المشهد الأول

قرب سرير الشهوات

جسدي الآن يفكُّ تعاويذَه ورقاه ويتركها على حافة النهر.

(امرأتان في حقلٍ من حقول الريحان، المكان يحتوي على سنادين وأكاليل من الزهور والنباتات؛ بحيث يبدو وكأنه مكان لبيع الزهور، ووسط المكان تكوين نحتيٌّ هو عبارة عن رمز الإلهة إنانا، ذات القصبتَين والذيلَين الحريرَين (المثبت في المشهد أعلاه) ليدلَّ على الخصب والجو الأنثوي، واتحاد قصبتَين/امرأتَين في حياة واحدة تقريبًا. المرأتان تشعلان الشموع وترتبان باقات الريحان على مهل وتتحاوران.)

المرأة ١ :
هل يكفي أن نُشعل الشموع هذه الليلة؟
ألا تعتقدين بأن علينا أن نستحم بهذا المطر الذي ترسله السماءُ لنا ناصعًا هادئًا؟
ألا يجب أن نُشعل ماء المطر بقناديلنا لتضاء أجسادنا المعتمة.
ولينكشف هذا الليل الذي نحن فيه؟
المرأة ٢ : أحب ماء المطر لكني أخشاه أيضًا.
المرأة ١ : المطر يسقي الجسد كما يسقي الريحان.
المرأة ٢ : لا أعرف لماذا يلازمني الحب والخوف معًا.
المرأة ١ : وجَّه الماء نواميسَه نحو الجسد فطوَّعه، فوقفتُ حائرةً أمام ريع الحياة فيه.
المرأة ٢ : لكن طبله يدقُّ في دمي كأنه الجنون، كم أحبه!
المرأة ١ : ما أخبار قلبك هذه الأيام؟
المرأة ٢ : عزف بعوده للملائكة وأغواهم!
المرأة ١ : والرجال؟
المرأة ٢ : لم يعُد هناك عشاق حقيقيون يا صاحبتي، كلهم لا يعرفون من الحب إلا شكله، أنا مخلوقة لأغوي الطبيعة كلها لا لأغوي الرجال فقط (تضحك).
المرأة ١ :
ها هو النهر صريع أمامكِ مثل شَبُّوطٍ بلعَ الزهر.
تزرعين المطرَ والنارَ وتنشطين بالحطب
الخصوبة وتنشطين ببيض السمك شهوة الأرض.
المرأة ٢ : خرجتُ بعد منتصف ليلة أمس، وتمشيتُ في الشوارع وكانت جثة النهر ممددةً أمامي، وحين دخلتها سابحةً دبَّت الحياة فيها وعانقني الموج، فأخصبته وأخصبني.
الزجاج يضحك … أوراق الشجر تخجل،
السرير الذي أُرخي جسدي عليه … النوم
يأتي … الحلم يكرزُ في نومي … النار
المشتعلة في معبدي.
المرأة ١ :
هذا النشيد المرتجف آخر الدماء التي تركتها الشمسُ في جسدك،
قبل أن تسحبَ مشيمتَها وتنفصل باتجاه السماء،
بينما جسدي يتحلَّل إلى فراشاتٍ تطيرُ،
ولا تبقى منه إلا شمعة ذاوية تجذب إليها الطلع.
المرأة ٢ : كل هذا بسبب الريحان … لقد امتلأ جسدانا برائحة الريحان من كثر ما عاشرناه فتضمَّخنا به، وها هو جسدي وجسدك يبثَّان الريحان أينما حلَّا، بل يفعل كلٌّ منهما هذه الأعاجيب أيضًا.
المرأة ٢ : جسدي الآن يفكُّ تعاويذَه ورقاه ويتركها على حافة النهر.
المرأة ١ :
عن ماذا كنتُ أتحدث؟
عن وردةٍ وسؤالٍ بين مرآتك ووجهك؟
عن النار تأكل غاباتك …
تأكل خشبك وتأكل أعوامَ صباك، كوني حذرة.
المرأة ٢ :
الجسد قفلٌ مفتاحُه العيون،
عينان لامعتان ما زالت الخيولُ تصهل فيهما،
عينان ما زالت أصواتُ النجومِ فيهما.
عينان من نارٍ وماء.
المرأة ١ :
تظهر النيازكُ على أطرافي،
وأرى تلميحاتِ الفجرِ على جسدي،
أرضي معشوشبةٌ ويا كثر ما طاشت أقدامي فيها،
لم يكن يتوهَّج في الآفاق سوى الخاتم والسرَّة.
المرأة ٢ :
بذرةُ القمر تسقطُ من لسانكِ وتمخر الأرضَ ثم تضيء السماءَ، وأنتِ بسب أشجارك تُخبئين هذه الحشودَ من الحيوانات.
هل تغافليني وتذهبين إلى مخدعٍ غريب؟
المرأة ١ : ماذا أفعل لقطعانك الهادئة تحت القمر وأنا أقطر قطرةً قطرةً من الجبال. أحرثُ الطريقَ إليكِ فتصطدمُ أسنانُ محراثي بالنجوم، ألمُّها في كيسٍ وأبذر بها الطريق ليتجدَّد معراجُ القمر، أحجبُ الغمامَ عن سنابلي وأنحني في حنيني وأتوضأ.
المرأة ٢ : أجسادنا هكذا لوحدها في المتاهة رغم ازدحام الطبيعة فيها … أنتِ في رياح الخليقة الأولى مطوية، وفي المياه التي تتدبَّرها الأمواج، وأنا في همسات الريحان أحقن بها دمي وأنتشي، وتنين الظلام يحيط بكِ وبي.
المرأة ١ : أتنفَّس الظلامَ وهو يهجم علينا بناره … ويخبط علينا القاربَ بمياهه، هذه يدي التي لوَّحت فملَّت فتخشَّبت، وأنا أزدهر هناك تحت أريكةٍ أو تحت حبال، وأتناسل في دخانٍ ليس له جهات، لا أريد أن يسلبني رجلٌ قوتي.
المرأة ١ :
الضباب الذي يلفُّ الشراع هو فيض الأنوثة أيضًا.
وتعرفين أن طلعي هو الذي يدبُّ في رأسكِ آخر الليل،
عند المرسى، وإذا أردتِ، في أعماقِ القارب ثمة لهاث وهبوبٌ وزنابق تتنفَّس.
انحنى النولُ يرتجي الخيوطَ وتنطره جثتا يدَيكِ، وانحنيت على حقلي أحرثه وأُخرج النجومَ مخلوطة بالرياحين.
المرأة ٢ :
تهاوى تنينُ الظلامِ وتبعَته النارُ.
غزلت لفتة الآفاق ومنها سقطَت رائحةُ الرماد … ماذا ستفعلين بيدَيك؟
أغلقت النوافذَ … وكنت أقرأ وأنوح ثم دخلت قاعة النوم وسحبت، من تحت السرير، قِدرَ الطين وكففت أردان قميصي وبدأت.

(تجلس المرأة ١ على الأرض، وتضع على صينية كميةً من الطين الصناعي والأعواد، وكأنها تريدُ أن تنحت أو تكوِّن جسدًا بشريًّا.)

المرأة ١ :
رأيتكِ قرب سرير شهواتكِ،
تعجنين وتبكين … ومرآتكِ تلتقط الغيومَ،
وتعكس نور خواتمها … الدموعُ سقطت
مع الصلصال المعجون، وتسلل خيط أغنيةٍ
إلى فمي.
تعجنين وتبكين، هل ستنحتين رجلًا؟
المرأة ٢ :
قرصت العجينَ وصنعت كرةً،
وفرشتها ووضعتها على النار فانتفخت،
وصرخت لوحدي وتتلذذتُ بصراخي،
احترقت بدمعي وهيأت حواسي لعنفٍ جميل …
المرأة ١ :
الآن جاء وقت الإبرة والخيط …
فلنعمل ذلك برهافة؛
ثلاث عضلاتٍ في الظهر تدبر أغلفة الكون،
وتستتر في هيكله، شكلها يشبه الأشرعةَ
المتداخلة، ثلاث عضلاتٍ تنتجُ الضباب.
المرأة ٢ :
لم يكن النبات، بعد أن نحتُّه، يتكلَّم،
فنحتُّ الحيوان الذي تكلَّم وصمت، وأنتِ
الآن تصنعين معي شكل هذا المخلوق.
المرأة ١ :
ما هذه الجثةُ التي ألمحها في مياه أعماقك؟
ما خيطُ الدمِ الذي يسيل منها؟
ما الذي أتى بكل هذه المراثي والأدعية؟
المرأة ٢ :
جثة النهر … أعني جثة آدم الماء يتجهم …
الحجر … النباتات … الحيوانات … كلُّها تتوارى
خجلًا من ما فعله الرجل.
العظامُ تنتشر في خراب المدن وعلى
السواحل …
المرأة ١ :
هذا ما جنَتهُ الهتافاتُ والأسلحة. هل تسمعين؟ …
هذه حافةُ الحقولِ وأنتِ هناك تلفِّين عباءَتكِ على وسطكِ،
وتطمسين في الوحولِ وتقعلين المدى.
المرأة ٢ :
يدُ الأرض تتوغَّلُ في الجذور …
ويدُ الإنسان في الثمرة.
يدٌ بيضاء محلَّاة بالشهوات تتقدَّم نحونا …
يد تشتعل الحرائق في غاباتها …
يدٌ تلتقطُ الأصدافَ والحصى من مياهها …
فخُذي حذركِ.
ظهرت طلاسم وأسهمٌ ودوائر ولُقًى وأزهارٌ في الطرق التي سلكتُها، وسلكها النملُ ورائي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦