد فجوة الصمت سَدًّا!

كان يضحك على فكاهاته، وعلى الموقف الغريب الذي يجدون أنفسهم فيه، وقص عليهم، دون أن يطلب أحد منه ذلك، قصة القبض عليه، قال جيري إنه ظل في المدينة أثناء العاصفة، كدأبه في كل إعصار. كان يريد أن يحمي منزله، وبعد انقضاء كاترينا تبين أنه يحتاج إلى الطعام، ولم يكن يستطيع السير إلى أي حانوت قريب. كانت سيارته على مرتفع من الأرض ولم يصبها أي ضرر، ولكن وقودها كان قد نفد. وهكذا أحضر خرطومًا من جراج منزله، وكان منهمكًا في سحب بعض البنزين بالمماص من سيارة أحد جيرانه — وقال إنه كان يعتزم إخبار جاره وإن ذلك الجار سوف يتفهَّم الموقف — حين لمحته سفينة من سفن الحرس الوطني، وأُلقي القبض عليه بتهمة السرقة، وقال إن ذلك سوء تفاهم يتَّسم بحسن النية، ومن المحتمل تسويته بالسرعة اللازمة.

وجعل زيتون يتأمَّل الجوانب المحيرة لوجود جيري بينهم؛ إذ كان يبدو، أولًا أنه السجين الوحيد في المجمع الذي يجد تسريةً ما في وضعه الحالي؛ أي وجوده في معسكر جراي هاوند، وثانيًا ما سبب وضعه في قفصهم؟ كان بالسجن خمسة عشر قفصًا أخرى، ومن بينها أقفاص خالية كثيرة. لم يبدُ له وجود أي منطق في القبض على رجل بتهمة ضخ البنزين، وحبسه مع أربعة رجال يشتبه في أنهم يعملون معًا على ارتكاب جرائم، تتراوح ما بين النهب والإرهاب.

وسأل جيري عن سبب الإتيان بهم إلى معسكر جراي هاوند، وقص عليه تود قصة الأربعة معًا. وقال جيري شيئًا يعبر به عن استيائه من المحنة التي يتعرض لها الأربعة. وكان الحديث حتى هذه اللحظة من نوع «الدردشة» العادية، ولكن زيتون أعرض عن الإصغاء عندما غير جيري «نغمته» واتجاه أسئلته.

بدأ بتوجيه جهوده إلى زيتون وناصر، فطرح أسئلة لا تنبع من عناصر المحادثات التي بدأها، فأدلى بملاحظات تحط من قدر الولايات المتحدة، وقال فكاهات عن جورج دبليو. بوش، وعن عجز الإدارة الأمريكية عن التصدي الناجع حتى الآن للكارثة، وأبدى تشككه في مقدرة العسكرية الأمريكية، وحكمة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في أرجاء العالم، وفي الشرق الأوسط خصوصًا.

واشتبك تود في جدال معه، ولكن زيتون وناصرًا اختارا التزام الصمت، كان زيتون يرتاب ريبة عميقة فيما يحدث، ولا يزال يحاول أن يفهم كيف انتهى الأمر بهذا الرجل إلى هذا القفص تحديدًا، وما عسى نواياه أن تكون.

«كن لطيفا مع ماما!»

أثناء حديث جيري، التفت زيتون ليشاهد سجينًا يبعد عنه بعدة أقفاص، كان ذا بشرة بيضاء، في منتصف العشرينيات، نحيلًا، ذا شعر بني طويل، كان يجلس على الأرض، وقد ضم ركبتيه إلى صدره، وكان ينطق تلك العبارة كأنما كانت ترنيمة، ولكن بصوت مرتفع.

«كن لطيفًا مع ماما! عاملها بحنان!»

وكان المحتجزون الثلاثة الآخرون في قفص هذا الشاب تبدو عليهم أمارات الضيق منه، والظاهر أنه ظل يكرر هذه التعليمات الغريبة مدة طويلة، وإن لم يبدأ زيتون يسمعها إلا الآن.

وقال وهو يتأرجح إلى الأمام والخلف: «لا تلعب بالكبريت! النار خطرة!»

كان الرجل يعاني من عجز ما وأخذ زيتون يراقبه بدقة، لم يكن عقله سليمًا، ويبدو أنه أصيب بصدمة نفسية قبل أن يتجاوز عامه الخامس أو السادس. كان يكرر بعض القواعد والتحذيرات الأساسية التي قد يطلب من طفل بالغ الصغر أن يحفظها في روضة الأطفال.

«لا تؤذِ ماما! كن لطيفًا مع ماما!»

واستمر على هذا المنوال، وكان زملاؤه في القفص يحاولون إسكاته، بل ينخسونه بأقدامهم لكنه لم يعبأ بهم؛ إذ كان في حالة تشبه الغيبوبة.

ولما كان صوت محرك القاطرة بالغ الارتفاع، لم تكن ترانيم الشاب مصدر ضيق لأحد آخر، ولكن عقله الطفولي لم يكن، فيما يبدو، يدرك المكان الذي كان فيه وسبب وجوده فيه.

وكان الحارس الذي يجلس على مبعدة أمتار قليلة من قفص الرجل يصر بإلحاح على أن يظل في منتصف «الحظيرة» حتى تتاح رؤيته بسهولة، كانت أي حركة إلى اليسار أو اليمين ممنوعة، ولكن الرجل في داخل القفص لم يفهم ذلك، فكان بكل بساطة ينهض وينتقل إلى الناحية الأخرى، ولم يتضح ما كان يحفز الرجل إلى أن يقرر أن الوقت قد حان للانتقال من مكان لمكان، ولكن انتقاله الذي لم يكن له مبرر، بل كان ممنوعًا، أثار غضب الحارس.

فصاح قائلًا: «عُدْ إلى مكانك! حيث أستطيع أن أراك!»

ولم يدرك الرجل أن الخطاب كان موجهًا إليه، فعاد يقول: «نظف أسنانك بالفرشاة قبل أن تنام! اغسل ذراعيك ويديك. اذهب فتبوَّل الآن حتى لا تُبلِّل فراشك!»

ووقف الحارس وقال: «عد إلى مكانك وإلا فسوف أعاقبك أيها الحقير!»

وظل الرجل حيث كان، في منطقة محظورة من القفص، واستمر يتأرجح في جلسته، مركزًا بصره على المساحة التي بين قدميه.

وصرخ الحارس: «سأعد من واحد إلى ثلاثة.»

ولكن الرجل قام بما كان يقترب من الاستفزاز المتعمَّد؛ إذ مد يده ولمس السور.

وكانت تلك هي الحركة الفاصلة، فقد نهض الحارس ثم عاد بعد ثوانٍ معدودة مع حارس آخر، وكان هذا الأخير يحمل في يده جهازًا يشبه جهاز إطفاء الحرائق.

وفتحا القفص، وأثناء ذلك رفع الرجل بصره إليهما وقد غلبه الخوف فجأة، واتسعت حدقتا عينيه عجبًا ودهشة، وهما يرفعانه ويوقفانه على قدميه، ثم يجرانه إلى خارج القفص.

وعلى مبعدة أقدام قليلة أخرى ألقياه على الأرض، وساعدهما حارسان آخران في تقييد يديه وقدميه بقيود من البلاستيك، ولم يُبْدِ أيَّ مقاومة.

ثم ابتعد الجميع عنه، وتقدم الحارس الأول، الذي كان قد حذره، فوجه فوهة الخرطوم إليه وقام بِرَشِّهِ من رأسه إلى أخمص قدمه بمادة لم يستطع زيتون تمييزها من فوره.

وقال تود: «رذاذ الفلفل!»

واختفى الرجل في الضباب الذي تشكَّل من الرذاذ المرشوش، وجعل يصرخ مثل الطفل المعاقَب، وعندما انقشع الضباب كان قد تكوَّر في مكانه كالجنين، وجعل يئن كالحيوان، محاولًا لمس عينيه بيديه.

وصاح الحارس: «أحضر الدلو!»

وجاء حارس آخر وصَبَّ دلوًا من الماء فوق الرجل الصارخ، لم يَفُهْ أحدهما بكلمة أخرى، بل تركوه يُصدِر الصراخ الذي تحول بعد قليل إلى أنين، وقد بَلَّله الماء وخدَّره الغاز على الأرض خلف محطة الأوتوبيس، وبعد بضع دقائق جروه حتى أوقفوه على قدميه وأعادوه إلى القفص.

وأوضح تود ما ينبغي القيام به قائلًا: «لا بد أن تغتسل لإزالة آثار الرش برذاذ الفلفل، وإلا أُصبتَ بحروق وتقرحات.»

كانت الوجبة الجاهزة هذه الليلة من اللحم البقري، فأكل زيتون، وكانت رائحة رذاذ الفلفل لا تزال تملأ الهواء.

كانت الليلة السابقة هادئة إن قورنت بالنهار، ولكن هذه الليلة أتت بمزيد من سَوَرَات الغضب والمزيد من العنف، فعلى امتداد المساء أُضيف مسجونون آخرون إلى الأقفاص، فأمسى في معسكر جراي هاوند ما يزيد على سبعين منهم، وكانوا غضابًا، كان المكان يضيق بهم، وفورانهم يزداد، وازدادت احتجاجات السجناء على الحراس، وازدادت بذلك حالات الرش برذاذ الفلفل.

لم تكن الإجراءات تتغير قط؛ إذ يُنقل السجين من قفصه ويُجر إلى بقعة مجاورة، على مرأًى كامل من باقي السجناء، ثم تُقَيَّدُ يداه وقدماه وبعدها، وركبة الحارس فوق ظهره أحيانًا، يتعرض للرش في وجهه مباشرة، فإذا اعترض السجين ازداد ضغط ركبة الحارس في ظهره، ويستمر الرش حتى تنكسر روحه المعنوية، ثم يُصَبُّ عليه الماء لإفاقته ويعاد إلى قفصه.

وكان زيتون قد شاهد الأفيال وهو صبي، عندما كان السيرك اللبناني يمر ببلدة جبلة، وكان مدربوها يستخدمون خطاطيف فولاذية طويلة لتوجيه هذه الحيوانات إلى الجهة المطلوبة، أو لحفزها أو عقابها، وكان الخطاف يشبه الحربة الطويلة أو العتلة ذات السنان التي تستخدم في نقل ألواح الثلج، وكان المدربون يمسكون بالأفيال من بين ثنيات جلدها ثم يدفعونها أو يلوونها، وخطر ببال زيتون الآن هؤلاء المدربون، وكيف تَلَقَّى هؤلاء الحراس أيضًا تدريبًا على التعامل مع نوع معين من الحيوانات، كانوا قد اعتادوا العمل مع نزلاء السجون ذات الحراسة المشددة، وهم نزلاء أشِدَّاء. وهكذا، كانت أدوات الحراس ذات قسوة أكبر من أن تلائم هؤلاء الرجال، والكثرة الغالبة فيهم من مرتكبي أهون الجرائم، مثل خرق منع التجول، أو دخول أملاك الغير دون استئذان، أو السكر علنًا.

وامتد الليل طويلًا، وكانت تقطعه نوبات مفاجئة من الصراخ والولولة، وكانت المشاجرات تنشب بين السجناء، والحراس يتواثبون، فيخرجون رجلًا ويضعونه في قفص جديد، ولكن التشاجر كان يستمر؛ إذ كان السجناء الليلة متوترين ثائرين.

•••

وتيمم زيتون وناصر كيفما استطاعا، بدلًا من الوضوء، وصلَّيا.

كان إحساس زيتون بالذنب الآن عميقًا متزايدًا، كانت كاثي على صواب، كان ينبغي ألا يمكث في المدينة، وكان عليه قطعًا ألَّا يبقى فيها عندما كانت تطالبه في كل يوم من الأيام التي تلت العاصفة بالرحيل، وقال في نفسه: «أنا في غاية الأسف يا كاثي.» لم يكن يستطيع أن يتخيل المعاناة التي تتعرض لها كاثي الآن. كانت تردد كل يوم إن حادث سوء يمكن أن يقع على غير انتظار. وها هي ذي قد أثبتت صحة أقوالها، لم تكن الآن تعرف إن كان حيًّا أو ميتًا، وجميع الدلائل تشير إلى الاحتمال الأخير.

كان يمكن أن يكون أي شيء في هذا السجن محتملًا لو استطاع أن يتصل بها وحسب، لم يكن يريد أن يتخيل ما كانت تقوله للأطفال، وأي نوع من الأسئلة كانوا يسألونها.

ولكن لماذا لا يُسمح للسجناء بحقهم في إجراء مكالمة تليفونية؟ من أي زاوية عالج هذه المسألة لم يستطع إدراك منطق حظر المكالمات، ربما كان من المرهق أن يصاحب الحراسُ السجناء إلى داخل المحطة لإجراء المكالمات، ولكن ألن تؤدي المكالمات في النهاية إلى تخليص السجن من بعض السجناء على الأقل؟ وقال في نفسه إن أي سجن تابع للبلدية يتوقع مغادرة كثير من نزلائه في غضون يوم أو يومين، إما بأخذ تعهد من السجين، وإما بإسقاط التهمة الموجهة إليه، وإما بسبب أي نتيجة تنتهي إليها المكالمات التي يجريها مرتكبو الجرائم الطفيفة.

إذن فإن حظر المكالمات التليفونية كان عقابًا محضًا، تمامًا مثل رش الرجل الطفل برذاذ الفلفل؛ إذ كان ذلك ثمرة لمزيج من الفرصة المتاحة، والقسوة، والغموض، واللهو. لم يكن يرى فائدة في ذلك، مثلما لم يرَ فائدة في منع جميع السجناء من الاتصال بالعالم الخارجي.

وقال في نفسه: «أوه يا كاثي! أنا في غاية الأسف! ويا زخاري ونديمة وعائشة وصفية كم أشعر بالحزن هذه الليلة لعدم وجودي معكم!»

كان معظم السجناء نائمين بحلول الساعة الثانية أو الثالثة صباحًا، وكان الساهرون مع زيتون صامتين. ورفض زيتون من جديد أن ينام على الأرض، ولم يقتنص إلا لحظات عابرة من الراحة بالاستلقاء فوق الهيكل الفولاذي.

كان يعرف أن تلك الظروف قد بدأت تضر بحالته النفسية أضرارًا حقيقية، لم يكن يشعر حتى الآن إلا بالغضب، ولكن تفكيره كان صافيًا، وأما الآن فقد أصبحت الروابط المنطقية هزيلة إلى حد أكبر؛ إذ بدأت تعتاده أفكار شاردة عن الفرار، وبدأ يتساءل إن كان من الممكن أن يتعرض لأمر بالغ السوء هنا، وظل طول الليل يفكر في الرجل الطفل ويسمع صرخاته، وكان لا بد أن يهب في أي ظروف عادية للدفاع عن رجل تعرض لمثل ما تعرض له ذلك الشاب من الظلم، ولكن إرغامه على أن يشهد، بلا حوْل ولا طوْل، ما يحدث، مدركًا ما في ذلك من خسة، كان يُعتبر عقابًا له ولغيره من السجناء أيضًا، كان ذلك ينتقص من إنسانيتهم كلهم.

الخميس ٨ من سبتمبر

استيقظ زيتون على صرخات وشتائم، كان قد تمكن بطريقة ما من النعاس في الهزيع الأخير من الليل، أثناء استلقائه على الهيكل الفولاذي، ووقف فشاهد الحراس منهمكين في رش عدد أكبر من السجناء برذاذ الفلفل على امتداد صف الأقفاص كله.

ولكن الحراس كانوا يرشون رذاذ الفلفل الآن بخراطيمهم من خلال السور، لم يعودوا يبذلون الجهد اللازم لإخراج السجناء من أقفاصهم، فانخفضت الجرعة التي تصيب كل فرد، ولكن الرذاذ انتشر في أرجاء المجمع كله. وهكذا، فبعد أن صلى زيتون وناصر، شاركا باقي السجناء في حماية عيونهم وأفواههم من الرذاذ بقمصانهم، مع السعال المستمر لإخراج ذلك السم من حلوقهم.

وأصبح الجرح الذي أحدثته الشظية في قدم زيتون ملوثًا، وكان لونه قد تغيَّر أثناء الليل فغدا ذا زرقة دكناء، ولم يستطع تحميل أي ثقل عليه، كان قد رأى كيف يتجاهل الذين يعملون لديه مثل هذه الجروح؛ إذ كان معظمهم غير مشترك في التأمينات الاجتماعية ويخشى التسجيل في أي مستشفى، كانت كسور الأصابع لا تُجبر والجروح الفظيعة لا تُعالج، وهو ما كان يؤدي إلى الإصابة بشتى الأمراض، ولم يكن زيتون يعلم نوع الشظية التي دخلت تحت بشرته، لكنه كان متأكدًا من ضرورة إخراجها بأسرع وقت ممكن، لم يكن يحتاج إلا إلى لحظة من الرعاية، وإلى إبرة معقمة، أو حتى إلى سكين، كان في حاجة إلى أداة يحفر بها باطن القدم لإخراج ما دخل فيه، مهما يكن.

كان الألم مُبَرِّحًا، وحاول رفقاء زيتون في القفص مساعدته والتوصل إلى حل ما، أي إلى أي شيء ذي طرف حاد يمكن استخدامه، ولكن لم يكن لدى أي أحد شيء ولو كان مجموعة مفاتيح.

وبعد دقائق ظهر رجل من المحطة وأتى نحوه، كان يرتدي حُلَّة المستشفى المعقمة ذات اللون الأخضر، ويضع سماعة طبية حول رقبته، كان خفيف الحركة، ذا وجه حنون، ومشية تشبه مشية البط، كانت الراحة التي أحس بها زيتون في الثواني التي رآه يقترب فيها لا حدود لها.

وهتف زيتون: «دکتور!»

ولكن الرجل لم يتوقف قط، بل قال وهو يواصل المسير: «لست طبيبًا!»

•••

وكان الإفطار يتكوَّن أيضًا من وجبات جاهزة، من العِجَّةِ التي وضعت فيها شرائح لحم الخنزير، ومن جديد أعطى زيتون وناصر لحم الخنزير لتود وروني. ولكن الإفطار تضمن شيئًا جديدًا اليوم، زجاجة صغيرة من الصلصة الحريفة، فخطرت لزيتون فكرة؛ إذ تناول الزجاجة الصغيرة، وقرعها على الأرض فانكسرت، وتحولت إلى شظايا ونصال، فالتقط أحَدَّ نصل فيها وقطع به قَطْعًا في الجزء المتورم من قدمه، مُخرجًا قدرًا من السوائل يزيد عما تخيله، كان شفافًا في البداية ثم تحول إلى اللون الأبيض فالأحمر، وظل يحفر حتى وصل إلى الشظية الدكناء الكامنة تحت الجلد، وبعد أن أغرق الدم قدمه، أخرجها، كانت كسرة معدنية رقيقة في حجم خلة الأسنان.

ثم ربط قدمه بجميع المناديل الورقية الفائضة في القفص، فانقطع الألم فورًا.

وعلى امتداد النهار تكرر الرش برذاذ الفلفل، سواء كان ذلك للأفراد أو دون تمييز، وفي أواخر وقت العصر أحضر أحد الحراس بندقية ذات ماسورة ضخمة، وأطلق منها مقذوفًا على أحد الأقفاص، وظن زيتون أن رجلًا قد قُتل ولكنه أدرك أن البندقية لم تكن تطلق الرصاص، بل أكياس حبات الفول الجاف، وجعل الرجل يتلوى على الأرض ألمًا قابضًا على بطنه، ومنذ تلك اللحظة أصبحت هذه البندقية السلاح المفضل المستخدم في إخضاع السجناء، وكان الحراس يستخدمونها جنبًا إلى جنب مع رذاذ الفلفل، ويطلقونها على الرجال والنساء في الأقفاص.

واستمر جيري في إجراء محادثاته مع زيتون وناصر، كان من الواضح أنه غير مهتم بتود وروني، وطرح على زيتون أسئلة كثرًا عن تراثه، وعن سوريا، وعن حياته العملية، وعن مرات عودته لزيارة وطنه، وطرح الأسئلة نفسها على ناصر، وكان دائمًا ما يغلفها بغلالة من الود الظاهر وبراءة حب الاستطلاع. وكان ناصر متحفظًا بطبعه، فتقوقع في ذاته بصورة شبه كاملة، وحاول زيتون أن يتفادى الأسئلة مدعيًا الإرهاق، وتحول وجود جيري إلى مصدر للقلق المتزايد يومًا بعد يوم.

من كان جيري؟ ما سبب وجوده في هذا القفص وفي المجمَّع نحو مائة سجين آخر؟ وقد أصر تود في وقت لاحق على أنه كان جاسوسًا، مخبرًا متنكرًا، وأن الهدف من وجوده كان جمع المعلومات عن الرجلين السوريين في القفص. وقال تود إنه متنكر بطبيعة الحال، وقال زيتون في نفسه: لو كان ذلك صحيحًا، فإنه كان موظفًا عموميًّا متفانيًا إلى أبعد حد في عمله. كان يتناول طعامه في الهواء الطلق في القفص، وعندما يحل الليل ويبرد الهواء ينام حيث ينام رفقاء زيتون في القفص، من دون بطاطين أو وسائد، على الأرض القذرة.

وفي تلك الليلة، عندما حان دور زيتون في الرقاد على الهيكل الفولاذي في القفص، حاول أن يستلقي بأسلوب مريح فلم يستطع. كان يشعر في جانبه بألم جديد، نابع من منطقة الكُلية اليمنى، كان الألم حادًّا حين حاول الاستلقاء على السور الحديدي، لكنه خف قليلًا عندما وقف دون أن يختفي تمامًا، كان يمثل مصدرًا جديدًا للقلق، وسببًا آخر لعدم راحته في هذه الليلة.

الجمعة ٩ من سبتمبر

عندما انتصف النهار قيل لزيتون ورفقائه في القفص إنهم سوف يُنقلون من معسكر جراي هاوند إلى مكان آخر. ووصل عدد من أوتوبيسات المدارس التي وقفت في الركن الأقصى من الساحة.

وأُخرج زيتون من قفصه، ووُضعت يداه في القيود، ودُفع به إلى أحد هذه الأوتوبيسات، وأوقف السجناء صفًّا واحدًا، ثم قُيِّدت إحدى يديه إلى يد سجين آخر في الستينيات من عمره. كان ذلك أوتوبيس مدرسة عاديًّا، مرت عليه عقود وعقود، وأُمر زيتون ورفاقه بالركوب، فانطلقوا فصعدوا الدرجات القليلة مارِّين بالسائق الذي يحمل السلاح وحفنة من الحراس المسلحين، ثم جلسوا، وصعد إلى الأوتوبيس تود وناصر وروني، وقد قُيِّدت يد كل منهم إلى يد سجين جديد، ولم يُخْبَرْ أيٌّ من السجناء الخمسين الذين ركبوا الأوتوبيس بالمكان الذي يتجهون إليه. وجال بصر زيتون بحثًا عن جيري، لكنه لم يكن معهم، كان قد رحل.

وانطلق الأوتوبيس خارجًا من المدينة في اتجاه الشمال، ولم يتحدث زيتون والرجل الذي قُيِّدَتْ يده إلى يده، بل لم يتكلم من المسجونين عدد يذكر. كان بعضهم يعرف، فيما يبدو، مقصد الأوتوبيس، وبعضهم لا يستطيع أن يتخيل ما سوف يحدث، والبعض الآخر يبدو سعيدًا بالخروج أخيرًا من محطة الأوتوبيسات، واثقًا بأنه لن يشاهد أسوأ منها.

غادروا المدينة فشاهد زيتون أول مساحة خضراء منبسطة من اليابسة يشاهدها منذ العاصفة، وذَكَّرَهُ المشهد بالوصول إلى المرفأ بعد رحلة بحرية طويلة، وكان الإغراء شديدًا آنذاك بأن يقفز من السفينة ويرقص ويجري فوق الأرض الصلبة التي لا حدود لها.

وبعد أربعين ميلًا شاهد زيتون لافتة في الطريق العام تشير إلى أنهم يقتربون من بلدة سانت جابريل، ورأى زيتون فيها أمارة إيجابية أو إشارة ذات نبرة ضاحكة مريرة؛ إذ يعتقد المسلمون أن الملاك جبريل، وهو نفسه غبريال الذي يقول الكتاب المقدس إنه حمل البشارة إلى مريم البتول وتنبأ لها بمولد يسوع المسيح، وهو الوحي الذي أنزل القرآن من عند الله على النبي محمد، وهم يصفونه بأن له ستمائة جناح، ويقول القرآن إنه صَاحَبَ محمدًا في معراجه إلى السماوات.

وأبطأ الأوتوبيس عند مكان كان يشبه أولًا النوادي الريفية؛ إذ كان المكان مساحة شاسعة مغطاة بالكلأ الأخضر وحولها سور أبيض، من النوع الذي يحيط في العادة بمزارع تربية الخيول في الريف. واستدار الأوتوبيس ومر من خلال بوابة بُنيت من الطوب الأحمر، وعند المدخل شاهد زيتون لافتة تؤكد أين كانوا إذ تقول: مركز إلين هَنْت الإصلاحي. كان من السجون المشددة الحراسة، ولم تبدُ الدهشة على معظم ركاب الأوتوبيس، وكان الصمت مطلقًا.

وانطلقوا في مدخل السيارات الطويل الذي تصطف الأشجار على جانبيه بانتظام، وطار سرب من الطيور فزعًا عندما اقتربوا من بوابة أخرى، وكانت هذه تشبه بوابة دفع الرسوم في الطرق الطويلة. وأشار أحد الحراس للأوتوبيس بالدخول، وسرعان ما أصبحوا داخل أراضي السجن.

كان مركز هَنْت الإصلاحي مُجَمَّعًا من المباني ذوات الطابق الواحد المشيدة بالطوب الأحمر، والمقامة وسط مساحة خضراء لا تشوبها شائبة. كان كل شيء مرتبًا في شبكات منتظمة، وكانت الأسوار والأسلاك الشائكة التي تعلوها تلمع في وهج الشمس، وكان الكلأ ذا لون زاهٍ، وقد شُذِّبَ منذ فترة قصيرة، وكانت آلات الري بالرش تدور على البعد بأصواتها المميزة.

وبدأت إجراءات استقبال السجناء واحدًا واحدًا، عند مناضد وضعت خارج المباني، وكانت المقابلة الشخصية الخاصة بدخول زيتون موجزة ومستجوبوه مهذبين. سألته امرأتان عن صحته، وعن أي أدوية يتناولها، وأي قيود على طعامه، وأذهله ما لمسه فيهما من حذق للمهنة وما أبدياه من احترام له، وخطر له أن هذا المستوى المهني العالي قد يعني مراعاة الإجراءات القانونية المعتمدة — ومن بينها السماح للمتهم بإجراء مكالمة تليفونية — وهو ما يعني إطلاق سراحه بعد يوم أو يومين. وفي أقل القليل سوف تعرف كاثي أنه على قيد الحياة؛ إذ لم يكن يهمه غير ذلك.

وسيقوا إلى غرفة تغيير الملابس وأُمروا بخلع ملابسهم كلها، ففعل زيتون ذلك، في حضور أكثر من عشرة رجال، ولم يكن يخشى في وجود هذا الحشد أي تفتيش ذاتي أو عنف، فخلع القميص والشورت واللباس الداخلي، ثم اقتادهم موظفو السجن إلى الخارج.

وأُعطي له ولكل سجين آخر أوفرول برتقالي اللون، بأكمام قصيرة، من دون ملابس داخلية، ولبس زيتون الأوفرول وربط السوستة، وعاد فلبس حذاءه.

•••

وأعيدوا إلى الأوتوبيس الذي سار بهم في طرقات مُجَمَّع السجن الذي كان يتكون من مبانٍ ذوات أشكال هندسية منتظمة لها أسقف زرقاء، وتوقف الأوتوبيس عند مبنى كان فيما يبدو آخر مباني السجن، وكان الواضح أنه يتميز بأقصى درجات الحراسة.

واقتيد زيتون والآخرون من رفقاء الرحلة إلى داخل أحد المباني الطويلة ذات الزنزانات. وسيق في بهو طويل من الخرسانة ثم دفع به في زنزانة، لم تكن مساحتها تزيد على مترين في أقل من ثلاثة أمتار، أعدت لسجين واحد، فوجد أن ناصرًا قد سبقه إليها، وأُغلق الباب، وكانت القضبان مطلية باللون الأزرق الفاقع.

كانت الزنزانة مبنية بصورة كاملة من الأسمنت، وكان المرحاض كذلك من الأسمنت مبنيًّا في وسط الزنزانة، وكان السرير في جانبها مبنيًّا من الأسمنت أيضًا، وعليه فراش من المطاط، وفي الجدار الخلفي كانت تلوح نافذة صغيرة مغطاة بلوح سميك من البلاستيك الشفاف، وكان يظهر فيه مربع أبيض غائم، ربما كان السماء.

ولم يتفوه زيتون وناصر بألفاظ تذكر. لم يكن لديهما ما يقال. كانا يعرفان أن محنتهما قد بدأت تسير في اتجاه أخطر كثيرًا مما سبق، لقد عُزل الأمريكيان السوريان الآن عن الجميع، فعندما كانا في صحبة تود وروني، بدا لهما أن التهمة الموجهة إليهما — مهما يكن الوقت الذي توجه فيه تلك التهمة — مقصورة على السلب والنهب، ولكن السوريَيْن الآن قد فُصلا عن الأمريكيَيْن، وما عاد من الممكن التنبؤ بمسار هذه الأحداث.

ظل زيتون متأكدًا من أن إجراء مكالمة تليفونية واحدة سوف يحرره، كان رجلًا ناجحًا ومشهورًا، وكان اسمه معروفًا في شتى أرجاء نيو أورلينز، لم يكن يحتاج إلا إلى إجراء مكالمة مع كاثى وسوف تهدم كاثي جميع الأسوار حتى تصل إليه.

وطيلة النهار قرر زيتون الجلوس بجوار القضبان ملوحًا بمنديل السفرة، متوسلًا إلى الحراس أن يمنحوه مكالمة تليفونية، وكان يبدو أن الحراس يتلذذون بطبخ صنوف من الإنكار والنفي.

كانوا يقولون:

«التليفون عطلان.»

«ليس اليوم.»

«الخطوط مقطوعة.»

«ربما غدًا.»

«وماذا أنال منك مقابل هذا؟»

«ليست مشكلتي. لست سجينًا عندنا.»

لم تكن هذه هي المرة الأولى أو الأخيرة التي يسمع زيتون فيها ذلك، لم يكن قد مر بالإجراءات التقليدية، ولم يكن قد خُصِّص له سجن هَنْت في الأجل الطويل، ومِن ثَم فلم يكن من الناحية الإجرائية من نزلاء سجن هَنْت، ومِن ثَم لم تكن تنطبق عليه الإجراءات المعتمدة في تلك المؤسسة. وكان ذلك ما قاله الحراس له عدة مرات:

«أنت من مشاكل الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.»

كانت تلك الوكالة هي التي تتحمل تكاليف حبسه، فيما قاله الحراس، وكذلك تكاليف جميع سجناء نيو أورلينز. أما مركز إلين هَنْت الإصلاحي فكان مكانا مؤجرًا ﻟ «تخزين» هؤلاء الرجال، وباستثناء ذلك لم يكن المركز مطالبًا برعايتهم ولا بتلبية حقوقهم.

وأقبل الليل ولكنه لم يكد يختلف عن النهار. أُطفئت الأضواء الساعة العاشرة، ولكن السجن كان غاصًّا بالأصوات، كان السجناء يتكلمون ويضحكون ويصرخون، وكانت تتردد أصوات شتى يصعب تحديد كنهها، قادمة من كل مكان، أصوات الضرب والشخير، وبدا أن الدخان ازداد على امتداد ساعات الليل، وكانت الروائح عفنة من السجائر، والماريجوانا، والطعام الفاسد، والعرق، والتحلل.

وكان الألم في جنب زيتون قد اشتد، أصبح وجعًا ينبض، كأنما كانت كُليته ملتهبة. لم يسبق له أن بالغ في القلق على مثل تلك المشاكل، ولكن ترى هل كانت كاثي على حق حين قالت إن السموم التي انتشرت في نيو أورلينز بعد العاصفة قد تسربت إلى جسده؟ وربما كان ذلك من تأثير الرش برذاذ الفلفل في معسكر جراي هاوند، ولا شك في أنه استنشق قدرًا من ذلك الغاز لم يلبث أن أضر بأحشائه.

لكنه تجاهل الألم. لم يكن يستطيع التفكير إلا في كاثي، لم تمضِ سوى أربعة أيام منذ أن سمعت صوته آخر مرة، لم يكن يستطيع أن يتخيل مقدار معاناتها، وأين يكون عقله لو أنها تاهت عنه أربعة أيام؟ كان يأمل ألَّا تكون قد أخبرت الأطفال، كان يأمل ألَّا تكون قد أخبرت أي أحد، كان يأمل أن تكون قد وجدت ما يريحها ويسري عنها عند الله؛ إذ كان واثقًا بأن الله له غاية من هذا.

وفي الساعات الأولى من الفجر، شعر زيتون بالوهن نتيجة قلة النوم والطعام، وجو العدم الكئيب من حوله، فتذكر سورة التكوير في القرآن الكريم:

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (التكوير: ١–٢٢).

السبت ١٠ من سبتمبر

عاد زيتون إلى الأرق طول الليل، كانت الأضواء الفلورسنت في السقف قد أُطفئت في الساعة العاشرة مساءً، ثم أُضيئت من جديد في الثالثة صباحًا. كانت الساعة الثالثة تعتبر بداية النهار في هذا السجن.

وبعد أن أدى زيتون وناصر الصلاة، حاول زيتون أن يتريض داخل الزنزانة، كان الجرح في قدمه لم يلتئم بعد، ولكنه قام بتدريبات الجري في مكانه، وأجرى تدريب الضغط باليدين على الأرض ورفع الصدر، والقفز في المكان نفسه، ولكن الألم في جنبه ازداد بسبب هذا النشاط، فكف عنه.

كان الإفطار من السجق، وهو ما لم يستطع أن يأكله، وبيضًا مخفوقًا في اللبن، وهو ما لا يكاد يكون له طعم مقبول، فتناول قليلًا منه وشرب العصير الذي قُدِّم إليه. وجلس مع ناصر على السرير، جنبًا إلى جنب، لا يكادان يتحادثان. كان الخاطر الوحيد الذي يشغل بال زيتون إجراء مكالمة تليفونية، لم يكن في الدنيا غير ذلك.

وسمع خطوات الحارس الذي كان مقبلًا في الردهة ليجمع صواني الإفطار، وما إن اقتربت الخطوات حتى وثب زيتون إلى مقدمة الباب وتراجع الحارس خطوة واحدة، وقد أفزعه ظهور زيتون المباغت.

وهتف زيتون: «أرجوك، هل لي في مكالمة تليفونية واحدة؟»

وتجاهل الحارس السؤال لكنه تطلع إلى ناصر الذي كان ما زال جالسًا على السرير، وألقى الحارس نظرة متسائلة على زيتون ثم انتقل إلى الزنزانة التالية.

وبعد ساعة سمع زيتون وقع أقدام الحارس مرة أخرى، فنهض زيتون ليقابله عندما يمر بالباب، وسأله: «من فضلك هل أستطيع إجراء مكالمة واحدة؟ لزوجتي فقط.»

في هذه المرة هز الحارس رأسه هزة عارضة، ثم تطلع من وراء زيتون لرؤية ناصر الذي كان أيضًا جالسًا على السرير، ولكن هذه النظرة التي حدج الحارس زيتون بها كانت تضمر إيحاءات معينة، بل ذات بذاءة؛ إذ رفع حاجبيه وأومأ مشيرًا إلى ناصر، كان المعنى الذي يوحي به هو أن زيتون وناصرًا كانا على علاقة غرامية، وأن زيتون كان يخشى اكتشافها، فوثب مبتعدًا عن السرير عندما سمع الحارس يقترب منه!

وعندما أدرك زيتون المعنى الذي كان الحارس يضمره كان وقت المناقشة قد فات؛ إذ اختفى الحارس في مساره بآخر الردهة، ولكن ذلك المعنى الموحى به، أي إن زيتون كان ثنائي النزعة الجنسية، وإنه يخون زوجته، أغضبه إلى الحد الذي لم يستطع معه أن يتمالك نفسه.

وفي الظهيرة أُخرج زيتون من زنزانته، واقتيد إلى مكتب صغير، يقف فيه أحد حراس السجن ومعه آلة تصوير رقمية، وأُمر زيتون أن يجلس على كرسي من البلاستيك، وبينا كان زيتون ينتظر الأمر التالي نظر المصور شزرًا إليه ورفع رأسه.

وصاح قائلًا: «هل تحدق في وجهي؟»

ولم يقل زيتون شيئًا.

وصرخ المصور: «لماذا تحملق في وجهي؟»

وواصل صياحه مشيرًا إلى قدرته على أن يذيق زيتون المهانة والذل في هذا المكان، وإلى أن شخصًا لديه هذا التحدي لن يصمد طويلًا. ولم يكن زيتون يدري ما فعل فاستفز الرجل إلى هذا الحد، بل كان الرجل ما زال يسبُّ ويلعن عندما أُخرج زيتون من الغرفة وأُعيد إلى زنزانته.

وفي آخر ساعات العصر، سمع زيتون من جديد خطوات شخص قادم في الردهة، فذهب إلى مقدمة الزنزانة وشاهد الحارس نفسه.

وسأله الحارس: «ماذا تفعلان أنتما الاثنان؟»

وقال زيتون بصوت كالفحيح: «ماذا تقول؟!» لم يعرف في حياته غضبًا كهذا الغضب.

وقال الحارس: «لا يُسمح لك بفعل هذه الأشياء في الزنزانة يا أخ! كنت أظنه محرَّمًا في دينكما على أي حال.»

وهنا انفجر غضب زيتون، فأمطر الحارس وابلًا من الشتائم والتهديدات، غير عابئ بما قد يحدث.

وبدا أن الحارس قد صُدم: «هل تتحدث إليَّ حقًّا بتلك اللهجة؟ هل تعرف ما أستطيع أن أفعله بك؟»

كان زيتون قد انتهى، فذهب إلى ركن زنزانتهما القصيِّ وطوى ذراعيه على صدره، لو كان في بقعة أقرب إلى الباب لما قاوم إغراء إلقاء نفسه على القضبان والإمساك بأي جزء تصل إليه يده من جسد الحارس.

الأحد ١١ من سبتمبر

وفي الصباح فُتح الباب وأضيف أربعة رجال إلى زنزانتهما. كان الأربعة أمريكيين من أصول أفريقية، تتراوح أعمارهم ما بين الثلاثين والخامسة والأربعين. وأومأ زيتون وناصر لهم بالتحية، وبعد تبادل المواقع بحركات سريعة وجد النزلاء الجدد أماكن في الزنزانة الصغيرة؛ إذ جلس ثلاثة رجال على السرير، وثلاثة على الأرض، متكئين على الجدار. وكانوا يتبادلون هذه الأماكن مرة كل ساعة، والعرق يتفصد منهم في ذلك المكان الخانق.

•••

لم يعد زيتون يتوقع أن يمنحه أحد الحراس الذين شاهدهم حتى الآن فرصة إجراء مكالمة تليفونية، بل كان يأمل في أن يرى حارسًا جديدًا، أو موظفًا جديدًا في السجن أو زائرًا للسجن.

لم يكن يعرف أسلوب عمل السجن، أو أسلوب عمل أي سجن، ولكنه شاهد أفلامًا يسير فيها المحامون داخل عنابر السجن، ويسير فيها الزوار أيضًا، كان يحتاج إلى مقابلة شخص كهذا، أي شخص من العالم خارج السجن، أي شخص يتعطف ويبدي بعض الرحمة.

وأخبر الرجالُ في الزنزانة بعضَهم بعضًا كيف انتهى الأمر بهم إلى سجن هَنْت. كانوا جميعًا قد قُبض عليهم في نيو أورلينز بعد العاصفة، قالوا: إن هذا الجناح كله من السجن يئوي سجناء كاترينا. قال أحدهم: «كلنا تابعون للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.» كان اثنان قد قبض عليهما بتهمة نقل الأثاث، في ظروف لا تختلف عن ظروف زيتون.

قال أحدهم إنه من عمال المرافق الصحية من مدينة هيوستن، وكانت الشركة التي يعمل فيها قد أبرمت عقدًا في أعقاب العاصفة مباشرة للحضور إلى نيو أورلينز والشروع في تنظيف المدينة، وكان يسير صباح ذات يوم من فندقه إلى شاحنته عندما توقفت بجواره شاحنة تابعة للحرس الوطني، وقُبض عليه فورًا، ووضعت يداه في القيود الحديدية وأُحضر إلى معسكر جراي هاوند.

كانت تلك أول مرة يُقبض فيها عليه، وكان أشد الموجودين حيرة وبلبلة، وكان هؤلاء السجناء يعتبرون أنهم يقضون «عقوبات كاترينا»، وهو التعبير الذي ابتكروه، فهو لم يحضر إلى نيو أورلينز إلا بناءً على أوامر شركته، وكان عمله الأصلي جمع القمامة في هيوستن، ولكن حدث بعد الإعصار أن قال المشرف على عمله في الشركة إنهم قد وقَّعوا عقدًا للعمل في نيو أورلينز، وقال هذا السجين في نفسه: قد يكون من الطريف مشاهدة ما آلت إليه المدينة، كما كان يريد المساعدة في تنظيفها، فذهب إليها طائعًا مختارًا. كان عند القبض عليه يلبس الزي الرسمي، ومعه بطاقته الشخصية، ومفاتيح شاحنته، وكل شيء، ولكنه لم يفلح في إقناع أحد؛ إذ وُجِّهَت إليه تهمة السلب والنهب، ووُضع في الأقفاص خلف محطة الأوتوبيس.

وقال أحد زملاء الزنزانة إنه كان من عمال المطافى في نيو أورلينز، وإنه ظل في المدينة لأن الإدارة طلبت منه البقاء، وكان في فناء إدارة المطافئ عندما مرت به سيارة جيب وألقى من فيها القبض عليه، متهمين إياه بالسلب والنهب، ووضعوه في خلفية السيارة وأحضروه إلى معسكر جراي هاوند.

وعرف زيتون أن معظم الذين أُحضروا إلى معسكر جراي هاوند قد وُجِّهَتْ إليهم التهم بأسلوب نمطي، لا يكاد يختلف؛ إذ أُحضرت غالبيتهم إلى محطة الأوتوبيسات في صباح اليوم التالي للقبض عليهم، وكانت محكمة مؤقتة قد أنشئت في مكتب بالطابق الثاني، وكان فيها قاضٍ ومحامٍ واحد على الأقل، وقُرِئ على المقبوض عليهم نص التهمة، وعرضت على معظمهم صفقة، فإذا لم ينكروا التهمة حكم عليهم بارتكاب مخالفة وعقوبة لا تزيد على أداء بضع ساعات في خدمة المجتمع، تبدأ فورًا. وكان بعض الذين قَبِلوا أن يعقدوا الصفقة — بحيث أصبحت لهم صفحة سوابق دائمة — يُساقون مباشرة إلى قسم الشرطة في وسط المدينة؛ حيث يشرعون في إصلاح المكاتب التي أصيبت بأضرار ويعيدون طلاءها.

كان الألم الحاد الذي يَخِز زيتون في جنبه وأحس به أول الأمر في معسكر جراي هاوند، قد تضاعف الآن عشرة أضعاف، كان يشعر كأن مِفَكًّا طويلًا يُدَارُ ببطءٍ مُخترقًا كُلْيته، كان يصعب عليه الجلوس والوقوف والرقاد، وكلما غيَّر وضعه كان يحس الراحة خمس دقائق قبل أن يعود الألم، لم يكن من الذين تقلقهم هذه الأمور، ولكن إحساسه بهذا كان مختلفًا. خطرت بباله ألوان العدوى، أي الأمراض الكثيرة التي ذكرتها كاثي أثناء محاولتها إقناعه بمغادرة المدينة، كان يحتاج إلى المساعدة.

•••

لاحظ أن إحدى الممرضات تمر داخل العنبر مرة واحدة في اليوم، وتدفع أمامها عربة زاخرة بالأدوية، وتقدم حبوب الدواء للسجناء.

وأوقفها زيتون حالما مرت أمام زنزانته، وأخبرها بما يكابده من ألم.

وسألته: «هل معك روشتة؟»

ونفى ذلك موضحًا أن الألم استجد عليه.

وقالت: «إذن لا بد أن يفحصك طبيب.»

فسألها عن السبيل إلى ذلك.

قالت إن عليه أن يملأ استمارة يشرح فيها مرضه، وعندما يفحصها الطبيب سوف يقرر إن كان يحتاج إلى العلاج أو لا. وأعطته الممرضة الاستمارة وتابعت سيرها في العنبر.

وملأ زيتون الاستمارة، وعندما عادت في طريق الخروج سلمها إليها.

وبعد العشاء تبادل زملاء زيتون في الزنزانة قص ما سمعوه من غيرهم من السجناء الذين قابلوهم، كان السجناء الذين وصلوا إلى سجن هَنْت في الأيام التي تلت العاصفة قد كابدوا أحوالًا تستعصي على الفهم.

كان الآلاف منقولين من سجن نيو أورلينز العمومي، وكان من بينهم المحبوسون بتهمة السُّكْر العلني، وبتهمة سرقة بعض السلع من المتاجر الكبرى، وغير ذلك من الجُنَح، وكانوا قد تُركوا ثلاثة أيام فوق الجسر البري العلوي المقام فوق شارع «برود» في المدينة، كما نقل التليفزيون صورهم، بحر من الناس بحُلل السجن البرتقالية جالسين فوق نهر الطريق المتسخ بالفضلات الآدمية والقمامة، ويحيط بهم الحراس حاملين بنادق أوتوماتيكية.

وعندما وصلت الأوتوبيسات أخيرًا، نُقل السجناء إلى سجن هَنْت، وبدلًا من نزولهم داخل مباني السجن، سيقوا إلى استاد كرة القدم الملحق بالمبنى، واحتُجزوا هناك ثلاثة أيام أخرى خارج المباني، دون أي مأوى يئويهم، وهكذا جُمِعَ آلاف السجناء معًا، من القتلة والمغتصبين إلى المتهمين بقيادة السيارة تحت تأثير الخمر وصغار اللصوص، على أرض الاستاد المغطاة بالكلأ.

ولم تكن لديهم مراحيض، فكان السجناء يتبولون ويتبرزون حيثما استطاعوا، لم تقدم إليهم وسائد ولا ملاءات ولا أكياس للرقاد فيها ولا ملابس جافة، بل أُعطي كل رجل بطانية واحدة خفيفة. ولما كانت المنطقة التي بُني فيها سجن هَنْت مستنقعًا قبل بناء السجن، فإن التربة كانت تنضح بالماء أثناء الليل، وأصبح الرجال ينامون على الطين، من دون ما يحميهم من قسوة الطبيعة، والحشرات، ومن بعضهم البعض؛ إذ وقعت حوادث طعن مضاعف، أثناء منازعات الرجال حول البطاطين.

وكانوا يحصلون على الماء من أنبوبين صغيرين خارجين من الكلأ، ويضطر الرجال إلى انتظار دورهم ويشربون في كفوفهم، وأما الطعام، فكان حراس السجن يتناولون السندويتشات فيعجنونها في شكل كرات يلقونها فوق سور الاستاد حتى تقع وسط السجناء، ومَن استطاع منهم أن يلقف إحدى الكرات أكل، ومن استطاع الدفاع عن نفسه أكل، وكان كثيرون منهم لا يتناولون أي طعام.

ولم يكن أحد من نزلاء زنزانة زيتون يعرف إن كان هؤلاء السجناء لا يزالون في ملعب كرة القدم أو لا، أو ما حدث لهم بعد ذلك.

الإثنين ١٢ من سبتمبر

في الصباح، أُخرج الرجال الأربعة من الزنزانة فأصبح زيتون وناصر وحدهما مرة أخرى. لم يكن لديهما ما يفعلانه غير انتظار أي وجه جديد، أي شخص قد تؤدي مخاطبته إلى إدراك العالم الخارجي لوجودهما هنا.

كان الملل شديدًا، لم تُقدَّم إليهما كتبٌ ولا صحفٌ ولا جهاز للراديو، لم يكن في طوق الرجلين سوى التحديق في الجدران الرمادية، أو الأرضية السوداء، أو القضبان ذات اللون الأزرق الفاقع، أو وجه كل منهما. لكنهما كانا يخافان الكلام خوفًا شديدًا. كانا يفترضان أنهما يخضعان للمراقبة هنا بأسلوب ما، وإذا كان جيري جاسوسًا فالمحتمل أن يكون قد دُسَّ به لمراقبتهما في قفص خارجي، ولن يكون من المدهش أن تُسَجَّل محادثاتهما هنا، في السجن ذي الحراسة المشددة.

جلس زيتون على السرير وأغمض عينيه، لم يكن يريد إلا أن تمر هذه الأيام.

واستعرض في ذهنه ظروف القبض عليهم، والساعات والأيام السابقة على ذلك، مرات لا تُحصى، محاولًا أن يدرك سبب لفت الأنظار إليهم. هل كان السبب ينحصر في وجود أربعة رجال في منزل واحد؟ كان يُسلِّمُ بأن أمرًا كهذا، بعد الإعصار وإخلاء معظم المدينة من سكانها، كان جديرًا بالتحقيق فيه. ولكن التحقيق لم يحدث، ولم تُوَجَّه أي أسئلة، ولم يُعثر على أي أدلة، ولم تُوَجَّه أي تهم.

كانت كاثي كثيرًا ما تبدي قلقها من وجود الحرس الوطني وجنود آخرين عادوا إلى الولايات المتحدة من الخدمة في العراق أو أفغانستان. وكانت تحذره من المرور بجماعات الجنود في المطارات، ومن السير بجوار مكاتب الحرس الوطني. كانت تقول لزيتون، شبه متفكهة: «إنهم مدربون على قتل رجال مثلك.» لم تكن تريد لأسرتها أن تصبح من الخسائر الثانوية في حرب ليست لها جبهات يمكن تمييزها، وليس لها شكل حقيقي، ولا قواعد.

قبل ما يقرب من عشرين عامًا، كان يعمل على ظهر ناقلة بترول تسمى «أندروميدا»، وكان الرجال قد انتهوا لتوهم من نقل البترول الكويتي إلى اليابان، وفي طريق عودتهم إلى الكويت لنقل المزيد. كان ذلك عام ١٩٨٧، وكانت إيران والعراق تخوضان حربهما الطويلة المنهكة للطرفين، وكانت معظم مصافي البترول عندهما قد دُمرت أثناء القتال، فأصبحت الدولتان تعتمدان على الواردات البترولية، وكانتا تحاولان بانتظام اعتراض أي سفن تنقل البترول إلى العدو من خلال مضيق هرمز، أو إحداث الأضرار بها، وكان زيتون ورفاقه في السفينة يعرفون أن دخول خليج عُمان، تمهيدًا لدخول الخليج العربي، كان يعني إثارة غضب الغواصات والسفن الحربية التابعة للعراق أو لإيران، وكان البحارة يحصلون على أجر إضافي لتعويضهم عن المخاطر.

وكان مرقد زيتون في السفينة فوق خزانات الوقود فيها مباشرة، وكان نائمًا ذات صباح حين انتفض نتيجة انفجار وقع أسفل مرقده. لم يكن يعرف إن كان أحد الخزانات قد انفجر أم أن السفينة قد ارتطمت بشيء ما. وسرعان ما أدرك أنه لو كان الخزان قد انفجر لكان في عداد الأموات، ومِن ثَم فلا بد أن السفينة ارتطمت بشيء، أو صدمها شيء. وكان في طريقه مسرعًا إلى برج القيادة حين وقع انفجار آخر هز السفينة هزًّا.

كانت الطوربيدات الإيرانية قد أصابت السفينة مرتين، وأدى اصطدامها إلى إحداث فجوة كبيرة تكفي لدخول زورق بمحرك فيها! ولكن كان من الواضح أن الإيرانيين لم يكونوا يقصدون إغراق الناقلة ولو أرادوا ذلك لكان يسيرًا حقًّا، كانوا يريدون إرسال تحذير، وجعل السفينة عاجزة عن مواصلة السير.

وتمكن البحارة من الوصول إلى عدن؛ حيث استغرق إصلاح العطب في هيكل السفينة شهرًا. وأثناء انتظار الإبحار من جديد قرر زيتون أن والده محمودًا ربما كان على حق، وأن الوقت قد حان للاستقرار في مكان ما، ولبناء أسرة، وللبقاء سليمًا مخلصًا على اليابسة، وبعد شهور معدودة، خرج من «أندروميدا» في هيوستن وبدأ البحث عن كاثي.

الثلاثاء ١٣ من سبتمبر

لم يناقش زيتون وناصر إمكان بقائهما في هذا السجن شهورًا عديدة، بل أعوامًا. ولكن ذلك كان يجول بخاطرهما، كانا يقولان إن الناس يجهلون مكان وجودهما، وإن ذلك يتيح للمسئولين — أيًّا كان المسئول الذي يريد إبقاءهما هنا — سلطة كاملة لا رَادَّ لها في مواصلة احتجازهما وإخفائهما إلى الأبد.

لم يستطع ذهن زيتون أن يلمح حتى الآن بارقة إجراء ما قد يستطيع اتخاذه دفاعًا عن قضيته. لم يكن مسموحًا له بإجراء اتصال تليفوني، ولم يكن أمامه أدنى دليل على أنه سوف يُسمح له بذلك. لم يستطع الاتصال بأي شخص في العالم الخارجي، لقد تحدث مع الممرضة، ولكنها من الموظفين الدائمين في السجن. لم يكن لتأكيد براءته لها أي جدوى، فمن الأرجح أنها لا تسمع طول النهار سوى تأكيدات البراءة. بل إنه كان يعرف أن وجوده في سجن مشدد الحراسة من شأنه أن يثبت إدانته في أذهان جميع العاملين فيه، وكان الحراس قد اعتادوا الإشراف على الرجال الذين كانوا يدانون في المحاكم.

ويضاف إلى هذا أن السجن كان معزولًا إلى الحد الذي يحول دون خضوعه لإشراف من أي نوع، ويمنع وصول أي مدنيين إليه للتحقق من أحواله، ولم يكن قد سُمح لزيتون بمغادرة مبنى السجن الذي يقيم فيه قط، ولم يسمح له بمغادرة الزنزانة إلا للاستحمام. وكان الحمَّام نفسه محاطًا بالقضبان. وما داموا قد رفضوا السماح له بمكالمة تليفونية لمدة سبعة أيام، فلماذا يغيرون سياستهم في المستقبل؟

كان لديه أمل واحد ألا وهو تقديم اسمه والإعلان عن براءته لكل سجين قد يقابله، عسى أن يُطلق سَراحُ أحدِهِم يومًا ما وربما لم يكتفِ بتذكر اسمه، بل تكفل بالاتصال بكاثي أو بإخبار أي فرد بمكان وجوده، ولكن من تُراه بين هؤلاء سوف يصدق أنه من الأبرياء حقًّا في السجن؟ وكم من الأسماء الأخرى قد عرفوها؟ وكم من الوعود قد قطعوها على أنفسهم؟

عندما قُبض على زيتون أصلًا، لم يكن واثقًا بأن بلده الأصلي كانت له علاقة بذلك؛ إذ كان اثنان من المجموعة التي قبض عليها أمريكيَيْن من أصحاب البشرة البيضاء، ولدا في نيو أورلينز، ولكن الاعتقال تغير مساره تمامًا عندما أُحضر الجميع إلى معسكر جراي هاوند، وعلى الرغم من كراهية هذه النقلة في تفكيره، فإنه تساءل في نفسه: أليس من المحتمل على الإطلاق أن ينقل، مثل العديد من الآخرين، إلى مكان خفي؛ إلى أحد السجون السرية خارج البلاد؟ إلى خليج جوانتانامو؟

لم يكن زيتون من النوع الذي يخاف مثل هذه الأمور. لم يكن من أصحاب نظريات المؤامرة أو الاعتقاد بأن حكومة الولايات المتحدة ترتكب انتهاكات حقوق الإنسان عمدًا، ولكن كل شهر كانت تنشر فيما يبدو قصة جديدة عن إطلاق سراح أحد مواطني إيران أو المملكة العربية السعودية أو ليبيا أو سوريا، أو أي بلد من عدد من البلدان الإسلامية الأخرى، بعد قضاء شهور أو سنوات في أحد المعتقلات، وكانت القصص متشابهة في العادة، كانت الحكومة الأمريكية تشتبه في أحد المسلمين، وكان يسمح للعاملين بهذه الحكومة بموجب السلطات المخولة حاليًّا لرئيس الجمهورية أن يقبضوا على الرجل في أي مكان في العالم، وأن ينقلوه إلى أي مكان في العالم، من دون الحاجة إلى اتهامه بارتكاب أي جريمة.

كيف كانت حالة زيتون الراهنة تختلف عن ذلك؟ كان حبيسًا ممنوعًا من الاتصال بأحد، ودون اتهام، أو كفالة أو محاكمة، أفلن تلتزم وزارة الأمن الداخلي بإضافة اسم جديد إلى قائمة الأشخاص الخطرين لديها؟ إن مجرد تصور انطلاق اثنين سوريين في قارب يجوب مدينة نيو أورلينز بعد الإعصار كفيل بإثارة الريبة في قلوب بعض الأمريكيين، وحتى لو كان رجل الدعاية من الهواة المبتدئين لاستطاع أن يجد في هذه الصورة إيحاءات شر مضمرة.

لم يكن من اليسير على زيتون أن يقبل هذه الأفكار؛ إذ كانت تناقض كل ما عرفه وآمن به عن البلد الذي اتخذه موطنًا، ولكنه كان مع ذلك قد سمع تلك القصص. كان بعض الأساتذة والأطباء والمهندسين قد قُبض عليهم واختفوا شهورًا وسنوات تحقيقًا للأمن القومي.

لمَ لا يحدث هذا لرجل عمله طلاء المنازل؟

الأربعاء ١٤ من سبتمبر

كان الألم في جنب زيتون قاهرًا، وسواء كان واقفًا أو جالسًا في أوضاع معينة، كان يجد التنفس عسيرًا. كان عليه طلب المساعدة.

وعندما سمع صوت عربة الممرضة تسير في بهو العنبر هبَّ واقفًا ليلقاها عند القضبان.

وسألها: «هل أعطيتِ استمارتي للطبيب؟»

قالت إنها أعطتها له، وإنه سوف يأتيه الرد بسرعة.

قال ناصر: «تبدو مريضًا.»

وقال زيتون: «أعرف ذلك.»

– «فقدت كثيرًا من وزنك.»

– «إنه الألم. لقد اشتد الآن كثيرًا.»

وخطرت لزيتون فكرة غريبة مباغتة، ألا وهي أن الألم في جنبه قد لا يكون ناجمًا عن العدوى أو الإصابة، بل من الحزن. ربما لم يكن له سبب طبي، ربما كان مجرد أمارة من أمارات غضبه وتأسِّيه وعجزه. لم يكن يريد أن يكون أيٌّ من ذلك صحيحًا. لم يكن يريد أن يصدق أن بيته ومدينته مغموران بالماء. لم يكن يريد أن يصدق أن زوجته وأطفاله في مكان يبعد عنه ألفًا وخمسمائة ميل، وربما كانوا يفترضون الآن أنه مات، لم يكن يريد أن يصدق أنه أصبح الآن رجلًا في قفص، وربما ظل إلى الأبد رجلًا في قفص، خفيًّا خبيئًا، أو أنه لم يعد جزءًا من هذه الدنيا.

الخميس ١٥ من سبتمبر

غدا زيتون الآن يعرف دقات عربة الممرضة مثلما يعرف دقات قلبه، فوثب إلى القضبان ليلقاها.

سألها: «ماذا قال الطبيب؟»

فقالت: «عن أي شيء؟»

فقال: «عن حالتي. ألم تعطيه الاستمارة؟»

فقالت: «أوه! أنت تعرف، لا أظن أنه أخذها. الأفضل أن تملأ استمارة أخرى.» وقدمت إليه استمارة أخرى.

ولم يرَها من جديد في ذلك اليوم أو اليوم التالي.

•••

بدأ زيتون يشعر بأنه سوف يغمى عليه حين نهض على قدميه. لم يكن يتناول ما يكفي من الطعام، وكان يبدو أن كل وجبة عمادها لحم الخنزير. وحتى حين كان يستطيع أن يأكل ما يُقدَّم له، كان كثيرًا ما يغلبه القلق أو الاكتئاب فيمنعه عن الأكل.

وبعد الغداء وصل ثلاثة حراس. فتحوا باب الزنزانة ودخلوا. ووضعوا القيود الحديدية في يدي زيتون وقدمَيه، ثم اقتادوه خارج الزنزانة، وساروا به إلى مبنًى آخر ووضعوه في زنزانة أخرى خالية. أصبح الآن وحده.

لم يكن يتحادث كثيرًا مع ناصر، ولكن التناقض بين حاله معه ووحدته الآن كان شديدًا.

وحاول زيتون أن يتذكَّر قيمة بوليصة التأمين على حياته، كان ينبغي أن يشتري بوليصة أكبر، والواقع أنه لم يكن قد فكر التفكير الجاد اللازم في الأمر. كانت المرأة في شركة أولستيت للتأمين قد حاولت إقناعه بتأمين حياته بأكثر من مليون دولار، ما دام لديه أربعة أطفال، وما دام العمل يعتمد اعتمادًا كبيرًا على وجوده، ولكنه لم يكن يتخيل الموت آنذاك؛ إذ لم يكن قد تجاوز السابعة والأربعين، وظن أن الوقت لم يكن قد حان للتفكير في التأمين على الحياة. ولكنه كان واثقًا بأن كاثي كانت الآن تتحقق من قيمة بوليصة التأمين، ولا بد أنها بدأت تتخيل الحياة دون وجوده.

كان حين يتصور قيام زوجته بوضع أمثال تلك الخطط، مفترضة وفاته، كان قلبه يغلي غضبًا. كانت تراوده أفكار حانقة عن رجال الشرطة الذين قبضوا عليه، والسجَّانين الذين يحبسونه هنا، والنظام الذي يسمح بهذا. كان يلوم روني، الغريب الذي أتى إلى المنزل في شارع كليبورن، ولم يكن يعرفه ولم يستطع تبرير وجوده، فربما كان وجوده سببًا في إثارة الاشتباه فيهم جميعًا، ربما «كان» روني مذنبًا فعلًا، ربما «كان» قد ارتكب فعلًا جريمة ما، وأخذ يلعن حقيبة النقود التي كان ناصر يحملها. يا له من أحمق! ما كان ينبغي له أن يتنقل بمثل هذا المقدار من مكان لمكان.

كاثي، زخاري، الفتيات، قد تكبر الفتيات من دون والد يرعاهن. فلو نقل زيتون إلى سجن سري فلسوف تنقلب حياتهن رأسًا على عقب؛ إذ سوف يتحولن من بنات رجل أعمال ناجح وموسر إلى بنات يتحملن عار رجل يفترض أنه العقل المدبر لخلية إرهابية كامنة.

وحتى لو خرج من السجن غدًا أو في الأسبوع القادم، فلسوف يكون والد الأطفال قد دخل السجن. كانت الندوب محتومة، كيف يعيشون في خوف من وفاة والدهم ثم يكتشفون أنه أُدخل السجن تحت تهديد السلاح، وأصبح سجينًا، وأُرغم على أن يعيش مثل الفأر؟

وأطبق بيديه على جنبه، ضاغطًا على مصدر الألم، محاولًا السيطرة عليه.

الجمعة ١٦ من سبتمبر

أُبلغ السجناء بأنهم سوف يسمح لهم بعد الغداء بالخروج من الزنزانات، ولم يكن زيتون قد شاهد الشمس أسبوعًا كاملًا.

وخلال الساعة التي سُمِحَ لهم فيها بالتنزه في الفناء حاول زيتون ممارسة رياضة الهرولة، ولكنه كان يشعر بدوار، فاكتفى بالمشي حول الفناء، وكان يصغي عرضًا لقصص متوالية تعبِّر عن الحيرة والبلبلة.

قابل رجلًا قال إنه كان ينقل قطع الأثاث داخل منزله بعد انقضاض العاصفة مباشرة، ولمحه رجال الشرطة واقتحموا المنزل، وعندما أوضح لهم براءته ضربوه وخرجوا، وبعد أيام أتى إلى محطة كلاب السباق لتقديم شكوى، فقبضوا عليه وأرسلوه إلى سجن هَنْت.

لم تكن هذه قصةً تفوقُ في طابَعها العبثي قصة ميرلين ماتين. كان أحد السجناء قد شاهد قصتها في التليفزيون، وكانت محتجزة في المبنى المجاور، في سجن هَنْت للنساء.

كانت ماتين في الثالثة والسبعين من عمرها، وتعاني من مرض السكر، وتشغل وظيفة شماسة في كنيسة رسالة البعث المعمدانية. كانت قبل العاصفة قد نزلت مع زوجها الذي كان في الثمانين من عمره في فندق بوسط البلد، واثقَين بأنهما سيكونان هناك وسط غيرهم من المقيمين والضيوف، وأنهما سوف يجدان العون إذا احتاجا إليه، وأن المكان أسلم لأنه مبنيٌّ فوق ربوة، وصلا إلى الفندق في سيارتهما ودفعا أجرة الغرفة ببطاقة الائتمان.

كانا قد قضيا ثلاثة أيام في الفندق حين هبطت ماتين إلى الطابق السفلي لكي تحضر بعض الطعام من سيارتهما. كان العمدة ناجين قد طلب إلى كل من في المدينة أن يجهز طعامًا يكفي ثلاثة أيام، وكانت قد خزَّنت في السيارة قدرًا كافيًا، حسبما قال العمدة. وكانت السيارة واقفة في ساحة الانتظار المجاورة للفندق، وكانت ماتين قد وضعت في السيارة ثلاجة صغيرة زاخرة بالأطعمة التي يحبها زوجها. أخذت من الثلاجة بعض السجق وكانت عائدة إلى الفندق حين سمعت صراخًا وأصوات أقدام، كانوا رجال الشرطة الذين اتهموها بنهب ما في يدها من متجر قريب.

كان محل بيع الأطعمة الشهية القريب، واسمه «ادخل واخرج»، قد تعرَّض منذ قليل للسلب والنهب، وكان رجال الشرطة يبحثون عن أي شخص يكون قد شارك في ذلك، فوجدوا ماتين، وضعوا يديها في القيود الحديدية واتهموها بالسطو على مواد غذائية قيمتها ٦٣٫٥٠ دولارًا، وحدد أحد القضاة تليفونيًّا مبلغ كفالتها بمقدار ٥٠٠٠٠ دولار، وأما الكفالة المعتادة في أمثال هذه الجنح فكانت ٥٠٠ دولار.

وجيء بها إلى معسكر جراي هاوند حيث نامت على الأسفلت. ثم نُقلت إلى معهد لويزيانا الإصلاحي للنساء، وهو السجن الشقيق لسجن هَنْت، حيث ظلت فيه أكثر من أسبوعين، ثم أُطلق سراحها أخيرًا بمعاونة من الجمعية الأمريكية للمتقاعدين، والمحامين الذين تطوعوا للدفاع عنها، ومحامٍ ترافع عنها بصفة شخصية، ومقال عن محنتها نشرته وكالة أسوشي تد برس.

وتمكن المحامون أخيرًا من إقناع أحد القضاة بأن امرأة في السبعينيات من عمرها وتنزل في أحد الفنادق لن تحتاج إلى نهب السجق من أحد الدكاكين، وأثبتوا أن الدكان المذكور لم يكن يبيع نوع السجق الذي كانت تحمله. ولم تكن ماتين قد دخلت ذلك الدكان قط، أضف إلى ذلك أن مجرد دخول الدكان المحطم، الذي تتناثر فيه الأنقاض والزجاج المكسور، كان يقتضي من خفة الحركة ما لا يتوافر عند العجوز.

وفي أواخر عصر ذلك اليوم سمع زيتون مجموعة من الحراس تدخل العنبر، لم يكن يستطيع أن يراهم ولكن الأصوات كانت توحي بأربعة رجال أو خمسة على الأقل، وسمع ضجة انفتاح زنزانة في العنبر، وتعالت صيحات الحراس وشتائمهم، وأصوات تنم عن مشاجرة من نوع ما. ثم ساد الصمت بضع دقائق، وأُغلقت الزنزانة من جديد، وتكرر وقوع ذلك نحو ست مرات.

ثم جاء دوره. رأى وجوههم أولًا، خمسة رجال على الناحية الأخرى من القضبان الزرقاء، كان قد شاهد أحد الحراس من قبل، ولكن الأربعة الآخرين كانوا غرباء. كانوا جميعًا يلبسون أردية مكافحة الشغب السوداء، كانوا يحملون دروعًا، ويرتدون بطانات، ويمسكون عصيًّا قصيرة، ويلبسون خوذات، وكانوا ينتظرون في وضع الاستعداد لفتح الباب.

واعتزم زيتون ألَّا يبدي مقاومة، وألَّا يظهر بأي مظهر يوحي بالمعارضة، وعندما فُتح الباب كان يقف في منتصف الزنزانة، رافعًا يديه في الهواء، وعيناه تنظران في مستوى النظر العادي.

ولكن الرجال اقتحموا الزنزانة على الرغم من ذلك كأنه كان بصدد ارتكاب جريمة قتل، وبدأ ثلاثة منهم يسبونه ويستخدمون دروعهم في دفعه إلى الجدار، وأثناء ضغط وجهه في القرميد الخفيف الذي بني منه الجدار، وضعوا يديه في القيود الحديدية والأصفاد في قدميه.

وأخرجوه إلى البهو، وأمسك به ثلاثة حراس، بينما انقضَّ الآخران يفتشان الزنزانة، بعثرا ما كان على السرير، وقلبا الفراش، ومشَّطا الغرفة الصغيرة.

وفك حارسان قيود زيتون وأصفاده.

وقال أحدهما: «اخلع ملابسك.»

وتردد. لم يكن قد أُعطي أي ملابس داخلية عندما وصل إلى سجن هَنْت، فإذا خلع الأوفرول أصبح عاريًا تمامًا.

وقال الحارس: «الآن!»

وفك زيتون السوستة وخلع القسم العلوي من الأوفرول الذي هبط إلى وسطه، ثم دفع به إلى الأرض. كان يحيط به ثلاثة رجال يرتدون الزي الأسود الكامل لمكافحة الشغب، حاول أن يغطي سوءته.

قال أحد الحراس: «قم بالانحناء.»

وتردد من جديد.

«هيَّا!»

فأطاع زيتون الأمر.

فقال الحارس: «زد انحناءك. المس كعبيك.»

لم يستطع زيتون أن يعرف من كان يفتشه، أو كيف يقوم بالتفتيش. وتوقع إدخال شيء من فتحة المستقيم في أي لحظة.

وقال الحارس: «كفى. انهض.»

لقد أعفوه من هذه الإهانة اليوم.

ووقف زيتون، ودفع أحد الجنود بقدمه الأوفرول الذي كان زيتون يرتديه داخل الزنزانة، ثم دفع زيتون فيها كذلك، وبينما كان زيتون يرتدي ثيابه تراجع الحراس عنه رافعين دروعهم، ثم خرجوا من الزنزانة.

وأُغلق باب زيتون، وتجمع الحراس عند الزنزانة التالية، استعدادًا للسجين التالي.

وعرف زيتون من السجناء الآخرين أن هذا التفتيش كان شائعًا، وأن الحراس كانوا يبحثون عن المخدرات والأسلحة وغيرها من الممنوعات، وقالوا إن عليه أن يتوقع التفتيش مرة كل أسبوع.

السبت ١٧ من سبتمبر

قضى زيتون في الفراش جانبًا كبيرًا من النهار مرهقًا منهكًا؛ إذ لم يكن قد نام، وظل يستعرض التفتيش الذاتي في ذهنه معظم ساعات الليل، محاولًا أن يمحو كل ذكرى له، لكنه ما إن يغلق جفنيه حتى يرى الرجال في زي مكافحة الشغب، على الجانب الآخر من باب الزنزانة، ينتظرون اقتحامها واقتناصه.

كان يبدو لزيتون أنه ظل على امتداد أسابيع يختلس ساعات نعاس بالنهار وسويعات بالليل، ولا يذكر آخر مرة استطاع أن يحظى فيه براحة تزيد على ثلاث ساعات متوالية.

لماذا فعل هذا بأسرته؟ لقد انكسر شيء ما في البلد، لا شك في هذا، ولكنه كان هو الذي بدأ كل هذا؛ إذ رفض مغادرة المدينة، ومكث فيها لرعاية ممتلكاته، ولحراسة عمله. ولكن شيئًا آخر غلبه، إحساسٌ قدريٌّ من لون ما. إحساس بأن الله قد وضعه هناك لينفذ مشيئة الله، وليسبح بحمده بالأعمال الصالحة.

بدا له هذا الآن مدعاة للسخرية. كيف سمح لنفسه بارتكاب هذا الذنب، ذنب الكبر والصلف؟ لقد ألقى بنفسه في التهلكة، وبذلك عَرَّض أسرته للخطر. كيف فاته أن يدرك أن البقاء في نيو أورلينز المدينة التي تخضع لما يشبه الأحكام العرفية، سوف يعرِّضه للخطر؟ لم تكن حكمته تقضي بهذا، ولقد أبدى الحرص فعلًا سنوات طويلة؛ إذ حافظ على تواضعه، وكان المواطن المثالي. لكنه في أعقاب العاصفة اعتقد أنه مُرسَل لمساعدة المشردين، واعتقد أن ذلك القارب الملعون قد منحه الحق في القيام بدور الراعي والمخلص، لقد فقد النظرة الصحيحة للواقع!

كان يتوقع أكثر مما ينبغي ويرجو أكثر مما ينبغي.

كان البلد الذي تركه منذ ثلاثين عامًا مكانًا واقعيًّا، كانت فيه وما زالت، حقائق سياسية تمنع الثقة العمياء، وتمنع الفرد من الظن بأن كل شيء سوف ينتهي دائمًا على خير وجه من العدل والإنصاف. ولكنه غدا يؤمن بذلك في الولايات المتحدة، فلقد وُفِّق في مسعاه وتغلب على المصاعب، اجتهد في عمله فأحرز النجاح، فالجهاز الحكومي يعمل بكفاءة، وحتى لو كان هذا الجهاز يميل أحيانًا إلى البطء في نيو أورلينز، أو يتسم أحيانًا بضعف الإدارة فإنه بصفة عامة يعمل بكفاءة.

ولكن ما عاد اليوم شيء يعمل بكفاءة، أو قل إن كل جزء من أجزاء هذا الجهاز — الشرطة، والجيش، والسجون — التي قُصد بها حماية أشخاص مثله أصبح يلتهم كل من يقترب منه. لطالما اعتقد أن الشرطة تستهدف تحقيق مصالح الناس الذين تخدمهم بأفضل صورة، وأن الجيش يتحلى بالمسئولية، والتعقل، والانضباط؛ بفضل دوائر متحدة المركز يزداد اتساعها، وهي دوائر النُّظُم والقوانين والمنطق السليم وحسن المعاملة.

ولكن هذه الآمال يمكن أن تُودَعَ الآن مثواها الأخير.

ولم يكن هذا البلد فريدًا في هذا، وليس معصومًا من الخطأ؛ إذ ارْتُكِبَتْ بعض الأخطاء، وكان هو أحدها، ففي الإطار الكبير للكفاح الأعمى الجشع الذي يخوضه البلد ضد الأخطار المرئية والخفية، لا بد أن تقع أخطاء؛ إذ يصبح الأبرياء قيد الاشتباه، ويزج بالأبرياء في السجون.

وخطر بباله مصطلح «الصيد غير المقصود»، وهو مصطلح خاص بصيد الأسماك، كانوا يستخدمونه في صباه أثناء صيد السردين على ضوء المصباح الذي يحاكون به ضوء القمر؛ إذ إنهم كانوا عندما يسحبون الشباك يجدون آلاف السردين، بطبيعة الحال، ولكنهم كانوا يجدون مخلوقات أخرى، كائنات حية، لم يقصدوا صيدها ولا نفع لها عندهم.

وكانوا كثيرًا ما لا يدركون هذا إلا بعد فوات الوقت، كانوا يجيئون بصيدهم إلى الشاطئ — جبل من الفضة — أعداد هائلة من السردين الذي ينفق تدريجيًّا، وكان زيتون المنهك يستريح في مقدمة السفينة، ناظرًا إلى الأسماك التي يتوقف كفاحها تدريجيًّا، وعندما تصل السفينة إلى الشاطئ، ويُفرغ الصيادون شباكهم، قد يجدون شيئًا آخر. وذات مرة وجدوا دولفينًا. لم ينسَ قط ذلك الدولفين؛ إذ كان حيوانًا رائعًا ذا لون أبيض عاجي يبرق في المرفأ مثل الخزف الصيني. وحاول الصيادون تحريكه بأقدامهم لكنه كان قد مات، كان قد وقع في الشباك ولم يستطع تخليص نفسه للوصول إلى السطح للتنفس فمات داخل الماء، لو كانوا قد لاحظوا وجوده في الوقت المناسب لأطلقوه، لكن لم يكن في طوقهم الآن إلا الإلقاء به من جديد في البحر المتوسط؛ حيث يغدو طعامًا لكائنات القاع.

كان الألم في جنب زيتون يشتد، ناشرًا موجاته في جسمه، لن يكون في مقدوره أن يمكث هنا أسبوعًا آخر، لن يستطيع أن ينجو من انفطار فؤاده، من إدراكه للخطأ المرتكب.

كان من المحال أن يتحسَّن حاله قبل الخروج من هذا السجن. وليس بالأسلوب الذي يعامل به، لقد شاهد بعض مناطق من سجن هَنْت تتميز، فيما يبدو، بحسن الإدارة، والنظافة، والكفاءة، فعندما وصل أول الأمر وأُجريت له مراسم الدخول، شاهد بعض السجناء يتنقلون في حرية في الفناء الشاسع الذي يكسوه الكلأ، ولكنه كان محبوسًا في زنزانته ثلاثًا وعشرين ساعة في اليوم من دون تسرية أو صحبة أو جمال. وكان هذا المكان كفيلًا بأن يصيب العاقل بالجنون، الجدران الرمادية، القضبان الزرقاء، ومرات التفتيش الذاتي، والاستحمام خلف القضبان تحت أعين الحراس وآلات التصوير، وافتقاد أي شيء قادر على تنبيه الذهن، ولما كان عاجزًا عن العمل، أو القراءة، أو البناء، أو تنشيط ذهنه، فلسوف يذوي في هذا المكان.

لقد خاطر بالكثير أملًا في أن ينجز شيئًا يضارع منجزات أخيه محمد. لا، لم يكن ذلك جزءًا من دوافعه الواعية، بل لقد فعل ما يستطيع في المدينة الغارقة لأنه كان موجودًا فيها، وكان لا بد من فعل ما فعل؛ إذ كان قادرًا عليه. ولكن، ألم يكن يستشعر في باطنه أملًا في أن يتمكن هو الآخر من فعل ما تفخر به أسرته، والإخلاص لخالقه بأن يبذل كل ما في وسعه، بأن يطوف بالمدينة باحثًا عما يلوح من فرص لفعل الخير؟ وهل كان هذا السجن أسلوب الخالق في وضع حد لكبريائه، والحد من أحلام فخره واعتزازه؟

•••

وبينما كان السجناء يستيقظون، وتعلو جعجعتهم وتهديداتهم، كان زيتون يصلي، ودعا الله أن يهب أسرته الصحة والعافية، وأن يبث في قلوب أفرادها الطمأنينة، ثم دعا الله أن يرسل رسولًا، لم يكن يحتاج إلا إلى رسول، شخص يبلغ زوجته أنه على قيد الحياة، شخص يربطه بذلك الجانب الذي لم يتعطل في هذا العالم.

الأحد ١٨ من سبتمبر

كان زيتون قد قضى الصباح في نعاسٍ متقطع، يغلبه الدوار والتراخي بسبب الحر الشديد، وكان عرقه يبلل الأفرول البرتقالي الذي ينضح به، وسمع إعلانًا بأنهم سوف يُسمح لهم بالخروج للمشي قليلًا بعد الغداء، ولكنه لم يكن متأكدًا من أنه قادر على الوقوف ناهيك بالمشي.

كان يشعر بخيبة أمل في نفسه، كان جانب من ذاته قد استسلم، والجانب الذي لا يزال مؤمنًا يبدو منفصلًا عن النصف المنكسر في ذاته، لا يكاد يصدق انكساره.

وترددت أصداء عجلات عربة الممرضة في البهو، لم يكن لديه ما يجعله يتصور أنها سوف تساعده، لكنه وقف وتأهب لاستعطافها من جديد، لكنه عندما نظر إلى البهو لم يجد الممرضة، بل رأى رجلًا لم يره من قبل قط.

كان الرجل يدفع عربة عليها كتب سوداء، وكان قد وقف على مبعدة عدة زنزانات من زنزانة زيتون. كان يتحدث إلى أي سجين يجده، وظل زيتون يراقبه، غير قادر على سماع المحادثة، كان الرجل أسود البشرة، في الستينيات من عمره، وكانت مشاهدته وهو يتفاهم مع السجناء على امتداد صف الزنزانات تقطع بأنه من رجال الدين، وكانت الكتب التي يجرها في العربة نسخًا من الكتاب المقدس.

وعندما انتهى من محادثته ومر بزنزانة زيتون، استوقفه زيتون قائلًا: «من فضلك! مرحبًا بك!»

ورد رجل التبشير قائلًا: «مرحبًا!» كانت عيناه لوزيتين، وله بسمة عريضة، ثم قال: «هل تود أن تسمع شيئًا عن يسوع المسيح؟»

واعتذر زيتون قائلًا: «من فضلك يا سيدي، من فضلك، أنا لا ينبغي أن أكون هنا؛ إذ لم أرتكب أي جرائم، ولكن لا يعرف أحد أنني هنا. لم يُسمح لي بإجراء مكالمة تليفونية. وتظن زوجتي أنني ميت. هل يمكنك الاتصال بها؟»

وأغلق رجل التبشير عينيه، كان من الواضح أنه كان كثيرًا ما يسمع أقوالًا كهذه.

قال زيتون: «أرجوك. أعرف صعوبة تصديق رجل في قفص، ولكن أرجوك. هل تسمح لي بأن أعطيك رقم تليفونها وحسب.» لم يكن زيتون يتذكر غير رقم تليفونها الخلوي، وكان يأمل أن تنجح المحاولة. ونظر رجل التبشير في أرجاء البهو ثم أومأ قائلًا: «أسرع.»

وقال زيتون: «شكرًا، اسمها كاثي، وهي زوجتي، ولدينا أربعة أطفال.»

لم يكن لدى زيتون قلم ولا ورق.

وقال رجل التبشير: «هذا ضد القواعد!» وهو يلتقط قلمًا من عربته، لم تكن معه أوراق، وظهر التوتر على كليهما آنذاك؛ إذ كان رجل التبشير قد قضى وقتًا أطول مما ينبغي أمام زنزانته، ففتح نسخة من نسخ الكتاب المقدس وانتزع ورقة من آخرها، وأملاه زيتون الرقم، ودس رجل التبشير الورقة في جيبه، ودفع عربته بسرعة في بهو العنبر.

وأشرق الأمل في نفس زيتون. لم يستطع الجلوس ساعات متوالية، بل ظل يسير رائحًا غاديًا ويتواثب في مكانه، وقد غمره الفرح، ورسم في خياله صورة رجل التبشير وهو يغادر السجن ويذهب إلى سيارته ويأخذ الرقم من جيبه ويطلب كاثي في الطريق. وربما انتظر حتى يعود إلى المنزل. كم يستغرق ذلك من الزمن؟ كان يعد الدقائق التي ستمضي قبل أن تعرف كاثي. لسوف تعرف! حاول أن يحسب الساعات التي ستستغرقها كاثي حتى تصل هنا لتطلق سراحه. لو عرفت أنه حي لاستطاع الانتظار. كان يدرك أن هذه الخطوات قد تتطلب أيامًا، لكنه يستطيع الانتظار ما دام سوف يراها، لن تكون في ذلك مشكلة. وصوَّر لنفسه كل شيء، لسوف يطلق سراحه في غضون يوم واحد.

وحاول زيتون أن ينام تلك الليلة. إن رجلًا واحدًا في هذه الدنيا يعرف أنه على قيد الحياة، لقد وجد الرسول الذي كان ينشده.

الإثنين ١٩ من سبتمبر

بعد الإفطار أتى حارسان إلى زنزانة زيتون وقالا له إن حضوره مطلوب.

وسأل زيتون: «أين؟ مع من؟» وقال في نفسه: «لقد بدأنا بالفعل!»

لم يخبره الحارسان بشيء، فتحا زنزانته ووضعا يديه في القيود وقدميه في الأصفاد، واقتاداه إلى خارج الزنزانة وسارا به في البهو. وبعد بضع دقائق وصلا إلى زنزانة أخرى أدخلا زيتون فيها حيث انتظر خمس دقائق حتى فُتح الباب مرة أخرى.

وقال الحارس: «الشاحنة هنا.» ثم سلمه إلى حارس آخر سار معه فى بهو آخر حتى وصلا إلى بوابة أخيرة، وفُتحت البوابة واقتيد زيتون إلى شاحنة بيضاء واقفة خارجها، وأغشى عينيه ضوء النهار الساطع، وأُدخل الشاحنة والحارس يركب معه، وسارت بهما الشاحنة في أرجاء المجمع حتى وصلا إلى المكاتب الرئيسة في مقدمة المجمع.

أُخرج زيتون من الشاحنة وتسلمه حارس آخر اقتاده إلى داخل المبنى؛ حيث سارا في بهو رائع حتى وصلا إلى مكتب رمادي الجدران ملحق بالمجمع.

وشاهد خارج المكتب ناصرًا وتود وروني جالسين على كراسي من النوع الذي يُطوى في البهو، فاندهش لمشاهدتهم مجتمعين، وتبادل معهم نظرات الحيرة، وسيق زيتون أمامهم حتى أُدخل غرفة صغيرة.

كان في الغرفة رجلان يرتديان الحُلل، فجلسا وأومآ إلى زيتون أن يجلس. قالا إنهما يعملان في وزارة الأمن الداخلي، وابتسما ابتسامة ودودة لزيتون، وقالا إنهما يريدان أن يطرحا عليه بعض الأسئلة البسيطة. سألاه عن عمله الذي يعيش منه، فقال إنه يعمل بالمقاولات وطلاء المنازل. ثم سألاه عما حدا به إلى البقاء في المدينة بينما أُجلي الجميع منها، فقال إنه لم يرحل قط عن نيو أورلينز في أثناء العواصف، وإنه يمتلك عددًا من العقارات يريد أن يرعاها. وسألاه عن تود وناصر وروني، وكيف عرفهم، فأوضح علاقته بكلٍّ منهم، وسألاه عن سبب عدم حمله أي نقود.

وقال زيتون: «وماذا عسى أن أفعل بالنقود في قارب أثناء الفيضان؟!»

فقال أحدهما: «ولكن ناصرًا كان يحمل نقودًا.»

وهز زيتون كتفيه؛ لم يكن يستطيع إيضاح سبب حمل ناصر للمال.

واستغرقت المقابلة أقل من ثلاثين دقيقة، وراع زيتون ما لمسه من ود الرجلين ومن سهولة الأسئلة. لم يسألاه عن الإرهاب، ولم يتهماه بالتآمر ضد الولايات المتحدة. وفي نهاية المقابلة اعتذرا لزيتون عما حدث له، وسألاه إن كان يريدهما أن يفعلا شيئًا من أجله.

قال زيتون: «أرجوكما اتصلا بكاثي!»

فقالا إنهما سوف يتصلان.

الإثنين ١٩ من سبتمبر

كانت كاثي بالغة التوتر، لم يكن قد مضى على مكالمة رجل التبشير غير ساعات معدودة، وها هو ذا التليفون يرن من جديد. وأما يوكو التي ظلت تتلقى المكالمات أيامًا متوالية فلم تعد تعرف ما ينبغي أن تفعل، والتقطت كاثي التليفون.

كان الصوت صوت رجل يقول إنه ينتمي إلى وزارة الأمن الداخلي. وأكد لكاثي أن «زيتون» في سجن إلين هَنْت.

– «إنه بخير يا سيدتي. لم يعد يهمنا أمره!»

– «لم يعد يهمكم أمره؟ أذلك حسن أم سيئ؟»

– «حسن يا سيدتي.»

– «إذن بأي تهمة دخل السجن؟»

– «لدينا تهمة «السلب والنهب» على بيان القبض عليه. ولكن هذه التهم سوف تسقط.»

كانت المكالمة قصيرة ويغلب عليها الطابع العملي. وعندما أقفلت كاثي التليفون، أخذت تحمد الله وتشكره على رحمته، وجعلت يوكو تصرخ وتتواثب مع كاثي في أرجاء المنزل.

وقالت يوكو: «كنت أعرف أنه حي، كنت واثقة.»

وظلتا ترددان: «ربنا كريم! ربنا كريم!»

واتصلتا بزوج يوكو، واعتزمتا إخراج الأطفال مبكرًا من المدرسة. كان لا بد أن يحتفل الجميع، ولا بد من تحديد الخطوات التالية. كانت أمامهما مهام كثيرة.

كان على كاثي أولًا أن تذهب. كانت تعرف أن عليها أن تذهب إلى السجن في ذلك اليوم نفسه، لم تكن تعرف موقعه إلى الآن ولكن عليها أن تذهب. أين كان ذلك السجن؟ وبحثت عنه في الإنترنت، حتى وجدته. سانت جابريل، على مسيرة أقل من ساعة من باتون روج.

واتصلت بسجن هَنْت وظلت تتنقل ما بين الخطوط الأتوماتيكية حتى جاءها صوت بشري. أحست بأنها لا تكاد تقوى على الكلام. كانت تريد أن تطير في التليفون حتى تكون إلى جانبه.

«أحاول الاتصال بزوجي. إنه لديكم.»

وسألتها المرأة: «ما اسم السجين؟»

واضطرت كاثي إلى التقاط أنفاسها، فلم تكن تسيغ الإشارة إلى زوجها بلفظ السجين، وإذا ذكرت اسمه فإنها سوف توسع نطاق هذه الأكذوبة، تلك التي يرددها كل من تسبب في حبسه إلى هذه اللحظة.

قالت كاثي: «عبد الرحمن زيتون.» وأملت الحروف حرفًا حرفًا.

وسمعت كاثي صوت الضرب على مفاتيح الكمبيوتر.

ثم قالت المرأة: «ليس هنا!»

فأعادت كاثي هجاء الاسم.

وسمعت من جديد صوت مفاتيح الكمبيوتر.

وقالت المرأة من جديد: «ليس لدينا أحد بهذا الاسم!»

وحاولت كاثي الاحتفاظ بهدوئها، فقالت للمرأة إنها تلقت لتوها مكالمة من أحد العاملين بوزارة الأمن الداخلي، وإن ذلك الرجل أخبرها أن عبد الرحمن زيتون موجود في ذلك السجن نفسه.

وقالت المرأة: «ليس اسمه في سجلاتنا.» ثم أضافت قائلة: إن سجلات سجن هَنْت تخلو من جميع أسماء الذين دخلوه بسبب الإعصار، كما لا تتضمن نظم الكمبيوتر في هذا السجن أسماء سجناء من نيو أورلينز، واختتمت إيضاحها قائلة: «جميع هذه السجلات ورقية، وليست لدينا هذه الأوراق، ليست لدينا أي سجلات لهؤلاء الأشخاص، فهم تابعون للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ.»

كادت كاثي تنهار؛ إذ أحست بالدنيا تدور من حولها، وبأنها لا حول لها ولا قوة، لم يكن لديها رقم تليفون الرجل الذي اتصل بها من وزارة الأمن الداخلي، وشتمت نفسها لأنها لم تطلب منه أن يبين لها سبيل الاتصال به. وها هي ذي تسمع أن زوجها ليس في المؤسسة التي قال رجل الوزارة ورجل التبشير إنهما شاهداه فيها. هل كان ذلك نوعًا من التلاعب؟ هل دخل زوجها السجن أصلًا؟ ربما دخل ثم نُقل، أي إنه كان سجينًا في سجن هَنْت ثم طلبته هيئة أخرى بعد ذلك، وعندها نقلوه في الخفاء إلى سجن سري في مكان ما.

قالت لنفسها إن عليها أن تذهب، أن تقصد سجن هَنْت وتصر على مقابلته؛ إذ كان من حقها أن تقابله، فإن لم يكن هناك فسوف تطالبهم بإخبارها بالمكان الذي نُقل إليه. لم يكن أمامها سوى ذلك.

ذكرت ليوكو وأحمد أنها ذاهبة.

وسألاها: «إلى أين؟»

قالت: «إلى هَنْت. السجن.»

سألاها إن كانت واثقة من وجوده فيه، فقالت إنها ليست واثقة، سألاها إن كانت واثقة بأنه سوف يُسمح لها بالزيارة، فقالت إنها ليست واثقة، فسألاها عن المكان الذي سوف تقيم فيه، وقالت إنها لا تعرف، وعادت إلى البكاء من جديد، لم تكن تعرف الخطوة التي كان عليها أن تخطوها.

نجحا في إقناعها بالبقاء في فينيكس مؤقتًا حتى تتأكد من مكان وجود زيتون، وكيف تستطيع في الواقع مساعدته، وقالا إن عليها أن تتحلى بالذكاء، فلم يكونا يريدان القلق عليها هي الأخرى.

واتصلت كاثي بالمحامي رالي أولماير، الذي سبق لهما التعامل معه؛ إذ ساعد رالي بعض عمال زيتون على توفيق أوضاعهم بعد التعرض لمتاعب قانونية. وكان والد رالي من مشاهير المحامين ذوي النفوذ في نيو أورلينز، ولكن رالي اختار، على الرغم من بقائه في مكتب الأسرة، أن ينفصل عنه، على الأقل في مظهره، فكان يطيل شعر رأسه البني، وعادة ما يعقده خلف رأسه في شكل ذيل حصان. وكان يعمل في وسط المدينة ويترافع في شتى القضايا، من مخالفات المرور إلى القضايا الجنائية، وكانت كاثي واثقة بأنه يعرف كيف يسوي موضوع سجن هَنْت هذا.

ولم يرد أحد على التليفون فتركت رسالة.

واتصلت كاثي بأحمد في إسبانيا وأيقظته من النوم. لم يقلقه ذلك.

قالت: «إنه حي يرزق!»

وانطلقت تردد عبارات: الحمد لله والشكر لله بأعلى صوت.

وسألها: «وأين هو الآن؟ معكِ؟»

قالت كاثي: «لا، إنه في السجن. ولكن لا بأس. أعرف مكانه وسوف نخرجه منه.»

وصمت أحمد، واستطاعت كاثي أن تسمع أنفاسه.

وسألها: «كيف؟ كيف تُخرجونه من السجن؟»

لم تكن كاثي قد وضعت بعد أي خطة، ولكن كان لديها ذلك المحامي، واتصلت به، فقال أحمد: «لا بد أن تذهبي إليه. لا بد أن تقابليه وتخرجيه. لا بد من ذلك!»

وشعرت كاثي بالقلق من نبرات أحمد، كان يبدو أن سجن زيتون أقلقه مثلما أقلقه اختفاؤه سواءً بسواء.

واتصلت فايزة، أخت زيتون في جبلة، بعد وقت قصير.

وأخبرتها كاثي بالأخبار الطيبة: «نعرف مكان وجوده. إنه في السجن. وهو بخير.»

ومرت فترة صمت طويلة أخرى.

سألتها فايزة: «هل قابلتِه؟»

وقالت كاثي إنها لم تقابله، ولكنها كانت واثقة بأنها سرعان ما تقابله.

وقالت فايزة: «لا بد أن تقابليه. لا بد أن تعثري عليه.»

واتصل رالي أولماير بعد الظهر بكاثي، قال إنه فرَّ من المدينة قبيل العاصفة، وإنه يقيم الآن في باتون روج، وإن منزله في نيو أورلينز تغمره المياه إلى ارتفاع ست أقدام.

وأخبرته كاثي بما حدث لزيتون.

وقال رالي: «ماذا؟ لقد شاهدته منذ قليل في التليفزيون.» كان قد شاهد نشرة الأخبار المحلية التي ظهر فيها زيتون في قاربه.

أخبرته كاثي بالمكالمتين اللتين تلقتهما من رجل التبشير والمسئولين بوزارة الأمن الداخلي، وكيف قابلاه في سجن هَنْت.

وطمأنها رالي لأنه كان يعرف من قبل قصة ما حدث في سجن هَنْت؛ إذ كان قد أنشأ بعد العاصفة مكتبًا مؤقتًا في باتون روج، وكان يعمل فعلًا مع السجناء الذين جيء بهم إلى ذلك السجن.

قال إن النظام القضائي انهار؛ فلم تكن أمامه وسيلة للإفراج عنه بكفالة، وإن إصلاح الخطأ سوف يستغرق بعض الوقت، ووعدها رالي بأنه سوف يخرج زيتون من السجن، وإن لم يستطع أن يتنبأ ولا أن يضمن حدًّا زمنيًّا معينًا بسبب الأحوال الراهنة للمحاكم، إن كانت لديهم محاكم تُذكر.

الثلاثاء ٢٠ من سبتمبر

في الصباح اتصل أحمد بكاثي.

سألها: «هل قلت لفايزة إن عبد الرحمن في السجن؟»

كانت نبراته تدل على التوتر الشديد.

قالت كاثي: «نعم. سألتني وأنا …»

فقال: «لا لا!» ثم تلطف قائلًا: «ينبغي ألا نقول ذلك. لا تثيري قلقهم. لا نستطيع أن نقول لهم إنه في السجن. لا نستطيع ذلك.»

فقالت: «لا بأس ولكني كنت أظن …»

– «سوف نتصل بهم ونقول لهم إنه بخير، وإنه في بيته، وإنها كانت غلطة. موافقة؟ علينا أن نقول لهم ذلك. أنت لا تفهمين مقدار القلق لديهم لو تصوروا أنه في السجن!»

– «لا بأس. هل ينبغي لي أن …»

– «بل سوف أتصل أنا بهم وأقول لهم إنه بخير. وإذا اتصلوا بكِ فقولي لهم هذا نفسه. إنه في بيته، ينعم بالسلامة، وكل شيء على ما يرام. قولي إنكِ أخطأتِ. موافقة؟ هذا هو ما سوف نقوله لهم. موافقة؟»

وردت كاثي: «حسنًا.»

وكان أحمد يريد أن يعرف اسم السجن الذي نزل فيه أخوه، قالت له كاثي إنه في سانت جابريل، ولكن لما كان النظام منهارًا فلا بد من مرور بعض الوقت قبل أن يراودهم مجرد الأمل في إخراجه، وإن كانت قد اتصلت بأحد المحامين وكلفته بأن يتولى القضية، وأن المسألة كانت مسألة وقت لا أكثر.

ولكن تفكير أحمد كان يتجاوز المسائل البسيطة الخاصة بالمحامين والإفراج بكفالة؛ إذ لم يكن يريد أن يكون أخوه في السجن على الإطلاق، سوري في سجن أمريكي في عام ٢٠٠٥؟ لم تكن هذه مسألة يُستهان بها. كان لا بد من مقابلة عبد الرحمن، ولا بد من إطلاق سراحه فورًا!

وفي المرة التالية التي فحصت فيها كاثي بريدها الإلكتروني وجدت رسالة من أحمد، نُقلت إليها أيضًا، كان أحمد يحاول العثور على زيتون، لكنه لم يجد المدينة الصحيحة. كان قد أجرى بحثًا بالإنترنت عن سانت جابريل في الولايات المتحدة، ووجد مكانًا بهذا الاسم، وكتب ما يلي:

من: الربان زيتون
إلى: أكوستا، أليكس
الموضوع: عاجل من إسبانيا
إدارة شرطة سانت جابريل، كاليفورنيا
أيها السادة

اسمي: أحمد زيتون، من إسبانيا.

السبب: أبحث عن أخي (الذي أُجْلِي من نيو أورلينز بسبب إعصار كاترينا). في ٧ من سبتمبر، فقدت الاتصال بأخي، بعد أن كنا نتكلم كل يوم بالتليفون بعد إعصار كاترينا. وسألت في كل مكان للحصول على أخبار عنه، وأخيرًا علمت أن الشرطة أخذته من منزله يوم ٦ من سبتمبر في نيو أورلينز، وأودعته في سانت جابريل، وهو لا يزال فعلًا مقبوضًا عليه في سانت جابريل.

أرجوكم أن تتكرموا بإخباري إن كان بخير، وإن كان من الممكن أن أحادثه، أو اتصلوا بي في مكالمة على حسابي بتليفون رقم [الرقم محذوف].

تفاصيل بيانات أخي هي:

الاسم: عبد الرحمن زيتون.

تاريخ الميلاد: ٢٤ / ١٠ / ١٩٥٧.

العنوان: ٤٦٤٩ شارع دارْت. نيو أورلينز. لوس أنجلوس.

سأكون بالغ الامتنان لكم لو تكرمتم وأخبرتموني أنه بخير.

مع جزيل الشكر.
أحمد زيتون
مالقة، إسبانيا

وبدأت كاثي تنظر إلى الوضع من عيني أحمد. ماذا تكون عليه الحال لو أن وكلاء النيابة حاولوا، أملًا في تبرير حبس زيتون، بناء تهمة ضده؟ كأن تكون له صلة ما مهما تكن هزيلة ببعض الأنشطة الإرهابية؟ إن أي صلة، بغض النظر عن زيفها، قد تستخدم لتبرير حبسه وإطالة مدته.

لم تكن كاثي تريد أن يسير تفكيرها في هذا الاتجاه.

الخميس ٢٢ من سبتمبر

اتصلت بالمحامي رالي أولماير مرة أخرى. كان قد اتصل لتوه بسجن هَنْت، وأكدوا له صحة وجود زيتون فيه.

اتصلت كاثي بأحمد وأبلغته بالخبر.

وسألها: «نعم، ولكن هل شاهده أحد بعد؟»

قالت: «لا.»

قال: «إذن لا نستطيع التأكد.»

«اسمع يا أحمد. أنا واثقة بأن …»

فقال: «لا بد أن تذهبي. أرجوكِ يا كاثي.»

واعتذر لها؛ إذ كان يعرف أنه يضغط عليها بشدة، وأنه يتصل بكاثي مرات أكثر مما ينبغي، ولكن ذهنه كان حافلًا بصورة أخيه، راكعًا على ركبتيه في أوفرول برتقالي، داخل قفص في الهواء الطلق. كانت كل ساعة تمر على زيتون في محبسه تزيد من احتمال وقوع ما يزيد الحال سوءًا.

قال: «سأركب الطائرة إلى نيو أورلينز.»

فسألته كاثي: «وماذا تفعل؟»

قال لها: «سوف أبحث عنه.»

فقالت: «لا لا أرجوك. سيدخلونك السجن أنت أيضًا!»

الجمعة ٢٣ من سبتمبر

كان رالي قد أصبح الآن يعرف بعض القضاة والإداريين الذين ينظرون في حالات السجناء الذين اعتقلوا بعد العاصفة وغدوا محتجزين في سجن هَنْت. كان رالي يطمح في إسقاط تهمة زيتون، فقال لكاثي إن الوقت قد حان لها كي تذهب إلى باتون روج، وقال إنها يمكن أن تذهب بالطائرة إلى تلك المدينة وتتهيأ للذهاب إلى السجن في أي لحظة، ومن المحتمل أن تستطيع مقابلته يوم الإثنين، وحجزت كاثي مقعدًا لها على الطائرة، واتصلت بعدنان قريب زيتون.

وسألها في تردد: «عبد الرحمن؟»

قالت: «إنه بخير.»

وتنفس الصعداء، وأخبرته بقصة حبس زوجها، وبأنها قادمة لإخراجه من السجن.

قال عدنان: «ستقيمين معنا!» كان قد قضى مع زوجته ذلك الأسبوع الأول وهما ينامان على الأرض في أحد مساجد باتون روج، ثم استأجرا شقة لمدة شهر ويقيمان فيها الآن.

وقال عدنان إنه سوف يقابلها في المطار، ويتولى توصيلها إلى السجن.

الأحد ٢٥ من سبتمبر

كانت كاثي تشعر بأن الطائرة في مشكلة من نوع ما؛ إذ كانت تطير على ارتفاع جد منخفض وتهبط بسرعة أكبر مما ينبغي، بل إنها كانت واثقة بأنها سوف تصطدم بالأرض وتتحطم، ما عادت تثق في شيء يتعلق بنيو أورلينز، ولو في السماء من فوقها. وقبضت بشدة على مساند الكرسي، وجالت ببصرها لترى إن كان أحد غيرها أفزعه ما يجري؛ وإذ بصوت قائد الطائرة يأتيها على الإنتركوم، قائلًا إنهم يطيرون على ارتفاع منخفض فوق المدينة، حتى يتمكن الركاب من مشاهدة ما أصابها من أضرار، ولكن كاثي لم تستطع أن تنظر!

وعندما هبطت الطائرة، كان المطار مقفرًا. كان فيه رجال أمن المطار، وبعض رجال شرطة نيو أورلينز، ورجال الحرس الوطني، وعدد محدود من المدنيين. كان يبدو أن ركاب الطائرة مع كاثي كانوا الأشخاص الوحيدين في المبنى. كانت جميع المحال التجارية مغلقة، والأضواء خافتة. وكانت الأنقاض متناثرة فوق الأرض في كل مكان، من القمامة، إلى الأوراق، والأربطة، وغيرها من المعدات الطبية.

واستقبلها عدنان وأوصلها بالسيارة إلى الشقة التي استأجرها هو وعبير في باتون روج. وكانت كاثي قد غلبها التعب والإرهاق فنامت حتى دون أن تخلع حذاءها.

الإثنين ٢٦ من سبتمبر

لم يكن زيتون يدري بشيء عن الجهود التي كانت كاثي تبذلها مع رالي؛ إذ لم يكن قد سُمِحَ له بعد بإجراء مكالمات تليفونية، كل ما كان يدريه هو أن رجل التبشير ورجال وزارة الأمن الداخلي قد أكدوا له أنهم سوف يتصلون بزوجته، ولكنه لم يسمع منذ ذلك الحين ما يؤكد وقوع الاتصال فعلًا.

وبعد الغداء، أُخرج زيتون من زنزانته وقيدت يداه مرة أخرى، واقتيد إلى المبنى نفسه بالقرب من بوابة السجن الأمامية. وعندما دخل المبنى سيق إلى غرفة رمادية صغيرة وضعت فيها منضدة ورتبت فيها بضعة كراسي. وكان يجلس على أحد جانبي المنضدة رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، ويلبس حُلَّة كاملة، وعلى الجانب الآخر يجلس رجلان يرتديان معاطف وأربطة عنق. وكان ثلاثة من السجناء الآخرين يجلسون على بعض المقاعد في مؤخرة الغرفة. كانت قاعة محكمة من نوع ما.

وتقدم شاب إلى زيتون قائلًا إنه المحامي العام، وإنه مُوَكَّل للدفاع عن زيتون في ذلك اليوم. وبدأ زيتون في شرح قضيته، والأخطاء التي أفضت به إلى السجن، مطالبًا بإجراء اتصال تليفوني بزوجته. وأغلق المحامي العام عينيه للإشارة إلى وجوب التزام الصمت من جانب زيتون.

قال المحامي: «لستَ هنا لمحاكمتك، فليست هذه سوى جلسة استماع لتحديد الكفالة!»

– «لكن ألا تريد أن …»

وقال الشاب: «أرجوك. التزم الصمت وحسب، دعني أتولى عنك الكلام. اجلس وحسب هادئًا إن استطعت. لا تتفوه بكلمة واحدة.»

وقُرئت التهم الموجهة إلى زيتون: حيازة مسروقات قيمتها ٥٠٠ دولار. واقترح وكيل النيابة تحديد الكفالة بمبلغ ١٥٠٠٠٠ دولار.

ورَدَّ المحامي عليه قائلًا: إن زيتون ليست له سوابق، وإن مقدار الكفالة يجب أن يكون أقل كثيرًا، واقترح أن يكون ٣٥٠٠٠ دولار.

وقرر القاضي أن تكون الكفالة ٧٥٠٠٠ دولار، وكان هذا آخر ما سمعه زيتون؛ إذ مد المحامي يده إليه فصافحها زيتون. واقتيد إلى خارج الغرفة أثناء قيام المحامي بفتح ملف السجين التالي. وفي طريق الخروج، طلب زيتون مرة أخرى إجراء مكالمة تليفونية، وهز المحامي كتفَيه.

وسأل زيتون: «ولماذا يحددون الكفالة وأنا لا أستطيع أن أقول لأحد إني في السجن؟»

ولكنه لم يتلقَّ إجابة من القاضي أو وكيل النيابة أو المحامي. وأعيد زيتون من جديد إلى زنزانته.

الثلاثاء ٢٧ من سبتمبر

اتصل رالي بكاثي.

قال: «اطمئني. نجحوا أخيرًا في تشغيل أحد النظم، وحددوا لنا موعدًا في المحكمة. فهم يريدون إخلاء سجل المحكمة من القضايا بقدر ما نريده نحن أن يخرج من السجن. وعليكِ إذن أن تجمعي أكبر قدر تستطيعين جمعه من الناس حتى يحضروا إلى المحكمة للشهادة في صالحه. وهو ما يسمى «الشهود على الشخصية».»

رأت كاثي أن ذلك أمر معقول، وكانت المهمة واضحة؛ فشرعت في تنفيذها فورًا، ولكنها أدركت أثناء إعداد قائمة الأصدقاء أنها نسيت أن تسأل رالي عن مكان المحكمة، أعادت الاتصال به لكنها سمعت الرسالة المسجلة.

واتصلت بمكتب وكيل نيابة نيو أورلينز، فجاءها صوت مسجل أعطاها رقمًا في باتون روج، فاتصلت بذلك الرقم متوقعة أن تسمع رسالة مسجلة، ولكن امرأة ردت على التليفون بعد الرنة الثانية؛ مما أدهش كاثي. وسألتها كاثي عن عنوان المحكمة.

قالت المرأة: «ليس لدينا الآن هذا العنوان.»

وقالت كاثي: «ماذا؟ كل ما أريده هو عنوان المحكمة التي تعقد فيها الجلسات، الجلسات الخاصة بنزلاء سجن هَنْت؟ لا أريد إلا عنوان المحكمة.»

فقالت المرأة: «ليس لدينا إحدى هذه.»

– «تعنين إحدى المحاكم؟»

– «نعم.»

– «وأين يدفع الناس غرامة المخالفات؟»

فقالت المرأة: «لا أحد يدفع غرامات مخالفات الآن.»

وطلبت كاثي أن تتحدث مع أحد رؤسائها.

فقامت المرأة بتحويل المكالمة، ورفع السماعة رجل هذه المرة. وأوضحت كاثي أنها قد سمعت لتوها نبأ القبض على زوجها، وأنه قد حُدد له موعد في المحكمة، وأنها كانت تريد أن تعرف وحسب مكان عقد جلسات تلك المحكمة.

وقال الرجل: «آه! لا نستطيع إطلاعك على هذا.»

– «ماذا؟ لا تستطيع إطلاعي!»

وقال: «نعم. إنها معلومات لأصحاب الامتياز.»

– «ومن أصحاب الامتياز؟ إنني زوجته!»

– «آسف! إنها معلومات خاصة.»

وصرخت كاثي قائلة: «ليست خاصة بل عامة! هذه هي المسألة! إنها محكمة علنية عامة!» وطلبت أن تتحدث مع شخص آخر لديه مزيد من المعلومات، وتأوَّه الرجل وطلب منها الانتظار.

وأخيرًا جاء الشخص الآخر، وكان امرأة هذه المرة، للرد على التليفون.

وسألتها: «ماذا تريدين؟»

وتماسكت كاثي، وكانت تأمل أن يكون المسئولان الأولان قد أساءا الاستماع إليها. قالت: «أريد أن أعرف مكان المحكمة. المحكمة التي سوف تصدر فيها الأحكام وتعقد جلسات تحديد قيمة الكفالة.»

وجاءت نبرات المرأة منتظمة حازمة: «هذه معلومات خاصة.»

وانهارت كاثي. أخذت تولول وتصرخ. ما بال هؤلاء؟ كيف تكون واثقة من قرب زوجها منها إلى هذا الحد، ثم تتسبب الطبقات المتراكمة من البيروقراطية وضعف الأداء في فصلها عنه؟ كان ذلك أكبر مما تحتمل. وأخذت تبكي إحباطًا وغضبًا. كانت تشعر كأنما تشهد طفلًا يغرق دون أن تتمكن من أن تفعل أي شيء لإنقاذه.

وعندما تمالكت نفسها اتصلت بقناة «سي إن إن» التليفزيونية.

وتمكنت من الحديث مع أحد المخرجين وقصَّت عليه قصة حبس زوجها، والمكالمة التي تلقَّتها من وزارة الأمن الداخلي، والعرقلة التي تتعرض لها، والمحاكم التي تكاد تكون وهمية. وقال المخرج إنه سوف يقوم بالتحقيق، وحصل على رقم تليفون كاثي.

وعاد رالي للاتصال، واعتذر، قال إنه أصبح يعرف مكان انعقاد الجلسة في سجن هَنْت نفسه، وقال لكاثي أن تتصل بكل من تستطيع الاتصال به، وتطلب منهم الحضور إلى سجن هنت في اليوم التالي، في التاسعة صباحًا.

وقال: «سأحاول أن أقابل زيتون اليوم.»

ودعت اللهَ كاثي أن يتمكن من ذلك.

وبدأت كاثي الاتصال بالأصدقاء والجيران والعملاء، وفي غضون ساعتين كانت قد ضمنت حضور ما لا يقل عن سبعة أشخاص أكدوا اعتزامهم ذلك، وكان من بينهم مدير مدرسة بناتها.

واستُدْعي زيتون مرة أخرى من زنزانته لحضور اجتماع. وُضعت يداه في القيود وقدماه في الأصفاد وسيق به من جديد إلى الشاحنة البيضاء. وسارت به الشاحنة إلى مقدمة مجمع السجن، ثم اقتيد إلى غرفة رمادية صغيرة أخرى، شاهد فيها رالي المحامي، أول ممثل للعالم الخارجي يقابله منذ القبض عليه.

وابتسم، وتصافحا بحرارة.

وقال زيتون: «أريد أن أخرج.»

فقال رالي: «عليك أن تدفع حتى تخرج.» ثم تنهد رالي زافرًا زفرة عميقة وقال: «لدينا مشكلة في دفع الكفالة.»

كان أمام زيتون خياران: كان عليه إما أن يجد ويدفع مبلغ ٧٥٠٠٠ دولار، فإذا كسب القضية آخر الأمر أُعيد إليه المبلغ كاملًا، وإما أن يدفع نسبة ثلاثة عشر في المائة من مقدار الكفالة إلى المحاكم، وثلاثة في المائة إلى الكفيل — أي ما يبلغ مجموعه ١٠٠٠٠ دولار — ثم يضيع عليه هذا المبلغ بغض النظر عن نتيجة قضيته.

وسأل زيتون: «أليس مبلغ ٧٥ ألف دولار أكبر مما ينبغي لسرقة طفيفة؟»

وقال رالي إنه كذلك فعلًا؛ إذ كان أكبر من المبلغ اللازم بنحو مائة مرة. كان زيتون يستطيع أن يأتي بعشرة آلاف دولار، لكنه بدا له من البلاهة أن يذهب هذا المبلغ أدراج الرياح، وإن دفعه كان يدفع للحكومة في الواقع في مقابل حبسه شهرًا.

وسأله زيتون: «هل تستطيع تخفيضه؟»

وقال رالي: «ذلك يقتضي الكفاح في سبيله.»

فقال زيتون: «إذن فكافح في سبيله.»

وسأله رالي: «ولنفرض أنني لم أنجح؟»

فقال زيتون: «إذن فانظر إن كنا نستطيع استخدام أملاكي كفالة.»

– «لا تريد أن تدفع النسبة التي ستضيع عليك؟»

فقال زيتون: «نعم، لا أريد».

قال زيتون في نفسه إنه لو دفع تلك النسبة التي ستضيع عليه مقابل الإفراج عنه، فما عساه أن يفعل؟ لن يستطيع العمل. لم يكن لديه ما يستطيع أن يفعله في نيو أورلينز، ليس في هذه اللحظة، وكان يوقن الآن أن كاثي والأطفال يعرفون أنه حي يرزق. ويوقن أنه سوف يُطلق سراحه. أي إنه سوف يدفع ١٠٠٠٠ دولار كي ينعم بالحرية بضعة أيام أخرى، وسوف يقضي ذلك الوقت رائحًا غاديًا في غرفة المعيشة بشقة يوكو وأحمد، لسوف يرى بناته قطعًا، ولكنهن يعرفن أنه قد سلم، والأفضل أن يدفع تلك النقود في حساب الأمانة الذي يكفل تعليمهن العالي، مثلًا. لقد قضى في المحبس إلى الآن أسبوعين ونصف أسبوع، ويستطيع الانتظار بضعة أيام أخرى.

وقال رالي: «سأتحقق من إمكان استخدام أملاكك ضمانًا.»

فقال زيتون: «كلِّم كاثي.»

الأربعاء ٢٨ من سبتمبر

دخلت كاثي بسيارتها سجن هَنْت، وقد أمسكت أنفاسها. كان منظره مثل اللوحات السيريالية: الأسوار البيضاء المنمقة، والأرض المشرقة بالكلأ الأخضر الزاهي. كانت تشبه ملعبًا للجولف. وكانت الطيور البيضاء تفزع وتتفرق طائرة أثناء سير كاثي في مدخل السيارات الطويل حتى تصل إلى البوابة.

ووقفت في الخارج تنتظر في ساحة انتظار السيارات. كان ذلك في الثامنة والنصف صباحًا، وكانت تحتاج إلى جميع من لديهما من أصدقاء، وبدأ هؤلاء يصلون بعد بضع دقائق. كان روب ووالت قد جاءا بالسيارة من لافاييت. ووصلت جنيفر كالندر التي كانت تعمل مع والت والتي كان زيتون قد تولى تجديد منزلها مع زوجها ووالدها، ووصل توم بيتشاتش وزوجته سيليست، وهما من جيرانهما في شارع كليبورن، بالسيارة من هيوستن. كما وصل نبيل أبو خضر مدير مدرسة الفتيات، من الحي الفرنسي.

وتعانق الجميع، ولم يكن أيهم قد ذاق للنوم طعمًا، وكان منظرهم مزريًا، ويشعرون بالصدمة لأنهم يتلاقون بسبب حدوث ما حدث. ولكن روحهم المعنوية كانت عالية، بصورة ما؛ لإدراكهم أنهم سوف يتحدثون عن شخصية عبد الرحمن زيتون وأخلاقه، وكانوا واثقين بأن القاضي حين يستمع إليهم جميعًا ويتبين أن الشرطة حبست رجل أعمال شهيرًا، فربما — بل الأرجح — أن يأمر القاضي بإطلاق سراحه في اليوم نفسه، وربما استطاعوا الاحتفال بذلك معًا.

لم تكن كاثي تملك أن تكف عن شكرهم. كانت حطامًا من الدموع والامتنان والترقب.

وعندما وصل رالي انبهر بعدد الحضور. فدعا الجميع إلى اجتماع وشرح لهم باختصار سير الإجراءات. لم يكن يعرف على وجه اليقين مكان جلسة الاستماع، أو حتى موعد انعقادها، لكنه كان واثقًا بأنه إزاء سمعة زيتون الطيبة، وخلو سجله من أي مخالفة سابقة، ووجود هذا الحشد الباهر من الشهود على شخصيته وخلقه — فهم شريحة عريضة من أبناء نيو أورلينز ذوي المكانة الرفيعة — سوف يأمر القاضي بإطلاق سراح عبد الرحمن زيتون، مع فيض زاخر من الاعتذارات.

وانتظر الجميع طيلة الصباح، بلا أنباء. وأخيرًا ذهب رالي لاستطلاع ما يحدث، ثم خرج من المبنى إليهم وقد غشيت وجهه سحابة.

قال: «لن يقابلوا أحدًا منكم اليوم!»

كانت جلسة الاستماع قد أُلغيت، دون إبداء الأسباب.

وأصبحت الفرصة الوحيدة الآن هي الكفالة. كان على كاثي أن تعود إلى دخول المدينة وإحضار الأوراق التي تثبت ملكيتهما لمبنى المكاتب؛ بحيث يستخدمان المبنى نفسه كفالة.

وأصرَّ عدنان على توصيل كاثي بالسيارة إلى داخل المدينة.

وسلكا الطريق أ-١٠، وخرجا منه في مخرج شارع كارولتون، وفورًا صدمتهما الرائحة. كانت خليطًا من عدة روائح، وتجمع بين ما هو لاذع المذاق وما هو منتن، بل أيضًا — بسبب الأغصان والأشجار الملقاة في الشمس — ما هو حلو المذاق، ولكن أكثر ما راعهما هو قوة الرائحة؛ كانت نفاذة للغاية، فغطت كاثي وجهها بلفاعها كي تكسر من شوكتها.

كانت المدينة تبدو كأنما هجرها أهلها منذ عقود طويلة، كانت السيارات قد ذابت ألوانها بسبب السموم التي تغشى المياه، فبدت ذات لون رمادي باهت، وكانت مبعثرة في كل مكان مثل اللُّعب. وسلكا طريق كارولتون إلى شارع إيرهارت، واضطرا في إحدى المناطق إلى العبور إلى الحارة ذات الاتجاه العكسي لتحاشي الأشجار التي اقتُلعت فغدت تعترض الطريق. كان الحطام في كل مكان، وغريب الشأن: من أُطر عجلات السيارات، إلى الثلاجات، إلى عجلات الأطفال الثلاثية، إلى الأرائك، إلى قبعة من القش.

كانت الشوارع مهجورة. لم يشاهدا أحدًا — لا بشرًا ولا عربات — حتى وصلت سيارة من سيارات الشرطة فتوقفت خلفهما على مسافة لا تبتعد عن مبنى المكاتب إلا بشوارع معدودة. وطلبت كاثي من عدنان أن يدعها تقوم بالحديث، وكانت تلك استراتيجية طال عليها الأمد ما بينها وبين زيتون. كان قيامها بالحديث دائمًا أيسر وأسرع، فلن تؤدي لهجة أبناء الشرق الأوسط إلى إثارة المزيد من الأسئلة.

وجاء شرطيان من سيارتهما، وقد وضع كل منهما يده على المسدس في جانبه، واقترب الشرطي الذي كان يقود السيارة منهما وسأل عدنان عما يفعله في المدينة. فمالت كاثي برأسها للإيضاح وقدمت للشرطي رخصة قيادتها من النافذة.

قالت: «إنني أقيم في منزلي في آخر الشارع، ولم أعد إلا لتقدير الأضرار، وأخذ أي شيء لم يصبه الضرر.»

وأصغى إلى كاثي، لكنه عاد إلى سؤال عدنان: «ما الذي تفعله هنا؟»

واستبقت كاثي الإجابة قائلةً: «نحن مقاولون.» وقدمت إلى الشرطي بطاقة الشركة.

وعاد الشرطي بالبطاقة إلى سيارة الشرطة، وقضى مع زميله نحو عشر دقائق قبل أن يعود إلى نافذة عدنان.

قال الشرطي: «لا بأس.» وتركهما يمضيان.

وقررا التوجه بالسيارة مباشرة إلى المكتب؛ خشية ألا يبتسم لهما الحظ كما حدث هذه المرة إذا استُوقِفا من جديد.

وعندما وصلا إلى المبنى في شارع دبلن، شاهدت كاثي أنقاض المباني التي احترقت عن آخرها، وبدا لها أن توقف الحريق على بعد أمتار قليلة من المكتب معجزة من المعجزات. وكان ظاهر المبنى قد أصابته الأضرار، لم تكن تشي بما سوف يجدانه في داخله. وذهبت كاثي إلى الباب، ولكن مفتاحها لم يفلح في فتحه؛ إذ كان الصدأ قد أصاب القفل من داخله ومن خارجه.

ولمح عدنان شيئًا ما في الناحية المقابلة من الشارع، فهرول إلى بيت الجيران، وعاد يحمل سُلَّمًا قديمًا باليًا.

قال: «سوف أصعد أنا، وابقَيْ أنتِ هنا!»

ووضع السُّلَّمَ على جانب المبنى وبدأ يصعد. كانت درجاته ملتوية وبعضها مكسورًا، ولكنه صعد بحرص، حتى وصل إلى نافذة الطابق الثاني فدخلها، وسرعان ما اختفى بالداخل.

وسمعت كاثي بعض أصوات الارتطام والاحتكاك، ثم ساد الصمت، وسرعان ما جاءها صوت من الجانب الآخر من الباب.

قال عدنان: «ابتعدي. سوف افتح الباب بالقوة.»

وركل عدنان الباب أربع مرات حتى انخلع الباب وسقط.

وقال عدنان: «خذي الحذر وأنتِ تصعدين الدرج.»

كان داخل المنزل خرابًا، وبدا وكأنما لم يسكنه أحد منذ عقود وعقود؛ إذ كان السقف شبه محطم، تنتشر فيه فجوات ذات أشكال غير منتظمة، وكانت الأسلاك قد تَعَرَّتْ وبدت مع الأوراق المتناثرة في كل مكان. وكانت الأرضيات يكسوها غُثاءٌ رمادي اللون، والرائحة نفاذة، تجمع بين روائح العفن والمطر ومياه المجاري.

وصعد كل من كاثي وعدنان الدرج بحرص حتى وصلا إلى المكتب. كان شكله قد اختلف تمامًا، كانت أقدامهما تغوص في السجادة في كل خطوة، وكانت رائحة الحيوانات تصل إلى أنفهما، وتسمع أصوات جريها أثناء سيرهما في المكتب، فتحت باب إحدى الخزائن فوقعت عشرة صراصير على يديها، وصرخت. وتولى عدنان تهدئتها.

قال: «فلنأخذ الأوراق وحسب وننصرف.»

ولكنها لم تجد أي شيء في المكان الذي تذكره. كانت دواليب الملفات قد تزحزحت عن مكانها، وكراسات جداول العمل التي كانت فوق المكاتب متناثرة في كل مكان، فجعلت تبحث في الدواليب وأدراج المكاتب، وهي تنظف الملفات السليمة مما علاها من حشرات، وكانت بعض الملفات قد أصابها من البلل والطين ما أفقدها كل نفع لها. فجمعت كومة من الملفات التي يتعذر قراءة ما فيها، آملة أن تجد في البعض الذي تعرفه برهانًا على ملكيتهما للمبنى. كان الوضع عبثيًّا؛ إذ كانت تفتش في المبنى الذي تملكه، وهو الذي يعرف الجميع أنه المقر الرئيس لشركتهما المشهورة، باحثة عن قطعة متسخة من الورق تقبلها محكمة مؤقتة في مقابل الإفراج عن زوجها. وماذا تكون الحال لو لم تجدها؟ هل يواصل زوجها سقوطه في هذه الهوة الشاسعة الناجمة عن انهيار النظام القضائي بسبب غياب هذه القطعة من الورق؟!

وسألت عدنان بصوت مخنوق: «ساعدني أرجوك.»

وظلا يفتشان ساعة كاملة، فتحا كل درج وكل ملف، حتى تصورت أنها تعيد فحص الملفات القليلة السليمة نفسها التي سبقت لها قراءتها، ولكنها وجدت بغيتها أخيرًا في درج كانت واثقة بأنه لا يحتوي على شيء ذي قيمة. كان عقد البيع للمبنى رقم ٣٠١٥ بشارع دبلن. كانت راكعةً على ركبتَيها، وقد اتسخت عباءتها، وقبضت على الورقة في يدها، وغلبها البكاء، ثم اعتدلت في جلستها ولا تزال ترتعد.

وقالت: «أرجو أن تنجح هذه وإلا …»

ونهضا والأوراق في أيديهما فعادا إلى مكتب المحامي رالي في باتون روج، وقام رالي بإعداد أوراق الإفراج، وأرسلها بالفاكس إلى مسئول الكفالات، ورد المسئول قائلًا إنه تسلم الأوراق وإن الكفالة قد دُفعت، واتصل رالي بسجن هَنْت مؤكدًا أن جميع الأوراق اكتملت وأن الكفالة دفعت، وقيل له إنهم تسلموا الأوراق، ولكن المكتب أغلق أبوابه مبكرًا في ذلك اليوم. كان ذلك في الثالثة عصرًا.

كان على زيتون أن يقضي ليلة أخرى في سجن هَنْت.

الخميس ٢٩ من سبتمبر

وعندما أصبح الصبح اتجهت كاثي في صحبة عدنان بالسيارة إلى السجن، فوصلا قبل الساعة الثامنة، ودخلا المكتب فقيل لهما إن «زيتون» سوف يُطلق سراحه في ذلك اليوم نفسه، وانتظرا في الغرفة نفسها التي اجتمع فيها أصدقاء زيتون منذ يومين.

وظلا ينتظران حتى الحادية عشرة دون أن يسمعا شيئًا. وحلت الثانية عشرة، لا شيء. وفي الساعة الواحدة قيل لهما إن زيتون سوف يُطلق سراحه الآن — في أي لحظة — وقيل لكاثي أن تنتظره في الخارج، فسوف يُنقل بالأوتوبيس إلى خارج البوابة.

وكان زيتون في زنزانته يصلي:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

«زيتون!»

كان أحد الحراس يناديه.

وقال زيتون في نفسه: «فلينتظر الحارس.» لم يكن يعرف أن كاثي كانت عند مدخل السجن، وأن الإفراج عنه وشيك.

وواصل صلاته:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آمين.

«زيتون!» كان الحارس قد وصل الآن إلى الزنزانة، وجعل يصيح من خلال القضبان: «استعد!»

واستمر زيتون في صلاته حتى أنهاها. وانتظر الحارس في صمت، وعندما نهض زيتون، أومأ الحارس إليه قائلًا: «اجمع أشياءك. سوف تخرج اليوم!»

وصاح زيتون: «ماذا؟»

– «أسرع!»

وتهاوى زيتون على الجدار، كانت رجلاه تعجزان عن حمله.

•••

كانت كاثي تنتظر خارج السجن مع عدنان.

ووصل أوتوبيس أبيض، وكان فيه شبح يسير من اليسار إلى اليمين، ثم نزل من الأوتوبيس إلى الرصيف. كان عبد الرحمن زوجها. كان قد فقد تسعة كيلو جرامات من وزنه، كان يبدو رجلًا مختلفًا، رجلًا أصغر حجمًا، وقد طال شعره، وكسا الشيب معظمه، وبللت الدموع وجهها. قالت في نفسها: «ما أصغر ما يبدو!» وغلبتها موجة غضب شديدة: «لعن الله هؤلاء الناس! أنتم جميعًا، كل مسئول عن حدوث هذا.»

وشاهدها زيتون، فابتسم، وذهبت إليه. كانت الدموع تغطي وجهها كله، فلم تكد تستطيع الإبصار. هرعت إليه، كانت تريد أن تحميه، أن تحتضنه بين ذراعيها، وتشفيه.

«عودي إلى مكانك!»

وشعرت بيد ثقيلة على كتفها، كان أحد الحراس قد استوقفها.

وصرخ الحارس: «ظلي هنا!»

كانت كاثي قد تخطت أحد الحواجز. لم يكن الحاجز واضحًا لعينيها، ولكن الحراس كانوا قد حددوا منطقة لا يُسمح لأقارب السجناء بدخولها.

وظلت تنتظر، واقفة على مبعدة أمتار قليلة من زوجها، وظل كل منهما يحدق في الآخر، ويبتسم ابتسامة جهمة. كان يبدو شيخًا حزينًا. كان يرتدي سروالًا من قماش الجينز، وقميصًا من القماش نفسه، وصندلًا مفتوحًا برتقالي اللون. كانت هذه أردية السجن، وكانت تبدو فضفاضة عليه؛ إذ كانت تزيد بدرجتين على مقاس جسمه.

وبعد عدة دقائق أُطلق سراحه. سار إليها وهرولت نحوه. وظلا متعانقين برهة طويلة. كانت تحس بعظام كتفيه البارزة وضلوع صدره. وبدت رقبته نحيلة هشة إلى حد بعيد، وذراعاه معروقتيْن. وابتعدت عنه، وأبصرت عينيه اللتين لم تتغيرا — كانتا لا تزالان خضراوين، أهدابهما طويلة، ويشيع فيهما اللون العسلي — ولكنهما كانتا تفصحان عن الإرهاق، عن الهزيمة. لم يسبق لها أن أبصرت ذلك فيه قط. كان كسير الجناح.

واحتضن زيتونُ عدنان، ثم ابتعد بسرعة.

وقال زيتون: «لا بد أن نمضي!»

وركب ثلاثتهم السيارة، لم يكونوا يريدون المسئول عن ذلك، مهما يكن، أن يغير رأيه، ولو غير رأيه لما أدهشهم ذلك. ما عادوا يدهشون الآن لأي شيء.

غادروا السجن بأسرع ما في طوقهم، وشعروا بالارتياح عندما خرجوا من البوابة الرئيسة، وبمزيد من الارتياح عندما تجاوزوا مدخل السيارات الطويل ذا الأسوار البيضاء ووصلوا إلى الطريق العام. وكان زيتون يلتفت خلفه من آن لآخر حتى يطمئن إلى عدم وجود من يقتفي آثارهم. وكان عدنان ينظر باستمرار في المرآة التي تعكس صورة ما يخلِّفه وراءه أثناء انطلاق السيارة المسرعة في الطريق الريفي، محاولًا أن يبتعد إلى أقصى حد ممكن عن السجن. ومرت بهم السيارة في ممر تظلله الأشجار الباسقة، وكان كل ميل يقطعانه يزيد إحساسهم بالثقة في أن زيتون يتمتع بالحرية المطلقة.

كانت كاثي تجلس في المقعد الخلفي، وتمر بيدها على رأس زوجها ملاطفة له، ولكنها كانت تريد أن تكون أقرب إليه، أن تحتضنه بين ذراعيها، وأن تضمه إلى صدرها وتشفيه.

لم يكونوا قد قضوا أكثر من عشر دقائق منذ مغادرتهم السجن حين اتصل أحمد بكاثي على تليفونها الخلوي.

قالت له: «إنه معنا!»

– «ماذا؟ فعلًا؟»

فأعطت التليفون إلى زيتون.

قال: «مرحبًا يا أخي!»

وسأله أحمد: «أهذا أنت؟!»

قال زيتون: «هذا أنا».

– «الحمد لله! الحمد لله! كيف حالك؟!»

كان صوت أحمد يرتعد.

قال زيتون: «بخير! أنا بخير! هل كنت قلقًا؟» وحاول أن يضحك.

وكان أحمد الآن يبكي: «الحمد لله! الحمد لله!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢