المشهد الثاني

مكاشفة

لم أحسب أن ذلك سيطرد الريحان من جسدي.

(الامرأتان تعلِّقان على جيوبٍ موجودةٍ على ستارةٍ طويلة، باقات الرياحين والزهور وتتحاوران.)

المرأة ١ :
أقدامي تفرُّ من الطريق،
وتموُّجاتي لا حدَّ لها، ورغباتي مدوَّنة على أوراق الشجر …
المرأة ٢ :
ما الذي يُفزع النهار فيكِ؟!
ما الذي يُوحش ممالك جنونك؟!
ما الذي ينهمر على أعضائكِ وحقلكِ؟!
المرأة ١ :
أتخطى في رماد بساتيني،
وتماثيلي تتساقط من السماء، الوردُ لا يشيخُ في باقاتي،
لكني أشعر بالوهن … النهر لا يتبدَّل في أصابعي لكني أشعر بالخوف.
المرأة ٢ : وكيف هو ليلك؟
المرأة ١ :
لم يعُد ذلك الطائر يحوم في أحلامي،
ولم يعُد يُنبئ عن شيء،
ولم أعُد منتبهةً إلى أن خسارة طيرٍ كهذا ليس بالأمر الهيِّن.
المرأة ٢ :
هبطتُ داخلَ الأرض أبحث عن بذرةِ الكون …
اخترقت الطبقات كلَّها وتدافعت مع الأشباحِ كي أصل.
المرأة ١ :
وجدتها في ذرةِ ماءٍ وترابٍ وهواءٍ ونارٍ …
هذه أمنا الأزلية …
تابوتها ما زال طريًّا، وزهراتها على الصدر والأطراف.
المرأة ٢ :
وضعتُ التابوتَ على ظهري،
وصعدت به درج الخطيئة.
هيئي زهرَ فلاتي … شمسُكِ تكوي مياهي،
وخرز قلائدكِ تتساقطُ في الآبار،
قاربكِ يبتلُّ بأجنحة النجوم ويدك
تسعى لرتق ثقوب السماء.
تتسامح اليدُ الرحيمةُ مع مطرها.
المرأة ١ :
وجدت في السطح جثة، هذه الأيام تبتلُّ بالندى …
سقطت طيور كثيرة وسقط معها بيض وهواء فاتر …
دخلت حيث يرقص الكهنة ويدورون في خرائط حلزونية …
يهزُّون رءوسهم نحو الجهات الست ويتطوَّحون في رعدةٍ وهيام.
المرأة ٢ :
دخلتِ وكان الطريق موحشًا …
كاحلكِ طبع على الحجر طرَّة نبضت فيها
أشكالٌ متصلة وتناثر في رعدة، قوامكِ
على الطريق، هل تسمعين الأبواق تطلق صيحاتها؟
هل تسمعين القيعان الحارَّة؟ …
المرأة ١ : يا لها من سجون مهزومة!
المرأة ٢ :
حملت التابوتَين على ظهري، فتقاطعا مثل صليب …
وهززتُ أشجارَ آخرِ المدن …
وردي ينبض في الأصابع. صعدت الدرجَ الآخر وتعثَّرت أقدامي بالقرابين …
كانت العظامُ بيضاء لامعة.
المرأة ١ :
أصلك من أريدو وخيوطك تتصل بالجبال.
حملتِ التابوت الثالث، كنت تعرفين أن التاريخ يترنَّح على كتفك …
المرأة ٢ :
كل هؤلاء كانوا عشاقًا مهزومين، لقد حملت جثثهم على كتفي ودفنتهم في الأعماق.
كل شيء محطم في الكئوس،
كل غرابٍ يسقط في الآفاق يدل على انحراف البوصلة.
المرأة ١ :
كان أسطرلابكِ من خشبٍ،
علَّقته على حزامك وما زال يقطر ماءً،
عدلت النجومَ به وصغت حزنَك الرخيم.
المرأة ١ : لكن رائحة الريحان اختفت من جسدك!
المرأة ٢ : أحقًّا؟
المرأة ١ : تعالي أشمك أكثر.
المرأة ٢ : لم أعُد أعرف فيما إذا كانت بي، أم أن سفري هذا حملها إلى البعيد.
المرأة ١ (تشمُّها) : لم تعُد فيك رائحة الريحان، أين ذهبت؟
المرأة ٢ : لحظة واحدة، تريثي، ولم تعُد فيكِ أنت كذلك! ما الذي يجري معنا؟
المرأة ١ : هل هذا معقول؟ نحن لا نملك غير هذه الرائحة، هي ضوعنا الأكبر.
المرأة ٢ : كيف فقدناها؟ ما الذي حصل؟ هل هناك خطأٌ ما؟
المرأة ٢ : لم أعبث بحياتي.
المرأة ١ : هل وضعت قيودًا؟
المرأة ٢ :
هم مَن وضعوني في القيود،
وطلبوا مني الغناء،
ومع ذلك فقد غنيت أجملَ الأغاني.
المرأة ١ :
كوني صريحةً أرجوك، هل هناك خروجٌ على ما اتفقنا عليه؟
وإلا فما سبب اختفاء رائحة الريحان من جسدك وجسدي؟
المرأة ٢ : أنت مَن يجب أن يكون صريحًا، قولي لي ما الذي جرى؟
المرأة ١ : لا أدري! هل هناك شخصٌ غريب دخل بيننا؟
المرأة ٢ : ربما!
المرأة ١ : بل هذا مؤكد، هناك رجل في حياتكِ تسبب في هذا.
المرأة ٢ : ولمَ لا يكون في حياتك أنت؟
المرأة ١ : قلتُ لك لقد دفنت ثلاثةً منهم فيما مضى من الأيام، أرجوكِ دعينا نعرف ما يجري، أنا لم ألتقِ برجلٍ خلال هذا الوقت، مطلقًا.
المرأة ٢ : حسنًا، لا بد أن أقول لكِ إذن أنني التقيت رجلًا و… و… أحببتُه.
المرأة ١ : أها … هذا سببٌ كافٍ لأن يزول عطركِ الروحي، وينهزم الريحان من جسدك.
المرأة ٢ : أليس من المفروض أن يحصل العكس؟ أن ينشِّط الحب رائحة الريحان في الجسد؟
المرأة ١ : هذا إذا كان حبًّا حقيقيًّا وكبيرًا.
المرأة ٢ : إنه كذلكِ صدقيني.
المرأة ١ : قولي لي ما الذي جرى بالضبط؟
المرأة ٢ : إنه رجل رائع فيه كل الصفات التي نبحث عنها في الرجل النموذجي.
المرأة ١ : كيف؟
المرأة ٢ : لا رجل مثله، تُصغي له السواقي، وتحبه الأغصان.
نظرت إلى الماء يتدفَّق تحت أقدامه.
المرأة ١ : لا يكفي هذا.
المرأة ٢ :
مع قليلٍ من الأكاليل وكثيرٍ من التحايا،
كان الأمل يزدهر فينا، وكنَّا نربِّي، في قلبَيْنا، كنزًا كبيرًا.
المرأة ١ :
قد يكون هذا وهمًا أو وسيلةً للاستدراج،
قد تموت الرغبات، وقد تُدفن الأيام وقد تخطفك الأحزان، وتلعب الرياح بعظامك وتصفر.
المرأة ٢ : جذوره نقية وماضي سلالته مزدهر.
المرأة ١ : مثل أشجار التاريخ؛ جذورها من ذهب وثمارها من علقم.
المرأة ١ : سيكون من المهلك إن لم تكوني يقظة قوية، سيكون مثل الوقوف على منصَّة من الماء.
المرأة ٢ : ولكني سأقف عليها هنا مع طيوري وكلماتي، وسأدع الطوفان يغسلني أو يخفيني إلى الأبد؛ فهذا قدري.
المرأة ١ : هذه هي الخطيئة، يمكنكِ أن تتراجعي قبل فوات الأوان.
المرأة ٢ : وكيف سأجد في هذه الأعماق البعيدة مَن يقودني إلى الحقيقة؟
المرأة ١ : أنا معك، سأفديكِ بروحي لكي تكوني في أمان.
المرأة ٢ : هذه الدموع ستجعلني أتقدَّم نحو الحقيقة، وفي غابة روحي، غير مباليةٍ بالتماع السيوف أو الكنوز فيها.
المرأة ٢ :
التاريخ زجاجٌ.
هذه المرايا تُخيِّطنا في بساط الوهم،
وتنحني على زهرة قاعها بلا يدَين،
النهار في حنجرتكِ يسطع، فمدِّي لي يدكِ،
وساعديني على كشف حقيقته.
المرأة ١ : من هو؟ قولي لي من هو؟
المرأة ٢ : إنه … إنه حيران.
المرأة ١ : حيران؟
المرأة ٢ : نعم حيران، جارنا النجَّار الذي يطلب منا الريحان كل يوم.
المرأة ١ : نعم … نعم … عرفته.
المرأة ٢ : ألم أقُل لكِ إن جذوره دافئة؟
المرأة ١ :
ارفعي هذه السِّنْديانة الثقيلة من حياتكِ،
وخُذي باقةَ الزهور هذه، تمتعي بها زهرةً بعد أخرى لتزيحي ثقل رائحته.
المرأة ٢ : تذكَّري أنني بحاجةٍ إلى الأمان، لمن جمعتِ كل هذه الزهور ودفعتِ لي بها، أللجدران اليابسة أم لحياةٍ مليئةٍ بالدخان؟
المرأة ١ : بل لدلو الدخان الذي سينسكب على حياتك.
المرأة ٢ : لماذا؟
المرأة ١ : لأنه مخادع، لقد اختلى بي وأسمعني معسول كلامه، فرفضته لأني شممتُ فيه رائحةَ الخسَّة والتفاهة، إنه بيَّاع هوًى يعرض سلعته على الغانيات وعابرات السبيل أيضًا، ولا يدرك قيمتكِ أو قيمتي.
المرأة ٢ : إذن فقد ذهب الريحان عندما جاء حيران.
المرأة ١ : نعم؛ ولهذا عليكِ أن تخلعيه من حياتك.
المرأة ٢ :
شعائر النفخ والبخور والرماد ستتصاعد إذن.
قوًى تحرَّرت من الشجر واحتبست في جسدٍ آدمي
هو جسد الأنثى وأول فوضاي أني اقتربتُ من الأرض بلا فراشٍ وثيرٍ ونمت عليها،
فخرجَت حشراتٌ من الشقوق.
المرأة ١ : كنتِ تتعوَّذين من عناكب الطريق، وتحركين خرافته إلى البعيد البعيد، خلعتِ المساميرَ من غطاء التابوت، وفتحته فخرج بخار وتصاعد ثم ظهر الثور / الصقر، فأيقظته بعصاكِ فخرج ودار الثور مزبدًا على الأرض، أما الصقر فطار في الأعالي. وها أنتِ تضعين الرماد فيه.
المرأة ٢ : سنتدبَّر وسيلةً لوضع رماده في التابوت، ولكن قولي لي لماذا اختفى من جسدك الريحان، فإذا كان حيران سببي فما سببك؟
المرأة ١ : لقد طردت حيران قبلكِ لأني كشفت حقيقته، ولم أقابل رجلًا بعده.
المرأة ٢ : لا بد أن هناك سببًا من نوعٍ مختلف، أرجوكِ أن تتذكري، هل هناك ما فعلته من ورائي؟
المرأة ١ : خلص، لا بد أن أقول لكِ إنني اشتريت الحقل المجاور لحقلي.
المرأة ٢ : أها، وماذا بعد؟
المرأة ١ : وقد بدأت بزراعته.
المرأة ٢ : وماذا زرعته؟
المرأة ١ : بصلًا.
المرأة ٢ : ولماذا فعلت هذا يا حبيبتي؟
المرأة ١ : قلتُ إن الريحان لا يكفي، وإن البصل مزدهر والناس تطلبه كثيرًا.
المرأة ٢ : هذا هو السبب إذن!
المرأة ١ : نعم، لكني لم أحسب أن ذلك سيطرد الريحان من جسدي.
المرأة ٢ : وها قد طردها!
المرأة ١ : لقد اعترفتُ لك وعلينا أن نتدبَّر ما يمكن فعله.
المرأة ٢ : فوق السرير كان شبحي يحمل كأسَه، وكانت السماءُ تقطرُ منه، وكان هناك مَن يهمس في روحي بهذه الأخطاء.
المرأة ١ : ستزول الأخطاء، وسيعود الريحان لجسدَينا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦